;
الصفحة السابقة

دول الخليج العربية: الاتحاد أم الضعف؟

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 أيار 2012

جميل أن يتم تعديل ميثاق الجامعة العربية، وأن تعاد صياغته بما يضمن خدمة المصلحة العربية العليا، بشكل أكثر فاعلية وكفاءة، وبما يتلاءم مع التطورات المحلية والإقليمية والدولية، التي حدثت منذ عام 1945م، وهو العام الذي أقر فيه الميثاق الحالي، ثم أدخلت مؤخراً تعديلات وبروتوكولات إضافية.

لكن، يتحتم تفعيل ودعم العمل العربي المشترك، بإصلاح يتضمن (ضمن ما يتضمنه) أن يكون هناك مجلس أعلى (القمة) يعقد اجتماعات دورية ومؤثرة متلاحقة، إضافة إلى مجلس وزاري نشط (مكون من وزراء الخارجية) ينعقد مرتين، على الأقل، في العام. هذا، إضافة إلى وجوب تعديل قاعدة التصويت لتصبح ملزمة بالأغلبية بدلاً من الإجماع.

والأجمل أن يكون هناك بالفعل اتحاد عربي صلب، يضم كل العرب، ويرتقي مع مرور الزمن إلى درجة القوة الكبرى التي تحمي مصالح منسوبيها، كأفضل ما تكون الحماية. لهذا، وعند الحديث عن الشروع بتنمية اتحادية خليجية وعربية أصلب، ومواجهة العدوان الصهيوني- الامبريالي على الأمة، والتهديدات الأخرى، وخدمة المصالح العربية المشتركة، ربما يكون من المناسب أن نذكِّر بأهم وسيلة لتحقيق هذه الأهداف النبيلة، ألا وهي الاتحاد. علماً بأن الوضع السياسي العربي الحالي، في معظم البلدان العربية، لا يسمح - كما يبدو - بإصلاح (جامعة الدول العربية)، إصلاحاً حقيقياً. ففي ظل الأوضاع السياسية الراهنة لا يمكن توقع إصلاح أو وحدة أو اتحاد، حيث إن من العبث توقع أمور من أطراف لا تكترث بها أو تعاديها، وتعمل – سراً وعلانية – على محاربتها. لكن حديث الدول العربية الخليجية الآن عن (الاتحاد) يعتبر الأكثر مصداقية، لكون هذه الدول تعني ما تقول.

الوحدة والاتحاد:

في حقل السياسة والعلاقات الدولية تعني كلمة الوحدة (Unity) بصفة عامة: الاندماج الكامل أو شبه الكامل فيما بين أطراف دولة ما، أو بين دولتين أو أكثر من دول العالم. وهذا الاندماج يكون في كل مجالات الحياة العامة: الاقتصاد، السياسة، الأمن والاجتماع، وفي شتى جوانب كل منها. فعندما نتحدث (مثلاً) عن مدى (الوحدة الوطنية) في دولة ما، يكون المقصود هو: مدى اندماج مناطق وأطراف تلك الدولة مع بعضها بعضاً في كل مجالات الحياة العامة المذكورة.

أما مصطلح الاتحاد (Union)، فيعني بصفة عامة: الترابط والتضامن التام أو شبه التام فيما بين أطراف دولة ما، أو بين دولتين أو أكثر من بلدان العالم. حيث إن (اتحاد) عدة دول قد يصل إلى درجة ظهور دولة واحدة تتكون من تلك الدول. لكن، تظل كل دولة أو (منطقة) محتفظة بمعظم خصوصيتها ومحافظة على ذاتيتها من خلال حكم نفسها بالقانون الذي ترتضيه غالبية أهلها، على ألا يخالف القانون (الاتحادي) الأعلى.

ومعروف أن كل منطقة من مناطق العالم (سواء تجسدت في دولة مستقلة أو كانت جزءاً من دولة قائمة بذاتها) تتميز عن غيرها بخصوصية معينة، وغالباً ما تهدف إلى الحفاظ على تلك الخصوصية، عبر التأكيد المتوازن على ذاتيتها. ونظراً إلى التطورات التي لحقت بعالم اليوم و(رؤى المستقبل) أصبح من الضروري على كثير من الدول أن تترابط وتتضامن مع غيرها من الدول، استجابة لحتميات التجاور الجغرافي والتماثل الاجتماعي والأيديولوجي، وتحقيقاً للمصالح المشتركة المؤكدة، ودفعاً للأخطار المشتركة بشكل جماعي. فالمواجهة الجماعية للأخطار المشتركة – مثلاً – أكثر فاعلية بمراحل من المواجهة المنفردة لتلك الأخطار. بمعنى أن (الاتحاد) أصبح حتميّاً في كثير من الحالات والظروف، التي تمخضت عنها تطورات هذا العالم، ومنها التقدم الهائل في وسائل المواصلات والاتصالات، وترابط مصالح الأمم والشعوب بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. وما أصح قول الشاعر: (تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً... وإذا افترقن تكسرت آحاداً). إن هذا البيت الذي قاله شاعر عربي قديم يؤكد حقيقة إنسانية مجتمعية راسخة، ويغني عن تدبيج عشرات المقالات عن (الاتحاد)، فمضمونه يجسد نظرية علمية مؤكدة.

لمحة عن (الفيدرالية)

تحت إلحاح الحاجة أو الضرورة المُلِحة لتعاون وتضامن الدول المختلفة فيما بينها، ابتكر علماء ومفكرو السياسة، الصيغ الاتحادية (القانونية – السياسية) المختلفة، التي يمكن أن تحقق الفائدة الكبرى للدول، والمتمثلة في الحفاظ على أكبر قدر ممكن من السيادة والذاتية، وفي الوقت          ذاته قطف ثمار التضامن والتكامل مع آخرين، من خلال تبني التنظيم والتكتل الدوليين. فاستحدثت صيغ اتحادية عدة، يمثل كل منها اتحاداً مختلفاً من حيث مدى التلاحم، وطبيعته ونتائجه. إذ إن الهدف الرئيسي لكل من تلك الصيغ هو تحقيق درجة معينة من التضامن فيما بين الدول الأعضاء، مع الإبقاء على قدر معين من ذاتية أولئك الأعضاء. وذلك الهدف يمثل معادلة يصعب (لكن لا يستحيل) تحقيقها، بشكل معقول، يرضي جميع الأطراف المعنية - في كثير من الأحوال - كما هو مألوف، خاصة في بعض مناطق العالم الثالث.

غير أن أفضل وأرقى الصيغ الاتحادية – على الإطلاق – هي صيغة الاتحاد الفيدرالي (Federalism)، الذي يمكن أن يعرف بأنه عبارة عن دولة واحدة مكونة من دولايات أعضاء، متحدة في ظل دستور عام، يوزع السلطة بين الولايات والحكومة المركزية المشتركة، بحيث يضمن للولايات حكم وإدارة معظم أمورها الداخلية، بينما تتولى الحكومة المركزية المشتركة إدارة العلاقات الخارجية، والدفاع عن الدولة وبعض الأمور العامة للولايات ككل.

ويعرف أيضاً أنه يتكون من مجموعة من الدول (الولايات) انضم بعضها إلى بعض بمقتضى دستور ينص على شكل اتحاد دائم، تسوده هيئة (حكومة مركزية) تمارس سلطتها بطريق مباشر على حكومات هذه الدول ورعاياها. فقيام الاتحاد الفيدرالي يعني اختفاء الدول الأعضاء فيه، وتنازلها عن سيادتها مع إعطائها حق الحكم الذاتي، وقيام دولة واحدة، يحكمها دستور الاتحاد، الذي يحدد صلاحيات واختصاصات كل من السلطة المركزية أو (الفيدرالية) والولايات الأعضاء، وينظم العلاقات فيما بينها. وهو، بذلك، يمثل أقوى أشكال الاتحاد الدولي، حيث تنصهر الدول الأعضاء في بوتقة واحدة، هي الدولة الفيدرالية الجديدة.

إن معظم دول العالم المهمة في الوقت الحالي تتخذ شكل الدولة الفيدرالية، فهذا الشكل يراعي تياري الذاتية (الاستقلال) والتضامن (الاتحاد)، وخاصة في الدول الواسعة المساحة، المتنوعة السكان، كأفضل ما تكون المراعاة، إذ يترك للولايات حق تسيير أمورها الداخلية، وتشريع وتنفيذ ما تتطلبه ظروفها الخاصة من سياسات. وفي الوقت نفسه يخلق كياناً واحداً يجمع تلك الولايات في المسائل المشتركة الرئيسية، ويمثلها كوحدة واحدة أمام الغير. وقد اعتبر كثير من الكُتَّاب الشكل الفيدرالي أقوى وأنسب أشكال الاتحاد الدولي، وعلى المستويين القومي والدولي. ويشير أولئك إلى (نجاح) معظم الاتحادات الفيدرالية الحالية كبرهان على صحة هذا الاعتقاد.

أما فشل (الفيدرالية) في بعض الدول، كالاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا – مثلاً - فيرد إلى خلل في التطبيق الفيدرالي، وليس إلى عيب جذري في (الفيدرالية) نفسها. إذ تميزت كل من التجربتين السوفييتية واليوغسلافية بسيطرة قلة على مقاليد الأمور، وتمثلت تلك القلة في الحزب (الشيوعي السوفييتي) و(الحزب الشيوعي اليوغسلافي)، فأبرز ما كان يميز التجربتين المذكورتين هو حرمان الولايات (الدول) الأعضاء من حق تسيير وإدارة معظم أمورها بالأسلوب الذي تحبذه.

ولقد وصمت هاتان التجربتان (بحق) بغياب الديمقراطية الصحيحة، وذلك وحده يكفي غالباً لنسف (الاتحادات)، فعدم توفر هذا العامل في (الاتحادات)، غالباً ما يعني أنها (اتحادات) قسرية ومفروضة بالقوة، وبالتالي هشة وقابلة للسقوط، تحت وطأة أية رياح عاتية.

فشل الفيدرالية في بعض الدول كالاتحاد السوفييتي يرجع إلى خلل في التطبيق
ظروف العالم اليوم تكاد تحتم الاتحاد فيما بين الدول المتجانسة فيه
عالم الحاضر والمستقبل هو عالم الكيانات الكبيرة ولا مكان فيه للكيانات الصغيرة المتشرذمة
الواقعية تتطلب نبذ فكرة الوحدة الاندماجية والاستعاضة عنها بفكرة الاتحاد

الوحدة والاتحاد ودول الخليج العربية:

إن كل منطقة من مناطق العالم تقريباً تتميز (كما أشرنا سابقاً) بخصوصية معينة. وغالباً ما تحاول الحفاظ على ذلك التميز عبر التأكيد (المتوازن) على ذاتيتها وسيادتها. لكن ظروف العالم اليوم تكاد تحتم (الاتحاد) فيما بين الدول المتجانسة فيه، وأن (الوحدة) (الاندماج التام) لا تحافظ على ذاتية الدول الأعضاء، بقدر ما يساعد (الاتحاد) على حماية تلك الذاتية بشكل متوازن، ولذلك، فإن الصيغة الاتحادية أكثر عملية وواقعية من صيغة الوحدة.

والحديث عن مفهومي (الوحدة) و(الاتحاد) يجر إلى الحديث عن قضية (الوحدة) العربية أو الخليجية، وهي القضية الكبرى – أو هكذا يجب أن تكون – في العلاقات العربية – العربية، بل السياسة العربية عامة. حيث إن من أكبر المميزات التي يمكن أن يحسد عليها العرب من قبل الدول الأخرى توفر أقوى عناصر الاتحاد فيما بين الدول العربية الحالية، حيث يربط هذه الدول ببعضها: الدين الواحد، الأصل الواحد، اللغة، والعادات الواحدة... إلخ. وهذه الروابط هي أقوى وأمتن فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي. فالأمة العربية، من المحيط إلى الخليج، أمة واحدة بمعظم أبعاد ومعاني الكلمة. ولا يمكن اعتبارها مجرد مجموعة من الدول المختلفة (كالدول الإفريقية الناشئة أو دول جنوب آسيا مثلاً)، حيث لا رابط قوياً فيما بينها سوى (التجاور الجغرافي).

والمفروض أن يستغل العرب هذه (العوامل) الإيجابية للاتحاد والتضامن، فيسعون فعلاً إلى تكوين كيان عربي موحد، له في العالم أهمية الدولة الكبرى في المدى الطويل على الأقل. وربما يتوجب أن يكون تحقيق ذلك الهدف هاجس كل العرب، وخاصة الخليجيين، بحيث لا ينحصر الفكر والجهد العربيان في إطار (القطرية) الانعزالية.

إن تكوين اتحاد خليجي أو حتى عربي موحد، أصبح أمراً حتميّاً، إذا أراد العرب أن يكون لهم مكان تحت الشمس في هذا العالم وعالم المستقبل. فالمستقبل لن يكون مشرقاً إلا بالاتحاد والتضامن، وأن عالم الحاضر والمستقبل هو عالم الكيانات الكبيرة ولا مكان يذكر فيه للكيانات الصغيرة المتشرذمة، وأن (القطرية) الضيقة لن تؤدي إلا إلى التفكك وذهاب الريح، بل ربما الاستقلال والكرامة أيضاً. وليكن التحدي الصهيوني والاستعماري والرغبة في التنمية ومواجهة التحديات الأخرى حافزاً يدعم هذا الاتجاه.

وفي الوقت الذي يتهافت فيه كثير من الدول المختلفة – والتي ترتبط فيما بينها بأوهى الروابط – على التقارب والتلاحم وتكوين الكيانات الأكبر المرهوبة الجانب، نجد أغلب الدول العربية تتقوقع على نفسها (رغم أن بعضها يدعو إلى الاتحاد العربي)، وتؤكد على ذاتيتها، مقدمةً (القطرية) على أي اعتبار وإن كان مفيداً ومنطقيّاً. وهذا من أكبر ما يثير الاهتمام بالعلاقات البينية للدول العربية. لكنه (الاستعمار) بدلاً من أن يكون خطراً مشتركاً دافعاً للاتحاد، أصبح خطراً مشتركاً معوقاً للاتحاد. إذ نجح (حتى الآن) بضرب الأمة العربية في (مقتل)، وحال فيما بينها وبين التآزر والاتحاد بوسائل جهنمية شتى معروفة.

والأفضل – بالطبع – أن يقوم الاتحاد الخليجي أو العربي الشامل على أبرز المبادئ الإسلامية، باعتبار أن غالبية العرب العظمى مسلمة، وذلك كنواة أساسية لتعاون إسلامي شامل. كما يحسن أن يلجأ العرب لتحقيق اتحادهم الشامل المرجو إلى أنجع (الصيغ) العملية لمثل هذا الاتحاد، والتي شهدت التجارب الدولية المتنوعة لها بالنجاح والكفاءة والفاعلية (الفيدرالية) مثلاً.. وغيرها. ويجب التدرج في تبني الإجراءات الاتحادية المختلفة. فإن استحالت (الفيدرالية) فلا بأس في (كونفدرالية) متماسكة وقوية.

وفي العصر الحالي، فإن الصيغ التضامنية فيما بين دول العالم المعاصر تنحصر في المنظمات الدولية الحكومية بأنواعها، وفي مقدمتها المنظمة الدولية الحكومية الإقليمية الشاملة، والتي، في الواقع، يمكن أن تسمى (الاتحاد الكونفدرالي). إضافة إلى الصيغة الفيدرالية المشار إليها آنفاً. مع ملاحظة أن (الكونفدرالية) تختلف جذرياً عن (الفيدرالية) كما أوضحنا. كما أن كل (اتحاد) له (مستويات) انصهار يمكن قياسها. فكل من (الاتحاد الإفريقي) و(الاتحاد الأوروبي) مثلاً عبارة عن اتحاد كونفدرالي شكلاً، لكن (درجة) اتحاد الاتحاد الأوروبي حالياً أكبر بكثير من درجة انصهار الاتحاد الإفريقي وهكذا.

والواقع، أن مضي فترة زمنية طويلة نسبياً على استقلال كل من الدول العربية (عدا فلسطين) رسخ ذاتية كل قطر عربي، فأصبح لكل بلد عربي خصوصية تميزه كثيراً عن غيره من الأقطار الشقيقة، ناهيك عن الأقطار الأخرى. لذلك، فإن الواقعية تتطلب نبذ فكرة الوحدة (الاندماجية) والاستعاضة عنها بفكرة الاتحاد، فنقول مراعاة للدقة والضرورة العملية (الاتحاد العربي) بدلاً من (الوحدة العربية)، والمهم هو ألا تنبذ فكرة الاتحاد، هي الأخرى، فيما بعد.

إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو الآن عبارة عن منظمة دولية حكومية إقليمية شاملة، أي (اتحاد كونفدرالي). والدعوات الراهنة إلى تدعيم هذا التكتل، والتي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، إنما تهدف – كما أظن - إلى (تقوية) هذا الاتحاد عبر رفع درجة تماسكه وانصهاره مع بقاء صيغة الاتحاد وشكله على ما هما عليه.

ونحن كعرب ومسلمين، من المفترض أن نكون جميعاً (وحدويين) على المستوى الوطني (القطري)، أما على المستوى الخليجي والعربي والإسلامي، فإن منطق قيمنا وطبيعة جذورنا وظروف عصرنا وطموح أمتنا، كلها أمور تقتضي أن نكون (اتحاديين).

حبذا، لو استمر (الاتحاد) أملاً وحلماً يورث جيلاً بعد جيل، حتى يأتي الجيل العربي الذي يدشن بداية العصر العربي المنشود، ولو بعد قرن من الآن. وذلك أفضل من نسيان (الاتحاد) وتجاهله ومحوه من القاموس العربي للأبد، كما يريد أعداء هذه الأمة.

 

كلمات دليلية
صدقه بن يحيى فاضــــــــل 92