;
الصفحة السابقة

الدولة الخليجية المعاصرة وصناعة المجتمع الأهلي الجديد

انشأ بتاريخ: الجمعة، 01 شباط/فبراير 2008

حتى وقت سابق من القرن العشرين، لم يكن مفهوم المجتمع المدني (Civil Society) دارجاً على نحو نظري في المنطقة العربية، لكنه نما في العقد الأخير من القرن ذاته، إلا أن مجالات تداوله على صعيد الواقع اليومي تعود إلى عقود ماضية، فهناك الكثير من الحراك المجتمعي يتصف بما هو مدني مقابل ما هو عسكري مثلاً.
لكن الأمر مع (المجتمع المدني) لا ينحصر هكذا في ثنائية (عسكري/ مدني)، إنما يتجاوز ذلك إلى الكثير من المعطيات التي يضمها هذا المفهوم. ونلاحظ أن منطقة الخليج العربي شهدت تطورات هائلة على صعيد إيجاد بنية تحتية تمنح المجتمع الأهلي إمكانيات حركته على نحو واسع بعيداً عن جملة المفاهيم التقليدية الخاصة بالمجتمع الأهلي تلك التي تعمل بها الدول العربية غير الخليجية.
ويحيل مفهوم المجتمع المدني إلى كل مجموعة بشرية خرجت من حالتها (الطبيعية ـ الفطرية) إلى حالتها (العقدية ـ المنظمة)، كما أنه يحيل إلى كل مجتمع تجاري يعمد إلى تمييز المجال الاقتصادي الحر عن المجال السياسي المتمركز، ويحيل أيضاً إلى المجتمعات الوسيطة التي تظهر كنتاج لظهور المجموعات الاجتماعية، كملاك العقارات والصناعيين والمصرفيين وأرباب العمل والمثقفين المستقلين، ناهيك عن منتجي المعارف الجدد، ويحيل كذلك إلى الاتحادات والجمعيات الطوعية غير (القرابية) المتحررة من روابط العشيرة والمنطقة والجهة والطائفة أو المذهب رغم أن هذه الروابط تمثل اليوم باعثاً على ظهور تكوينات ميدانية للمجتمع المدني.
الوسيط المتنافذ
إن الكثير من هذه المعطيات الخاصة بالمجتمع المدني نجدها على الأرض في منطقة الخليج العربي؛ فهناك مجتمع عسكري خليجي يقابله مجتمع مدني هائل في تعبيراته ومكوناته وحراكه يمارس عمله بعيداً عن المجال السياسي، ولكن ضمن توافقية متداخلة تحافظ على المصالح العليا للدولة الخليجية، كما أنه مجتمع يمارس حراكه كوسيط متنافذ داخل التركيبة المجتمعية ذاتها بما فيها تركيبة الدولة، وهو أيضاً مجتمع تعمل فيه جمعيات واتحادات وهيئات وجماعات ونقابات ومنظمات وأهليات محلية وعربية وإسلامية ودولية مستقلة عن الدولة الخليجية من حيث التمويل والخطاب ومنهج العمل، ومن حيث حرية الحركة وتحقيق الأهداف.
كانت دولة الكويت ومملكة البحرين من أوائل الدول الخليجية العربية التي نشطت فيها مظاهر المجتمع المدني في النصف الأول من القرن العشرين. وكانت تلك النشاطات قد انعكست على بقية ممالك وسلطنات وإمارات المنطقة الخليجية؛ ففي نهاية ثلاثينات القرن الماضي نشأت حركة مدنية في دبي طالبت بإصلاحات واستحداث مؤسسات خدمية ذات نفع عام للمجتمع، بينما شهدت مرحلتا الخمسينات والستينات إقبالاً نشطاً لحراك المجتمع المدني في كل من الشارقة وأبوظبي والسعودية وعُمان، ولكن تمكن الدولة الخليجية مادياً، الذي جاء نتيجة للقفزة النفطية مطلع السبعينات، أدى إلى انحسار حركة وفاعلية المجتمع المدني، لأن تلك الدولة أقبلت على احتوائه، بل واختراقه بقدراتها المادية التي تمتعت بها بما كانت تدره عليه عوائد النفط، في حين كان البترو ـ إسلام قد وجد فرصته التاريخية لممارسة هيمنته على المجتمع المدني الخليجي حتى ملء الفراغات أو قل المساحات المتاحة الممكنة التي كان بإمكان المجتمع المدني الخليجي نفسه ملئها بعيداً عن أية أسلمة ذات صبغة مؤدلجة.
وكانت نهاية الحرب الباردة بعيد انهيار المعسكر الاشتراكي أواخر الثمانينات، وبداية ونهاية حرب الخليج الثانية مطلع التسعينات، واطراد حركة الاقتصاد الحر ووصول أنظمتها إلى منطقة الخليج العربي، فضلاً عن عولمة العالم الذي نعيش فيه، قد أذنت ببدايات جديدة طالت المنطقة العربية برمتها، ومن تلك البدايات ظهور الحاجة الحقيقية إلى المجتمع المدني، خاصة أن مصطلح (المجتمع المدني) صار متداولاً في النقاشات السياسية والفكرية والاقتصادية في العالم عامة ومنطقة الشرق الأوسط على نحو خاص، كما أن معادلاته الموضوعية أو تطبيقاته وتداولاته الميدانية باتت ظاهرة للعيان عندما تحولت المجتمعات الخليجية إلى مجتمعات مفتوحة (Open Society) على نظم الاقتصاد الحر، وعلى اقتصادات السوق، وعلى اتفاقيات وقوانين ومنظمات دولية وإقليمية، وعلى الشركات عابرة الجغرافيا تدعو إلى تطوير مظاهر وفاعلية المجتمع المدني في الدول النامية، وإلى مشاركته الفاعلة في نظام الحياة، خاصة بعد أن توارت نسبياً هيمنة البترو ـ إسلام في ردائها المؤدلج على حراك المجتمع الخليجي إثر حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وانخراط كل الدول الخليجية العربية في مشروع الحرب على الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في العالم.
لا مركزية الدولة
لقد حتمت كل هذه المتغيرات ولادة حراك أهلي واسع النطاق في المجتمعات الخليجية أدى بدوره إلى تطور وجود هذا المجتمع من خلال جملة من التعبيرات الميدانية والتكريسات التطبيقية حتى وجدت الدولة الخليجية نفسها مضطرة إلى تغيير نمط سياساتها تجاه الأهالي في منطقة الخليج، بل وسن جملة من التشريعات التي تسهم في نمو مظاهر المجتمع الأهلي، بل وعملت الدولة الخليجية على تقليص دورها المركزي في المجتمع تاركة الكثير من حراكه للمجتمع الأهلي كي يمارس عمله ووظائفه وأدواره؛ ففي دولة الإمارات العربية المتحدة سمحت الدولة بإنشاء مصارف أهلية واسعة النطاق، والسماح للأهالي بامتلاك المصانع التحويلية وبقية خطوط الإنتاج بالشراكة العالمية العابرة للجغرافيا، وكذلك السماح بالإنتاج الإعلامي الحر من خلال إنشاء مدن إعلامية عدة في دبي راهناً وفي أبوظبي مستقبلاً ومنحها سقفاً مناسباً من حرية التعبير. وفي مجال التعليم صارت الجامعات والكليات والمعاهد المتخصصة ذات تمويل وإنتاج أهلي غير خاضع للدولة إلا من حيث السقف الخاص باستراتيجية الدولة وفلسفتها في التعليم بكل مستوياته، ولا يكاد الأمر ليختلف عنه في مجال الإنتاج الصحي، حيث المشافي والمراكز الطبية تمول وتدار في غالبيتها من جانب المجتمع الأهلي سوى بعض المرافق الصحية المركزية والتي ستذهب، بدورها، إلى القطاعات الأهلية مستقبلاً.
لقد عززت بعض الدول الخليجية الضمانات القانونية للمجتمع الأهلي بما يجعلها لا تفكر بإنشاء نقابات أو اتحادات تبحث عن الحقوق لأفراد المجتمع الأهلي من الدولة، فالدولة تخلت تماماً عن الكثير من قيودها القانونية والضرائبية لصالح التخفيف عن حركة وإنتاج المجتمع الأهلي اليومية.
لم يعد المجتمع الأهلي يستمد شرعية تعريفه من مجرد وجود النقابات أو الاتحادات أو الجمعيات أو المنظمات، إنما يستمدها من جملة المتغيرات التي لحقت ببنية العالم الذي نعيش فيه، على أنني أعتقد أن الموضوع الرئيسي في فكرة المجتمع الأهلي هو مشاركة كافة المكونات المجتمعية في صناعة الحياة بعيداً عن مركزية الدولة، وعن مركزية المؤسسات التقليدية المتوارثة، بل عن مركزية العرف المجتمعي التقليدي الذي غالباً ما يقف حجر عثرة في سبيل ممارسة المكونات المجتمعية الأهلية حريتها في التعبير عن ذاتها وكيانها وثقافتها ومأمولاتها. وهذا ما تجري وتائره في المجتمعات الخليجية العربية راهناً، بل ومنذ نهاية حرب الخليج الثانية عام 1991. ما يعني أن دولاً خليجية عدة توافرت على إيجاد بنية تحتية لنمو المجتمع المدني حتى يمارس أدواره المجتمعية في الحياة وفق حراكه الذي يعبر عن خصوصياته الثقافية والاجتماعية ومتطلبات علاقاته بالمتغيرات التي تجري رحاها في عالمنا المعاصر.
ما هو مؤسف، أن منجزات ما تحقق للمجتمعات الأهلية من تطورات بنيوية في دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال غير منظورة، وربما ستكون قيمة هذا المنجز رائعة في معطياتها إذا ما قارنا بين تجارب المجتمعات الأهلية في منطقة الخليج العربي وبقية المجتمعات الأهلية في الدول العربية غير الخليجية.

كلمات دليلية