;
الصفحة السابقة

سوريا ومشروع فيدرالي محتمل يعيد إنتاج التجربة العراقية

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 أيار 2012

قبلت سوريا بتنفيذ مبادرة المبعوث الدولي كوفي عنان ذات الست نقاط، واستقبال مراقبين دوليين على أراضيها عملاً بقرار مجلس الأمن الأخير رقم 2042 والذي صدر يوم السبت 17 إبريل 2012؛ جاء قبولها بالمبادرة الدولية استجابة لضغوط حلفائها روسيا والصين، وبصورة أقل من حزب الله وإيران.

إن إيران لا تزال ترى في المسألة السورية تهديداً حقيقياً لمصالحها في المنطقة، باعتبار أن أي حل يطرأ على الأزمة السورية من دون أن يشمل إخضاعاً تاماً للمعارضة فإنه كفيل بتهديد مصالح إيران في المنطقة وخصوصاً التحفظات التي من الممكن أن تفرضها الأطراف في علاقة سوريا مع حلفائها الجدد من المعارضة، فيما لو أفضت المباحثات إلى القبول بالمعارضة السورية شريكاً في الحكم. إن أكثر ما تريده إيران وحزب الله من النظام السوري في تعامله مع المعارضة هو الانفتاح السياسي وتحقيق مزيد من الإصلاح السياسي، وليس تسليماً للسلطة أو المشاركة فيها1؛ باعتبار أن المشاركة السياسية أكثر السيناريوهات قبولاً وقرباً من الواقع ومن مبادرة عنان.

ويدعي النظام السوري والمعارضة أن كلاً منهما يمثل الشعب السوري؛ فالأول يعتمد على دعم الأقليات والطوائف التي تقارب 30 في المائة من الشعب السوري، بالإضافة إلى اعتماده على البرجوازية السنية التي تمثل ما يقارب 20 في المائة من الشعب السوري، بحسب بعض الخبراء؛ ويتمثل ذلك في أن هذه المناطق، وخصوصاً في حلب ودمشق حيث توجد هذه المكونات، لم تشهد اضطرابات حقيقية أو تهديداً حقيقياً لسلطة النظام. فالدولة السورية ومؤسساتها القانونية والعسكرية تستمد عناصرها وديمومتها من هذه المكونات، ولذ لم تشهد سوريا انشقاقات حقيقية على الساحة بالصورة التي جرت فيها الأمور في الدول العربية التي شهدت (ربيعاً عربياً). واللافت للانتباه أنه حتى اللحظة لم نسمع عن انشقاق لسفير سوري وخروجه عن سلطة النظام على خلاف الحال في الدول العربية مثل مصر وليبيا واليمن وتونس التي أعلن عدد كبير من سفرائها في الخارج انشقاقهم عن النظام السائد آنذاك.

في السياق ذاته ترى المعارضة أنها تمثل 50 في المائة من الشعب السوري، باعتبار أن الجزء الأكبر من الشعب السوري هم من السنة؛ ولا يزال هذا المكون وقوداً للثورة والمعارضة السورية المسلحة والسلمية؛ بحيث تمثل مناطق السنة أكثر من نصف مساحة سوريا وخصوصاً في وسط البلاد وجنوبها. وتتوزع المعارضة على ثلاث مجموعات، هي كالتالي:

1- المجلس الوطني السوري وهو موجود في الخارج؛ ويقع تحت نفوذ الإخوان المسلمين بصورة أساسية.

2- هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطي وتضم في جعبتها يساريين وعلمانيين ووطنيين وهي موجودة في الداخل.

3- المجلس الوطني الكردي وهو مجلس يتكون من طيف واحد وهو الكرد، ولديه أجندة واحدة أيضاً ألا وهي القضية الكردية.

إن التصنيف السابق بحسب المراقبين أقرب إلى الحقيقة، أي أن الشعب السوري منقسم إلى نصفين متساويين، وأن تقرير مصداقية التأييد للنظام أو للمعارضة من قبل الشعب السوري يتحقق بصورة جلية بتنفيذ مبادرة عنان؛ وذلك على النحو التالي:

1- الحكومة: إن تنفيذها للمبادرة وحرصها على وقف إطلاق النار، وهو أمر مشكوك فيه، في ظل استمرار القتال من جانب المعارضة المسلحة سيكشفان للشعب ما كانت تنادي به الحكومة السورية منذ البداية، ولا تزال، وهو وجود عناصر إرهابية عابرة للحدود ومؤامرة استخباراتية تستهدف النظام والشعب السوري من دول الجوار.

2- المعارضة: إن تطبيق مبادرة عنان سيجعل الملايين يخرجون إلى الساحات سلمياً طلباً في إسقاط النظام؛ أي أن تطبيق المبادرة سيعطي المعارضة فرصة لتصحيح المسار والانتقال من العمل المسلح إلى المعارضة السلمية؛ وهو أمر إذا تحقق سيلحق الأذى أكبر بالنظام من استمرار نشاطها المسلح؛ وهو النشاط الذي انقسم تجاهه المجتمع الدولي والمعارضة أيضاً مما أضعف مطالب المعارضة.

ولذلك، فإنه إذا اتضح أن الانقسام حاصل بالصورة السابقة بين الشعب السوري فإن الخروج من الأزمة بموجب خطة عنان لن يتم إلا بأحد الخيارين:

1- بالحوار والتسويات السياسية والقبول بمبدأ المشاركة السياسية أو..

2- تقسيم سوريا فعلياً على الأرض سواء عبر المفاوضات أو الحرب، والدخول بأتون حرب طائفية ومذهبية ستعيد الصراع والمنطقة إلى القبول بإعادة تغيير الخرائط. ويجب ألا يغيب عنا أن العملية السياسية في العراق التي قامت بعد إجراء الحوارات (الوطنية) عقب الاحتلال بين مكونات المجتمع أفضت إلى القبول بتقسيم البلاد على أساس فيدرالي طائفي؛ وهو الذي مازالت تعاني منه البلاد حتى اللحظة الحالية؛ فهل نشهد سيناريو تسوية للأزمة السورية قائماً على أساس طائفي فيدرالي شبيه بالحالة العراقية؟

وعلى أي حال، في المحصلة لن يقف النظام طويلاً قبل أن يسارع إلى خرق الهدنة المؤقتة والتي فرضتها خطة عنان، فهو يعتقد أن الهدنة الحالية ترضية للمعارضة المسلحة لالتقاط الأنفاس ولم الصفوف وإعادة التعبئة.

وشملت خطة عنان ست نقاط، إلا أن النقطتين الأولى والسادسة المتعلقتين بالشروع بالدخول في حوار سياسي، بحيث طالبت الحكومة السورية بالإسراع في تسمية مفوضها للحوار مع المفوض الدولي لبدء حوار سياسي مع الحكومة، أما النقطة الأخيرة فتتعلق بحق التظاهر السلمي، أما بقية النقاط فهي أدوات لتنفيذ هاتين النقطتين اللتين تحملان طابعاً سياسياً يفضي إلى نتيجة واحدة وهي تدشين عملية سياسية بين الحكومة وقوى المعارضة تقوم على مبدأ المشاركة السياسية؛ أي الانتهاء إلى مشروع سياسي تعترف فيه الحكومة بالمعارضة وحقها بالتمثيل السياسي في المرحلة المقبلة.

إن الظروف الإقليمية والدولية والداخلية في سوريا لم تتهيأ بعد من أجل تحقيق تسوية حقيقية للأزمة السورية؛ فالأمر لن يكون حقيقياً قبل اقتناع الجميع بأن الأزمة السورية جزء من حزمة من الملفات الإقليمية الشائكة والمتشابكة، تبدأ بالملف الفلسطيني ولا تنتهي بالملف الإيراني، ونفوذ الأخيرة في لبنان والعراق؛ تماماً بالصورة التي شخصّها قبل سنوات تقرير لجنة (بيكر- هاملتون) التي شكلها الكونغرس الأمريكي في عام 2007 لدراسة أنجع الطرق لإنهاء الحرب في العراق، باعتباره جزءاً من مشكلة أكبر تشمل كل المنطقة وصولاً إلى القضية الفلسطينية؛ فقد قبلت أمريكا بالمبادرة انسجاماً مع رغبات شركائها الأوروبيين، بالإضافة إلى رغبة إدارة أوباما في تقديم إغراءات للناخب الأمريكي في موسم الانتخابات الرئاسية بقدرة الإدارة على حمل ملف السياسة الخارجية، وهو الاتهام الذي رافق أوباما قبل وخلال فترة إدارته الحالية. في حين قبلت روسيا بالخطة انسجاماً مع توجهاتها لتثبيت نفوذها في المنطقة، بالإضافة إلى التخلص من أعباء أزمة أثقلت كاهل دبلوماسيتها.

أما بالنسبة لتركيا، فهي ترى في الخطة مقدمة إلى تدخل حلف الأطلسي لتثبيت ممرات إنسانية آمنة قريبة؛ بالصورة التي آلت إليها الظروف في المشهد العراقي الذي تدخل فيه مجلس الأمن، وفرض منطقتي حظر للطيران في الشمال والجنوب (1990-2003)؛ أما السعودية وقطر فقد رفضتا خطة عنان، وتريان أنها فرصة للنظام للاستمرار بالقتل، وأنها خطة غير مكتملة باعتبار أن السياسة الخليجية ترى في الملف السوري جزءاً من ملف أوسع يتعلق بإيران وهلالها الشيعي وحزب الله.

لكن لن يطول الأمر كثيراً قبل أن يخرق النظام السوري الهدنة، بحيث سندخل سريعاً في مرحلة الاتهامات والاتهامات المتبادلة والتشكيك في عمل المراقبين وتدخلهم بشؤون سوريا الداخلية وغيرها من الدفوعات والدفوعات المتقابلة؛ وهو ما يعيد للذاكرة مشهد المراقبين الدوليين في العراق للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في حقبة التسعينات.

الهوامش:

1- أشار إلى ذلك مؤخراً كل من علي خامنئي مرشد الثورة الإيرانية وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله؛ ففي 30 مارس ألقى كلمة طلب من الحكومة والمعارضة إلقاء السلاح والدخول بحل سياسي منتقداً النظام السوري ورهانه على العمل العسكري لحل الأزمة حيث شدد على أن الحل الوحيد للأزمة يجب أن يكون سياسياً عبر الحوار والإصلاح، داعياً كل من (كان مخلصاً بأي موقع عربي أو دولي أو إقليمي إلى تقديم المساعدة، عبر السعي لوقف التحريض الإعلامي وإقناع كل الأطراف بالدخول بحوار صادق وجدي).

كلمات دليلية
رائد فوزي أحمود 92