;
الصفحة السابقة

نحو مؤشر إسلامي للتنمية المستدامة

انشأ بتاريخ: الخميس، 01 كانون1/ديسمبر 2011

مصطلح التنمية المستدامة من المصطلحات التي تلقى رواجاً في واقعنا المعاصر، وتتعدد تعريفات التنمية المستدامة، ومن أهم تلك التعريفات وأوسعها انتشاراً ذلك التعريف الوارد في تقرير بروندتلاند الذي نشر من قبل اللجنة عبر الحكومية التي أنشأتها الأمم المتحدة في أواسط الثمانينات من القرن العشرين بزعامة جروهارلن بروندتلاند، والذي عرف التنمية المستدامة بأنها (التنمية التي تلبي احتياجات الجيل الحاضر من دون التضحية أو الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها).              

التنمية المستدامة في الإسلام:

 إذا كانت التنمية المستدامة في المنظور الغربي جعلت جلّ همها الجانب المادي، فإن التنمية المستدامة في الإسلام تتميز بالسعة والتوازن والشمول، فالإسلام ينظر للتنمية على أنها الحياة الطيبة، وتنبعث الرؤية التنموية في الإسلام من قضية الاستخلاف وفلسفته في العلاقة بين الإنسان والكون ومالكهما رب العالمين. وهو مفهوم يجمع بين التنمية الروحية والمادية ويُعلي من شأن النفس الإنسانية، ويضعها موضع التكريم اللائق بها، والذي يُمَكِّنها من أداء دورها في تعمير الكون وتحقيق العبودية الخالصة لخالق هذا الكون وحده. قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)البقرة/30، وقال تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) هود/61.

إن مفهوم التنمية المستدامة في الإسلام يتجاوز المنظور المادي وتحقيق الرفاهية القائمة على إشباع متطلبات الجسد ويمتد إلى طلبات الروح والعقل التي لا تقل عن الناحية المادية في الحياة. وفي الإسلام تهدف التنمية المستدامة بصفة أساسية إلى تحقيق الأمن المادي من الجوع والأمن المعنوي من الخوف ) فَلْيَعْبُدُوارَبَّهَذَاالْبَيْتِ، الَّذِيأَطْعَمَهُم مِّنجُوعٍوَآمَنَهُممِّنْخَوْفٍ(قريش/3-4. فالإسلام يريد من خلال عملية التنمية المستدامة توفير الحياة الطيبة الكريمة لكل إنسان) مَنْعَمِلَصَالِحاًمِّنذَكَرٍ أَوْأُنثَىوَهُوَمُؤْمِنٌفَلَنُحْيِيَنَّهُحَيَاةًطَيِّبَةًوَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمبِأَحْسَنِمَاكَانُواْيَعْمَلُونَ) النحل/97.حياة تسمو بالروح والجسد، ويسودها روح الإخاء والتكافل والمودة والرحمة، وترفرف عليها مظلة الأمن والعدل والحرية والمساواة، وتخلو من شبح الجوع والخوف والكراهية والبغضاء والأثرة، وتراعي العدالة في توزيع الدخول والثروة حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم، حياة توازن بين منافع الأجيال الحالية والمستقبلية.

وبذلك سبق الإسلام تعريف وتطبيق التنمية المستدامة قبل أن يعرفها الغرب بعشرات القرون، فالأجيال القادمة في المنهج الإسلامي لها حق في ثروات الأجيال الحاضرة. وتطبيقاً لذلك حث الإسلام الآباء على ترك أولادهم أغنياء لا فقراء، ففي الحديث الشريف (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) رواه البخاري، (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم، ويشير القرآن الكريم إلى الترابط بين الأجيال في صورة من التراحم والتعاطف في قوله تعالى:)والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) الحشر/10.

ولقد استند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على هذه الآية في عدم تقسيم أراضي العراق على الفاتحين، بل فرض عليها الخراج لمصلحة الأجيال المتعاقبة وقال لمن خلفه (تريدون أن يأتي آخر الزمان ناس ليس لهم شيء؟ فما لمن بعدكم؟).

إن الإسلام بقدر حرصه على تحقيق النفع للأجيال الحالية فإنه يضع نصب عينيه منافع الأجيال القادمة، ومن ثم يجعل من التنمية المستدامة واقعاً عملياً ملموساً، فتكون الأمة على مر العصور حلقات متماسكة يعمل أولها لخير آخرها، ويغرس سلفها ليجني خلفها، ويعمل خلفها على نهج سلفها.

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- خير من أسس مفهوماً واضحاً جلياً للتنميةالبشرية من خلال بناء الإنسان الصالح، فقد بنى رجالاً بلغت سيرتهم عنان السماء،ووطأت أقدامهم أنحاء المعمورة فتحاً وعدلاً، وعلى نهجه سار خلفاؤه الراشدين، حتى إنعمر بن الخطاب – رضي الله عنه– ضرب مثلاً عملياً لقيمة بناء الرجال، فذات يوم (قاللأصحابه: تمنوا. فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم فأنفقه في سبيلالله. فقال: تمنوا. قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهبا فأنفقه في سبيل الله.قال: تمنوا. قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت جواهر أو نحوه فأنفقه في سبيلالله. فقال عمر تمنوا: فقالوا: ما نتمنى بعد هذا. فقال عمر: لكني أتمنى أن يكونملء هذا البيت رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان،فأستعملهم في طاعة الله).

الدول العربية مطالبة بإحداث تغييرات جذرية على أرض الواقع في أنظمة التعليم

التنمية المستدامة والعالم العربي:

يحتاج العالم العربي إلى وضع التنمية المستدامة واقعاً ملموساً في ظل ما تشير إليه بيانات تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002م من أنه (لا يزيد استثمار الدول العربية في البحث والتطوير عن 0.5 في المائة من الناتج القومي الإجمالي، أي أقل من ربع المتوسط العالمي، ويبلغ متوسط نسبة البطالة في الدول العربية 15 في المائة، وهى من أعلى النسب في العالم، كما أن مواطناً من كل خمسة مواطنين يعيش على أقل من دولارين أمريكيين في اليوم وفقاً لتقديرات البنك الدولي الخاصة بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتوجد سلسلة متصلة من مظاهر الفقر تنتشر على نطاق واسع في الدول العربية لا تقتصر على الفقر المادي وحده، بل تمتد لتشمل الرعاية الصحية المتدنية أو المفقودة، وانحسار فرص الحصول على التعليم الجيد، وتدهور البيئة السكنية- سواء كانت حياً فقيراً ملوثاً في منطقة حضرية أو بيئة ريفية على تربة مستنزفة - وضعف شبكات الأمان الاجتماعي أو غيابها).

وهذا يضع على عاتق الدول العربية أهمية تكاتف الحكومات مع مؤسسات المجتمع المدني لإحداث التنمية المستدامة والتقدم والاستقرار في العالم العربي، والقيام بدور رئيسي وفاعل في الارتقاء بالخدمات العامة، وفي مقدمتها التعليم والصحة والرعاية والعدالة الاجتماعية، ومن ثم محاصرة دائرة الفقر والجهل والمرض.

يحتاج العالم العربي إلى وضع التنمية المستدامة في موضع الواقع الملموس

مؤشر إسلامي للتنمية المستدامة:

إذا كانت التنمية المستدامة لن تتحقق إلا بوجود الإنسان الصالح في كل شيء في سلوكه وإنتاجه وتوزيعه وعلمه وعمله، فإن الإسلام في ظل اهتمامه بتكوين الإنسان الصالح يسر الله تعالى له سبل العيش الطيب وربط ذلك بالسعي والأخذ بالأسباب مع الإيمان بالله وتقواه فقال تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) الملك/15، (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) الأعراف/96. وقد شهد تاريخ المسلمين أمة مسلمة ذات قوة في الاقتصاد، وازدهار في المعرفة، ورحب في المعيشة حتى فاضت بيوت المال بالأموال، ولم يجد الخلفاء من الفقراء من يعطوه فزوجوا الشباب، وعتقوا العبيد والإماء.

والإسلام يريد بذلك أن تتوفر في المجتمع متطلبات الحياة الكريمة بالقدر الذي يجعل الفرد في سعة من العيش وفي غنى عن غيره، وهو ما يعرف بحد الكفاية لا حد الكفاف، فحد الكفاف يتمثل في توفير ضرورات المعيشة للفرد أو أسرته بالقدر الذي يسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة، وهو ما يشكل مستوى متواضعاً للرفاهية. أما الإسلام فيوجه جهود التنمية المستدامة إلى رفع مستوى معيشة البشر، وتحسينه بانتظام؛ بما يكفل توفير حد الكفاية لجميع الأفراد، وذلك يعني إغناء كل فرد بحيث يكون قادراً على الإنفاق على نفسه وعلى من يعول؛ حتى يلحق بالناس في مجتمعهم وتصبح معيشته في المستوى المتعارف عليه الذي لا ضيق فيه.

وإذا كانت مؤشرات التنمية الخاصة بالأمم المتحدة اهتمت بالجوانب المادية وأغفلت الجوانب الروحية، فإنه يمكن تكوين مؤشر مركب للتنمية المستدامة في العالم العربي يعكس الجوانب المادية والروحية من خلال عدد من المتغيرات التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا) رواه الترمذي.فضلاً عن غيره من المتغيرات الأساسية لبناء الإنسان وفقاً للفكر الإسلامي. ويتكون هذا المؤشر من المتغيرات الآتية:

1- المعرفة: وهي سر نهضة الأمم وتقدمها وعامل رئيسي في زيادة القيمة المضافة، وقد نزلت أول آية من القرآن الكريم حثاً على ذلك فقال تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) العلق/1، ويقول تعالى: (الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان) الرحمن/1-4. فالمعرفة وجودتها تأتيان في أولويات التنمية بما تتضمنه من محو الأمية سواء أكانت أمية القراءة والكتابة أو أمية الكمبيوتر والإنترنت، فضلاً عن البحث العلمي في المجالات كافة فالإسلام يحترم العقل ويتخذ منه أداة للمعرفة ولا تناقض مطلقاً بين العقل والوحي. يقول تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)فاطر/28، (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) الرحمن/33.

2- الصحة: وهي تاج على رؤوس الأصحاء لا يحس بها إلا المرضى، فالصحة عنصر رئيسي في الإنتاج ومحدد رئيسي للإنتاجية ورأس المال البشري، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم عافنيفي بدني،اللهم عافنيفي سمعي،اللهم عافنيفيبصري) رواه أبو داود. ويدخل في هذا المتغير العمر المتوقع عند الميلاد، ومستوى الإنفاق على الصحة كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، والرعاية الوقائية والعلاجية، ومدى تفشي الأوبئة والأمراض.

3- الأمن المادي: وما يتطلبه ذلك من توفير الغذاء والمياه والكساء والسكن والمركب وكل ما يصل بالإنسان إلى حد الكفاية ويخرجه من دائرة الفقر التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) رواه أبو داود. ومن هنا تبدو أهمية معرفة الدخل القومي وتوزيعه للوقوف على العدالة الاجتماعية، مع مراعاة حسابياً عوائد إنتاج المرأة في بيتها التي تهملها مقاييس الاقتصاد الوضعي عند حساب الدخل القومي.

4- الأمن النفسي: بتوفير الطمأنينة للإنسان وما يتطلب ذلك من إرساء مبادئ العدل والمساواة والشورى والحرية، وهذا الأمر ليس منة من الحاكم بل حق للمحكوم باعتبار الحاكم أجيراً عند رعيته. والحرية في الإسلام حرية منضبطة تقف عند حدود الآخرين. ويدخل في ذلك الحرية السياسية وما تتضمنه من حق النقد وإنشاء الأحزاب ومنع الاعتقال والاستعباد، فلا يجوز استعباد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. كما يدخل في الحرية: الحرية الاقتصادية اعتماداً على اقتصاد السوق لتوليد فرص الدخل وتوزيع الثروة من دون غش أو تدليس أو احتكار أو قمار أو ربا، مع مراعاة حق الفقير في مال الغني من خلال الزكاة والصدقات. وكذلك يدخل في الحرية: الحرية الاجتماعية بإتاحة إقامة الجمعيات الأهلية، وتحقيق التكامل لا التناحر بين الرجال والنساء بصورة تحكمها المساواة، مع مراعاة الفروق الفطرية.

ووفق هذا المؤشر نضع خريطة طريق للوقوف على واقع التنمية المستدامة في الدول العربية ومن ثم العمل على معالجة همومها بما يحقق الحياة الكريمة للمواطن العربي وللأجيال اللاحقة من بعده، وذلك من خلال توفير الاحتياجات البشرية كافةمن سبل المعرفة والصحة والمأكل والمشرب والملبس والمسكن، وتوفيرفرص العمل وترسيخ مفاهيم العدل والمساواة والشورى والحرية. فالدول العربية مطالبةبإحداث تغييرات جذرية على أرض الواقع في أنظمة التعليم بما يرسخ المعرفة التي تنشئجيلاً حاملاً لهويته، محافظاً على لغته، مستفيداً من كل علم نافع بغض النظر عن مصدره،مع ربط سياسات التعليم باحتياجات سوق العمل، والاهتمام بالصحة والوسائل الوقائيةوالعلاجية، وترسيخ مبادئ الديمقراطية والمساواة والشفافية وحرية الرأي، والتأكيدعلى استقلالية القضاء وفاعليته، والفصل بين السلطات، واحترام حقوق الإنسان.

كلمات دليلية
87 أشرف محمد دوابة