انت هنا: الرئيسية العدد 93مقالاتالدور المفترض لمنظمات المجتمع المدني في تطور ثقافة المجتمعات الخليجية

الدور المفترض لمنظمات المجتمع المدني في تطور ثقافة المجتمعات الخليجية

انشأ بتاريخ: الجمعة، 01 حزيران/يونيو 2012

هناك الكثير من الجدل الدائر حول المجتمع المدني في المنطقة الخليجية وتحديداً في دول الخليج الست، ومدى قدرتة على التكيف مع البيئة الخليجية التي تتصف بالتقليدية والمحافظة ومدى تأثيره على تطوير ثقافة المجتمعات الخليجية وامكانية تحقق ذلك فى ظل أسر حاكمة تعتمد الحكم الوراثي، وتتداول السلطة بالتنافس بين أفراد الأسر الحاكمة.
وما زاد الاوضاع تعقيدا حول هذا الدور هو ما اوجده مايسمى بثورات الربيع العربى من اتجاهين متناقضين:
الأول يهدف الى حذف الدولة والغاءها، والفصل بينها وبين السلطة من جهة، وبين المجتمع من جهة أخرى، وإعادة تحديد بنية السلطة ودورها في المجتمع اعتمادا على اعتبارات مذهبية واثنية واعادة تشكيلها بمايسمح له بالسيطرة عليها تحت دعاوى المواطنة واعادة ترتيب الحقوق مما يخلق دولة تسلطية الولاء فيها للمذهب والعقائدية وليس للدولة او نظام الحكم وبهذا الشكل الجديد يتم تعميق الولاء للطائفة والمذهب وليس للدولة القومية
والثانى يحافظ على الدولة ومؤسساتها من خلال اعادة تجديد الفكر الخليجى في التعامل مع مفهوم المجتمع المدني وربطة بكيانات المجتمع لتكريس حقوق الفرد والزام السلطة بواجباتها وابعادهما عن التصادم والتناحر الى التحاور والتفاهم من اجل مستقبل الوطن الواحد.
وقبل الخوض فى المجتمع المدني في الخليج وتأثيره على تطوير ثقافة المجتمعات بها يجب التأكيد على ان البدايات الأولى التي يمكن أن تكون الانطلاقة الموافقة للنزوع إلى المجتمع المدني وادراك دوره عند المجتمعات الخليجية، جاءت على شكل هيئات ومؤسسات مدنية ذات طابع ثقافي وأدبي وتنموي مع بدايات النصف الأول للقرن العشرين عندما أنشئ النادي الأدبي في البحرين (1919)، وفي الكويت (1922)، مروراً بعقد الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات حيث شهد انفراجاً للمجتمع المدني في أكثر من دولة خليجية، وتمكنت القوى الاجتماعية في الخليج من التعبير عن إرادة تبتغي بناء مستقبل واعد على أسس من الحريات والمشاركة الشعبية وظهور مسميات ظلَّت غائبة عن دول الخليج لفترة طويلة، وأصبحت حاضرة وتحظى بالاعتراف الرسمي مثل: جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، وحماية المال العام، وتنمية الديموقراطية وهذا ماجعل حقيقة وجود مجتمع مدني في الخليج حقيقة ملموسة استطاعت ان تعيد صياغة التكامل بين المجتمع والدولة في منطقة الخليج، واصبحت دول الخليج اليوم غير دول الخليج بالأمس، حيث استطاعت طبقة جديدة ان تنمو بما تحمله من أفكار جديدة وحديثة تحمل تطلعات مختلفة نتجت عن اتساع التعليم الذى قام بتحديث افكارالمجتمع الخليجي واخراجه ولوجزئيا من تقليدية القبيلة والجمود الفكرى المنحاز الى ايدولوجيات متطرفة،

المجتمع المدني الخليجي حقيقة ملموسة استطاعت ان تعيد صياغة التكامل بين المجتمع والدولة

العلاقة بين المجتمع المدني ونظم الحكم لم تتحدد ملامحها بعد في دول الخليج

وبنظرة متعمقة نجد ان العلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني ونظم الحكم لم تتحدد ملامحها بعد ففى الوقت الذى تعمل فيه هذه المؤسسات فى مجالات عده ثقافية واجتماعية متغلغلة فيها، نجدها فى مجالات اخرى سياسية واقتصادية عاجزة امام سلطة الدولة ولا تستطيع ان تندمج داخل مفاصلها لتفقد ببساطة فائدة وجودها وهذا مايجعل اى متخصص يقف حائرا امام الدور المفترض لمنظمات المجتمع المدني في تطور ثقافة المجتمعات الخليجية ويتساءل هل تحقق هذا الدور الريادى بالفعل داخلها ؟ كما فى الدول الغربية والذى ينسج علاقه متشابكة داخل المجتمع بين افراده وبين الدولة ، قائمةعلى السلمية فى تبادل المصالح والمنافع وتعاقد غيرمكتوب على التراضي والتفاهم فى الاختـلاف حول الحقـوق والواجبات والمسؤوليات مع الاحتفاظ بحق المجتمع فى محاسبة الدوله في كافة الاوقات التي تستدعى فيها المحاسبه. فى اطارعلاقات ذات مصداقية متمثلة في مؤسسات توافقية سياسيه واجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية تتمازج لتشكل الركيزة الاساسية لمشروعيه الدوله من جهه ، ووسيله للضغط والمحاسبة اذا استدعى الامر ذلك من جهه آخرى.
وقد استطاعت دول الخليج ان تقطع شوطا كبيرا فى تحقيق الهدف من دورالمجتمع المدنى وتاثيرة على ثقافة المجتمع ، حيث اصبح الفرد يتمتع بحق المواطنه وان لم يكن كاملا من تعبير واعتقاد وحق فى الحياة وكل ما يؤدي إلى الارتقاء بصفاتة العقليه والمعرفيه والفنيه والعاطفيه ، والارتقاء بها بالاضافة الى حق المساواة امام القانون ، وحق الاجتماع والتنظيم في احزاب او اتحادات والمشاركة في الحياة العامة، ولكن تبقى مراقبة مسيرتها والمساهمة في تصحيح الخلل الذي قد يحدث فيها مفتقدا ولازال خطر وجود الجماعات العضويه القائمة على العرق او العشيرة او المذهب او الطائفه او غيرها قائما بالاضافة الى عدم تشكل شخصية المواطن الخليجى الحقوقية والسياسية والاجتماعية والثقافية ، بوصفهم كائنات انسانيه مستقلة ذات سياده تنتمي إلى معايير انسانيه وليست عقائدية اوجهوية اودينية.
وبالاضافة الى ماسبق هناك العديد من العوامل التى ساعدت وستساعد على تنامى دورالمجتمع المدني وتفعيل تأثيره على ثقافة المجتمعات الخليجية والتى تتمثل فيما يلى:
- التحررالاقتصادي الذى اوجدته السلطة فى دول الخليج بالاساس والذى يعود الى طبيعة الاندماج مع العالم والبيئة الدولية الداعية الى التوسع فى العمل المدنى وهوما استفادت منه بلدان الخليج فى تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال الانفتاح على العالم الخارجى واعتماد مبادئ الاقتصاد الحر والخصخصة وحققت وفورات مالية ادت الى التوسع فى انشطة الجمعيات الاهلية وبعثت فى الوقت ذاتة للغرب رسائل تطمين تؤكد فيها على ان محاولاتها جادة للارتقاء بالمواطن وتحقيق حريته داخل البيئة السياسية التى ترتضيها ولاتؤثرعلى علاقاتها القسرية احيانا مع بعض الدول والطواعية احيانا اخرى.
- توفير الضمانات القانونية المتعلقة بحقوق الافراد وحرياتهم من خلال اسس قانونية على رأسها دساتير تتميز بالحداثة والدقة والوضوح فى المضمون والتعبير عن إرادة الشعب بما لايتعارض مع ارادة الملك اوالسلطان اوالامير ، من خلال قضاء مستقل وعادل ونزيه ، وإقرار مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، ومركزية السلطة التشريعية ورقابتها على السلطتين التنفيذية والقضائية.
- إعادة النظر بدور المؤسسات التقليدية والتربوية الموجودة في المجتمع الخليجى التقليدي ، وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية ، لتحقيق التسامح والسلام الاجتماعي الديني والمذهبي والطائفي في المجتمع ، وتفكيك الجماعات العضوية القائمة على العرق او العشيرة أو الدين او المذهب او غيرها ، الى مواطنين لهم شخصياتهم الحقوقية المستقلة .
- ترسيخ إستقلالية منظمات المجتمع المدني عن هيمنة السلطة ، والتى اصبحت تمارس نشاطاتها فى الضغط على الدولة والحد من سلطتها ومراقبتها ومساءلتها.
ولازال الامر يحتاج الى إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تبقي الدولة مساحة للمجتمع للعمل والإنجاز والتطوير، وتبتعد عن السيطرة على جميع أجزاء الحياة الوطنية.
واعطاء أولوية تحديث المؤسسات المدنية في الخليج، ومقاربتها بالمؤسسات الحديثة في العالم المتطور، واستطاع المجتمع الخليجي تحقيق ذلك بما يملكه من إمكانات مالية تذلل الكثير من صعوبات التحديث التي رافقت عملية تطوير مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي.
مع أهمية إعادة النظر في مكانة وقوة المؤسسات التقليدية واعادة هيكلتها بما يضمن لها البعد عن السطحية في الاهتمامات وسوء الاستغلال.
فبهذه الخطوات وتحقيقها على أرض الواقع ، يمكننا القول بأننا وضعنا الأساسات الاوليـه لعملية بناء المجتمع المدني في دول الخليج العربي ، بعيدأ عن صدامات اسقاط الانظمة كما حدث فى تونس ومصر وليبيا ولكن يبقى السؤال مفتوحاً، هل الواقع الخليجى يسمح بتحقيق هذه الخطوات الضرورية لتحقيق المواطنة الصحيحة من خلال مجتمع مدنى منضبط وانظمة حكم جادة؟

كلمات دليلية

الشركات المعلنة