انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 104تقرير خاصتنظيم داعش: جذوره .. أسباب انتشاره.. خطورته.. كيفية مواجهته

تنظيم داعش: جذوره .. أسباب انتشاره.. خطورته.. كيفية مواجهته

انشأ بتاريخ: الأحد، 07 شباط/فبراير 2016

عندما حدثت هجمات 11 سبتمبر / أيلول 2001م، كان الظن أن السلفية الجهادية وصلت إلى الذروة، فهل هناك أخطر مما حدث في أميركا في ذلك اليوم الذي لم يزل المسلمون والعرب يدفعون فاتورته؟، لكن ما إن أطلّ داعش بأولى عمليات الذبح المتحالف مع الفضاء حتى طوى الفكر البشري صفحة أبراج أميركا، ليترقب بساعات اليوم ودقائقه خبراً عاجلاً جديداً يفيد بفعلة أخرى ارتكبها جيش داعش في العراق أو سوريا1. فمما لا شك فيه أنه ولأول مرة في التاريخ الإسلامي القديم والحديث، يصل تنظيم إسلامي إلى الشهرة التي وصل إليها التنظيم المعروف اختصارا بـ "داعش".

 وتكمن المفارقة في أن هذه الشهرة غير منطلقة البتة من قضايا يحملها هذا التنظيم بغض النظر عن أحقيتها من عدمها، وإنما من ممارسات وسلوكيات وأفعال تجاوزت كل حدود المألوف والمقبول، في الشكل والمضمون، وتلك هي مقاربة مفصلية لم يتم تسليط الضوء عليها كما ينبغي.

وإذا ما أردنا توضيح المسألة أكثر لقلنا إنه لو نزعنا مسلّمة المغالاة في العنف الإرهابي عند داعش، وأردنا أن نحكم عليه، فسوف لن نجد قضية مطلبية واقعية أو منطقية تستأهل الحديث أو النقاش. وفي هذه النقطة بالذات، يحدث الانفصال بين داعش والقاعدة، فمن المعروف عن تنظيم القاعدة أنه - وبغض النظر عن ممارساته الإرهابية - يرفع عناوين وشعارات ويافطات تؤطر ممارساته العنيفة، وإن أحدث بعض التعديلات ضمن هذا العنوان، فقبل "الربيع العربي"، كانت القاعدة تمارس الإرهاب تحت عنوان قتال الأميركيين والغرب الصليبي، ومع الربيع العربي ظهر فرع القاعدة في سوريا بشكل خاص ليقول أنه يقاتل نصرةً لأهل الشام ضد النظام السوري وميليشيات إيران، فكانت جبهة النصرة.

وبذلك، فإنه وعند البحث في داعش أو عنه، لا فرق، يجب ان لا يتم الخلط بين أمرين، بين الرايات التي يرفعها داعش كتنظيم من جهة، وبين العوامل والأسباب التي يُبنى عليها لتبرير العنف الارهابي أو لتبرير وجود داعش أو ممارساته.

ويُعتقد أن عدم إدراك قادة هذا التنظيم لهذا التمييز هو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى انحساره السريع والذي قد يبدأ بالاضمحلال الداخلي. وهذا الاعتقاد هو المسبب الأول في طرح العديد من التساؤلات حول ماهية داعش دون أن يستطيع هذا التنظيم تقديم أية إجابات مقنعة.

 فمن هو هذا التنظيم وأين تكمن مخاطره وما هي الأسباب التي تآمرت على انتشاره وتمدده وهل إن الاستراتيجيات الدولية التي اعتمدت لمواجهته كفيلة في القضاء عليه؟

داعش بين الجذور التنظيمية والجسور الاستراتيجية

في البحث عن ماهية داعش، يجب الربط أو بالأحرى يجب الانطلاق من مسألتين، الأولى تتمثل بجذور داعش وأصوله، والثانية تتمثل في الحضن الاستراتيجي الذي تلقف داعش فتشكلت الولادة الحقيقية لهذا التنظيم.

أما بالنسبة للمسألة الأولى، فلا يختلفنّ اثنان على أن داعش يعود بجذوره إلى تنظيم القاعدة، ويمكن القول إن زعيم داعش أبو بكر البغدادي هو الحفيد التنظيمي لأبي مصعب الزرقاوي الذي أسس قاعدة الجهاد والتوحيد في العراق عام 2004 م، بعد غزوه من قبل الولايات المتحدة الأميركية.وفي عام 2006 م، أعلن الزرقاوي مبايعته زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن ليصبح زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. لكن الزرقاوي قتل بغارة أميركية في أواسط العام ذاته فجرى انتخاب أبو حمزة المهاجر زعيما للتنظيم وتم أيضا "تشكيل دولة العراق الإسلامية" بزعامة أبو عمر البغدادي.وفي 19 أبريل/نيسان 2010 م، قتلت القوات الأميركية والعراقية أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر. وبعد حوالي عشرة أيام، انعقد مجلس شورى الدولة ليختار أبو بكر البغدادي خليفة له والناصر لدين الله سليمان وزيراً للحرب في دولة العراق الإسلامية.

وفي أواخر عام 2011 تم الإعلان عن تشكيل جبهة النصرة لأهل الشام، وهي فرع تنظيم القاعدة في سوريا بقيادة أبو محمد الجولاني الذي أوفده أبو بكر البغدادي إلى سوريا لهذا الغرض مع عدد من قادته المتمرسين في العراق2.  

غير أنه في 9أبريل/نيسان 2013م، ظهر تسجيل صوتي منسوب لزعيم داعش يعلن فيه أن جبهة "النصرة" في سوريا هي امتداد لدولة العراق الإسلامية، وأعلن فيه دمج اسمي "جبهة النصرة" و"دولة العراق الإسلامية" تحت اسم واحد وهو "الدولة الإسلامية في العراق والشام". وهو ما شكل افتراقا علنيا بين القاعدة والتنظيم، سيّما أن زعيم القاعدة أيمن الظواهري رفض فعلة البغدادي، مطلقا نظرية أسماها "فصل النطاقين". وقد طارد التنظيم جميع الكتائب والفصائل المعارضة الأخرى وعلى رأسها النصرة وأحكم سيطرته على كل المناطق الممتدة من الحدود السورية العراقية حتى أطراف مدينة حلب شمالي البلاد3.

وتتالت الوقائع ليأتي يوم 29 يونيو/حزيران 2014م، ويعلن المتحدث باسم تنظيم "الدولة الإسلامية" أبو محمد العدناني في تسجيل صوتي عن قيام ما أسماه بالدولة الإسلامية ومبايعة البغدادي لقيادة الدولة– "الخلافة".

ومما لا شك فيه أن هذه الوقائع تفيد بأن داعش هو من سلالة القاعدة تنظيميا وأيديولوجيا، لكن عند هذا الحد تنتهي الصلة بين التنظيمين، ليبدأ الحديث عن مشروعين لتنظيمين إثنين، فتنظيم القاعدة بقي بأصله وفرعه (جبهة النصرة) وبأهدافه إلى حد ما، أما تنظيم داعش فحرق كل المراحل ليعلن قيام "الخلافة الإسلامية" التي أظهرت الأحداث أنها وسيلة لغاية استراتيجية ليس للمشروع الإسلامي عامة و"الجهادي" خاصة أية علاقة بها. وهذه الغاية الاستراتيجية لم يزل البحث عنها قائمًا حتى الساعة بدليل كثرة التحاليل التي قيلت وكتبت حول تبعية داعش ماهية الجهة التي تقف خلفه. نتحدث إذن عن مشروع استراتيجي كبير وقوده داعش كتنظيم والخلافة كفكرة. لكن لماذا الخلافة هي الفكرة وليست الفكرة عنوانا آخر؟

في زحمة الإجابات التي قدمت في صدد هذه المسألة الإجابة نعتقد بأن الحضن الاستراتيجي الذي تلقف داعش وعمل على إنضاجه، كان يسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أكدتها الوقائع الميدانية والمجريات السياسية:

أولاً- كان يهدف هذا الراعي أو المولد الاستراتيجي إلى إحداث توازن قطبي داخل السلفية الجهادية، وذلك لأن الإبقاء على القاعدة كوكيل حصري أوحد للسلفية الجهادية من شأنه أن يبقي الولايات المتحدة على عرش القرار الدولي المرتبط باستخدام الإرهاب من جهة ومكافحة الإرهاب من جهة أخرى.

ثانياً- إن الراعي الاستراتيجي لداعش لا يمكنه أن يومئ لهذا التنظيم بتبني نفس الأهداف والشعارات التي تتبناها القاعدة، وذلك لأن عملية التبنّي أو التكرار لن تمنح هذا التنظيم الوليد الأشبه بالابن العاق قوة دفع خارجية، وسيظهر قادته بمظهر المتمردين الساعين إلى السلطة والشهرة لا أكثر.

ثالثاً- الحضن الاستراتيجي لداعش يدرك جيدا أن هذا التنظيم سيولد في زمن الربيع العربي الفاشل وغير المزهر إلا لحروب أهلية وانتقامات كامنة في النفوس، وهذا يعني أن انحياز داعش لطرف في الحروب الأهلية العربية يتعارض مع الأهداف العليا التي ُنشأ لأجلها، وهذا ما يفسر عدم وضع داعش في سوريا لا في سلة الثورة السورية ولا في سلة النظام السوري بشكل واضح وحاسم، وفي العراق فهو بالطبع ليس حليفا للنسق العراقي القائم ولا للسنة المغبونين والمنتقم منهم من قبل الميليشيات الشيعية العراقية الموالية لإيران، مع الإشارة أنه سيطر على المناطق السنية في العراق دون استطاعته السيطرة على أية منطقة محسوبة ديمغرافيا على الشيعة. أما حروبه الضروس ضد الأكراد والأقليات الأخرى، فهي السمة التي تميزت بها حروب داعش.

هذه الحقائق الثلاث تدفع إلى القول أنه كان ممنوع على داعش تبني قضايا حقيقية أو محقة يقاتل من أجلها أو يرهب ويرعب في سبيلها، وبهذا المعنى فإن إعلانه للخلافة إنما يعني أمرا واحدا وهو الإعلان عن "اللاشيء". لكن هل يعني ذلك أن داعش لا يسعى وراء أي شيء؟ هل كل فنون القتل والإرهاب والذبح والحرق والإغراق التي ابتكرها ومارسها وطبقها فقتلتنا قبل أن تقتلنا مع الذين قتلتهم هي لأجل اللاشيء؟ وهل أن الآلاف من الشباب والنساء الذين انضموا إليه إنما انضموا إلى العدم؟

يبدو أن هناك إجابات قدمها داعش عن كل هذه الأسئلة وغيرها. وأول ما يبدو هو أن داعش أكثر ما يهمه هو السيطرة على الجغرافيا لذلك نجده يستميت كي يحتل المدن والمحافظات ويقيم حكمه عليها، فمن درعا إلى الموصل والأنبار وفيها على الرمادي والفلوجة وهي كلها مدن كبرى ومهمة. ولأجل عمليات السيطرة هذه كان عليه أن يبتكر أصناف جديدة في الإرهاب، وقد نجح نجاحا واضحا في ذلك، فاستراتيجيته العسكرية كانت ولم تزل واضحة وهي إرعاب العدو قبل الوصول إليه وإرعابه عندما يصل إليه، لذلك يمكن القول أن البيئة الحاضنة أضحى اسمها مع داعش "البيئة القسرية".

هذه الجغرافيا الكبيرة المطلوب من داعش السيطرة عليها لا بد من تأطيرها بعنوان مقنع قسرا أيضا، فكانت فكرة إقامة الخلافة هي العنوان. أما الأهداف الاستراتيجية التي ابتغاها الراعي الدولي من وراء فكرة الخلافة فتتمثل، أولا في إعادة بناء هياكل جديدة ليافطة مكافحة الإرهاب مغايرة للهياكل الأميركية، ثانيا إسباغ طابع الشرعية الدينية بدل الشرعية الثورية في مناطق الثورة المؤيدة لأميركا، وهو ما يعني السماح للشرعية الدينية أن تبتلع وتأدب الشرعية الثورية حيثما يقتضي الأمر، ثالثا في جعل القطب الاقليمي إيران مستنزفا ومبتزا من قبل العدو الجديد، بهدف جعله تحت عباءة القطب الدولي الصاعد روسيا، وقد أبلى داعش في ذلك البلاء المطلوب بحدوده المسموح بها، لذلك قلنا لم يقم داعش بقصف أو اجتياح أية محافظة عراقية محسوبة على إيران.

داعش بين أسباب الانتشار وأسباب الانحسار

بالطبع، فإن كل ما تقدم لا يمكن أن يعني أن داعش مجرد كذبة وان المنضوين تحت لوائه مجموعة من القتلة المجرمين الجاهلين للدين، فالمسألة ليست بهذه البساطة أو بتلك السذاجة، ففي الحديث عن داعش وغيره من التنظيمات "الجهادية" يجب التمييز بين طبقتين، فهناك أولاً القيادة القابضة والممسكة بتلابيب التنظيم وهذه عادة يكون لها برنامج سياسي سري لا يطلع عليه بقية أفراد التنظيم الذين لا يجب ان يعرفوا أصلا أهداف التنظيم، فما يدور في رأس البغدادي هو أمر مختلف تماما، أو هو أمر ربما لا يكون مرتبطا في الأصل بفكرة الجهاد بمعناها الديني، فقد يكون الجهاد وسيلة لتجميع القوات والأموال لتحقيق طموحات أخرى أو أهداف محض سياسية، وهناك ثانياً القوات أو العناصر المقاتلة في الميدان والتي تنحصر مهمتها في القتل والإرهاب لتحقيق الأهداف المرسومة. وفي رأس وذهن هذه القوات، فإن القتال هو أمر إلهي موجه ضد "الكفرة" أو داعميهم أو حاضنيهم أو المشكلين لعناصر قوة لهم، وفي مطلق الأحوال فهو القتال "القائد إلى الجنة". وقد انعكس ذلك في احترافية تلك القوات القتالية على أرض المعارك التي خاضها التنظيم في كل مكان4.

هذا التمييز بين القيادة والعناصر، يجرنا إلى البحث في الأسباب الحقيقية والواقعية التي قادت شباب من المسلمين للارتماء في حضن داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية؛ إنها الأسباب التي لطالما أوردتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في جل القرارات التي اعتمدتها في إطار مكافحة الإرهاب، فالاحتلالات الأجنبية للبدان العربية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول والحكم غير الصالح وغير الرشيد والظلم والاضطهاد والفقر والبطالة وغيرها هي أسباب تزرع اليأس في القلوب5 فتجعل الشاب العربي المسلم يبحث عن فكرة يعتقدها خلاصا له، فالمسألة في الكثير من الأحيان عند هؤلاء الشباب شخصية ومنطقية. وأن الأدمغة الاستراتيجية التي أوحت للبغدادي بإعلان الخلافة، انطلقت من هذه الوقائع الدقيقة. وعندما نعرف أن قوة ومساحة هذا التنظيم تجسدت أكثر في العراق وسوريا، فذلك بسبب تحقق كل أسباب الإرهاب ومهيئاته في هذين البلدين، فالذل الذي عرفه سُنة العراق بشكل خاص بعد عام 2003 على أيدي الأميركيين ومن ثم الإيرانيين ومن ثم الاثنين معا ومن ثم الميليشيات الشيعية الطائفية الموالية لإيران في العراق ومن ثم حكومة المالكي بشكل خاص6، كان كفيلا بدفع الآلاف من هؤلاء مدنيين وعسكريين وضباط للانخراط في صفوف داعش، وينطبق الأمر نفسه في الواقع السوري. 

وان هذه العوامل أو الأسباب، فيوجد احتمال يقول بأن هناك من فكر في تزويجها من عامل مهم وهو أن الثورة على القائم في البلاد الإسلامية قد تنتج نفس الذي انتجته في إيران عام 71979، فكانت الصفقة.

غير أن كل ذلك لا يمكن أن يعني أن كل الذين انضموا إلى داعش، إنما بنوا قرارهم في الانضمام إلى فكرة الخلافة، وأجزم بالقول أن الذين صدقوا صيرورة الخلافة أمرا واقعا هم قلة، فلكل أهدافه، فمنهم للثأر من الإيراني وأزلامه ومنهم للرهان على معادلة دولية تعطي داعش فعلا دولة إسلامية ومنهم للثأر من النظام السوري، ومنهم نكاية بالإخوان المسلمين8 الذين راهنوا على الأميركيين فساروا في ركب الديمقراطية الأميركية، ومنهم كفرة بثورات الربيع العربي التي لم تنتج إلا حروب أهلية ورغبات في الانتقام..

وبذلك، فالذين وضعوا خطط داعش السياسية - واقصد تحالفا ما صنعت فكرته دولة عظمى تطرح الدلائل والمؤشرات فرضية بأنها روسيا – بوتين ربما- كانوا مدركين أن وجوده زمني مؤقت9، على عكس القاعدة، فبنيان القاعدة وخطابها السياسي متين ومستمر طالما أن الأهداف لم تتحقق، في حين أن بنيان داعش هش ولا يمكن أن يعمّر، لأن الخلافة في هكذا نسق دولي قائم وفي هكذا ظروف دولية قائمة لا يمكن أن تتحقق.

داعش بين المخاطر والمراجعة واستراتيجيات المواجهة

مما لا شك فيه أن المخاطر التي أفرزها داعش كبيرة وعلى مختلف الصعد والأبعاد، وتحتاج عمليات سردها وعرضها الى مؤلف قائم بذاته، وهي مخاطر تتجاوز بالطبع مخاطر الإرهاب، لا بل تتجاوز مخاطر كل الجماعات الإرهابية التي نشأت عبر التاريخ.

لكن المخيف والمرعب الذي أنتجه داعش يتمثل في طرح علامة استفهام كبيرة حول الإسلام لدى كل المجتمعات الأخرى غير المسلمة وقد أثر ذلك سلبا على نظرة الآخر للمسلم أينما وجد، حتى في المجتمعات العربية. فلأول مرة يكون الإسلام على المحك ويجد علماؤه أن هناك حاجة لإعادة تأكيد مبادئه وقيمه، بدليل غزارة المؤتمرات التي أقيمت في هذا المجال. فهل الإسلام يسمح فعلا بالذبح؟ وهل الإسلام يسمح فعلا بقتل الأسرى؟ تلك تساؤلات بدت جدية لدى الكثيرين، حتى من مسلمين غير متعمقين كثيرا في فهم دينهم.

كما أن النجاحات العسكرية والميدانية التي قام بها داعش والتي لعبت تقنيات الذبح والأساليب المستحدثة في القتل المتحالف مع إفرازات العولمة والتطور التكنولوجي، قد تشكل نموذجا يعمل تنظيم جديد يرث داعش ربما على تطويرها أو اللجوء إليها في المستقبل، سيما أن الأسباب التي عومت داعش وجعلت العديد ينجذب اليه لم تزل قائمة لا بل تزداد، خصوصاً اذا ما اشتد الصراع بين دول تريد أن تشكل نسقا دوليا جديدا ودول تريد إن تشكل نسقا إقليميا جديدا، فلا يجب أن ننسى أن الإرهاب ومنذ عقود أضحى بديلا عن الحروب التقليدية بالنسبة لدول لا تريد أن تخوض بنفسها حروبا مباشرة10.

وتبقى خطورة لا تقل أهمية عن الذي سبق وتتمثل في سؤال بسيط لكنه الأكثر قوة، يطرحه العديد من المسلمين وهو: هل إن ما تحتاجه أمتنا العربية الغارقة في مستنقعات الحروب الأهلية والصراعات والمتكالب عليها من الأمم الأخرى القريبة والبعيدة، متمثل في مشروع يشبه مشروع داعش؟ الجواب قطعا لا. بدليل أن داعش لم يقدم شيء لا بل رسخ وجذر عوامل التراجع ووضع في المؤخرة أي تفكير لمشروع انتشالي حضاري لنا.

انطلاقا من ذلك، فالحديث أو السؤال عن مواجهة داعش، هو سؤال مطروح على العرب السنة بشكل خاص، وذلك لأن من أحشاء العرب السنة ولد داعش، أيا يكن الطبيب الذي أنجز الولادة، وبهذا المعنى فالتحالف الإسلامي أكثر فعالية من التحالف الدولي، والتحالف الإسلامي العربي أكثر قوة من التحالف الإسلامي العام، والتحالف المجتمعي هو الأجدى والأقوى وهكذا. وإن أي تحالف لم يبدأ بمعالجة الأسباب الحقيقية التي تقتات منها الفكرة كالفكرة التي أنتجت داعش لا يبلي البلاء المطلوب، لا بل قد ترتد الأمور سلبا وتكون لصالح الفكرة المدمرة.

وبهذا المعنى، فإن الغرب الذي بسياساته الحمقاء هو من أوجد الأرضية لوجود داعش وغيره، وهذا الغرب سوف لن ينظر لإجراءاته العسكرية لمكافحة الإرهاب بعين الشعوب العربية الإسلامية إلا كمحتل وقاتل مهما تعددت العناوين. لذلك بدأ الأميركيون يفهمون هذا المنطق ولو متأخرين، وذلك عندما منعوا في معركة الرمادي الحشد الشعبي الشيعي المحسوب على إيران والميليشيات العراقية من المشاركة، فمشاركة هذا الحشد في تكريت حولت المعركة من مكافحة داعش إلى مكافحة السنة فأحرقوا البيوت واغتصبوا النساء وقتلوا من قتلوا من الرجال بأسلوب داعش.

هناك من يطرح معادلة إنه بالفكر فقط يمكن هزيمة داعش، وهذه معادلة غير صحيحة البتة، لأن هزيمة داعش تكون بتجفيف منابع الأسباب التي تنجب داعش وغير داعش.

 

 

هوامش البحث

(1)   مازن شندب، داعش، ماهيته، نشأته، إرهابه، أهدافه، استراتيجيته، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2014، الطبعة الاولى، ص7.

(2)   كيف ظهر تنظيم داعش؟ومن المستفيد؟، الموقع الالكتروني: www.bbc.com

(3)   "تنظيم الدولة الاسلامية"، الموقع الالكتروني: www.aljazeera.net

(4)   مازن شندب، داعش، ماهيته، نشأته، إرهابه، أهدافه، استراتيجيته، مرجع سبق ذكره، ص11-12

(5)   الامم المتحدة، الجمعية العامة، القرار 60/288، "استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب"

(6)   عبد الباري عطوان، الدولة الإسلامية، الجذور، التوحش، المستقبل، دار الساقي، بيروت، الطبعة الاولى، 2015، ص11.

(7)   علي صوفان، الرايات السود، ملاحقة القاعدة من الداخل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2015، ص47.

(8)   بلال حسن التل، حوار مع الإسلاميين حول التعصب والتكفير وأشياء أخرى، المركز الأردني للدراسات والمعلومات، عمان، 2015، ص23 وما بعدها.

(9)   مازن شندب، مرجع سبق ذكره، ص 143-144

(10)          إمام حسانين عطا الله، الإرهاب والبنيان القانوني للجريمة، دار المطبوعات الجامعية، الأسكندرية، 2004، ص 78.

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة