;
الصفحة السابقة

العالم وإيران مواجهة عسكرية أم صفقة سياسية

انشأ بتاريخ: الخميس، 17 تموز/يوليو 2014

منذ أن حدث التغير الثوري في إيران عام 1979 وهذا البلد يعيش في عداء معلن مع عموم المعسكر الغربي، هذا عدا اضطراب علاقاته مع محيطه الإقليمي، كانت قمتها في حربه مع العراق طيلة سنوات (1980-1988) والتي أنهكت البلدين، وبددت الكثير من قدراتهما، ودفعت الأطراف الدولية تحت حجج وأعذار شتى إلى التمكن والتمركز داخل المنطقة وعلى مداخلها، وبالشكل الذي يمكّنها من إدارة الأزمة وفقاً لأولوياتها.

هذا ما تبين واضحاً في أزمة 2 أغسطس 1990 بعد دخول الجيش العراقي للكويت، وما تمخض عنها من تداعيات آلت في آخر الأمر إلى أن يحتل العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في إبريل 2003 تحت دعاوى ثبت لاحقاً بطلانها مما أثر بشكل عميق في أمن واستقرار المنطقة، ودعا بعض أطرافها إلى رفع سقف مصداتها الدفاعية تحسباً من الأسوأ.

بهذا الجو المعتم والمقلق، برزت أزمة الملف النووي الإيراني كأخطر الأزمات في المنطقة في الوقت الحاضر، بحيث باتت أحد الشواغل الرئيسية للقوة المهيمنة في العالم وعموم أطراف المعسكر الغربي. هذا غير حالة القلق التي أشاعتها هذه الأزمة في عموم المنطقة الإقليمية، خاصة أن إيران تلعب وفقاً لسياسة حافة الهاوية مع الأمريكيين، بعد أن اتضح لها عمّق المأزق الأمريكي في العراق، بحيث اعتبرت الوجود العسكري الأمريكي فيه أشبه بالرهينة الواقعة تحت اليد، مستندة في ذلك إلى العون الذي تقدمه لها أطراف محلية عراقية معروفة، مع انكشاف حدود الوسائل والقوة الأمريكية في العراق.

فإيران وفقاً لنشاطها النووي المعلن والواقع تحت رقابة وكالة الطاقة الذرية الدولية، لم تخرق قواعد العمل في هذا النشاط، لكنها كانت تملك مشروعاً سرياً استطاعت وبنجاح أن تخفيه عن كل أجهزة الرقابة الدولية طيلة ثمانية عشر عاماً، لكن افتضاح مقاصد ومرامي هذا المشروع السري للعالم خلف أزمة ثقة بين إيران والمجتمع الدولي، ولم تستطع إيران رغم جهدها السياسي والدبلوماسي أن تبدد المخاوف المحيطة به برغم ما قدمته من إيضاحات وإجابات لوكالة الطاقة الذرية الدولية التي وجدت نفسها بعد مشوار طويل من المفاوضات مع إيران عاجزة عن معالجة هذه الأزمة، مما اضطرها لأن تحيل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي.

وشكلت هذه الإحالة فرصة للولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت أكثر الأطراف الدولية قلقاً من هذا المشروع مما دفعها لأن تبذل جهداً استثنائياً في إصدار الكثير من القرارات والعقوبات الموجهة ضد إيران من قبل مجلس الأمن الدولي وفقاً للبند السابع من الميثاق الذي يجيز استعمال القوة المسلحة ضد الأطراف التي تشكل تهديداً للأمن والسلام العالمين، ولذلك فإن إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي وبغض النظر عما أصدره أو ما سيصدره من قرارات شكلت انعطافاً وتهديداً في إدارة هذه الأزمة لأنه أوحى للعالم بأن إيران تشكل تهديداًً لعموم المجتمع الدولي وهذا بحد ذاته قيد محكم على النشاط الإيراني في هذا المجال، كما أنه تبرير استباقي للرأي العام العالمي لتقبل الأسوأ من الإجراءات.

وزاد من قلق المجتمع الدولي الرافض لتوسيع انتشار أسلحة الدمار الشامل ما تكشف من أنشطةخفية وسرية لشبكة العالم الباكستاني عبدالقدير خان والتي لم تكن إيران بعيدة عنها من خلال ما تلقته من عون تكنولوجي سرّع من جهدها في هذا المجال مما عمق من أزمة الثقة المتبادلة بين إيران والمجتمع الدولي.

إن الولايات المتحدة الأمريكية الرافضة لامتلاك إيران سلاحاً نووياً، عالجت هذا الأمر وفق مسارين أولهما: الجهد الدولي المتمثل في مجلس الأمن الدولي من خلال ما أصدره من قرارات ضد إيران ساهمت بشكل كبير في الحد من السعي الإيراني لامتلاك هذه التقنية، وأثرت في الداخل الإيراني بشكل ملموس من خلال فشل الأداء الحكومي الإيراني بتحسين الوضع الاقتصادي لعموم الناس رغم الموارد المالية التي جنتها من ارتفاع أسعار النفط في الوقت الحالي. وثانيهما: جهدها الفردي أو الجماعي من خلال ما يتوافق ورؤاها في معالجة هذا الأمر، خاصة بعد نجاحها في استقطاب جهد (الترويكا) الأوروبية بعد أن صدت إيران كل جهودها الدبلوماسية لحلحلة هذه الأزمة، كما أنها لم تراهن على الجهد السياسي والدبلوماسي وحده بقدر ما أرفقت ذلك بحضور عسكري فعال في المنطقة برياً وبحرياً مما لوّح بالتصعيد لمديات أعلى، من دون أن ننسى أن للولايات المتحدة حضوراً عسكرياً فعالاً في كل دول الجوار الإيراني وهذا من دون شك طوق مضاف قد يستعمل حينما تجيء ساعة استخدامه.

وعليه فإن احتمالات المواجهة المسلحة أو الدخول في صفقة شاملة تبقى مرهونة بالمستجدات المتغيرة التي تحيط بهذه الأزمة. فعلى صعيد المواجهة،  فإن أكثر الأطراف قدرة على دخولها هي الولايات المتحدة لأسباب إقليمية وأسباب داخلية أمريكية،  فعلى إطار الإقليم، فإن إيران تشكل عنصراً مثيراً للقلق من خلال مخاطر امتلاكها لهذا النوع من الأسلحة، مما يعرض المنطقة لمخاطر جمة واستحقاقات لا بد أن تتقاطع والرؤية الأمريكية لدورها المهيمن عالمياً، كما أن حيازة إيران للسلاح النووي تعرض أمن (إسرائيل) للخطر وهذا موضوع لا تتساهل فيه الولايات المتحدة الأمريكية لأنه جزء من منظومة الأمن القومي الأمريكي لأسباب تاريخية وعقائدية ومصلحية، يرافق ذلك موقف إيران الرافض لمشاريع (التسوية) الخاصة بالقضية الفلسطينية، هذا غير دعمها لحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين المحتلة والميليشيات الطائفية في العراق، وما تخشاه الولايات المتحدة هو أن تمتلك مثل هذه المنظمات (المتطرفة) هذا السلاح، لأن ذلك بتقديرها زلزال قد يعرّض المكونات الإقليمية المعروفة للتشظي، وحصوله أمر ضار بالمصالح الأمريكية.

 كما تزيد من حدة المواجهة رغبة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في تطويق الانتشار النووي بعد فشل الجهد الدبلوماسي الذي اضطلعت به (الترويكا) الأوروبية أو وكالة الطاقة الذرية، والذي لم يثمر عن تغير واضح في أولويات القرار الإيراني في هذا الشأن. من جانب آخر فإن الولايات المتحدة تجد في اتساع الملكية النووية في القارة الآسيوية أمراً له أكثر من دلالة لأنها تعتبر هذه القارة المسرح القادم لأقسى الصراعات بعد تبيان الاندفاع الصيني الهائل في كل المجالات. والأمر الأكثر إغراء للتصعيد نحو المواجهة أن استمرار إيران بهذا السلوك في منطقة تمتلك أكثر من 65 في المائة من الاحتياطي النفطي العالمي، إلى جانب إنتاجها الوفير في الوقت الحاضر مع استقلالية إنتاج النفط الإيراني بعيداً عن المؤثرات الأمريكية ومصالحها، قد يعرضان أهم مصادر الطاقة في المنطقة للتدمير، ويؤثران في الفضاء الإقليمي بشكل صاعق، مما يجعل الخطاب الأمريكي الحاد تجاه إيران مقبولاً عند كل مستوردي النفط من الخليج العربي، إضافة إلى ذلك أن النطاق الإقليمي يقدم عنصراً فعالاً يصعّد من احتمالية المواجهة المتعلقة بالوضع الباكستاني، لأن الولايات المتحدة تخشى من سقوط نظام مشرف وسيطرة التيارات المتطرفة على دولة نووية ما يفتح الطريق لتداعيات لا يعلمها إلا الله.

لذلك فاحتمالية المواجهة قد تكون هي الأرجح منذ الآن وحتى الستة أشهر المقبلة، من خلال عملية جراحية معقدة، لأن الولايات المتحدة لن تنسحب من العراق من دون إضعاف أو تهشيم النظام السياسي الإيراني، ولن تكون هذه المواجهة على شكل الحروب المعتادة، وإنما من خلال موجات متعددة سواء بالصواريخ البعيدة المدى أو بجهد سلاح الطيران على أن ترافقها عمليات تخريب مقصودة في حلقات مؤثرة في هيكل النظام.

أما الأسباب الداخلية الأمريكية التي ترفع من سقف المواجهة فإنها تتلخص بأمرين:  

أولهما، هيبة الولايات المتحدة الأمريكية ودورها الكوني اللذان تعرضا للانتكاسة في الشأن العراقي، الأمر الذي يستوجب إشعار الجميع – الأصدقاء والأعداء- بأن ما حصل عثرة مؤقتة وليس أمراً دائماً. وثانيهما، أن فشل الرئيس بوش في النجاح على المسرح العراقي قد يدفعه لسلوك عدواني من أجل البحث عن نصر يعوض به سلسلة الإخفاقات التي سببها لبلاده، خاصة أنه غير مقيد باستحقاق انتخابي قادم، غايته في ذلك سمعته الشخصية، لأنه حينما يضع يده على جائزة النفط الإيراني فإنه يمكّن بلاده من أن تكون الحاكم الفعلي في مجمل إنتاج المنطقة النفطي، ويجعل من قراراتها وأوامرها ذات شكل إمبراطوري مؤثر في المنافسين الآخرين وتحديداً الاتحاد الأوروبي والصين، فكلاهما بحاجة لنفط متدفق ووفير وهذا ما تحققه لهما الولايات المتحدة حينما تتحكم في عموم إنتاج الأرخبيل النفطي الممتد من بحر قزوين حتى مسقط.

أما خيارات الحل السلمي فإن ذلك إن تحقق فإنه يأتي عن طريق صفقة شاملة، عليها أن تعالج الكثير من الملفات العالقة بين الطرفين لإدراكهما بأن المنطقة بعد احتلال العراق لا تتحمل عنفاً منفلتاً، خاصة أنها شريانه الاقتصادي وخزينه المنتظر لسنوات طوال، وقد يشجع على ذلك التقرير الذيأصدرته وكالة الأمن الوطني الأمريكية التي أشارت فيه إلى توقف إيران عن العمل بمشروعها النووي السري منذ صيف عام 2003

 وأبرز هذه الملفات:

v    مستقبل المسعى الإيراني لامتلاك التقنية النووية ومخاطر تجدد المشاريع (السرية).

v    حجم التدخل الإيراني الطائفي في الشؤون العراقية بما يؤثر في تعثر المسار الجديد للعراق ويعرض وحدته للخطر.

v    الدعم الإيراني لحزب الله وحماس وتأثير ذلك في مسار (التسوية) السلمية.

v    إعادة بعث الحياة في العلاقات السابقة بين إيران وإسرائيل.

v    المخاطر البيئية التي يتعرض لها الخليج العربي في مياهه وأجوائه ومكوناته الحياتية.

v     تفكيك القيود الإيرانية في ما يخص التبادل التجاري والاستثمار الأجنبي وخاصة في مجال النفط.

v    هيكلة القدرات العسكرية الإيرانية التقليدية بما يجعل كل دول المنطقة في منأى عن مدياتها التدميرية وتحديداً في جانبها الصاروخي. 

الولايات المتحدة لن تنسحب من العراق من دون إضعاف أو تهشيم النظام السياسي الإيراني 

إن احتمال المواجهة العسكرية أو الحل السلمي سيبقيان متلازمين طيلة الفترة المتبقية من حكم الرئيس بوش لأنه سيسعى ألا يترك لمن يخلفه في الرئاسة مشكلات الملف الإيراني من دون حل، خاصة بعد نجاحه في الحصول على تأييد إقليمي واسع في مسعاه في هذا الجانب، وتمكنه من تضييق فجوات الخلاف بين دوله مما يجعله طليقاً في أية مغامرة يقدم عليها، كما أنه يريد أن يختم عصره بنصر مدو يحتاجه لسجلات التاريخ. وهذا يذكرني بموقفين الأول: ما قاله فيكتور هيغو (بأنه سيأتي اليوم الذي يتأمل فيه الناس بقايا أسلحة الجنس البشري، وكيف كان يقتلون بعضهم بعضاً). الثاني: ما مر به الرئيس الباكستاني برويز مشرف بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 حينما قال (إني خائف على السلاح النووي الباكستاني). لكن هل يتعض البشر على الطرفين؟ إني أشك في ذلك. 

كلمات دليلية