انت هنا: الرئيسية العدد 91مقالاتموقف دول الخليج من الأزمة السورية: آثارها وأبعادها الدولية والإقليمية

موقف دول الخليج من الأزمة السورية: آثارها وأبعادها الدولية والإقليمية

انشأ بتاريخ: الأحد، 01 نيسان/أبريل 2012

دخلت سورية في أزمة وطنية حادة بفعل التعامل العدواني للنظام مع الثورة. وعلى أعتاب عام من الثورة يوحي المتاح من المؤشرات أننا نتحول من الأزمة السورية إلى المسألة السورية، أعني تحول البلد إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية مزمنة ومعقدة، تكاد تضيع فيها القضية الأساسية، صراع السوريين من أجل الحرية.

نتكلم عن مسألة سورية حين تتراكب التدخلات الخارجية، الإقليمية والدولية، مع (التخرجات الداخلية)، أي التكوينات الأهلية كأوساط استقبال لتلك التدخلات، ومع العنف المنفلت في الداخل بتغذية خارجية مستمرة. ويتشكل من التقاء الثلاثة معقد داخلي خارجي يدوم لوقت طويل نعرف سوابقه في لبنان والعراق.

يبدو أن الاشتباك الدولي والإقليمي حول الأزمة في سورية بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى، فثمة تحولات أساسية طرأت راهناً لا بد من الوقوف عندها، أولها الموقف الخليجي الذي عبر عنه مندوب السعودية في مجلس الأمن، وهو يشكل مبادرة غير مسبوقة تجاه إعادة التوازن لما يسمى فائض البطش داخل الأزمة السورية، فالدبلوماسية السعودية والتي عُرف عنها التأني والحيطة لم تعد تحتمل مشاهد فائض البطش الصادر عن العصابة السورية الحاكمة.

والتحول الآخر يتمثل في توجه المجلس الوطني لطلب المساعدة في تنفيذ ما سمي بتبني استراتيجية ثنائية الأهداف: تسليح الجيش السوري الحر ودعم المجالس المحلية المكلفة بتسيير أمور البلاد بعد سقوط عصابة الأسد الحاكمة، وهذا طبعاً بعد التغلب على ما يسمى تيار حمامة السلام داخل المجلس والذي يقوده رئيس المجلس نفسه.‏

فبالرغم من حالة الإرباك والعجز الحقيقي لدى المجتمع الدولي في التأثير بمجريات الأحداث التي عصفت بسوريا من جراء المجازر التي لجأ إليها الأسد في الأشهر الأخيرة. من جهة، واستخدام روسيا والصين الفيتو الممانع والمعطل لأي إجراء فعلي يحسم المسألة السورية، ومن جراء الفيتو الصهيوني والذي انضم إلى حلف الممانعة مؤخراً من جهة أخرى.

إلا أنه ظهرت بوادر على وجود إرادات غير مفعلة لدى العديد من الدول التي لم ترضَ السكوت على مجازر الأسد وأزلامه؛ تحاول تلمس طريقها الوعر في منظومة المتناقضات السياسية التي تحكم عالم المصالح المتراكبة، والتي لا يمكن تفسيرها منطقياً.

وربما بعضها حسم أمره نحو البدء باستخدام خيارات حاسمة من خارج المنظومة الدولية، وبدأ فعلياً باتخاذ خطوات إجرائية على الأرض، من خلال تبني خيار تسليح الجيش السوري الحر؛ وتنظيمه ودعمه مادياً ولوجستياً، وهذا بدا واضحاً من خلال تصريحات عديدة لأعضاء المجلس الوطني مؤخراً، وإن لم تتوضح معالم هذا الإجراء للعلن بعد.

وتفعيل هذا الدور الإقليمي يتوقف على مسألتين:

الأولى: مدى التأثير على الموقف الروسي والصيني تجاه الأسد وأزلامه، فبقدر ما تستطيع دول الخليج التأثير على الموقف الروسي ومن خلفه الصيني في تبني موقف مرن من الأزمة السورية، بقدر ما يستطيع الجميع استصدار حل سريع من خلال مجلس الأمن، أو مجموعة أصدقاء سورية، وهذا الأمر ربما يصبح أيسر بعد انتهاء الانتخابات الروسية، أو ربما تظهر تجلياته بعد اجتماع وزير الخارجية الروسي مع وزراء خارجية مجلس التعاون والتي دعا إليها الرئيس الروسي مؤخراً.

الثانية: تيقن المجتمع الدولي من أن إعطاء الفرصة تلو الفرصة للأسد للتغلب على الثورة السورية هو في غير صالح المجتمع الدولي، لأن هذه الفرص تستطيع منح الأسد وقتاً لمزيد من البطش لا لفرض حلول سياسية، وبالتالي يستطيع الأسد أن يزيد جرعة البطش؛ لكنه لا يستطيع استعادة الهيبة الضائعة لنظام حكمه، وما لم تكن هناك تسوية سياسية ترضي جميع الأطراف الداخلية والخارجية لن يستطيع أي طرف حسم المسألة السورية لصالحه مهما طال الوقت، ومهما زادت جرعة البطش المستخدمة.

وتحولت الأزمة السورية قضيةً دولية منذ وقت مبكر بحكم موقع البلد وروابطه وتحالفات نظامه، ولكن أيضاً بفعل البربرية الاستثنائية التي واجه بها النظام الاحتلالي ثورة المحكومين. وتقاطعت حول البلد استقطابات وتجاذبات دولية متعددة المحاور، تتقابل فيها روسيا والصين مع القوى الغربية، والغرب ودول الخليج مع إيران. وما كان يجري تقديره دوماً من أن إسرائيل أقرب إلى الموقف الروسي - الصيني منه إلى الموقف الغربي، تؤكده اليوم معلومات عن مطالبة وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك الإدارة الأمريكية بالتخفيف من لهجتها وضغوطها على النظام السوري. وعلى كل حال توحي تموجات الموقف الأمريكي وتردداته، وكذلك المواقف الغربية عموماً، بأن هناك قوة خفية تؤثر عليها. هل يمكن أن تكون غير القوة الإسرائيلية؟

من جهة أخرى يتراكب الاستقطاب الإقليمي الخليجي- الإيراني مع استقطاب سني - شيعي يزداد حضوراً وتطييفاً لحقل الصراع في سورية وحولها، وفي الإقليم ككل. ومن المحتمل جداً أن هذا محدد قوي لموقف (حزب الله) غير المحتشم في دعمه للنظام. ولعله عنصر في ما يبدو من انصراف (حماس) عن دعم النظام. حيث تندرج المنظمتان في تركيبات إقليمية لا يحددها العامل الطائفي وحده، لكنه مهم في الحالين.

ويلوح العنف أو التهديد بممارسته في أفق المسألة السورية في صورة متزايدة. ليس بالضرورة في شكل تدخل عسكري دولي كالذي رأينا بخصوص يوغوسلافيا 1998، والعراق 2003، وليبيا 2011، بل كدعم متنوع الأشكال للنظام أو للمقاومة المسلحة النامية في البلد. تدعم روسيا النظام بالسلاح، ومثلها تفعل إيران التي تدعمه أيضاً تكنولوجياً وبالخبراء. في المقابل ظهرت أخيراً، وبعد فشل مؤتمر تونس، أصوات عربية تدعو إلى تسليح المعارضة السورية. ويبدو هذا الاقتراح الآن منعطفاً غير مدروس، يحمل في طياته أخطاراً سياسية جمة، ويشكل قفزة نحو تمام تحول سورية إلى ساحة، وإلى خوض حروب الوكالة على أرضها. وسيوفر ذلك ذريعة إضافية لقوى بالكاد تنتظر ذريعة لتصعيد دعمها النظام السوري بالعتاد والمال، وربما تضيف إليهما الرجال، الأمر الذي يحتمل أن تكون محصلته تمادي الأزمة السورية بدل تسهيل حسمها، والإجهاز على ما لم يجهز عليه النظام الأسدي من الوعود الإيجابية للثورة.

وتسير الانتقادات العربية المتزايدة جنباً إلى جنب مع الانتقادات الأمريكية والغربية الأوروبية المتزايدة:

* التحركات العربية الجارية تشكل نقطة البداية لجهة الابتعاد الدبلوماسي عن دمشق.

* بدأت التحركات العربية المناوئة لدمشق في منطقة الخليج العربي:

- بدأت السعودية عملية سحب السفير والمطالبة بوقف العنف، وحذا حذوها كل من الكويت والبحرين وقطر.

- قام مجلس التعاون الخليجي بإصدار بيانات إدانة العنف في سورية.

- قام العديد من الزعماء الدينيين السنة بإصدار التصريحات التي عبروا فيها عن إدانتهم لدمشق.

* شهدت العلاقات السعودية - السورية تحسناً ملحوظاً خلال الفترة الماضية، وذلك بسبب سعي الرياض لجهة القيام بالتقارب وبناء الروابط التعاونية مع دمشق على أمل أن يؤدي ذلك إلى إقناع دمشق بالابتعاد عن إيران.

* رفضت دمشق مبدأ أن تتخلى عن علاقاتها وروابطها مع طهران كثمن مقابل لتعزيز علاقاتها وروابطها مع الرياض.

* أدركت الرياض أن دمشق لن تقبل المساومة، ولاحقاً وجدت الرياض أن الحركات الاحتجاجية السياسية السورية فرصة سانحة لتصعيد التوترات مع دمشق.

* أدت حركة الاحتجاجات السياسية التي حدثت في السعودية وبلدان الخليج إلى تصعيد مخاوف الزعماء الخليجيين والسعوديين، الأمر الذي دفعهم لجهة القيام بدعم ومساندة حركة الاحتجاجات السياسية السورية. وبكلمات أخرى، إذا كانت طهران هي المسؤولة برأي الزعماء الخليجيين عن هذه الاحتجاجات، فإن هؤلاء الزعماء يسعون حالياً لجهة دعم الاحتجاجات السورية ضمن سيناريو يهدف إلى إلحاق الضرر بمكانة إيران الشرق أوسطية من خلال استهداف حليفتها دمشق.

* أخذ الإدراك الخليجي والسعودي لحركة الاحتجاجات السورية بعداً دينياً طائفياً مقارنة بأن هذه الاحتجاجات تقوم بها الفعاليات الإسلامية السنية، وبالتالي فإن جهود دمشق لاحتوائها هي جهود تستهدف المجتمع الإسلامي السني.

* قامت دمشق بعملية استباقية أتاحت لها إجهاض الفعاليات الاحتجاجية المزمع القيام بها خلال أيام شهر رمضان، الأمر الذي أثار حفيظة الزعماء السعوديين والخليجيين بشكل غير مسبوق.

تحولت الأزمة السورية لقضية دولية منذ وقت مبكر بحكم موقع البلد وروابطه وتحالفات نظامه

التحركات العربية الجارية تشكل نقطة البداية لجهة الابتعاد الدبلوماسي عن دمشق

* يدرك الزعماء السعوديون والخليجيون من جهة بشكل واضح أن حجم وشدة الفعاليات الاحتجاجية السورية ليست بالقدر الكافي لجهة تشكيل خطر حقيقي على السلطة في دمشق. ولكنهم من الجهة الأخرى في الوقت نفسه يدركون جيداً أن استمرار هذه الاحتجاجات بشكلها الضعيف والمتقطع سوف يتيح لهم إضعاف دمشق بما يمكن أن يؤدي إلى دفعها لجهة الاستجابة والقبول بخيار الزعماء الخليجيين والسعوديين المتعلق بإيران وأيضاً بلبنان.

* من المتوقع استمرار الزعماء الخليجيين والسعوديين بتقديم الدعم المادي والمعنوي لفعاليات الاحتجاجات السورية، وإضافة إلى تقديم المال والتسهيلات الأخرى والدعم الدبلوماسي والسياسي، فإن الفعاليات الإعلامية الخليجية مثل قناة الجزيرة وغيرها سوف تواصل القيام بعمليات التصعيد الإعلامي ضد دمشق.

* سوف تركز الفعاليات السعودية والخليجية خلال الفترة القادمة أكثر فأكثر على استراتيجية تصعيد حضور البعد الطائفي في ملف الاحتجاجات السورية، وذلك على النحو الذي يحرض المجتمعات الخليجية والسعودية السنية على القيام بدعم ومساندة المواقف السعودية والخليجية المعادية لدمشق، وفي نفس الوقت يحرض على المزيد من التناحر الطائفي السوري الداخلي.

* سوف تسعى الفعاليات السعودية والخليجية لجهة القيام بتعبئة وحشد الجماعات السنية- وعلى وجه الخصوص الوثيقة الصلة بالحركات السلفية والوهابية- وجماعات الإخوان المسلمين في بلدان الشرق الوسط الأخرى لجهة القيام بتسيير المواكب والمظاهرات أمام السفارات السورية الموجودة في مصر وتركيا والأردن وتونس والكويت وبقية العواصم الخليجية.

إن العجز السياسي في ايجاد حل مرضٍ للمشهد السوري يمكن إرجاعه إلى سبب جوهري يتعلق بعجز الإرادة الغربية وحتى الروسية والصينية والإيرانية، عن إقناع الأسد بإجراء إصلاحات فعلية تتضمن تخليه عن الحكم، وسحب القبضة الأمنية المفروضة على الحياة السياسية السورية.

إن الأسد مستعد للسماع لأصدقائه ضمن مسافة لا تتعدى إجراء الإصلاحات مع بقائه على سدة الحكم، والحفاظ على ذراعه الأمنية التي هي الأداة الفاعلة في فرض بقائه بالقوة على كرسي الرئاسة.

إضافة إلى عجز الغرب عن إقناع ربيبتهم إسرائيل بجدوى تخلي الأسد عن السلطة، لأن استحقاقات ما بعد الأسد قد ترتب على إسرائيل تنازلات مؤلمة بالمفهوم الصهيوني عن الأراضي التي وهبها الأسد الأب بلعبة تبادل الأدوار وتكاملها بين أطراف النزاع العربي-الإسرائيلي.

إن الدور الرئيس في تنفيذ الاستراتيجية الجديدة حول الأزمة السورية سوف يوكل لثنائية السعودية تركيا، وبالتعاون مع بقية أعضاء مجلس التعاون بعد إعطائهم الدفعة السياسية المطلوبة، لمباشرة الدور المؤجل منذ بداية الثورة، وربما تكون الانطلاقة الفعلية لهذه التحركات بعد مؤتمر أصدقاء سورية المزمع عقده في اسطنبول.

وهذا الدور الإقليمي – العربي لن يكون فاعلاً ما لم تنبثق عنه آلية إجرائية تستند إلى دعم من مؤتمر أصدقاء سورية، وهنا وعند هذه النقطة فإن الدور القطري - السعودي هو الذي من المفروض أن يهب الأمل في إحياء المبادرة العربية التي رفضتها سورية، وإعادة تدوير الملف السوري ووضعه مرة أخرى أمام مجلس الأمن، ولكن من منصة إقليمية عربية دولية بهدف الضغط على أعضاء المجلس الذين استخدموا الفيتو، والاستفادة من المبادرة الصينية ومحاولة رفع سورية بنودها لترقى إلى طموح الشعب السوري، أيضاً توحيد موقف دول مجلس التعاون تجاه الصين؛ واللعب بورقة المصالح الاقتصادية الكبيرة بينهما، لإشعار الصين بجدية الإرادة العربية في إحداث تغيير في موقفها.

هنا فقط نقول إن ثمة إرادة لدى دول مجلس التعاون في إيجاد حل للمسألة السورية، ومخرج فعال للأزمة؛ يستند إلى شرعية دولية؛ مستمدة من قرارات الأمم المتحدة من جهة ومن تأييد مؤتمر أصدقاء سورية من جهة أخرى، بغية طلب التدخل الخارجي لردع الطغمة الحاكمة وإيقاف آلتها القمعية، والمباشرة في حوار وطني يشمل جميع مكونات الشعب السوري.‏

إن على الجميع في النهاية أن يعلم أن ما عجزت عن تحقيقه القوى الكبرى، سوف يتحقق على أيدي الثوار في الداخل مهما بلغ فائض البطش لدى الطغمة الحاكمة، والأسد لن يسقطه إلا السوريون وحل الأزمة لن يكون إلا سورياً في شكله ومضمونه‏.

فإذا كانت المسألة السورية مكتوبة في بنية النظام، وهي كذلك، فسقوطه المقدمة الأولى للقطع مع هذا الاحتمال المخيف. وخير سقوط النظام أسرعه، اليوم أفضل من الغد.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة