انت هنا: الرئيسية

الأزمة السورية .. والمواقف الخليجية

انشأ بتاريخ: السبت، 01 آب/أغسطس 2015

المواقف الخليجية تجاه الأزمة السورية ثابتة ومبدئية منذ اندلاع الثورة الشعبية العارمة في مارس 2011م، بعد أن اشتعلت جذوتها في محافظة درعا، وبدأت هذه المواقف بإسداء النصائح الصادقة والمتتالية للنظام السوري ومفادها ضرورة قبول الحل السياسي السلمي والاستماع إلى مطالب الشعب السوري وإيجاد الحلول المناسبة، وأرسلت المملكة مبعوثين رفيعي المستوى إلى دمشق وبدأت التنسيق مع مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية لإيجاد هذه الحلول التي تجنب الشعب السوري ويلات الحروب الدامية والانقسامات الخطيرة التي تهدد الفسيفساء السوري، والحيلولة دون التدخلات الإقليمية والدولية، وحقن دماء الأعداد الكثيرة من القتلى، وإيقاف نزيف التهجير الذي طال نصف الشعب السوري.

 لكن النظام السوري صم أذنيه عن كل المساعي السلمية والمحاولات الصادقة التي هدفت وما زالت إلى الحفاظ على وحدة سوريا وشعبها، واستقوى هذا النظام بإيران وحزب الله، وأخذ هذا الاستقواء أشكالاً متعددة تمثلت في إدخال ميليشيات مسلحة تقاتل الشعب السوري، و الدعم المالي والعسكري والسياسي واللوجستي وإمدادات البترول بما يزيد عن 60 ألف برميل يومياً من إيران، ولم يتورع بشار الأسد من رهن مقدرات الدولة السورية للنظام الإيراني .وكذلك الدعم الدولي الذي تقف خلفه روسيا والصين في مواجهة أمريكا لكي تكون سوريا ساحة حرب تخدم الأهداف والمصالح و المطامع الدولية والإقليمية بين القوى التي لها مصالح مباشرة أو غير مباشرة، فيما يظل الضحية هو الشعب السوري وحده فقط الذي يدفع ثمن تعنت ديكتاتورية النظام الحاكم، وأطماع القوى الإقليمية وصراع  القوى الكبرى في العالم.  

بعد إصرار النظام الحاكم في دمشق على المضي في غيه وعدم الاستماع إلى كافة النصائح واستمراء قتل شعبه بالصواريخ، وقذائف المدافع، والبراميل المتفجرة، والأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً، طالبت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بتسليح الجيش الحر والمعارضة المدنية المسلحة للتصدي للأسد ونظامه وذلك قبل أن تظهر الجماعات الجهادية المسلحة ومنها  داعش والنصرة وغيرها، هذه الجماعات التي أطلقها بشار الأسد من السجون وجعلها تتواصل مع العالم الخارجي لتجنيد عناصر جديدة  للقتال في سوريا، وبمصادر تمويل مشبوهة وهي قادمة ـ حسب التقارير الدولية ـ من إيران ومن أجهزة استخبارات عالمية تابعة لدول كبرى لكي تتسع ساحة القتال، وتمزيق سوريا إلى جماعات متناحرة ومتصارعة، مع صورة مفزعة للجماعات الجهادية التي تنتسب إلى الإسلام زوراً والإسلام منها براء، ولكن تخاذلت أمريكا وأرادت إسرائيل أن تبقى الحرب الأهلية في سوريا مستعرة حتى تكون هذه الدولة المجاورة لها كنتونات وساحة لتصفية  الفضائل المسلحة وإنهاك الجيش السوري، بل تقول التسريبات أن الولايات المتحدة وبالاتفاق مع إيران وتفاهم روسي / صيني وفي إطار صفقة مع نظام دمشق وافقت واشنطن على تصفية مخزون سوريا من السلاح الكيماوي وسلاح الدفاعات الجوية التي تهدد إسرائيل، مقابل بقاء الأسد في السلطة وهو منزوع المخالب العسكرية الهجومية ويقبل ما تفرضه  إسرائيل وأمريكا.

واتضحت الصورة أكثر بعد الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ومن المؤكد أن سوريا ليست بعيدة عن هذا الاتفاق ومضمونه وأهدافه وما يرمي إليه في إطار تنازل واشنطن عن مواقفها المتشددة إزاء إيران في سوريا، وبذلك تكون سوريا دخلت حالة من الاسترخاء الدولي وغياب القوى الكبرى عن حلبة الصراع وترك الشعب السوري لمصيره دون حلول تبدو في الأفق، مع شكوك في حقيقة مواجهة الولايات المتحدة لتنظيم داعش الإرهابي الذي سيظل مسمار جحا على ما  يبدو لفترة طويلة دون حسم من أجل جر المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار والارتباك الأمني وفي ظل هذه الحالة سوف يتمدد النفوذ الإيراني في سوريا والعراق مع محاولات طهران المستميتة للتواجد في اليمن، إضافة إلى وجودها التقليدي في لبنان عبر ميليشيات حزب الله.

يتبقي أن تدرك الدول العربية أن حل الأزمة السورية لن يأتي من خارج المنطقة، ولن تخرج إيران بسهولة من سوريا ولن تقدم الولايات المتحدة الأمريكية حلولاً جادة وحاسمة وستظل مواقفها الرمادية غير المجدية أو الناجعة، لذلك يجب أن يكون الحل من داخل المنطقة وبالتعاون مع  الدول الإقليمية التي ليس له أطماع في سوريا  أو غيرها من الدول العربية، وعليه من الضروري الإسراع في تشكيل الاتحاد الخليجي العربي، وتقوية القوة الخليجية الموحدة وتفعيل دور قوات درع الجزيرة لتكون نواة لجيش خليجي دفاعي قوي، والإسراع في تشكيل قوة الدفاع العربية المشتركة التي سبق أن ناديت بها في دراسة موثقة ومنشورة قبل أكثر من عشر سنوات لتكون وسيلة فعالة لتأمين المنطقة العربية وآلية حاسمة لإطفاء البؤر المشتعلة، إضافة إلى مواجهة موجات الإرهاب المتتالية التي تستهدف الدول العربية ، كما يجب تفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك، وكذلك الإسراع في تشكيل ما تم الاتفاق عليه في القمم العربية السابقة من إيجاد محكمة العدل العربية وغيرها مما يدعم العمل العربي المشترك، إضافة إلى الاهتمام بالصناعات العسكرية سواء على مستوى كل دولة أو على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، أو على المستوى العربي ، حيث مازالت الصناعات العسكرية المحلية في مراحلها الأولى ولم تصل إلى الحد المأمول مقارنة بالدول الأخرى التي سبقت الدول الخليجية والعربية في هذا المضمار، خاصة أن الدول الخليجية والعربية تمتلك مقومات هذه الصناعة وكانت قد قطعت شوطاً فيها منذ بداية السبعينيات الميلادية في القرن الماضي لكنها تعثرت.

كما يجب على دول مجلس التعاون الخليجي تنويع مصادر التحالفات الدولية بما يحفظ لهذه المنطقة الهامة والإستراتيجية استقرارها وأمنها وتوازنها العسكري والاستراتيجي خاصة بعد الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 والذي سيقود في نهاية المطاف إلى ظهور إيران قوة نووية عسكرية في المنطقة الأمر الذي سوف يخل بالتوازن الاستراتيجي حتماً وقد يقود المنطقة إلى حالة من التوتر ما لم يكن هناك ردع لإيران وهي دولة غير منضبطة وتجاهر بأطماعها في المنطقة .

 كل ذلك يحتم وجود سياسة جديدة واضحة المعالم تجاه إيران وتغلغلها في الدول العربية القريبة من دول مجلس التعاون الخليجي، وما سوف يتمخض عنه الاتفاق النووي ورفع الحظر الاقتصادي عن إيران ما يجعلها قادرة على تنفيذ مخططاتها المعلنة.

                                                      

كلمات دليلية

الشركات المعلنة