;
الصفحة السابقة

الإسلاميون و"الربيع العربي"

انشأ بتاريخ: الخميس، 01 كانون1/ديسمبر 2011

لعبت الأنظمة العربية سواء التي كانت مدعومة من الولايات المتحدة أو تلك التي تعاديها، دوراً محورياً في تقليص أو تحييد دور حركات الإسلام السياسي في السلطة والحكم في المنطقة العربية. ورغم أن الدين الإسلامي يشكل ركناً أساسياً في ثقافة وتقاليد معظم الشعوب العربية، إلا أن المشاركة السياسية الفاعلة للإسلام السياسي في تلك الدول بقيت مقيدة بسبب الطابع السلطوي لأنظمة الحزب الواحد التي تسيدت على الحكم في العديد من الدول العربية.

أثارت ثورات( الربيع العربي) موجة من التوقعات والتحليلات والهواجس حول دور الحركات الإسلامية المستقبلي وإمكانية وصولها إلى سدة الحكم. وعلى الرغم من أن الحركات الإسلامية لم تكن ملهمة للثورات العربية كما لم تكن رائدة لها، إلا أنها سارعت إلى الالتحاق بركب هذه الثورات وانخرطت بصفوفها، ولم تخف سعيها لاستثمار الربيع العربي بمشاركة سياسية حقيقية في السلطة التي حرمت منها منذ عقود. ومن غير المستبعد أن تحقق هذه الحركات فوزاً كبيراً في أي انتخابات مقبلة واكتساح عدد كبير من مقاعد البرلمان وربما سعت هذه الحركات إلى التنافس على الرئاسة في يوم من الأيام. بادرت الحركات الإسلامية إلى تبني سياسات معتدلة وشعارات محايدة لإزالة مخاوف الآخرين، وأعلنت بعد مشاركتها في ثورات الربيع العربي نيتها المشاركة في الحكم والسلطة.

وعلى الرغم من أن تلك السياسات والشعارات قد تكون براغماتية ومجرد وسيلة تساعد الإسلاميين على الوصول إلى الحكم وليس بالضرورة أن تكون موقفاً أيديولوجياً أصيلاً، إلا أن ذلك لا ينفي حدوث تطور فكري لحركات الإسلام السياسي يستجيب سياسياً للأوضاع الجديدة والمتغيرة في المنطقة وللموقف الدولي أيضاً. وفي إطار تهيئة نفسها للمشاركة في السلطة أو استلامها، جاء سعي الإخوان المسلمين للتحالف مع الأحزاب الأخرى بما فيها الليبرالية واليسارية وكذلك سعيهم للتفاهم مع المجلس العسكري ليبرهن على قدرة الإسلاميين على عقد تحالفات مع أحزاب وجماعات سياسية أخرى ذات توجهات فكرية وأيديولوجية مختلفة.

من غير المستبعد أن تحقق الحركات الإسلامية فوزاً كبيراً في أي انتخابات عربية مقبلة

كما عملت حركات الإسلام السياسي في دول الربيع العربي على تقديم أجندات عملية تتعاطى مع الواقع السياسي والاقتصادي الجديد، فغابت شعاراتها المعهودة كالإسلام هو الحل، كما قل الحديث عن الهوية الإسلامية وتقييد حقوق المرأة والأقليات غير المسلمة. وتهدف هذه الطروحات المعتدلة إلى الحد من مخاوف الآخرين من قيام سيطرة إسلامية على حكم البلاد، كما تساعد على التقليل من حدة الضغوط الغربية الرافضة لوصول الحركات والأحزاب الإسلامية إلى سدة الحكم. إن ذلك يفسر تصريحات حزب الحرية والعدالة الذي تشكل من قبل حركة الإخوان المسلمين في مصر للمرة الأولى مرة منذ عقود طويلة من الحظر، بأنه سيطرح مرشحين لنصف المقاعد التشريعية فقط في انتخابات الخريف المقبل، ولن يطرح أياً للرئاسة، الأمر الذي يوضح مسعى جماعة الإخوان للتحكم في القرار السياسي في مصر من دون السيطرة أو الهيمنة على المشهد السياسي المصري بأكمله. كما اتبعت حركة النهضة الإسلامية في تونس، التي كانت محظورة قبل الثورة التونسية، سياسة مماثلة لنظيرتها المصرية، فعلى الرغم من أنها تحظى بتأييد كبير لدى التونسيين حسب استطلاعات الرأي، رجح زعيمها (الغنوشي) تقاسم السلطة مؤكداً عدم نية الحركة خوض الانتخابات الرئاسية.

وتأتي تصريحات بعض الرموز الإسلامية في الإطار ذاته. فقد دعا الشيخ يوسف القرضاوي، المرجع الفقهي السياسي للإخوان المسلمين في العالم العربي والمرشد السياسي لكثير من الجماعات الإسلامية، إلى قبول الديمقراطية واختيار الشعب لحكامه لمدة محددة من دون اغفال للشورى الملزمة (أهل الحل والعقد) وعدم إخضاع الثوابت الإسلامية للتصويت الديمقراطي. كما أشار زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس راشد الغنوشي إلى أن حكومة إسلامية بقيادة الحركة ستحافظ على تونس كواجهة سياحية ولن تمنع الخمور أو تقيد حرية النساء. وما بين تصريح الشيخ القرضاوي وتصريحات الغنوشي تتضح معالم الالتباس، فمواقف القرضاوي تبقى أقرب إلى الواقع المتعارف عليه للإسلام السياسي المعتدل، بينما يأتي موقف الغنوشي أكثر انفتاحاً ويخرج عن نص الخطاب الإسلامي المتعارف عليه للحركات والأحزاب السياسية الإسلامية بشكل عام. وهناك مجموعة من الأسباب التي تعزز احتمال فوز حركات الإسلام السياسي بأغلبية نسبية في البرلمان.

فهذه الحركات وخاصة جماعة الإخوان المسلمين هي الأقدم نشأة والأكثر خبرة وشعبية وتنظيماً، وتحظى بشرعية تاريخية لا تمتلكها الأحزاب الأخرى، هذا بالإضافة إلى أن هذه الحركات نجحت في تعزيز شعبيتها من جراء الحملات الغربية المعادية للإسلاميين، كما استفادت كثيراً على الصعيد الداخلي في بلدانها من تبني ودعم حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين. من جانب آخر، أسهمت أنظمة الحكم البائدة في كل من مصر وتونس وليبيا وبعض أنظمة الحكم التي تصارع من أجل بقائها كما هو الحال في كل من سوريا واليمن، في تعزيز مكانة حركات الإسلام السياسي في بلدانها، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، من خلال احتواء الأنظمة للأحزاب السياسية القومية واليسارية والتحالف معها، مما أفقدها المصداقية فظلت أحزاب نخب لا ثقل لها في الشارع العربي، بينما حافظت جماعة الإخوان المسلمين رغم قمع ومطاردة قادتها وأعضائها على بقائها وتماسكها مما سمح لها بالنهوض بعد اندلاع ثورات الربيع العربي.

فقرار حل الحزب الوطني المنافس لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، أزال العقبة الأكبر من طريق الجماعة للفوز في أي انتخابات برلمانية مستقبلية، وسيكون الحال كذلك إذا ما سقط النظام البعثي في سوريا وتم حل أو اجتثاث حزب البعث، تماماً كما حدث قبل ذلك في العراق. وقد استفاد الإسلاميون كذلك من دعم بعض الدول المؤثرة في ثورات الربيع العربي، كدولة قطر التي لا تخفي تعاطفها مع جماعة الإخوان المسلمين، وتركيا التي تقدم النموذج الذي يمكن أن يحتذى في الحكم إذا ما وصل الإسلاميون إلى السلطة في دول ثورات الربيع العربي. وأخيراً فقد فرضت ثورات الربيع العربي وبروز دور جماعة الإخوان المسلمين والإسلاميين الآخرين على الولايات المتحدة إعادة النظر في طبيعة علاقتها مع الإسلاميين لأنهم باتوا القوة السياسية الصاعدة والأهم في المنطقة. وربما كانت الولايات المتحدة ترغب في التعاطي مع قوى أخرى تفضلها، لكن لا تشكل بديلاً في الوقت الراهن عن الإسلاميين، وربما يحتاج تطورها لتصبح قوى مؤثرة لسنوات طويلة، ولا تستطيع الولايات المتحدة في هذه الحال تجاهل القوة الأهم الموجودة على الأرض. وهناك مجموعة من التحديات التي سوف يتحدد على ضوئها مستقبل الإخوان المسلمين في دول الربيع العربي.

يتمثل التحدي الأول في قدرة الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى على التفاهم فيما بينها على أجندة أو برنامج يحدد طبيعة النظام السياسي الذي سيعيشون في ظله أو يشاركون فيه، وكذلك طبيعة المجتمع الجديد الذي سيشكلون فيه قوة أساسية وفاعلة. وإذا كانت الأمور في هذا الشأن واضحة لدى جماعة الإخوان المسلمين، رغم التباينات في صفوف الجماعة، فليس من المؤكد أن لدى الجماعات الإسلامية الأخرى كالسلفيين والجهاديين والصوفيين، وهي كلها جماعات إسلام سياسي رغم ادعاء بعضها عكس ذلك، رؤى متقاربة فيما بينها من ناحية ومع جماعة الإخوان من ناحية أخرى. ويكمن التحدي الثاني في مدى قدرة الإسلاميين بكافة اتجاهاتهم على التفاهم مع بقية الأحزاب والاتجاهات السياسية الأخرى في دول الربيع العربي، وقدرتهم على الاتفاق معها على برنامج سياسي واجتماعي مشترك يحترم مبادئ التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، والحريات العامة والخاصة وما شابه ذلك. ويتمثل التحدي الثالث في مدى قدرة جماعات الإسلام السياسي على التحول إلى حركات إسلامية عصرية مواكبة لروح العصر، ومقتضيات تطوير مجتمعاتها. وفي هذا السياق يتبادر إلى الذهن النموذج الإسلامي التركي الذي يقود نظام حكم علماني تشارك فيه كافة الأطياف السياسية والفكرية والثقافية. وحيث إن التجربة الإسلامية التركية تختلف عن مثيلاتها في دول الربيع العربي، فليس من المعروف إن كانت ثورات الربيع العربي ستنجح في التوفيق بين مقتضيات الحكم في دولة مدنية، والإبقاء على تمسكها بأيديولوجيتها الإسلامية.

أما التحدي الرابع والأخير فيتمحور حول قدرة الإسلاميين في دول الربيع العربي على بلورة أو صياغة علاقة جديدة مع الغرب والولايات المتحدة لا تنزع عن الإسلاميين شرعيتهم. فالولايات المتحدة تريد من الإسلاميين مقابل التعامل معهم، تبني سياسات معتدلة تجاه إسرائيل، وتتوقع منهم أيضاً محاربة ما يسمى الإرهاب، بالإضافة إلى اعتماد النظام الديمقراطي في بلدانهم من بين أمور أخرى. وفي الختام من الصعب التقرير بشكل جازم حول خريطة ومستقبل الإسلام السياسي في دول الربيع العربي وكيفية تعامله مع ما أشرنا إليه من تحديات، وفي ظل عدم اكتمال الفصول النهائية للثورات العربية حيث تبقى التطورات مفتوحة على الاحتمالات كافة.

كلمات دليلية
سنية الحسيني 87