;
الصفحة السابقة

مفاوضات تغير المناخ ودول الخليج: مأزق البيئة والتنمية

انشأ بتاريخ: الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2015

المفاوضات الدولية حول تغير المناخ لم تتوصل إلى اتفاق يحل محل بروتوكول كيوتو لتغير المناخ في مؤتمر الأطراف الخامس عشر في كوبنهاجن في عام 2009م، ومنذ ذلك الحين كانت جميع الأطراف تتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق جديد ومقبول من قبل جميع الدول بحلول عام 2015م، ويدخل حيز التنفيذ في عام 2020م. فالقضية الآن مرهونة بيد الساسة فهم من يصوغون مستقبل الأرض في مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين الذي سينعقد بباريس بأخر نوفمبر وأول ديسمبر 2015م.
إن الهدف الأساسي من مؤتمر باريس هو تحقيق التزام دولي قانوني وملزم حول المناخ والإبقاء على معدل الاحترار العالمي أقل من درجتين مئويتين. كما سيناقش المؤتمر موضوعات عديدة مثل الحد من انبعاثات غازات الدفيئة، وقضايا التمويل لمبادرات التخفيف والتكيف، ونقل التكنولوجيا.


آثار تغير المناخ على الخليج العربي
يتوقع العلماء ما لم يتخذ العالم خطوات جادة لكبح جماح الاحترار العالمي أن تتسبب مشكلة التغير المناخي في موجات من الجفاف والفيضانات وأشكال أخرى من الطقس المتطرف أكثر تكراراً وبالتالي تتسبب في أضرار جسيمة بالبنيات التحتية والتربة وموارد الأغذية والمياه وصحة الإنسان. بل يذهب بعض العلماء لأبعد من ذلك ويقولون: إن مشكلة التغير المناخي قد تتسبب في فناء الجنس البشري. وهذه المشكلات من شأنها إحداث آثار اجتماعية كبيرة، كالدفع إلى نزوح جماعي واضطرابات وصراعات ولسنا ببعيد عن الصراع السوري الذي تسبب تغير المناخ في شراراته الأولى حيث عرفت سوريا أسوأ فترة جفاف مسجلة في الفترة ما بين 2006 و2011م، وتدهورت التربة وهجر المزارعون أراضيهم نحو المدن مما خلق ضغوطا سياسية واقتصادية واجتماعية ساعدت على عدم الاستقرار ومن ثم اندلاع الحرب الأهلية.
وفيما يخص منطقة الخليج العربي نجد أن مساهمتها في انبعاثات غازات الدفيئة لا تتجاوز 2.4% من انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى العالم، إلا أن التغيير المناخي العالمي سيكون له تأثيراته السلبية الوخيمة على المنطقة خاصة انعكاساته على المكاسب الاقتصادية والتنموية التي حققتها المنطقة. فارتفاع درجات الحرارة سيؤثر على الزراعة وبالتالي الغذاء وإمدادات المياه الشحيحة جداً في المنطقة حيث سيزداد البخر وستزيد الحاجة إلى إمدادات الطاقة لأجهزة التكييف والتبريد.
كما أن ارتفاع مناسيب المياه بالبحار سيجعل السواحل المطلة على البحر الأحمر، والخليج العربي والمحيط الهندي الأكثر عرضة لمخاطر تملح التربة والمياه الجوفية وتهجير سكان السواحل بل أن دول مثل الإمارات وقطر والبحرين مهددة بأن تفقد جزءاً كبيراً من مساحتها حيث تغمره مياه البحر. والأهم من ذلك كله القدرة الضعيفة للتكيف مع كافة هذه المشكلات، فقد شاهدنا جميعاً ذلك بأم أعيننا مؤخراً في موجة الأمطار التي ضربت عدداً من الدول العربية كالسعودية والعراق ومصر في أكتوبر 2015 م، التي خلفت ضحايا بشرية ودماراً في البنية التحتية.
وإن الدول النامية بصفة عامة قدرتها على التكيف ضعيفة بالمقارنة بالدول المتقدمة ونستطيع أن نفهم ذلك من معادلة الخطر التي هي محصلة الأثر البيئي والقدرة على التكيف فقد يكون الخطر كبيرًا مع أن الأثر ضعيف لكن القدرة على التكيف ضعيفة جدا.


دول الخليج ومفاوضات تغير المناخ
بصفة عامة الوضع العربي حالياً معقد للغاية فقد لا ترغب بعض البلدان في المشاركة لأن لديها ببساطة أولويات حرجة للغاية، مثل الحرب الأهلية في بعض الدول التي تعرضت لأحداث ما يسمى بالربيع العربي، وعدم الاستقرار الداخلي كما في العديد من الدول كاليمن وسوريا والعراق وليبيا، وقد تكون بعض الدول غير مقتنعة بالمشاركة في اتفاق للأمم المتحدة بشأن المناخ، خوفا من أن ينتهك سيادتها الوطنية. لكن اتفاق باريس سيقوم على المساهمات الطوعية، التي ستقدمها الحكومات الوطنية، وسيتضمن قواعد فقط لرصد الانبعاثات والإبلاغ عنها، تعزيزاً للشفافية.
ولمفاوضات تغير المناخ بباريس أهمية خاصة لدول الخليج العربي نتيجة لعلاقتها بالوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للاقتصاد في الدول الخليجية. فغالبية قطاعات الصناعة والطاقة والزراعة والسياحة عالمياً تعتمد بصورة شبه كلية على الوقود الأحفوري، ونتيجة لذلك تولد نسبة كبيرة من انبعاثات غازات الدفيئة. ولذلك، فإن أي إجراءات تتخذ في هذا الصدد في الدول التي تتبنى قوانين لخفض الانبعاثات لتنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ قد تؤثر على الطلب على الوقود الأحفوري وهو المصدر الأساسي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو ما سيؤدي بالتبعية الى تضرر اقتصاديات الدول الخليجية البترولية. فاتفاقية تغير المناخ تعتبر تحدياً كبيراً بالنسبة للدول التي تعتمد على الوقود الأحفوري كمصدر اقتصادي رئيسي للدخل.
وبالتالي، فالمملكة العربية السعودية تؤكد على أهمية وضع السياسات المناخية التي تدعم التكيف والتخفيف من دون المساومة على أهمية النمو الاقتصادي والازدهار في البلدان النامية. أيضاً، من المهم أن يسير جنباً إلى جنب الحد من غازات الاحتباس الحراري، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن يؤثر ذلك سلباً على التنمية الاجتماعية. وهذا ما دفع، في الماضي، المملكة العربية السعودية لطلب مساعدة مالية مقابل مشاركتها كنوع من التعويض عن الأضرار التي ستلحق بها. والجدير بالذكر أن دولاً متقدمة فيما مضى حذت حذو المملكة في جهودها لحماية مصدر الطاقة أو الدخل الرئيسي لديها وعلى رأسها إنجلترا التي تتخذ العديد من الإجراءات لحماية صناعة الفحم لديها.


في رأي الكاتب أنه لابد أن تعمل الدول الخليجية مع غيرها من الدول النامية والبترولية، على ضرورة:
- وجود اتفاق شامل ينص على احترام المشاركين فيه، احترام الهدف، والالتزام به طبقاً للمبدأ المعروف "المسؤولية المشتركة لكن الالتزامات المختلفة".
- أن يلتزم المجتمع الدولي مالياً لمساعدة الدول الخليجية وغيرها من الدول المتضررة، في معالجة التغير المناخي، وآثاره ودون تعريض الفقراء للخطر.
- الشراكة ثم الشراكة ثم الشراكة فلا يمكن لأي طرف حتى الدول إنجاز أي تقدم ملموس في مجال تغير المناخ بدون الشراكة مع كافة الفئات (أي بين الدول والقطاع الخاص والمجتمع المدني...الخ) سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي وبخاصة المحلي. وهذا هو أساس الحوكمة الناجحة في أي مجال. ويكفي هنا أن نٌذكر بأن الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الدول في سبتمبر الماضي هو "الشراكة من أجل إنجاح الأهداف".
- نقل التكنولوجيا وليس التمويل، في رأي الكاتب، أهم المكتسبات التي يجب على الدول العربية أن تسعى بصورة حثيثة اليه فامتلاك التكنولوجيا الصديقة للبيئة والقليلة الانبعاثات في مختلف القطاعات هي السبيل الأمثل للتحول للاقتصاد الأخضر منخفض الكربون الذي يخلق وظائف خضراء جديدة واستثمارات جديدة ويضمن على المدى الطويل النجاح بدلاً من تسول المعونات والمساعدات من هنا وهناك.
في مفاوضات باريس سيكون لدول الخليج العربي الفرصة للتعاون مع كافة الشركاء من أجل إبرام اتفاق فعال وشامل يساهم في الحد من مشكلة الاحتباس الحراري. وفي نفس الوقت عدم الإضرار بالمكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها وهي نقطة البداية في مسيرة طويلة لمكافحة تغير المناخ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

كلمات دليلية