;
الصفحة السابقة

البعد الأمني في العلاقات العراقية-الخليجية بعد الانسحاب الأمريكي

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 01 شباط/فبراير 2012

في الحادي والعشرين من أكتوبر الماضي أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق سينتهي نهاية عام 2011. ويحمل هذا الإعلان في ظل الوضع العراقي المأساوي والانفلات الأمني بين طياته حقيقة بازغة، مفادها أن الاحتلال الأمريكي للعراق على مدار السنوات السبع الماضية فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق الاستقرار وإقرار الأمن وبناء نموذج ديمقراطي في العراق، مما ينبئ بأن ما بشرت به الإدارة الأمريكية السابقة غير المأسوف علىها لم يكن سوى ميراث مأساوي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ها هو العراق يئن من وطأة تدني كافة أوضاعه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية، ويدور في حلقة مفرغة، في ظل استمرار الصراع بين الكتل والقوائم السياسية، مما يعيق تشكيل حكومة الإجماع الوطني، ويزيد من تفاقم النزاع والتناقض بين القوى السياسية، بما ينعكس بشكل جلي على أمن واستقرار ليس العراق فحسب بل المنطقة برمتها.

الاحتلال الأمريكي للعراق على مدار السنوات السبع الماضية فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق الاستقرار

ومن ثم فإن ما يجري على الساحة العراقية من تطورات سياسية وعسكرية غداة الإعلان الأمريكي عن الانسحاب، له انعكاساته وتداعياته الواضحة على الساحة الخلــيجية، فهي دوماً أكثر عرضة للتأثر والتأثير لما يجري في العراق، وخاصة في ما يتعلق بالوضع الأمني، وتبدو أهمية مناقشة هذا الملف مع احتدام الجدل حول التداعيات الأمنية المستقبلية لانسحاب القوات الأمريكية من العراق وتأثيرات هذا الانسحاب على الأمن الخليجي، أمراً غاية في الحيوية. فتداعيات هذا الملف لا شك في أنها تتجاوز الحدود الجغرافية للعراق إلى دول الجوار الخليجي، وقد حذر عبدالرحمن بن حمد العطية، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي السابق، من استمرار تردي الوضع الأمني في العراق غداة الانسحاب الأمريكي من العراق، لأن ذلك من شأنه أن يهدد استقرار العراق من جهة، والاستقرار الإقليمي من جهة أخرى، موضحاً ومشدداً على أن استتباب الأمن في العراق يحظى بأولوية قصوى لدى دول مجلس التعاون الخليجي.

ومن الثابت تاريخياً أن الولايات المتحدة الأمريكية قد آثرت عدم إسقاط نظام صدام حسين عشية حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) يناير 1991 خشيةً من تعقد الوضع السياسي في العراق، وشيوع الفوضى في المنطقة على أثر ذلك، وهو الأمر الذي بدا واضحاً من خلال رفض الرئيس بوش طلب الجنرال شوارزكوف- قائد قوات التحالف خلال حرب الخليج الثانية - بالتدخل في العمق العراقي، حيث رفض هذا الأمر قائلاً: (من يتحمل مسؤولية الفوضى التي ستحصل في العراق والمنطقة إذا قمنا بقلب نظام الحكم في بغداد؟) فقد تخوفت واشنطن من تعرض خريطة العراق للتقسيم مما قد يسهم في زعزعة كاملة لأمن المنطقة واستقرارها. لقد نأى بوش الأب بنفسه عقب حرب الخليج الثانية من إقحام قواته في معترك المستنقع العراقي لتخوفه من تداعيات الفوضى التي ستحدث في العراق والمنطقة إذا ما أسقط النظام العراقي وتعرضت خريطته للتقسيم، وخشيته أن يؤدي ذلك إلى تعاظم النفوذ الإيراني في العراق. ويبدو المشهد العراقي الآن تجسيداً لهذين العاملين، فبوش الابن لم يتعلم الدرس ولم يقرأ التاريخ جيداً، واحتل العراق مدفوعاً بأحلام القرن الأمريكي وغريزة الهيمنة على مقدرات العالم.

بانتهاء الانسحاب الأمريكي تطوى صفحة مريرة من صفحات التاريخ العراقي

لقد اعترف المحللون والخبراء بأن غزو العراق في عام 2003 يعد من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية، بل عدها البعض خطأ استراتيجياً من أجل حرب تصفير مقومات القدرة العربية الشاملة، ومنها القدرة العسكرية العراقية التي نتج عنها خلل استراتيجي واضح لصالح النفوذين الإيراني والإسرائيلي، وبدا الانفلات الأمني في العراق هو القاعدة والاستقرار هو الاستثناء، ويبقى الهاجس الأمني لدول مجلس التعاون الخليجي في ظل هذا الوضع قائماً وبقوة، وخاصة في ظل حالة عدم الاستقرار والعنف والفوضى والتنافس الطائفي الذي يضرب بجذوره في العراق.

لقد جاءت مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لتشمل مخاوف متزايدة لدى دول مجلس التعاون الخليجي في ظل أوضاع عراقية أضحت تموج بمظاهر ومؤشرات عديدة لعدم الاستقرار والعنف الطائفي وتنذر بحرب أهلية، وظهور أغلبية حاكمة شيعية، فالعنف المتصاعد بين القوى المتنافسة في العراق أربك المشهد الخليجي، وتحولت حالة الارتياح بالتخلص من نظام صدام حسين إلى صداع أمني وسياسي، وأضحت الأمور أكثر توتراً مع تنامي النفوذ الإيراني في العراق، وتزايد حجم القلق وعدم الاستقرار في العراق مع غياب الرؤية لمستقبله السياسي، وبدت هناك مخاوف قوية من تهميش السنة العرب في العراق طوال السنوات السبع الماضية، والتقارب بين ساسة العراق وإيران على مختلف المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، وابتعاد العراق الذي يعتبر قلب الأمة العربية والبوابة الشرقية للوطن العربي.

ومع الانسحاب الأمريكي من العراق تطوى صفحة مريرة من صفحات التاريخ العراقي، وتبدأ مرحلة جديدة يشوبها الغموض والحذر من عراق ما بعد الانسحاب، ومن ثم فإن دول مجلس التعاون الخليجي أضحت مطالبة في ظل هذه المرحلة الحرجة بدور فاعل ومؤثر لضمان أمن واستقرار العراق، والخروج من النفق المظلم الذي بات يخيم على كافة جوانب المشهد العراقي. فوفقاً للبعد الجغرافي والتاريخي وروابط العروبة والإسلام فإن دول مجلس التعاون الخليجي مهيأة للعب دور إيجابي أكثر تأثيراً إزاء التطورات التي من المحتمل أن يشهدها عراق ما بعد الانسحاب، فيمكن لدول المجلس أن توظف إمكاناتها السياسية والاقتصادية بشكل يسهم في ترتيب الساحة العراقية، من خلال استغلال تلك المقومات في الإسهام بدور إيجابي لإنضاج العلاقة بين الكتل السياسية، وعدم تهميش أية كتلة سياسية داخل العراق، مما يسهم في تشكيل حكومة إجماع وطني من شأنها بلورة وتكريس الأسس الدستورية التي ارتضاها الشعب العراقي، مما يوفر قدراً من الأمن والاستقرار ويعيد للعراق مكانته الإقليميةوالدولية الطبيعية. كذلك يمكن لدول المجلس أن تسهم بدور فاعل ومؤثر في القضاء علىالعنف في العراق من خلال مساعدة العراق على عبور محنته السياسية والاقتصادية، وعدمتحميل الشعب العراقي أوجاعاً أخرى من خلال تحميله للتعويضات الاقتصادية بحجة أنها قرارات دولية، فوضع العراق الاقتصادي المهلهل لا يتحمل في هذه المرحلة أي ضغوط أو التزامات اقتصادية أخرى.

وينبغي على دول المجلس أن تتخلى عن الموقف الصامت غير المدركلمخاطر تطورات الساحة العراقية، لأن مايجري في العراق من تطورات قد يقفز إلى غيرها من دول المجلس، فلهيب الأوضاع المضطربة في العراق قد يمتد إلى داخل العمق الخليجي، فالثابت أن عراقاً آمناً وموحداً يصب في مصلحة دول الخليج. وهذا مدعاة لتبني دول مجلس التعاون الخليجي سياسة خارجية أكثر فاعلية تجاه العراق، الأمر الذي أكده هانز بليكس الدبلوماسي السويدي، ومفتش الأسلحة السابق في الأممالمتحدة، حيث أعرب عن أمله في تساعد دول الخليج على استقرار العراق عقب انسحاب القوات الأمريكية وضرورة التعاون المثمر مع دول الخليج لأنه يمكنها دعم استقرار العراق وبالتبعية استقرار المنطقة برمتها.

ينبغي على دول المجلس أن تتخلى عن الموقف الصامت إزاء ما يحدث في العراق

وتجدر الإشارة إلى ضرورة أن تتعاطى دول مجلس التعاون الخليجي مع مسألة الوجود الأمريكي في الخليج بعد الانسحاب الأمريكي من العراق بشيء من الحذر والحيطة، حتى لا يثير هذا الأمر مخاوف الجانب العراقي، ويشعل فتيل الريبة والشك في الأوساط العراقية مما قد ينعكس على طبيعة العلاقات العراقية-الخليجية في المستقبل القريب، وخاصة مع تواتر العديد من التقارير التي تبرز تخطيط الإدارة الأمريكية لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج بعد انسحاب القوات المتبقية في العراق، وتوسيع العلاقات العسكرية مع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. فكل ذلك من شأنه إثارة الحساسيات بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي، وتلك القضية غاية في الأهمية وخاصة بعد أن صرح وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة في مقابلة مع (نيويورك في إشارة له إلى دول الخليج) بأنهم قلقون من أن الانسحاب الأمريكي (من العراق) سيترك فراغاً. وأضاف أن اقتراح الإدارة الأمريكية تعزيز علاقتها الأمنية مع دول الخليج لن يشكل بديلاً عما يحدث في العراق، لكنه ضروري في ظل الانسحاب لإظهار دفاع موحّد في منطقة خطيرة.

ولمعالجة هذا الفراغ الأمني المحتمل غداة الانسحاب الأمريكي من العراق تتراءى لي ضرورة الاتجاه صوب وضع ترتيبات أمنية مشتركة بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي من شأنه تخفيف حدة القلق لدى دول المجلس من حجم الفراغ الأمني الذي سيترتب جراء الانسحاب الأمريكي من الخليج من جانب، ويوفر قدراً من الأمن للعراق ما بعد الانسحاب، وقد بدأ هذا الاتجاه يتبلور فعلياً حيث ذكر أحد المسؤولين العراقيين أن العراق يسعى للتوصل إلى اتفاق للدفاع الجوي المشترك مع دول الخليج العربية، من أجل تأمين مجاله الجوي بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وفي شأن آخر صرّح مدير مكتب الرئيس العراقي جلال الطالباني نصير العاني خلال مؤتمر صحفي في الرياض، بأن العراق يقترح توقيع اتفاق مشترك للدفاع الجوي مع دول الخليج، لا يغطي المجال الجوي العراقي وحده وإنما المنطقة كلها، موضحاً أن العراق يفتقر إلى الموارد اللازمة لتأمين مجاله الجوي، وأكد أن القدرات العراقية محدودة في هذا القطاع، مضيفاً أن بلاده تأمل بأن تكون الأيام التي يتعرض فيها مجاله الجوي للانتهاك من جانب قوة معادية قد ولت.

أخيراً وليس آخراً إن الفوضى التي أحدثها المحتل بسياساته وأدواته التي مارسها طيلة فترة الاحتلال أثبتت التجربة فشلها، وتنصل المحتل من كل طروحاته من جعل العراق بلداً يحتذى به بالديمقراطية والحرياتوهو ما تماثله تصريحات أوباما نفسه حين قال (سنترك العراق للعراقيين)، وأنه سينسحب انسحاباًمسؤولاً. إن عراق ما بعدالانسحاب سيكون للعراقيين بجميع انتماءاتهم، فهم الذين أجبروا المحتل على خروجه بهذه الصورةالمذلة، وأنهم قادرون على بناء صرح العراق من جديد بعون الله وبدعم من دول الجوار الخليجي، التي لا شك في أنها ستعمل على استعادة العراق إلى محيطه العربي وعودته إلى الحاضنة العربية بغية تعزيز الأمن العربي وتقليص النفوذ الإيراني المتغلغل في الشأن العراقي، وبالتالي ترميم التصدع الاستراتيجي الذي انتاب منظومة الأمن الإقليمي والعربي وإعادة ديمومة معادلة التوازن العربي. ونخلص إلى أن إعادة الأمن والاستقرار إلى العراق تشكل بما لا يدع مجالاً للشك سداً منيعاً تجاه التحديات والأطماع الإقليمية والدولية الطامحة إلى فرض نفوذها وهيمنتها على مقدرات وثروات منطقة الخليج العربي، ومن ثم بات التنسيق والتعاون بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي بصفة عامة والأمني بشكل خاص أمر لا انفصام فيه وغاية حيوية أضحت من مقتضيات مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق.

 

كلمات دليلية
89 وليد محمد مصطفى