;
الصفحة السابقة

التواجد الروسي في دول الجوار الخليجي: لتحسين التفاوض أم محور للحصار

انشأ بتاريخ: الإثنين، 28 كانون1/ديسمبر 2015

تزايد الحديث حول انسحاب أمريكي من منطقة الشرق الأوسط والتركيز على منطقة آسيا كمجال أكثر حيوية للمصالح الأمريكية خلال الفترة القادمة، وفي الحقيقة فإن ذلك حديث وتحليل يحتاج إلى الكثير من الفحص والدراسة، فالدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وهي تسعى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية تتبنى عدداً من الاستراتيجيات القومية تتضمن كيفية تعبئة جميع قدراتها ومواردها على اختلافها لتحقيق مصالحها القومية، وتتعدد وسائلها لتحقيق ذلك ما بين استراتيجيات سياسية أو عسكرية، وبالنظر إلى أخر نسخة من إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي والصادرة في فبراير 2015م، يتضح أن المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط لاتزال في حدودها السابقة والواردة في الوثيقة السابقة لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في مايو 2010م، وهو ما يؤكد أن المصالح الأمريكية الرئيسية لاتزال كما هي، ولكن ربما تغيرت وسائل التنفيذ، ما بين التركيز على الوسائل العسكرية أو الدبلوماسية، وتتحدد هذه الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط في: أولا ضمان أمن وتفوق إسرائيل، وضمان أمن الطاقة (استخدامها ومسار نقل)، ومكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، وطبقاً لذلك فلا يتصور أن تنسحب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط وتتجاهل مكونات إستراتيجيتها على هذا المستوى، ولكن الملاحظ هنا هو تركيز إدارة أوباما على عدم التورط أو الانخراط المباشر في أزمات المنطقة وفق علاقتها ودفع دول المنطقة لتحمل أعباء تلك الأزمات.

هكذا نرى أن سياسات الإدارة الأمريكية في الفترات الأخيرة قد تركت فراغات في المنطقة، وفي الكثير من أزماتها ودوائر الحركة فيها – تقديراً منها بأنها لا تمس الأمن القومي الأمريكي بصورة مباشرة وحادة- الأمر الذي أغرى روسيا بالتحرك لمحاولة شغل ذلك الفراغ والتمدد داخل المنطقة وقضاياها وأزماتها المشتعلة، ومحاولة إقامة نوع من التحالفات والتنسيق بين الأطراف والقوى الإقليمية المؤثرة داخلها بما يخدم هذا الهدف في النهاية، والتساؤل هنا ما هي الأهداف الرئيسية التي تسعى الإستراتيجية الروسية إلي تحقيقها في المنطقة، وبصفة خاصة في دول الجوار الخليجي، وما هي الأهداف الرئيسية التي تسعى موسكو لتحقيقها من الإنتشار الواسع في هذا الجوار.

من البديهي الإشارة إلى أن أهم هذه الأهداف هي التمدد وامتلاك أدوات التأثير في تلك الدول بالنظر لما تشهده من أزمات لاتزال تستعصي على الحل وتتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وقد بدا واضحاً حجم الاهتمام الروسي بامتلاك التأثير في هذه الأزمات، مع تفاوت الانخراط فيها حسب أولوية كل منها للمصالح الروسية، وقد خلق التدخل الروسي في سوريا واقعاً جديداً، وترتب عليه الكثير من المتغيرات، وهو الأمر الذي ترك تأثيره على السياسة الأمريكية المترددة في الأزمة السورية، ومع تزايد الانخراط العسكري الروسي في الأزمة تتبلور بصورة أكثر وضوحاً للتباين الروسي الأمريكي بخصوصها،  فيما يتبقى الخيار الأمريكي المطروح يركز على بقاء الوضع على ما هو عليه، وتحويله إلى حرب استنزاف للوجود الروسي هناك، فإن التركيز الروسي الأساسي هو على توفير حزام أو قوس أمان للنظام ، وضرب كافة الفصائل العسكرية المتطرفة التي كانت ولاتزال تحاصره، وبما يسمح لها بالتمدد، ويمتلك ثانية أوراقًا تسمح له بالدخول في أية جهود سياسية للحل، وهكذا تبلورت طبيعة التنافس الثنائي داخل الأزمة، فالولايات  المتحدة تعتبر سوريا بؤرة الصراع في المنطقة، والشاهد على إنه على هامش هذا الصراع  الثنائي هناك موقف إقليمي واضح من الأزمة السورية متناقض في كثير من عناصره ومع الاستراتيجية الروسية، والانخراط الروسي العسكري المتزايد فيها، الأمر الذي فرض حواراً خليجياً روسياً بهذا الخصوص، وقد شهدت الفترة الأخيرة نتائج هذا الحوار، وضح بصورة كبيرة من خلال تعديل الموقف الروسي بضغط من الدول الخليجية، خاصة فيما يتعلق بفصائل المعارضة السورية وتقيمها، ومحاولة روسيا استثمار مواجهة داعش والإرهاب في سوريا لتصبح قضية تعاون بينها وبين دول الخليج، وجاء التمدد الروسي تجاه العراق من خلال مبادرات روسية تؤكد قدرة روسيا على مساعدة العراقيين في مواجهة داعش، ومحاولة صياغة تحالف روسي عراقي سوري إيراني لهذا الغرض، وهو ما يؤكد سعي موسكو لاستعادة العراق كمجال حيوي للاستراتيجية الروسية في المنطقة والربط بين الاستقرار في سوريا والعراق وتحقيقًا للمصالح الروسية في المنطقة في إطار تغير موازين القوى الدولية في المنطقة بما يسمح لها بذلك، ويؤكد حضورها بعد غيابها عن المنطقة سنوات طويلة.

وحتى يمكن تفهم أبعاد التحرك الروسي لابد من الإشارة إلى تنسيق موسكو وطهران خاصة في الملفين السوري والعراقي، والحرص الإيراني على التجاوب مع هذا التحرك - أصبح متغيراً جديداً في التفاعل السياسي في المنطقة - يحرص عليه الطرفان بصورة كبيرة، بل أن تطور العلاقات الروسية الإيرانية ليس فقط فيما يتعلق بمواقفها من الأزمة السورية والتطورات العراقية لم يعد هو حجر الزاوية في هذا التفاعل، بل أن تطور العلاقات الثنائية وأبعادها المختلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية قد شهدت تنامياً واضحًا خلال الشهور الأخيرة، ومن أهم مظاهر ذلك التعاون النووي المتزايد، وكذلك موافقة روسيا على بدء تسليم إيران منظومة الدفاع الجوي s300، والحديث المتزايد في وسائل الإعلام الروسية والإيرانية حول مزيد من التعاون والصفقات العسكرية بين البلدين، وكذلك التنسيق الثنائي بينهما في سوق الطاقة خاصة الغاز الطبيعي الذي يعتبر البلدان من كبار منتجيه.

هكذا نرى أن الحضور الروسي في المنطقة وبصفة خاصة في الدوائر المحيطة بالخليج العربي أصبح واقعاً ملموساً له أبعاده الاستراتيجية وتداعياته ويكشف عن اهتمام روسي بدول المنطقة ، وأن هناك حرص روسي على تكثيف هذا الحضور لامتلاك المزيد من عناصر التأثير بما يخدم الاستراتيجية الروسية في إطار محاولات تغيير التوازن الدولي والصراع مع الولايات المتحدة، واعتبار تلك المنطقة ضمن المجال الحيوي الأكثر أهمية لروسيا. الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات، هل يتعلق هذا الحضور بالتنافس الثنائي الروسي الأمريكي ومحاولة خلق ميادين للحركة والنفوذ تساهم في الخروج من الحصار الغربي في روسيا بعد التطورات الأوكرانية أم أن هذا الحضور يتعلق بالاستراتيجية الروسية ذاتها التي أصبحت أكثر تفاعلاً مع تطورات المنطقة وتستهدف تكثيف النفوذ في دوائر لا تزال تشهد تردداً أمريكياً وتتيح فرصا أوسع للتمدد والحضور الإيراني.

الواضح أن هذه الإستراتيجية تستهدف في جانب منها التأثير على طبيعة العلاقات الأمريكية مع دول المنطقة، ومحاولة خلق أرضية للمصالح الروسية معها، أو على الأقل امتلاك أوراق تأثير يمكن أن تساهم في تهيئة الظروف لتحقيق ذلك. فموسكو حتى هذه اللحظة لا تزال تراهن على صياغة علاقات إيجابية متطورة مع دول الخليج العربية إلا أنها تدخل في تناقض كبير في سبيل تحقيق ذلك، حيث أنه من الصعب أن يتحقق ذلك في ظل التنسيق المتصاعد إلى درجة تقترب من التحالف مع إيران مع ما تمثله السياسة الإيرانية من تهديد ومخاطر على الأمن القومي لتلك الدول. وفي تقديري أن روسيا تدرك ذلك وتحاول استيعاب التداعيات السلبية لتقاربها مع إيران على علاقاتها بالدول الخليجية، خاصة المملكة العربية السعودية ولعل الموقف الروسي من الأزمة اليمنية وامتناعها عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2216 (انسحاب الحوثيين من المدن التي سيطروا عليها – تسليم الحوثيين لأسلحتهم – الإعتراف بالحكومة الشرعية – وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني وحل الأزمة وفقاً للمبادرة الخليجية) بخصوصها والذي عكس نوعاً من التجاوب والترضية لدول الخليج لا يتفق مع السياسة الإيرانية في تلك الأزمة يشير إلى ذلك بصورة واضحة.

ومن المهم هنا أن التطور الذي بدأت ملامحه تتضح في الموقف الروسي نسبياً من بعض ملفات المنطقة خاصة سوريا واليمن قد ارتبط بتحركات خليجية أدركت حدود وإطار الإستراتيجية الروسية وواقعها وقدراتها وتعاملت معها بمنطق المصالح ولعل الزيارة التي قام بها ولي ولي العهد السعودي لموسكو وتوقيعه عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية والعسكرية والتي اعتبرها الخبراء والمراقبون المحايدون تطورا له دلالاته حيث نجحت هاتان الزيارتان وما تم من اتفاقيات وما جرى خلالهما من حوار استراتيجي في إرساء لغة المصالح التي هي اللغة المعتمدة في العلاقات الدولية وهو الأمر الذي تجاوبت معه روسيا وشهدنا بعدها نوعا من التغير النسبي لوقف موسكو من التعامل مع بعض عناصر الأزمة السورية خاصة التعامل مع الفصائل العسكرية المعتدلة المعارضة، وكذلك تثبيت الموقف الروسي من الأزمة اليمنية، كما أن زيارة الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي إلى روسيا وتوقيع اتفاقيات تعاون وكذلك زيارة أمير الكويت إلى موسكو، كانت حلقة من مواصلة الضغط الخليجي على الموقف الروسي لتهدئة التقارب مع إيران أو على الأقل رؤية روسيا للتداعيات السلبية لهذا التقارب على الأمن القومي لدول الخليج.

المحصلة النهائية هنا تشير إلى أن روسيا أدركت تغير الأولويات لدى الإدارة الأمريكية وما أفرزه الاتفاق النووي الإيراني بأبعاده المختلفة من إضفاء الشرعية على السياسة الإيرانية خاصة الإقليمية وعدم تقدير الولايات المتحدة لمخاوف دول المنطقة من السياسة الإيرانية وتهديداتها للأمن القومي لبعض دولها وهو ما اعتبره بعض المراقبين نوعا من الانسحاب الأمريكي لصالح إيران، وزاد من الشكوك بهذا الخصوص ما ورد في حديث منسوب للرئيس الأمريكي في أعقاب التوقيع على صفقة البرنامج النووي أوما يسمى بخطة العمل المشترك الشاملة بين إيران والدول الغربية والذي أوضح فيه أن المخاطر التي تهدد دول الخليج، ليست من جانب إيران ولكن من داخل هذه الدول ذاتها وتأكيده على أنه يجب أن تكون إيران طرفاً في حل الأزمات الإقليمية خاصة السورية وكذلك تفاهمات أمريكية معها بخصوص العراق أدركت روسيا حجم هذا التغير في طبيعة التوازن الإقليمي في المنطقة فركزت استراتيجيتها كما سبق أن أوضحت على تكثيف الحضور داخلها بما يوفر لها امتلاك أوراق ضغط ومساومة مع كافة الأطراف ذات الإهتمام بها، فالتحالف مع إيران ليس مفتوحاً والتنسيق مع طهران في سوريا مرتبطاً بأهداف ذاتية لروسيا تباينت في بعض أجزائها مع الأهداف الإيرانية وبدأت تتمايز عنها، بل أن بعض المراقبين يرون أن التدخل العسكري الروسي في سوريا يستهدف تقليم أظافر إيران، واقناع النظام  السوري بالتخلي عن الميليشيات الشيعية غير السورية واقتناعه أيضاً أن تأمينه في يد روسيا فقط وهو ما يرتب لها نفوذا في أية تسوية سياسية قادمة ولا تزال روسيا تلح على العراق لزيادة حجم التعاون العسكري بدعوى محاربة داعش والإرهاب، وذلك في إطار البحث عن امتلاك بعض عناصر النفوذ في العراق أيضاً.

ولا شك أن مجمل السياسة والحضور الروسي في الدوائر المحيطة بدول الخليج وإن استهدف الايحاء بعودة روسيا كقوة إقليمية عظمى تشارك في إدارة القضايا والسياسة الدولية إلا أنها تستهدف أيضاً استثمار كل التطورات الجارية في المنطقة لدفع دولها لصياغة أطر جديدة للعلاقات تتجاوب مع المصالح الروسية وتساعدها على الخروج من عزلتها الدولية التي فرضت عليها بعد أحداث أوكرانيا، وبصفة عامة يمكن القول أن مسار العلاقات الخليجية الروسية يكشف عن إدراك الطرفين لأهداف ومصالح كل طرف وأن ما يجري عليها حاليا، لا يمكن تسميته كما يذهب بعض الخبراء بأنه نوع من الإبتزاز ولكن يمكن اعتباره نوعا من تطويع الإرادات، وتوفيق المصالح ومجال ذلك سوف يبقى في الميدان السوري بالدرجة الأولى وحجم وطبيعة التنسيق الروسي الإيراني خاصة بعد إدراك كل طرف لقدرته على التعامل مع مصالح الطرف الآخر، وسوف يبقى تحقيق إنجاز أكثر إيجابية على هذا المستوى مرهوناً بمدى تفهم روسيا لمخاوف دول المنطقة وقدرتها على خلق مصالح مشتركة أكثر وسوف تستوعب أية محاولات للإبتزاز يمكن أن تمارسها روسيا للضغط على الدول الخليجية، الأمر الذي سوف يربط بين المواقف الروسية من قضايا الإهتمام الخليجي ومسار التعاون الإستثماري والاقتصادي والعسكري بين الطرفين خلال المرحلة القادمة.

كلمات دليلية