;
الصفحة السابقة

عاصفة الحزم تؤسس لنظام إقليمي جديد

انشأ بتاريخ: الإثنين، 01 حزيران/يونيو 2015
jamal

استقلالية القرار السعودي والوفاق الخليجي / العربي يرسم سياسة المستقبل

ــ عاصفة الحزم استبعدت إيران كطرف في إدارة أزمات المنطقة وحل مشاكلها

ــ إحياء الصناعات العسكرية ضرورة .. والاتحاد الخليجي حاجة ملحة ليس ترفاً

ــ إعادة الأمل .. تؤسس لاستقرار اليمن وتؤكد عدم وجود أهداف توسعية للمملكة

ــ الإجماع الدولي وقرار مجلس الأمن تفويض المملكة في قيادة لحرب مشروعة

بعد أن وصلت ميليشيات الحوثيين وقوات الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح إلى طريق اللاعودة، إثر السيطرة بالقوة على الحكم واعتقال الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي وحكومته ووضعهم قيد الإقامة الجبرية، ثم ملاحقة الرئيس هادي بعد خروجه من صنعاء إلى عدن، والانتشار المسلح لقوات الحوثي/ صالح وتدمير المساجد، والاعتداء على مؤسسات الدولة، والسطو على مقدرات الشعب اليمني بخطى متسارعة لتغيير الأوضاع على الأرض وفرض حكم أقلية طائفي بمساعدة من إيران على الشعب اليمني، طلب الرئيس اليمني الشرعي رسمياً من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز التدخل لحماية الشرعية وحماية الشعب اليمني .. وبناء على ذلك انطلقت عملية " عاصفة الحزم ".

 وانطلقت هذه العملية العسكرية وسط تمويه استراتيجي دقيق، وكان انطلاقها مفاجأة للحوثيين وعلي عبد الله صالح، بل للعالم أجمع، ففي عصر يوم الأربعاء 25 مارس 2015م، صدرت الأوامر لطيارين مقاتلين في كل من المملكة العربية السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، والبحرين بتحديد ساعة الصفر وقبل منتصف الليلة ذاتها كانت الطائرات محملة بالصواريخ والذخائر لتنطلق عند الساعة الثانية فجراً لتضرب أهدافاً منتقاة ومرصودة سلفاً لميليشيات الحوثي / صالح وفي مقدمتها الدفاعات الجوية الموجودة على الأرض والمحمولة  والصواريخ البالستية، ومخازن الذخيرة الأمر الذي مهد لعملية ناجحة في قصف الأهداف الخطيرة في اليمن دون مواجهات أو إطلاق مقذوفات أرضية أو غير ذلك، أو وجود غطاء من الدفاعات الجوية، وقد شارك في  هذه العملية عند انطلاقها 100 طائرة سعودية، و150 ألف جندي وضابط من المملكة، وبمشاركة 30 طائرة من دولة الإمارات العربية المتحدة، و15 طائرة من الكويت، و15 طائرة من البحرين، و10 طائرات من قطر، ووجد هذا التحالف تعاونًا وتأييدًا ومشاركة من مصر ، والمغرب، والسودان وباكستان وإعلان هذه الدول عن الاستعداد لمشاركتها في العمليات العسكرية وارسلت طائرات وقطع بحرية متنوعة لتأمين السواحل اليمنية بعد أن أعلنت المملكة وقوات التحالف إغلاق الأجواء اليمنية واعتبارها مناطق حرب وكذلك السواحل اليمنية لقطع الإمدادات الإيرانية لميليشيات الحوثي وصالح.

 ونجحت قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية منذ الساعات الأولى من بدأ عملية عاصفة الحزم من إخراج الأسلحة الثقيلة والهجومية لقوات على عبد الله صالح وحليفه عبد الملك الحوثي من المعركة وتحييدها بالكامل حيث كان لعنصر المباغتة تأثير مهم، إضافة إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة، ووسائل الرصد عبر الأقمار الاصطناعية، والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة التي جعلت قوات التحالف تصيب الأهداف المقصودة بدقة متناهية وهذا ما كان يبلغ عنه  وسائل الإعلام أولاً بأول المستشار في وزارة الدفاع السعودية والمتحدث الرسمي باسم قوات التحالف العميد الركن أحمد عسيري.

 وكانت قد وضعت قوات التحالف أهدافها بوضوح منذ البداية حيث كانت تهدف إلى ضرب الوحدات العسكرية التي تستخدمها قوات صالح / الحوثي لتدمير المنشآت اليمنية في إطار حرب العصابات الطائفية التي تنفذها ضد الشعب اليمني، فقد تم استهداف تدمير الصواريخ البالستية، ومضادات الدفاع الجوي، ومخازن الأسلحة والذخيرة والإمدادات العسكرية ونقاط القيادة والسيطرة، ومراكز الاتصالات العسكرية، ثم استهداف تجمعات الميليشيات الحوثية وتحركها باتجاه جنوب اليمن خاصة عدن ومديريات ومحافظات حضرموت، وتطور الأمر بعد ذلك لاستهداف ، المطارات ومدرجاتها للسيطرة الكاملة على الأجواء اليمنية وقطع التواصل الإيراني مع حلفائها من الحوثيين وعلي صالح.

وقد وجدت عملية عاصفة الحزم منذ لحظة انطلاقها تأييداً عربياً، ودولياً كبيراً، فقد جاءت القمة العربية التي انعقدت في نهاية مارس 2015م، بشرم الشيخ المصرية لتعلن تأييدها لمواقف المملكة المشروعة والشرعية، وهذا ما أكده مجلس الأمن الدولي في قراره الشهير 2216 الصادر في 14 أبريل 2015م، حيث استفزت ميليشيات الحوثي واطماع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح دول الخليج، والدول العربية، والمجتمع الدولي، وهذا ما أكد عليه الاتحاد الأوروبي  وحلف الناتو ، حيث شعرت جميع دول العالم الخطر الذي يداهم اليمن وتأثيره بالغ الخطورة على استقرار الشرق الأوسط والجزيرة العربية وأمن البحر الأحمر .

مكاسب ونجاحات

 لقد حملت عملية (عاصفة الحزم) العديد من المؤشرات الاستراتيجية الجديدة على الساحة الإقليمية والدولية التي ربما كانت غائبة عن تفكير الكثير من الدول وحتى أبناء المنطقة، ومنها:

ـــ استقلالية القرار السعودي، وكذلك الخليجي حيث قررت المملكة العربية السعودية بدء عملية عاصفة الحزم بقرار ذاتي دون استشارة القوى الكبرى أو القوى الإقليمية في المنطقة.

ــ الوفاق الخليجي والاتفاق على القضايا الكبرى وعدم تأثير الاختلافات في وجهات النظر على القضايا الكبرى التي تخص المنطقة، حيث أبلغت المملكة دول المجلس في يوم العملية نفسه والجميع التزم وشارك باستثناء سلطنة عمان.

ــ ظهور التأثير الكبير للمملكة على صناعة القرار الإقليمي والدولي حيث سارعت 10 دول بالانضمام لعاصفة الحزم ليلة انطلاقها دون تردد مما خلق تحالف دولي وعربي وخليجي وإسلامي مؤيد ومناصر للمملكة العربية السعودية.

ـــ اتفاق وتوافق شعبي داخلي في المملكة العربية السعودية، حيث التف الشعب السعودي بكل أطيافه حول قيادته.

ــ تأييد شعبي داخل اليمن للمواقف السعودية، بل بدأت عاصفة الحزم بدعوة من الشعب اليمني وقيادته الشرعية.

ــ وجدت عاصفة الحزم إجماع دولي غير مسبوق في مثل هذه الحروب حيث لم يتكرر مثل هذا الإجماع منذ حرب تحرير الكويت عام 1991م، ما جعل قرار مجلس الأمن الدولي 2216 يمر دون فيتو أو اعتراض من أى دولة وفي وقت قصير، باستثناء امتناع تصويت روسيا على القرار، وكان هذا الامتناع بطعم التأييد حيث دأبت روسيا في السنوات الأخيرة  أن تكون في شبه حالة حرب باردة مع واشنطن ومن ثم الاعتراض في مجلس الأمن واستخدام الفيتو على أي طرح أمريكي أو أي طرح تسانده واشنطن ، وذلك لاستعراض القوة، أو لمقايضة واشنطن على قضايا خلافية في آسيا الوسطى وأوكرانيا والقرم.

ــ أثبتت عملية عاصفة الحزم أن المملكة العربية السعودية إضافة إلى كونها قادرة تحت أي ظرف من الظروف على اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى، أنها تستطيع أن تتخذ قرار خوض الحرب في الوقت المناسب، وأنها قادرة على تحمل تبعاته، وأنها مستعدة ومؤهلة للدفاع عن أراضيها وسيادتها واستقلالها وتأمين شعبها وحماية مواطنيها بمفردها وبقوتها الذاتية.

ــ أكدت الأحداث التي بدأت قبل عملية عاصفة الحزم وخلالها، أن المملكة دولة تؤمن بُحسن الجوار وليست دولة توسعية أو لها أطماع أو طموحات إقليمية، بل هدفها حماية المنطقة من التدخلات الأجنبية وتأمين منطقة الخليج والجزيرة العربية والبحر الأحمر.

ـــ من مخرجات عملية عاصفة الحزم أنها أثبتت أن المنطقة العربية ملك لشعوبها ودولها فقط، وأن المنطقة ليست ساحة مفتوحة أمام الدول الإقليمية أو القوى الكبرى، وأن ما حدث في بعض الدول العربية كالعراق وسوريا لن يتكرر في دول عربية أخرى من العالم العربي، وأن اليد الإيرانية ليست اليد الطولى في المنطقة.

 ــ عاصفة الحزم أثبتت أن التوجه نحو تأسيس الاتحاد الخليجي العربي ضرورة ملحة على المستوى الدفاعي، الأمني، السياسي، والاقتصادي، وليس مجرد ترف سياسي أو حالة من الوجاهة الإقليمية 

ــ من الدروس المستفادة أيضاً هي أن العمل الخليجي الموحد هو لصالح جميع دول الخليج دون استثناء، وليس في صالح دولة دون أخرى باعتبار أن المخاطر والتحديات مشتركة وتواجه الجميع دون استثناء، وأن مواجهة هذه المخاطر يتطلب العمل الخليجي الجماعي.

ــ أثبتت الحرب على الحوثيين أن الخطر على الأمة العربية في الكنتونات الداخلية التي زرعتها إيران وتمثل رأس حربة للدولة الفارسية التي تريد تفتيت عضد العرب بذرائع طائفية غريبة على المنطقة وثقافتها وحالة التعايش التي شهدتها طيلة القرون السابقة.

ــ تفعيل العمل العربي المشترك بكل آلياته ضرورة حتمية لحماية الأمن القومي العربي، وصيانة المنطقة التي أصبحت في مرمى الأطماع المعلنة من قوى إقليمية خرجت من إطار الأطماع غير المعلنة إلى الاطماع المعلنة بوضوح وجرأة غير مسبوقة.

 ــ أصبح من الضروري أن تلتفت الدول الخليجية والعربية إلى إحياء مشاريع الصناعات العسكرية، فلا يمكن أن تستورد هذه الدول كل احتياجاتها من الأسلحة والذخيرة في ظل ما تملكه من مقومات هذه الصناعة، خاصة انها ليست حكراً على القوى الكبرى بعينها، بل دخلت إليها العديد من الدول ذات الاقتصاديات الناشئة في مختلف مناطق العالم.

ــ نجحت عملية عاصفة الحزم في إزاحة أو تغيير الصورة النمطية التقليدية عن دول مجلس التعاون الخليجي الغنية المتخمة التي تكتفي بالمواقف المعلنة دون الأفعال الجريئة على الأرض.

ــ نجحت المملكة العربية السعودية ومعها دول التحالف في استخدام وتطبيق التمويه الاستراتيجي ما جعل عاصفة الحزم تشكل مفاجأة كبيرة لجميع دول العالم دون استثناء ومنها الدول الكبرى والدول الإقليمية خاصة إيران.

ــ نجحت عاصفة الحزم في استبعاد إيران كطرف مباشر في إدارة الصراعات وحل الأزمات في المنطقة العربية، وحرمانها من استخدام أوراق مقايضة في عقر الدار العربي.

ــ خلقت هذه العملية العسكرية الناجحة رأيًا عامًا إسلاميًا عارمًا مؤيد للمملكة العربية السعودية حاضنة الحرمين الشريفين وظهر هذا التأييد موازي لمواقف الأنظمة الرسمية في العديد من الدول الإسلامية.

ــ عاصفة الحزم جعلت المملكة العربية السعودية صاحبة قرار البدء واللاعب الرئيسي دون منازع لحل الأزمة اليمنية وعلى كافة المستويات.

التحولات في المنطقة

جاءت عاصفة الحزم على أنقاض ثورات ما يُطلق عليه الربيع العربي، أو جاءت كنتيجة من نتائج هذه الثورات التي تعرضت جراءها العديد من الدول العربية لأحداث داخلية شديدة التحول ما أضعف قبضة بعض هذه الدول وظهر (الانفلات الأمني) الذي سمح بتسرب نفوذ دول إقليمية إلى الداخل العربي وتحريك بعض الميليشيات لخدمة الأهداف الخارجية كما هو الحال بالنسبة لميليشيات حزب الله في لبنان وسوريا، والحوثيين في اليمن، والميليشيات المسلحة في العراق ، وكذلك التسلل إلى جماعات الإسلام السياسي التي وصلت إلى الحكم في بعض هذه الدول كما هو حال جماعة الاخوان المسلمين في مصر وتونس، ومحاولة طهران توظيف هذه المتغيرات والجماعات لخدمة الأهداف والمخططات الإيرانية، وهذا التمدد في نفوذ القوى الإقليمية في المنطقة على حساب الدول العربية أوجد حالة من الضيق عند المواطن العربي وشعر بالمهانة وتراجع الكبرياء العربي، وكان الرأي العام العربي في حاجة لاسترداد كرامته، لذلك وجد في عاصفة الحزم بارقة أمل، وأحيت الاعتزاز العربي والهبت المشاعر الوطنية العربية، خاصة عندما نصبت إيران من نفسها حامية للحوثيين في اليمن، لذلك استقبل الرأي العام العربي عملية عاصفة الحزم بالسعادة والتأييد ، إضافة إلى تأييد عارم في الشارع الإسلامي للمملكة العربية السعودية حاضنة الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، ومثوى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، إلى جانب كون المملكة لم تسجل في التاريخ انها دولة معتدية أو توسعية من قبل، كما أن الرأي العام العربي وخبراء الاستراتيجيات العسكرية اعتبروا هذه العملية التي جاءت بناء على مطلب يمني رسمي وشعبي، وضعت كذلك حداً لزيادة النفوذ الإيراني خارج حدود الدولة الإيرانية حيث تمدد هذا النفوذ من قيام الثورة الإيرانية وزاد بعد سقوط صدام حسين، وبعد استقواء بشار الأسد بطهران وحزب الله اللبناني في مواجهة شعبه، ومن تأثير عملية عاصفة الحزم الإيجابية جعلت الكثير من المسؤولين في الدول العربية خاصة التي تعاني من تمدد النفوذ الإيراني مثل العراق وسوريا ولبنان يجاهرون بالعداء لإيران وتأييد الموقف السعودي ومواقف دول التحالف مثل أسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية في العراق، وزعماء الأحزاب اللبنانية الرافضين لمواقف ميليشيات حزب الله، إضافة إلى زعماء الأحزاب في الدول الإسلامية.

 عاصفة الحزم ومن بعدها عملية إعادة الأمل، ثم الهدنة التي بدأت السريان منذ منتصف ليل الثلاثاء 12مايو 2015م، وتخصيص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ملياري ريال لمساعدة الشعب اليمني، والتنسيق مع الأمم المتحدة وإسناد مهمة إغاثة الشعب إلي المنظمة الدولية، وتعديل أوضاع اليمينيين المقيمين بالمملكة، واستضافة الرياض للرئيس اليمني الشرعي عبد ربه منصور هادي، ونائبه ورئيس حكومته خالد بحاح، يؤكد أن المملكة العربية السعودية لا تريد إلا استقرار اليمن وإبعاده عن شبح الحروب الأهلية والطائفية والنزاعات الحزبية والقبلية ، ولا توجد أي مصلحة شخصية للمملكة ، أو تحقيق أي منافع أو سيطرة أو غير ذلك، فكل ما تفعله في الضوء ومن أجل الشعب اليمني فقط.

 

 

كلمات دليلية