;
الصفحة السابقة

الاتحاد الخليجي.. هل بالفعل هو خيار البقاء؟

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 أيار 2012

لم تحظ قضية التكامل أو الاتحاد الخليجي باهتمام على المستويين الرسمي والشعبي أكثر مما هي مطروحة الآن، والسبب الرئيسي لمثل هذا الاهتمام اللافت أن القضية نفسها صارت تمثل خياراً للبقاء من أجل مواجهة كافة التحديات الداخلية والخارجية سواءً على مستوى النخب الخليجية الحاكمة أو على مستوى شعوب دول مجلس التعاون.

إن أكثر من ثلاثين عاماً مضت على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، وكانت خلالها فكرة الاتحاد مجرد شعار لم يتجاوز اتخاذ إجراءات في مجال التكامل الاقتصادي وتعزيز التعاون في مجالات معينة. ورغم أن المجلس تأسس وفقاً لطموح يصل إلى درجة الاتحاد إلا أنه لم يتمكن من تحقيق ذلك طوال السنوات الماضية، ويأتي ذلك للظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي تمر بها المنطقة.

ويبدو أن التحديات التي تواجهها بلدان مجلس التعاون الخليجي حالياً لم تختلف عن تلك التي كانت سائدة عندما تأسس المجلس مطلع ثمانينات القرن العشرين بوجود نظام ثيوقراطي يحمل تطلعات لتصدير ثورته الدينية إلى بلدان المجلس، أو حتى خلال مرحلة التسعينات التي شهدت احتلالاً للكويت من قبل العراق، وما تبعه من تصاعد التهديدات الداخلية نتيجة للمطالبات بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم ظهور الجماعات الإرهابية وغيرها من التحديات.

ولذلك، فإن التحديات في المنطقة لا تختلف كثيراً عن تلك التي ظهرت في السابق. وبالتالي ما الذي تغيّر حتى يزداد الحديث حول مشروع الاتحاد الخليجي الآن؟

قد يكون السبب الأهم في دعوة العاهل السعودي إلى شكل من أشكال الاتحاد الخليجي هو القراءة للظروف الإقليمية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ ديسمبر 2010 بعد أن ظهرت ثورات (الربيع العربي)، لأن هذه الثورات أدت إلى تداعيات كبيرة على النظام الإقليمي العربي، ومن المتوقع أن تكون لها تداعيات مستقبلية أكبر على النظام الإقليمي الخليجي.

فدول مجلس التعاون الخليجي لم تشهد ظروفاً وأحداثاً مشابهة إلى درجة كبيرة لتلك التي شهدتها (بلدان الربيع العربي) الأخرى، لكنها بالمقابل عانت من تداعياتها كما هو في الحالتين البحرينية والكويتية بحد أقل. ونلاحظ هنا أن الفكرة الأساسية من هذه التداعيات هي ظهور دعوات لتغيير راديكالي داخل الأنظمة السياسية الخليجية، بمعنى السعي نحو تغيير النخب الحاكمة، وهي فكرة بلاشك تحظى بدعم غربي لافت.

متطلبات الاتحاد لا يمكن تحديدها إن لم يتم تحديد شكل الصيغة الاندماجية أو الاتحادية بين دول المجلس
مسألة الاتحاد الخليجي تمثل خياراً للبقاء من أجل مواجهة كافة التحديات

بالتالي تحولت المسألة هنا من تحدّ يتعلق بالإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي إلى تحدّ آخر جديد يتعلق بكيفية إحداث التغيير السياسي في ظل وجود تيارات سياسية لدى بعضها تنظيمات تحمل قناعة بضرورة التغيير الراديكالي لعدم جدوى المطالبة بالإصلاح السياسي أكثر مما مضى.

في السياق نفسه ينبغي عدم إغفال البعد الإقليمي في القضية، فدول الجوار الإقليمي الرئيسية لبلدان مجلس التعاون الخليجي تحولت من فئة (الدول المنشغلة بالخلافات) إلى فئة (الدول المصدّرة للخلافات)، وهو ما يعني حساسية مرتفعة في العلاقات الخليجية مع كل من بغداد وطهران. وتدعم هذا الواقع قناعة لدى حكومات دول مجلس التعاون بأن هناك تدخلات من دول الجوار في الشؤون الداخلية، وهي تدخلات يمكن أن تساهم في زعزعة الأمن والاستقرار.

وإذا اتفقنا على أن التحديات ليست دافعاً كبيراً لدول مجلس التعاون نحو الدخول في تجربة اتحادية أو شكل من أشكال التكامل الإقليمي، فإن الظروف هي التي تمثل الدافع الرئيسي نحو هذا الاتجاه، والظرف الأهم هو الدافع الأمني الذي أدى إلى تكوين شعور لدى الحكومات والرأي العام الخليجي بانعدام الأمن وغيابه، مع انتهاء نظرية الحليف الاستراتيجي التي اعتمدت عليها بلدان المجلس منذ عام 1991 عقب تحرير الكويت، وهي النظرية التي تقوم على توفير النفط مقابل الأمن، وكانت سائدة في السياسات الخارجية الخليجية تجاه كل من دول الاتحاد الأوروبي وواشنطن. لكن هذه النظرية انتهت الآن بعد المواقف المعلنة للحلفاء الاستراتيجيين لدول مجلس التعاون والتي لم تتعامل بموضوعية مع تداعيات (الربيع العربي) في المنطقة.

إن انتهاء هذه النظرية يدفع بلدان مجلس التعاون الخليجي الآن إلى البحث عن بدائل أخرى جديدة، ليس لتعزيز قدراتها الأمنية لحماية مقدراتها ومكتسباتها ومصالحها الحيوية، لكن لأنه خيار البقاء كأنظمة سياسية خليجية حاكمة، وسرعان ما تحوّل هذا الخيار للرأي العام، وأصبح خياراً مقبولاً ومطلوباً لدى النخب الحاكمة وكذلك الشعوب الخليجية.

وهنالك بعد آخر في موضوع الاتحاد الخليجي، وهو المتطلبات الأساسية لإقامة الاتحاد الخليجي ومدى توافرها، فلا أعتقد أن مثل هذه المتطلبات يمكن تحديدها في ظل عدم تحديد شكل الصيغة الاندماجية أو الاتحادية بين دول مجلس التعاون حتى الآن. فلاتزال الأفكار المعلنة في صيغها الأولية، ويبدو أن الاتجاه العام يشير إلى احتمال طرح صيغة كونفدرالية بين هذه الدول، مع ظهور أنباء عن احتمال تنفيذ الاتحاد الخليجي على مراحل عدة تبدأ من اتحاد ثنائي أو ثلاثي يتوسع تدريجياً ليشمل بقية الدول الأعضاء.

في هذه المرحلة تحديداً لا يبدو خيار الفيدرالية خياراً استراتيجياً لدول مجلس التعاون، وسبب ذلك أن تركيبة القوة السياسية داخل الأنظمة الخليجية متفاوتة نتيجة للاختلاف في درجة الإصلاحات السياسية والتحول الديمقراطي بين هذه الدول. فمن الناحية النظرية نجد أن أي تجربة اندماجية أو اتحادية بين مجموعة من الكيانات السياسية يجب أن تقوم على تقديم المزيد من تنازلات القوة والسيادة السياسية من كافة الكيانات إلى الكيان الرئيسي لضمان فاعليته وقدرته على الاستمرارية، فضلاً عن شرعيته. لكن تركيبة القوة السياسية في بلدان المجلس تتفاوت، ولا توجد آليات واضحة تضمن انتقال القوة السياسية من قمة النظام إلى قاعدته. وبالتالي فإن الإطار العام للاتحاد الخليجي المرتقب لا يتوقع له أن يتجاوز نطاقاً تقليدياً ويصبح اتحاداً فيدرالياً، بل إن المعطيات الحالية تشير إلى أن الفرص المتاحة يمكن أن تؤدي إلى تجربة كونفدرالية ناجحة.

ونظراً إلى تركيبة القوة السياسية داخل الأنظمة الخليجية، فإنه لا يتوقع أن تكون مسألة السيادة الوطنية تحدياً أو عقبةً في حالة الاتجاه إلى خيار الكونفدرالية، لكنه سيكون كذلك في حالة كانت التجربة الاتحادية المقترحة فيدرالية، وهو ما يتطلب دراسة واسعة لتحديد التحديات والفرص التي يمكن الاستفادة منها في تطوير التجربة المقبلة.

ومن القضايا المهمة المرتبطة بالاتحاد الخليجي قضية الموقف الشعبي من هذا الاتحاد، وهي القضية التي يمكن أن تشكل تحدياً لدى الحكومات الخليجية، لأن الرأي العام الخليجي منقسم تجاه هذه المسألة بشكل محدود لصالح المؤيدين لمشروع الاتحاد، كما أن الرأي العام الخليجي يحمل تطلعات وتوقعات كبيرة للغاية، ومثل هذا الاتجاه من شأنه أن يشكل عامل ضغط على الحكومات الخليجية، ويدفعها نحو الإسراع بهذا المشروع، وأن يكون نموذجياً، ويصل في أحايين كثيرة إلى أن هناك من يدعو إلى الاقتباس من تجربة الاتحاد الأوروبي أو استنساخها، الأمر الذي يتطلب إيجاد آليات لتقنين اتجاهات الرأي العام تجاه هذه المسألة، وتحويلها إلى اتجاهات أكثر واقعية تتناسب مع المعطيات التي يمكن تنفيذها. 

أيضاً قضية أخرى أثيرت خلال عام 2011 عندما قررت بلدان مجلس التعاون الخليجي توسيع منظومة المجلس بضم بلدان عربية جديدة، وكان لافتاً أنها اتجهت إلى البلدان ذات السمات المشتركة في الأنظمة السياسية مثل الأردن والمغرب رغم تباين موقف كل من البلدين تجاه هذه المبادرة الخليجية.

تلك المبادرة أعطت مؤشراً إلى أن بلدان مجلس التعاون لم تعد تفكر في إقامة شراكات إقليمية مع البلدان ذات الأنظمة الجمهورية بقدر اهتمامها بتلك التي تتمتع بأنظمة ملكية وراثية مشابهة لأنظمتها السياسية، ومثال ذلك ما حدث في اليمن الذي كان في مرحلة مبكرة من الاندماج في منظومة مجلس التعاون. لكن يبدو أن أحداث (الربيع العربي) جعلت هذا الخيار بعيداً حالياً، ومن غير المعروف ما إذا كان هذا الخيار مستمراً أم أن دول المجلس ستتراجع عنه قريباً؟ لكن يبقى خيار إقامة الشراكات الإقليمية الاستراتيجية مع عدد من القوى العربية وغير العربية من المسائل المهمة والجديرة بالنقاش ضمن مشروع الاتحاد الخليجي.

كلمات دليلية
يوسف البنخليل 92