انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 102دراسةإنجازات وإخفاقات قمم التعاون (1981 ـ 2015) قمة الرياض: التحديات والفرص

إنجازات وإخفاقات قمم التعاون (1981 ـ 2015) قمة الرياض: التحديات والفرص

انشأ بتاريخ: الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2015

تعكس القمم السياسية اللقاءات بين مسؤولي الدول في أعلى مستوياتهم، مما يعني أن الوصول إلى قرارات أو اتفاقيات سيحظى بأكبر قدر من الالتزام من جانب السلطات والهيآت التنفيذية الأدنى. ولا يعني ذلك أن كل ما يصدر عن القمم الدولية قابل للتنفيذ أو التطبيق، حيث توجد في الأغلب فجوات بين الطموحات والقدرات، وهو ما يفسر أنه حتى في المؤسسات الدولية الكبرى يجري تنفيذ بعض القرارات، بينما تواجه قرارات أخرى عثرات وعراقيل، وذلك أمر طبيعي واعتيادي.

ويفسر ذلك تعثر الكثير من الاتفاقيات الدولية المهمة، مثل اتفاقيات خفض السلاح والحد من التسلح الأمريكية -السوفيتية سابقا، والتي استمر التفاوض حولها لعقود، وعدم تنفيذ بعض الاتفاقيات والقرارات الخاصة بالاتحاد الأوروبي، وعدم قدرة الأمم المتحدة والجامعة العربية على تطبيق القرارات الدولية والعربية الخاصة بالقضية الفلسطينية.

ولا تشكل قمم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية استثناء من هذه القاعدة، حيث أنه في الأغلب تسبق الرؤى والقرارات الواقع بكثير وتصطدم به أحيانا، فيجري تنفيذ ما يمكن تنفيذه، وتأجيل تلك التي تواجه عثرات، أو عراقيل بينما قد يكتشف أن هناك مقررات وبنود أخرى غير قابلة للتطبيق من الأساس، فتختفي من على أجندة القمة مع الزمن. ولا تقدم هذه الورقة تقييما شاملا لأداء مجلس التعاون، وإنما تسعى لرصد نتائج مؤسسة القمة الخليجية، وهي مؤسسة واحدة بين مؤسسات المجلس المتعددة.    

أولاً: القمم الخليجية 1981 – 2014: الانتظام والمؤسسية:

منذ نشأة مجلس التعاون لدول الخليج العربية عقدت 35 قمة، بشكل منتظم في شهر محدد من كل عام، وقد عقدت قمتان في السنة الأولى 1981م، في مايو ونوفمبر. وباستثناء قمة مايو 1981م، والقمم الست التالية بين أعوام 1982 – 1986م، وقمة 1999م، (وهي القمم التي عقدت جميعها في شهر نوفمبر من كل عام)، عقدت باقي قمم المجلس في ديسمبر، وحتى الدورة الـ 36 التي ستعقد في الرياض (في ديسمبر 2015 م) ويؤكد انتظام تاريخ انعقاد القمة ترسخ قيمة المؤسسية في المجلس.

وبشكل عام، فقد عقدت كل القمم بحضور ممثلي الدول الست دون غياب أي منهم، وانعقدت بمستوى التمثيل السياسي الأعلى (الملك/ الرئيس/ الأمير/ السلطان) منذ القمة الأولى يناير 1981م، وحتى القمة الخامسة عشرة 1999 م. وكان تراجع مستوى التمثيل في القمة في سنوات تالية لاعتبارات تعلقت أحيانا بالظروف الصحية لرئيس الدولة، وفي الأغلب كان ينيب عنه ثاني أعلى مستوى في التمثيل السياسي مثل ولي العهد أو نائب رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو نائب رئيس الوزراء. وهذا الانتظام في حضور القمم وفي مستوى التمثيل، يشير إلى أهمية المجلس بالنسبة لكل أعضائه، والتي جعلتهم يحرصون على حضور القمم بمستوى تمثيل مميز، فضلا عن الحضور المنتظم في الاجتماعات الوزارية.  

ويلفت انعقاد قمم المجلس بالتناوب بين عواصم دوله الست، إلى الاحترام المتبادل، بغض النظر عن الحجم أو الثروة، ورغبتها في تجنب استئثار مركز وحيد بصنع القرار أو التأثير فيه. فلقد انعقدت قمم المجلس بين 1981 و2014 بمعدل: 6 مرات في السعودية، 6 في الإمارات، 6 في الكويت، 6 في البحرين، 6 في قطر، و5 في سلطنة عمان (أنظر الجدول).    

القمم الخليجية (1981 – 2015)

ترتيب القمة

مكان الانعقاد

التاريخ

مستوى التمثيل السياسي بالقمة

السعودية

الإمارات

الكويت

قطر

البحرين

عمان

1

أبوظبي

مايو 1981

الملك

رئيس الدولة

الأمير

الأمير

الأمير/ الملك

السلطان

2

الرياض

نوفمبر 1981

-

-

-

-

-

-

3

المنامة

نوفمبر 1982

-

-

-

-

-

-

4

الدوحة

نوفمبر 1983

-

-

-

-

-

-

5

الكويت

نوفمبر 1984

-

-

-

-

-

-

6

مسقط

نوفمبر 1985

-

-

-

-

-

-

7

أبوظبي

نوفمبر 1986

-

-

-

-

-

-

8

الرياض

ديسمبر 1987

-

-

-

-

-

-

9

المنامة

ديسمبر 1988

-

-

-

-

-

-

10

مسقط

ديسمبر 1989

-

-

-

-

-

-

11

الدوحة

ديسمبر 1990

-

-

-

-

-

-

12

الكويت

ديسمبر 1991

-

-

-

-

-

-

13

أبوظبي

ديسمبر 1992

-

-

-

-

-

-

14

الرياض

ديسمبر 1993

-

-

-

-

-

-

15

المنامة

ديسمبر 1994

-

-

-

-

-

-

16

مسقط

ديسمبر 1995

ولي العهد

-

-

-

-

-

17

الدوحة

ديسمبر 1996

ولي العهد

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

-

-

-

-

18

الكويت

ديسمبر 1997

ولي العهد

رئيس الدولة

-

-

-

-

19

أبوظبي

ديسمبر 1998

ولي العهد

رئيس الدولة

-

-

-

-

20

الرياض

نوفمبر 1999

ولي العهد

-

-

-

-

-

21

المنامة

ديسمبر 2000

ولي العهد

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

-

-

-

-

22

مسقط

ديسمبر 2001

ولي العهد

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

رئيس مجلس الوزراء بالنيابة وزير الخارجية

-

-

-

23

الدوحة

ديسمبر 2002

وزير الخارجية

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء بالنيابة وزير الخارجية

-

نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية

-

24

الكويت

ديسمبر 2003

ولي العهد

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

الأمير

-

الملك

نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء

25

المنامة(قمة زايد)

ديسمبر 2004

النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء

رئيس الدولة

رئيس مجلس الوزراء

-

-

السلطان قابوس

26

أبوظبي(قمة الملك فهد)

ديسمبر 2005

الملك عبدالله بن عبدالعزيز

-

رئيس مجلس الوزراء

-

-

السلطان قابوس

27

الرياض(قمة الشيخ جابر)

ديسمبر 2006

-

-

الأمير

-

-

-

28

الدوحة

ديسمبر 2007

-

-

-

-

-

-

29

مسقط

ديسمبر 2008

-

-

-

-

-

-

30

الكويت

ديسمبر 2009

-

-

-

-

-

نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء

31

أبوظبي

ديسمبر 2010

النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية

-

-

-

-

نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء

32

الرياض

ديسمبر 2011

-

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

-

-

-

-

33

الصخير (البحرين)

ديسمبر 2012

ولي العهد

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

-

ولي العهد

-

نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء

34

الكويت

ديسمبر 2013

ولي العهد

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

-

ولي العهد

-

نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء

35

الدوحة

ديسمبر 2014

ولي العهد

نائب رئيس الدولة، حاكم دبي

-

الأمير

-

نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء

 

وشهدت أجهزة المجلس المختلفة انتظاما في الانعقاد على مدى السنين، وعلى سبيل المثال كانت آخر دورة للمجلس الوزاري لمجلس التعاون هي الدورة 137 في 17 نوفمبر 2015م، التي انعقدت تحضيرا للدورة (36) للمجلس الأعلى المقرر انعقادها في ديسمبر 2015م، فوفقا للنظام الأساسي للمجلس فإن المجلس الوزاري يعقد اجتماعاته مرة كل ثلاثة أشهر، ومنذ 1981م، وحتى نوفمبر 2015م، عقد المجلس 137 دورة، مما يعني أنه انعقد بمعدل 4 اجتماعات في السنة، بما يعنى الالتزام بما ورد بالنظام الأساسي. فضلا عن ذلك، جرى تقلد منصب الأمين العام للمجلس بالتناوب بين الدول الأعضاء، وحتى الآن عين 5 أمناء عامين للمجلس، هم: عبد الله بشارة (الكويت)، وفاهم القاسمي (الإمارات)، وجميل الحجيلان (السعودية)، وعبد الرحمن العطية (قطر)، وعبد اللطيف الزياني (البحرين).

ثانياً: التحليل السياسي لبيانات القمة وأداء المجلس:

عكست بيانات القمم الخليجية توجهات مجلس التعاون الخليجي ومواقفه من القضايا والأزمات السياسية في الخارج والداخل. ومن المثير أن المجلس الذي نشأ تلبية لأهداف داخلية بالأساس خصص الجزء الأكبر من بياناته للحديث عن الأوضاع الإقليمية، وقد أكد ذلك طغيان الوضع الخارجي والشواغل الإقليمية على أجندة المجلس منذ نشأته. وعلى سبيل المثال خصص البيان الختامي الأول لقمة المجلس في أبو ظبي 245 كلمة للحديث عن شؤونه الداخلية، بينما خصص 304 كلمات للحديث عن القضايا الإقليمية، وطغى الهم الإقليمي على البيان الختامي لقمة المجلس الثانية الذي خصص 392 كلمة للوضع الإقليمي والدولي، بينما لم يخصص سوى 108 كلمات للحديث عن الشؤون الداخلية. ولقد تغير هذا الأمر نسبيا في القمم الأخيرة للمجلس، وعلى سبيل المثال فإن بيان القمة الخامسة والثلاثين بالدوحة تضمن 1374 كلمة عن الشؤون الداخلية، و1066 كلمة للقضايا الإقليمية والدولية، وهو ما عكس اكتساب الشؤون الداخلية للمجلس أهمية أكبر بين أعضائه بتطور الزمن.     

وعلى الجانب السياسي، حققت دول المجلس مقاديرا من التنسيق البيني عبرت عنه عشرات البيانات والإعلانات المشتركة للقمم الخليجية، التي عبرت عن مواقف دعم وإسناد فيما بينها في مختلف القضايا، سواء تلك الخاصة بالأوضاع الداخلية أو القضايا الإقليمية. ومن يتتبع بيانات القمة يجد استمرار مجموعة من المواقف والقضايا منذ القمة الأولى 1981م، وحتى قمة الدوحة 2014م، ما يشير إلى تراكم تراث محدد من القضايا التي تعكس قدرة دول المجلس على بلورة سياساتها الخارجية حول هذه المواقف، ومن أبرز قضايا السياسة الخارجية التي ظلت على رأس قائمة أولويات المجلس: الحرب العراقية - الإيرانية، والغزو العراقي للكويت وتبعاته، والاحتلال الإيراني لجزر الإمارات والعلاقات مع إيران، والأوضاع في الأراضي الفلسطينية والموقف من إسرائيل والسلام في الشرق الأوسط، والقضايا والمتغيرات الدولية، وقضايا البيئة، ونزع أسلحة الدمار الشامل والملف النووي الإيراني، وظواهر التطرف والعنف والإرهاب، كما تناولت بيانات المجلس الأوضاع في الدول العربية التي تعرضت لاضطرابات مثل اليمن ولبنان والسودان والصومال.

وفي الشأن البيني، سعت دول المجلس إلى تعزيز التنسيق العسكري والأمني، ففي قمة المنامة 1982م "أقر المجلس توصيات وزراء الدفاع، الهادفة إلى بناء القوة الذاتية للدول الأعضاء". وفي قمة الرياض 1987 م، أكد "على أهمية البناء الذاتي للدول الأعضاء لدعم القدرات الدفاعية في إطار التنسيق والتكامل"، وفي قمة مسقط 1989م، أقر "توصيات وزراء الدفاع في بناء القوة الذاتية وفق التصور المشترك على أساس وثيقة السياسة الدفاعية"، وفي قمة الدوحة 1990م، تحدث عن استراتيجية دفاعية مشتركة، وفي قمة الكويت 1991 م، أكد "تصميمه على مواصلة التنسيق والتعاون في المجال العسكري والأمني والارتقاء بالقدرات الدفاعية في إطار تصور استراتيجي موحد"، وفي قمة الرياض 1993 م، قرر تشكيل لجنة عليا لمتابعة تنفيـذ قرارات الدفاع الجماعي والتعاون العسكري. وأكد بيان قمة المنامة 1994م، على أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وقرر تبني خطوات لبناء القوة الدفاعية الذاتية في ظل استراتيجية موحدة، كما قرر تطوير قوة درع الجزيرة. وفي قمة مسقط 1995م، أكد على "مواصلة تنفيذ البرامج المتعلقة برفع كفاءة القدرة الدفاعية الجماعية لدول المجلس". وفي قمة الدوحة 1996م، أكد على أهمية "رفع كفاءة القدرة الدفاعية الجماعية لدول المجلس وصولا إلى تحقيق التكامل الدفاعي بينها".

وفيقمة الكويت 1997م، وافق على الخطوات العملية لربط دول المجلس بشبكة اتصالات مؤمنة للأغراض العسكرية والتغطية الراداريـة والإنذار المبكر والتمارين العسكريةوفي قمة أبو ظبي 1998م، اعتمد القرارات المتعلقة بتطوير قوة درع الجزيرة، ومتابعة تنفيذ شبكة الاتصالات المؤمنة، والتغطية الرادارية والإنـذار المبكـر. وفي قمة المنامة 2000 م، جرى التوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك. وفي قمة الدوحة 2002 م، أقر النظام الداخلي لمجلس الدفاع المشترك. وفي قمة مسقط 2008 م، اعتمد الاستراتيجية الأمنية الشاملة بعد تحديثها وتطويرها. وفي قمة الكويت 2009م "أقرّ الاستراتيجية الدفاعية"، وأكدت قمة الرياض 2011م، على استمرار الخطوات العملية لبناء منظومة دفاعية مشتركة تحقق الأمن الجماعي لدول المجلس، فيما شهدت قمة الصخير بالبحرين 2012م، إقرار إنشاء قيادة عسكرية موحدة تقوم بالتنسيق والتخطيط والقيادة للقوات البرية والبحرية والجوية المخصصة والإضافية، وجرى إقرار الاتفاقية الأمنية بصيغتها المعدلة. وفي قمة الكويت 2013م، وافق على إنشاء القيادة العسكرية الموحدة، وكلف مجلس الدفاع المشترك باتخاذ ما يلزم من إجراءات للبدء في تفعيلها وفق الدراسات الخاصة بذلك، ووافق على البدء في تنفيذ المسار المكمل لمشروع الاتصالات المؤمنة، وإنشاء أكاديمية للدراسات الإستراتيجية والأمنية لدول المجلس، وبارك قرار إنشاء جهاز للشرطة الخليجية. وفي قمة الدوحة 2014م، وجه بتكثيف الجهود لتحقيق التكامل الدفاعي في مختلف المجالات.

وبعد 2011م، كان على المجلس أن يتصدر التعامل مع نتائج الثورات العربية، وبرزت المسؤولية السياسية للمجلس ليس فقط عن استقرار دوله، وإنما تجاه العالم العربي ودول الثورات (مصر وليبيا وتونس واليمن)، على نحو عكسته بيانات القمم الخليجية بين 2011 و2013، وإلى حد كبير، غاب الكثير من البنود التي كانت مستمرة على قائمة بيانات المجلس، وحل محلها متابعات الأوضاع الثورية في الدول العربية. وفي الشأن الداخلي كان لافتا تأكيد بيان قمة الكويت 2013م "على أهمية تعزيز دور دواوين وأجهزة الرقابة المالية في دول المجلس، وتمكينها من النهوض بمسؤولياتها بكل حيدة واستقلالية". كما كلف إعلان الكويت الصادر عن قمة الأمانة العامة للمجلس بالتواصل مع الرأي العام الخليجي، ومواطني دول المجلس، والكتاب والمفكرين للتعرف على آرائهم ومقترحاتهم بشأن سبل تعزيز مسيرة مجلس التعاون، بما يحقق المصالح المشتركة لدوله وشعوبه، وإطلاعهم على الخطوات التي يتم إنجازها في الخطط والمشاريع التي تم تبنيها خلال مسيرة العمل الخليجي المشترك.

وعلى الجانب الاقتصادي، جرى إقرار التعاون في المجالات: المالية والاقتصادية، ومشروعات الاتحاد النقدي والعملة الموحدة، والتعاون الجمركي والتجاري، ومشروعات السوق الخليجية المشتركة، والتعاون في مجالات الطاقة والكهرباء والماء، وفي المجال الصناعي، وفي مجالات النقل والمواصلات والاتصالات والزراعة والتخطيط والتنمية، مروراً بالمواطنة الاقتصادية ومكتسبات المواطنة التي تقوم على مبدأ أن يتمتع مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون بالمعاملة الوطنية وجميع المزايا التي تمنح للمواطنين في جميع المجالات. وخصوصا المسارات العشر للسوق الخليجية، وهي: التنقل والإقامة، والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وممارسة المهن والحرف، ومزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمات، وتملك العقار، وتنقل رؤوس الأموال، والمعاملة الضريبية، وتداول الأسهم وتأسيس الشركات، إضافة إلى الاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية.

ولكن على الرغم من جوانب التقدم المحرزة في مختلف المجالات، فإن الكثير مما جرى الاتفاق عليه ظل مجرد مشروعات على الورق، وهناك العديد من المشروعات الاقتصادية التي ظلت مطروحة على جدول أعمال المجلس منذ القمم الأولى وحتى الآن. وفي المحصلة النهائية لم تتمكن اقتصادات دول المجلس من بناء تكتل اقتصادي جماعي كمنظمة إقليمية على غرار التكتلات الاقتصادية الدولية العملاقة، وعلى الرغم من حجم ناتجها الاقتصادي الإجمالي الذي يقترب من 2 تريليون دولار، لم تبرز تفاعلات دول المجلس نتائج اقتصادية تشير إلى خصوصية التبادلات التجارية بينها. وتشير اقتصادات الدول الست إلى كيان اقتصادي واعد، فدول المجلس تملك 2% من اقتصاد العالم، وهو ما يؤهلها للعب دور اقتصادي عالمي ككتلة موحدة. وعلى الرغم من أن حجم الاقتصاد الخليجي عند نشأة المجلس كان نحو 200 مليار دولار وهو قد تضاعف نحو عشر مرات (يقترب من 2 تريليون دولار)، فلا تزال الآليات الاقتصادية دون تطوير، ورغم إعلان السوق المشتركة إلا أنه لا تزال تواجه تحديات مختلفة، ورغم إعلان الاتحاد النقدي والجمركي إلا أنه لم يبدأ، وعلى الرغم من إقرار حرية تنقل المواطنين والسلع إلا أنه على مستوى التفعيل الواقعي غير موجودة، ولم تتحقق العملة الموحدة.

ويشير د. عبد العزيز العويشق الأمين العام المساعد لمجلس التعاون الخليجي إلى 4 تحديات إجرائية فنية واجهت مجلس التعاون الخليجي، وهي: أولا: قاعدة الإجماع في اتخاذ القرار، فطبقا للنظام الأساسي يجري اتخاذ القرار في المجلس وفق قاعدة الإجماع، بحيث أن اعتراض أو رفض أي دولة يعرض القرار للتوقف، ولقد أدت هذه القاعدة لاتخاذ القرار إلى عرقلة العديد من المشروعات ومنها مشروع الاتحاد النقدي. وثانيا: آليات تنفيذ القرار: فعندما يصدر قرار من المجلس الأعلى يُطلب من الدول تفعيله عن طريق الأدوات التشريعية الوطنية، وكان للدولة حرية تفعيل القرار متى أرادت أن تفعله، وعلى الرغم من أنه في عام 2008 اتخذ قرار بأن لا تتجاوز الفترة الزمنية للتنفيذ سنة واحدة، إلا أنه حتى هذا القرار لم يتم تنفيذه.. وثالثا: طبيعة عمل المجلس: فمنذ نشأة المجلس أصبح كل شيء في يد اللجان التي بلغ عددها 1000 لجنة، وهذه اللجان ليس لها حد زمني لإنهاء ما تكلف به وليس لها تفويض أو مراجعة. ورابعا: مراقبة التطبيق الفعلي: فليس هناك مرجعية قضائية تضمن مراقبة التطبيق الفعلي للقرارات، ولقد أسفر ذلك عن اتخاذ القرارات وتنفيذها بشكل انفرادي من جانب الدول الأعضاء، حيث لم تكن هناك مؤسسات اتحادية منوطة بتنفيذ ما يجري الاتفاق عليه ومراقبته.

ثالثاً: تحديات قمة الرياض ديسمبر 2015:

تعقد القمة السادسة والثلاثين للمجلس في ظل مجموعة من التحديات والأخطار غير المسبوقة، فمن خلال تتبع المسار التاريخي للمجلس، يتضح أنه لم تتجمع شبكة من الأخطار والتحديات بمثل ما هي ماثلة أمام قمة الرياض. وهو ما يجعل هذه القمة في حاجة إلى معالجات خارج الصندوق والزمن. إن الاكتفاء بالبيانات المكررة التي حافظ عليها تراث المجلس بخصوص القضايا هو أمر مهم، لكن إلى جانب ذلك ينبغي الاجتهاد لأجل طرح وتقديم معالجات جديدة وغير تقليدية، في ظل واقع غير تقليدي.

حيث تعقد القمة في ظل تراجع حاد في أسعار النفط بلغ نحو الثلث، وهو ما لم يكن تتوقعه أغلب خطط وموازنات دول المجلس لعام 2015م، وبالنظر إلى ما يحتله النفط من مكانة استراتيجية هامة لكل اقتصادات دول الخليج، فإنه من المرجح أن يغلف هذا العامل قمة الرياض بأجواء خاصة، وما إذا كانت دول المجلس ستسعى لمواجهة هذه الأزمة في مدخولاتها النفطية في سياق حلول وأفكار جماعية، تعمل وفق رؤية استراتيجية تستهدف زيادة نسبة المكون غير النفطي في اقتصاداتها، والبحث في تطوير مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة. 

وعلى الصعيد السياسي تعقد القمة في ظل ظروف عربية صعبة، وحالة فوضى عارمة تجتاح الإقليم، وتهدد الكيانات الوطنية للدول. وفي ظل بروز ظاهرة الاستقطاعات الأرضية من النظام العربي، والدولة العربية، على نحو ما تشير إليه المناطق والكيانات الكردية في كل من العراق وسوريا، واتجاه بعض المناطق للانفصال عن جسد الدولة أو حالات إمارات ودول الخلافة الإسلامية التي انتشرت كالفطر في الإقليم، وفي ظل مسار للتفكك الوطني في بعض الدول العربية.

كما تعقد القمة في ظل تطور عاصف لظاهرة العنف والإرهاب على الصعيد الدولي، أكدتها أحداث الطائرة الروسية في سيناء، والحوادث الإرهابية في كل من تركيا وفرنسا، والأحداث التي شهدها عدد من دول المجلس نفسها على امتداد العام. والتي عكست جميعها تمدد خطر داعش والفاعلين غير الرسميين الآخرين في الإقليم وفي العالم، وبروز ظاهرة الدول الافتراضية ودويلات الجهاد والخلافة والإرهاب، وتنامي العنف الداخلي المذهبي واللامذهبي، وكل ذلك في ظل قصور المواجهات العربية ضد الإرهاب مع الاختلاف حول تعريفه، وفي ظل تحالفات وشراكات الحرب ضد الإرهاب العربية/ الأجنبية مع الولايات المتحدة وروسيا في العراق وسوريا. فضلا عن ذلك بروز إرهاصات على ظاهرة "المحاور المذهبية" داخل النظام العربي: المحور السني (الذي يشمل السعودية وبعض دول الخليج وتركيا)، في مقابل المحور الشيعي الموالي لإيران داخل النظام العربي (سوريا والعراق وحزب الله).

وعلى الصعيد الاستراتيجي الأشمل الخاص بأمن الخليج، تعقد القمة في ظل ظرف دولي خاص، يتأكد فيه التوجه الأمريكي للانسحاب من المنطقة بعد عقود ستة من الانخراط فيها على نحو كامل، وبدء تحمل دول الخليج مسؤوليات أمنها الذاتي على نحو منفرد أو عبر شراكات أمنية وتحالفات عسكرية جديدة لم تستقر توجهات دول الخليج نحوها بعد. فقد تأكد لدول المجلس أن الولايات المتحدة جادة في انسحابها من المنطقة وأنها ليست مستعدة لإرسال قواتها البرية في عمل عسكري شامل مرة ثانية على غرار العراق وأفغانستان وأنها تتجه شرقا نحو آسيا والصين تحديدا، والعنوان الأبرز هو ما طرحته مجلة "فورين أفيرز" في عددها الأخير بعنوانه اللافت (ما بعد الشرق الأوسط الأمريكي) Post American Middle East. وفي ظل هذا السيناريو للانسحاب الأمريكي لا تزال دول المجلس تختبر علاقاتها وما يمكن أن يقدمه لها الشركاء الجدد من العرب والأوروبيين والروس والأتراك والأفارقة. ويبدو أن جميع هؤلاء لديهم الرغبة والحافز للشراكات الأمنية مع دول الخليج، ولكن لا أحد منهم يمكنه تعويض عصر الشراكة الذهبية لدول المجلس مع الولايات المتحدة.

كما تعقد القمة في ظل تداعيات الاتفاق النووي الإيراني، الذي وضع حدا لطموحات إيران النووية، ولكنه أطلق يدها في الإقليم، وطرح إمكان إعادة تجديد موضع إيران في شراكة مع الغرب وأمريكا بديلا عن الشراكة الغربية مع دول التعاون الخليجي. ولم يتضمن أي قيد على تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول العربية مثل سوريا والعراق واليمن، أو في شؤون دول مجلس التعاون الخليجي نفسها. وأيضا في ظل اختلاف سياسات دول المجلس قبالة إيران، وهو ما يضيف إلى الإشكاليات الداخلية في المجلس في التوصل إلى سياسات محل اتفاق وتطبيق بخصوص الجمهورية الإسلامية. حيث تختلف سياسات السعودية والإمارات والبحرين، عن سلطنة عمان والكويت وقطر فيما يتعلق بإيران. ولم تكن دول المجلس أكثر حاجة للتوحد بخصوص سياساتها تجاه إيران مما هي في حاجة إليه الآن.  

كما تنعقد قمة الرياض في ظل التدخل العسكري الروسي، الذي جعل الوضع في سوريا إزاء معادلة جديدة، وقلص من فرص وإمكانيات التدخل العسكري في سوريا لإسقاط بشار الأسد. ومن ثم أعاد مجددا وضع النظام السوري على طاولة التفاوض أمام أطراف الصراع الآخرين، وأطال من عمر النظام، كما يعيد طرح النظام باعتباره جزءا من الحل لا المشكلة (على حد ما تطرح وجهة النظر الخليجية). ويأتي ذلك في ظل تباين في الموقف الخليجي من سوريا بين من يتمسك بالإطاحة بالنظام بكل قوة، ومن يتواصل من أجل حلول سلمية ولا يجد غضاضة في التفاوض مع نظام الأسد (الزيارة التي قام بها الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في سلطنة عمان يوسف بن علوي عبدالله إلى سوريا في أكتوبر الماضي)، ويأتي التدخل العسكري الروسي أيضا في ظل تطور سياسات دول الخليج مع روسيا بحد وصل إلى مستوى إبرام صفقات سلاح بمليارات الدولارات، فيما يشبه تحالف من الممكن أن يأخذ أبعادا استراتيجية مستقبلا، وهو ما يعكسه حجم الزيارات من المستويات الخليجية العليا إلى روسيا. وهو ما يطرح إشكالية التوفيق بين المقاومة الخليجية للتدخل الروسي في سوريا بالسلاح، والإقبال على صفقات السلاح مع روسيا. ومن ثم ستكون هناك حاجة لأن تنسق قمة الرياض سياسة المجلس حول ذلك.   

وتنعقد القمة في ظل استمرار حرب تحالف عاصفة الحزم، وهي الحرب التي يشكل مجلس التعاون رأس الحربة الأساسية لها، والتي مضى عليها ثمانية أشهر، وأحرزت نتائج هامة في تأكيد قدرة الآلة العسكرية الخليجية على مواجهة التدخلات الإيرانية في اليمن، لكن مسار الحرب لا يزال مستمرا وقد يتخذ فجأة أشكالا غير متوقعة تجعل مجلس التعاون إزاء خيار حرب ممتدة تستنزف قدرات دوله، كما أن عمليات إعادة بناء الدولة من المرجح أن تستغرق سنوات طويلة، قد يقف خلالها المجلس في مرحلة ما إزاء قرار من غير الممكن تحديد احتمال التوافق حوله، وهو قرار ضم اليمن إلى المجلس، كتعويض استراتيجي عن خسائر الحرب على البنية التحتية اليمنية، وانتشالا لخاصرة الجزيرة العربية من السقوط في فخ الإرهاب والتطرف والإمارات الداعشية والقاعدية.           

وتنعقد القمة في ظل تباين المواقف العربية بشأن مقترح القوة العربية المشتركة، وتطوير تحالف عسكري في مواجهة الأزمات والتهديدات، وفي مرحلة يجد فيها النظام العربي نفسه أمام مسؤولية الإدارة الذاتية لأوضاعه وإنشاء بديل ذاتي يصون به نفسه في فترة غياب الحليف الدولي، واحتمال أن تصبح المنطقة مسرح عمليات لقوى دولية متعددة ضد الإرهاب القادم من المنطقة، والذي تعرض لكل القوى الكبرى بالأذى والضرر(روسيا، فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة)، ولعل ذلك ما أشارت إليه أوامر الرئيس بوتين إلى الجيش الروسي بالتعاون مع فرنسا كحليفة لروسيا في عملية روسية - فرنسية مشتركة ضد الإرهاب. وهنا ستجد الدولة الوطنية العربية نفسها بين مطرقة الضغوط الدولية وسندان العنف الداخلي من قوى الإرهاب والإسلام السياسي التي تسعى لتجاوز الدولة الوطنية والضرب في عمق النظام الدولي، وفي ظل هذه الموجة يتوقع أن تتعرض السلطات السياسية وأنظمة الحكم في الدول العربية لضغوط جديدة تماما، وفي ظل هذه الحرب الداعشية/ الدولية التي تتجاوز الدولة العربية تفقد هذه الأخيرة السيادة وربما الأوطان.        

وأخيرا، تبقى القضية التي احتلت مركز النظام العربي منذ نشأته دون حل، وهي القضية الفلسطينية. ويشهد قطاع غزة مقاومة متصاعدة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية، وعلى الرغم من المؤشرات الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختلفة، لا تزال القضية بلا حل في الأفق، ويؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو رفضه دولة ثنائية القومية، ويؤكد مواصلة السيطرة على الأراضي الفلسطينية كلية وإلى الأبد، ويهدد بأن بلاده ستعيش بالسيف. وفي ظل تصدر مجلس التعاون الخليجي لقيادة العمل العربي فإن عليه الإعلان عن مواقف بشأن القضية الفلسطينية. 

إن هذه الأوضاع المختلة جميعها تعكس خريطة من الأخطار لم تشهدها دول المجلس من قبل، وهو ما يتطلب الابتكار والإبداع في التصورات الأمنية والعسكرية خلال القمة، والإقدام على خطوات مبتكرة تتسق مع عظم التحديات. ومن الأمور الإيجابية أن هذه القمة تعقد في ظل توافق أكبر بين دول المجلس؛ فلقد جرت تسوية الخلاف السعودي الإماراتي البحريني مع قطر، كما اشتركت أغلب دول المجلس في حرب تحالف عاصفة الحزم في اليمن، ما مثل تطبيقا عمليا لمفهوم الأمن الجماعي، وهو أمر من شأنه أن يعزز جهود الأمن والتعاون العسكري لدول المجلس لسنين مقبلة.  

رابعاً: فرص وأدوات الحركة الجديدة أمام القمة:

على الرغم من عظم التحديات إلا أن دول المجلس أمامها الكثير من بدائل وخيارات الحركة في مواجهتها، وإذا كان الإعلان عن اتحاد خليجي هو أمر معروض على أجندة دول المجلس منذ 4 سنوات تقريبا، وإذا كان الإعلان عن خطوة من هذا القبيل هو أمر مطلوب في ظل عظم التحديات، إلا أنه يبقى أن هذا المقترح سيظل معروضا على الدوام حتى يجري التوافق بشأنه مع الزمن. وتتمثل خيارات التنسيق الضرورية لدول المجلس خلال قمة الرياض فيما يلي:

1-    تكريس الترابط البيني: يظل خيار تمتين الترابط البيني لدول المجلس هو الخيار الأهم، فلا يزال هناك فائض قدرات وفرص في مجال التعاون المشترك، لم تستغل من الدول الست، ولقد اعتمدت دول المجلس على الخارج في شراكاتها الدفاعية والأمنية قبل أن تستنفد كل الفرص المتوافرة أمامها في العمل الجماعي. لذلك من المهم الاستفادة من تجربة العمل الدفاعي والعسكري الجماعي في اليمن في تمتين الهيكل الدفاعي والأمني الخليجي المشترك. ومن المهم أن تدفع تجربة دول المجلس على مدى 30 سنة إلى الاستثمار في جيش خليجي موحد، تكون نواته قوات درع الجزيرة ليصل تعداده إلى 100 ألف جندي. ويمكّن ذلك من مأسسة الدفاع الخليجي المشترك بدلا من الاعتماد على التحرك الانفرادي ساعة الأزمات. والهدف هو الوصول إلى منظومة دفاعية وجيش خليجي موحد، لأنه على مدى ما يقارب 20 سنة من عمر المجلس جرى الإنفاق على المنظومة الدفاعية الخليجية بما يتجاوز نصف تريليون دولار، ولكن العائد الفعلي لم يتجاوز 10 – 20%.     

2-    اختبار جديد مع إيران: قد تكون المرحلة الراهنة إحدى المراحل المناسبة لإيران للوصول إلى خيارات توافقية وتعهدات ملزمة فيما يتعلق بالأمن الخليجي، فلا تزال إيران تتحسس خطاها نحو رفع العقوبات الدولية، ولا تزال علاقاتها وشراكاتها مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة لم تستأنف تماما ولم تترابط بعد شبكات المصالح بين إيران والغرب على نحو كامل. وفي هذه المرحلة من المرجح أن تحرص إيران على عدم إزعاج الخارج بتوتير علاقاتها مع الجوار. ويمكن خلال هذه المرحلة انتزاع صفقات سياسية مع الجمهورية الإيرانية تستهدف تغيير سلوكها لو اغتنمت دول المجلس حاليا فرصة انفتاح جهاز صنع القرار الإيراني على المتغيرات العالمية.  ومن المهم لدول المجلس أن تنتهج سياسة ذكية قبالة إيران تتجه بالأساس إلى محاصرة قوى التطرف وتشجيع قوى الاعتدال، وليس التعامل مع إيران ككتلة واحدة.     

3-    رفد المجلس بدعامة وجسر عربي: على مدى السنوات الخمس الماضية، مرت علاقات دول المجلس بالعالم العربي بمرحلة جديدة أسفرت عن نتائج إيجابية زادت من رصيد دول المجلس عربيا، وكشفت عن خط عروبي في سياسات دول المجلس أقوى من الماضي. وتشكل الرؤية التي عرضها وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي د. أنور قرقاش أمام ملتقى أبو ظبي الاستراتيجي في 1 نوفمبر 2015م ،أهم أطروحة جديدة ومبتكرة في السياسات العربية لدول الخليج، وهي أطروحة يمكن أن تعيش لعقود قادمة، حين أكد أن رؤية حكومة بلاده للمنطقة تسعى جاهدة لتعزيز أجندة الاعتدال، وهي –على حد قوله "ليست على غرار القومية العربية في الخمسينات، ولكن تستفيد من العلاقات الثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية التي توحد العالم العربي بدلا من محاولة محو الحدود الوطنية بالقوة". وتعمل الإمارات -على حد قول الوزير أيضا بشكل وثيق مع اثنين من الأعمدة الرئيسية في العالم العربي، وهما السعودية ومصر، لإغلاق مربع من التناقضات والفوضى التي نمت في جميع أنحاء المنطقة. هذه الأطروحة الإماراتية الجديدة للعالم العربي ينبغي أن تتأكد وتترسخ كسياسة خليجية عامة وأن تجتذب إليها محاور اعتدال عربية أخرى.

4-    الاستمرار في تنويع الشراكات الدولية: خلال الأعوام الماضية اتجهت دول المجلس إلى تنويع شراكاتها الدولية مع القوى العالمية المختلفة، وذلك قبل أن تتأكد الاتجاهات الأمريكية للانسحاب وتخفيض الوجود في المنطقة، على نحو أشار إلى تنامي إدراك خليجي مبكر بأهمية تنويع الشراكات، وبالنيات الأمريكية لتخفيض الالتزام الأمني والدفاعي إزاء دول المنطقة. ولقد اتجهت دول المجلس إلى تعزيز علاقاتها بمختلف القوى الدولية، مثل الصين وروسيا والهند وباكستان وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي خصوصا فرنسا. وهذا الخط في تنويع الشراكات الأمنية والدفاعية من المهم أن يستمر، ومن المهم أن تعمل دول المجلس على جذب الاهتمام العالمي وملء الفراغ من قبل القوى البديلة في العالم وفي المنطقة إلى شراكات تدوم لسنين طويلة، وبما يساعد المنطقة على النجاة من طوق الإرهاب، ويدفعها إلى الاستثمار في مستقبل التنمية والتقدم على غرار كل مناطق العالم.   

5-      رؤية ومشروع عالمي في مواجهة الإرهاب: يشكل الإرهاب القضية الدولية الأخطر التي سوف تتحكم بأجندة العالم -أو على الأقل هذه المنطقة من العالم- على مدى سنوات مقبلة، ومن المهم أن يستبق المجلس الأحداث واتجاهات الريح الدولية، وأن يقدم رؤية متكاملة بشأن التصدي للإرهاب الدولي، والمشاركة في هيكل حضاري وسياسي وعسكري أمني دولي واسع ضد كل صور الإرهاب والتطرف، وليس فقط إرهاب داعش؛ مخطط دولي لتعزيز قوى الاعتدال في العالم، على غرار رؤية الإمارات –سالفة الذكر- للعالم العربي، ورؤى جديدة لصيانة الشباب من الوقوع فريسة للأفكار المتطرفة، وصيانة الأديان والحضارات من تهم الإرهاب، الذي يندفع باعتبارات كثيرة ليس فقط الأفكار الدينية المتشددة.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة