;
الصفحة السابقة

الفلسطينيون يغيّرون شروط اللعبة

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 01 شباط/فبراير 2012

إن ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة لمطالبة المجتمع الدولي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وطلب عضوية فلسطين في المنظمة الدولية يأذن ببداية عهد جديد للفلسطينيين. فالمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية طوال العقدين الماضيين لم تحقق الهدف الأول والرئيسي منها والمتمثل في إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ولم تعد الولايات المتحدة تمثل وسيطاً نزيهاً مقبولاً لدى الفلسطينيين والعرب وربما المجتمع الدولي بعد أن فشلت في إخفاء انحيازها الأعمى لإسرائيل.

لقد قرر الفلسطينيون أن يتوجهوا إلى الأمم المتحدة لانتزاع الاعتراف بدولتهم من المنظمة الدولية بعد مماطلة إسرائيلية طويلة وممارسة إسرائيلية مستفزة على الأرض هدفت إلى طمس الحق الفلسطيني في ظل صمت وربما تواطؤ أمريكي. وكما قررت الشعوب العربية أن تبدأ عهداً جديداً يحمل الحرية والديمقراطية والعدالة، قرر الفلسطينيون كذلك أن يبدأوا عهدهم الجديد بمعركة دبلوماسية سلمية لانتزاع حقوقهم المشروعة والتي أقر بها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

وليس مفهوماً موقف تلك الأطراف التي تعارض ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة، لانتزاع الاعتراف بفلسطين من المجتمع الدولي وطلب العضوية لها في المنظمة الدولية، لأن موقف هذه الأطراف يتسم بالتناقض، ويتساوق مع موقف كل من إسرائيل والإدارة الأمريكية. ولعل محاولات إسرائيل والولايات المتحدة جر الفلسطينيين للعودة إلى المفاوضات والتي وصلت إلى حد التهديدات، تتطلب من جميع الأطراف إعادة النظر والتمحيص في أهمية هذه الخطوة الدبلوماسية الفلسطينية خصوصاً بعد اليأس والإحباط اللذين أصابا الفلسطينيين بعد عملية تفاوضية عقيمة فقدت خلالها المفاوضات مصداقيتها.

لقد فقدت أغلبية الفلسطينيين الثقة بجدوى المفاوضات مع إسرائيل واعتبروها مجرد تضليل لاستمرار سياسة إسرائيل بفرض الأمر الواقع على الأرض ومصادرة الأمل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وذلك ما تؤكده بالفعل سياسة إسرائيل التي تصرّ على التفاوض في ظل استمرار الاستيطان. كما شكك العديد من الفلسطينيين في جدوى مرجعيات أوسلو وطالبوا بإعادة النظر فيها، وطالب آخرون باللجوء إلى خيارات أخرى غير خيار المفاوضات، بعد أن أثبت هذا الخيار فشله الذريع.

ويأتي القرار الفلسطيني بالذهاب إلى الأمم المتحدة استناداً إلى الحق الفلسطيني الذي ضمنته قرارات العدالة الدولية، وفشلت المفاوضات في انتزاعه. وإن كان أحد دوافع الذهاب إلى الأمم المتحدة هو إعادة التأكيد على المرجعيات القانونية للقضية الفلسطينية والتي تحظى بدعم معظم دول العالم، فإن النتيجة الأهم هي أن إجراء أية مفاوضات فلسطينية-إسرائيلية مستقبلية سيكون مستنداً إلى مرجعيات قانونية جديدة مرتبطة بالاعتراف بفلسطين كدولة. وهذا ما يفسر معارضة إسرائيل الشديدة لذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة.

إن خيار الذهاب إلى الأمم المتحدة لا ينفي الخيارات الأخرى التي تبقى مفتوحة أمام الفلسطينيين، فالرئيس الراحل ياسر عرفات طالب العالم في خطابه التاريخي في الجمعية العامة قائلاً (لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي)، لكنه أبقى خيارات الشعب الفلسطيني مفتوحة. من ناحية أخرى إن الذهاب إلى الأمم المتحدة لانتزاع اعتراف العالم بالدولة الفلسطينية لا يمس بمكانة منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ولا تفقد منظمة التحرير الفلسطينية مبرر وجودها إلا عندما يحصل الفلسطينيون على حقوقهم الكاملة وعلى رأسها الاستقلال وحق العودة.

إن قرار الذهاب إلي الأمم المتحدة يكتسب أهمية فائقة لأنه يعكس تطوراً في التفكير والممارسة السياسية الفلسطينية، ويمكن وصفه بأنه تحول مهم لدى صانع القرار الفلسطيني، لأنه بهذا القرار يتمرد على القوالب السياسية التي ضبطت السلوك السياسي الفلسطيني حتى الآن. فقرار الـذهاب إلى الأمم المتحدة ينطوي على قناعة بضرورة البحث عن مسار بديل في السعي لإنهاء الاحتلال وتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية والاستعداد لتحمل تبعات مثل هذا القرار بما ينطوي عليه من مخاطر. ويبدو أن صانع القرار الفلسطيني بات يدرك أن استمرار الوضع القائم الذي يهدد الوجود المادي للشعب الفلسطيني على أرضه، هو الخطر الأكبر الذي تصغر إلى جانبه أية مخاطر أخرى كالذهاب إلى الأمم المتحدة، الذي ينطوي على أهمية استراتيجية أخرى تتمثل في الحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني وتوسيع هوامشه. كما أن هذا القرار يضع القضية الفلسطينية ومطالب الشعب الفلسطيني بالانعتاق من الاحتلال ونيل الاستقلال الفلسطيني على رأس الأجندة السياسية الدولية. 

إنالآثارالقانونيةوالدبلوماسيةالتيتترتّبعلىالاعترافبالدولةعديدةومتنوّعةولا يمكنالتقليلمن أهميتها. كما أن طلب العضوية في المنظمة الدولية على قدم المساواة مع الدول الأخرى سيمكن الدولة الفلسطينية من التقدم بشكاوى إلى المحاكم الدولية ذات الاختصاص ضد أي تهديد أو عمل من شأنه أن يمس بحقوقه. كما سيكون بمقدور الدولةطلب الحماية من المجتمع الدولي إذا ما برزت الحاجة إلى ذلك.

لقد أحدث قرار الذهاب إلى الأمم المتحدة حالة من التعبئة الشاملة في أوساط الفلسطينيين في كل مكان، كما أحدث حراكاً واسعاً غير مسبوق في الساحة الدولية. وأياً كانت نتيجة التحرك الفلسطيني، فإنه لا ينطوي على أضرار تضاهي الجوانب الإيجابية التي سيحققها هذا التحرك. ويأتي هذا القرار في لحظة تاريخية مؤاتية حيث ربيع الثورات العربية التي تطالب بحقها في الحرية والحياة الكريمة،  وفي لحظة تلقى فيها مطالب الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال آذاناً صاغية. إن قرار الذهاب إلي الأمم المتحدة هو قرار فلسطيني تاريخي يقتضي من الفلسطينيين توحيد الصفوف لإنهاء معاناة طويلة تحملوها وتضحيات جسام تكبدوها لعقود من الزمان. 

إن إصرار الولايات المتحدة على مجاراة إسرائيل في سياساتها المتعنتة الرافضة للسلام كلف الولايات المتحدة مكانتها وسمعتها في المنطقة. وفي حين أن سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين لم تعد مقبولة وكلّفتها تعاطف العديد من شعوب العالم وحكوماته ومحاصرتها وعزلها دولياً، إلا أن التطورات المتلاحقة في المنطقة العربية تنبئ بمزيد من التوترات في المنطقة لغير صالح إسرائيل والسياسة الأمريكية.

لقد شكل ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة اختباراً لمصداقية الولايات المتحدة وسياستها في منطقة الشرق الأوسط في ظل ثورات (الربيع العربي) التي تطالب بالحرية، إلا أن مواقف الإدارة الأمريكية فشلت في هذا الاختبار بعد أن جعلت الولايات المتحدة نفسها خصماً رئيسياً للفلسطينيين بدلاً من أن تكون وسيطاً نزيهاً بينهم وبين الإسرائيليين، كما تجلى ذلك في خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. والسؤال المطروح الآن هو إن كانت هناك فائدة من التعويل على الإدارة الأمريكية مرة أخرى ومطالبتها بإعادة النظر في موقفها؟

 

كلمات دليلية
89 سنية الحسيني