انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 104دراسةمراجعات الإخوان .. أهميتها..عناصرها..مصاعبها تفجيرات السعودية وقتلى 11 سبتمبر واغتيال الشيخ الذهبي ليس جهاداً

مراجعات الإخوان .. أهميتها..عناصرها..مصاعبها تفجيرات السعودية وقتلى 11 سبتمبر واغتيال الشيخ الذهبي ليس جهاداً

انشأ بتاريخ: الأحد، 07 شباط/فبراير 2016

الجزء الأول: 

كتب الكاتب والمفكر الإسلامي الدكتور ناجح إبراهيم دراسة من جزأين منفصلين، الجزء الأول بعنوان (مراجعات الإخوان .. أهميتها .. عناصرها .. مصاعبها) والجزء الثاني بعنوان (الجهاد في الإسلام .. غاية أم وسيلة .. رحمة أم قسوة .. دفاع أم عدوان).. وقد أجاب بوضوح على علامات الاستفهام التي حملتها عناوين الجزأين من الدراسة، وجاءت الإجابة واضحة ومستندة إلى أدلة شرعية جلية، في الجزء الأول حمٌل  الحركات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين في مصر وبعض الدول العربية فشل استخدام لغة الحوار، بل عدم تطبيقه من البداية، مشيراً إلى أن هذه الجماعات هي التي شرعنت العنف وأسبغت عليه صبغة إسلامية، واعتبر خطاب الدكتور محمد مرسي ـ الرئيس المصري المعزول ـ قبل مغادرته السلطة بأنه كان بداية تدشين شعار " الشرعية أو الدماء" ،وأن اعتصام رابعة  بالقاهرة هو المحرك الأساسي للعنف في مصر ووصفه بأنه كان خطاباً تكفيرياً ، تحريضياً، حربياً ، واستعلائياً بامتياز، مشيراً إلى أنه توجد 4 صعوبات تمنع الإخوان من التصالح وهي تتعلق بالإخوان أنفسهم وتنظيمهم، وأشار إلى أن التيار الإسلامي في مصر أضاع 4 فرص للمصالحة  . في الجزء الثاني نفى  الدكتور ناجح إبراهيم أن يكون ما ترتكبه الحركات الإسلامية المتطرفة والتكفيرية من قتل وتفجير وإرهاب، جهاداً، فيما  وصف حقيقة الجهاد وطبيعته وأهدافه ومشروعيته و موقف الشريعة الإسلامية من الجهاد ، واعتبر أن قتل المدنيين في أحداث 11 سبتمبر وفي التفجيرات التي شهدتها السعودية والعراق وواشنطن ولندن وباريس واغتيال الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري الأسبق ومذبحة  السياح في الأقصر وتفجير الطائرة الروسية في شرم الشيخ والهجوم على السياح في تونس كل ذلك وغيره من الأعمال المشابهة ليست جهاداً ، وأوضح أن الذين يكفرون الجيش والشرطة والحكام إنما يجرون بلادهم إلى الخلف ويسيئون إلى الإسلام والجهاد ، واعتبر الجهاد الفريضة التي ظلمها أبناؤها وأعداؤها.

 الدراسة ثرية من مفكر إسلامي خاض التجربة وعاد ليصحح ما غاب عن تيار الحركات الإسلامية المعاصرة، لذلك سيتم نشر الجزأين في دراسة واحدة متصلة في هذا العدد من مجلة (آراء حول الخليج) نظراً للارتباط العضوي بين الجزأين، وأهمية الطرح في موضوعين متصلين في الوقت المعاصر وهما المراجعات والجهاد.

 

ماهية فقه المراجعة؟

  • " فقه المراجعة" أحد أنواع الفقه الإسلامي الذي هجره المسلمون مثل فقه المآلات "أي النتائج" .. وفقه المصالح والمفاسد وفقه الأولويات وغيرها التي اهتم بها فقهاء السلف الصالح وورثوها جيلا ً بعد جيل.
  • ويسمى "فقه المراجعة"في المنظومة الغربية بـ"آلية النقد الذاتي"،وكان الإسلام سابقا ً للغرب فقد ربط فقه المراجعة والنقد الذاتي بالإيمان بيوم القيامة .. وأسمى القرآن النفس التي تقوم بالمراجعة بـ"النفس اللوامة" قال تعالى " لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ".
  • وقد راجع القرآن العظيم النبي (ص) في اجتهاداته 16 مرة .. وكان عمر بن الخطاب يراجع بعض اجتهادات النبي (ص) وكان الوحي أحيانا يوافق اجتهاد عمر بن الخطاب
  • ونبي الله سليمان راجع أباه سيدنا داوود عليهما السلام في الحكم الذي حكمه قال تعالى حاكيا عن ذلك " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً "

أهمية فقه المراجعة

  • فقه المراجعة أو النقد الذاتي يكشف الأخطاء مبكرا ً ويلقي الضوء عليها .. ويصحح المسار،وينشط روح الاجتهاد، ويبعث على التجديد والابتكار في تصويب الأخطاء ويحث النفس البشرية على التواضع لله سبحانه .. ويعرف الجماعات والدول والأفراد بأخطائها وسلبياتها فتستدرك هذه الأخطاء قبل أن تتراكم وتتكاثر فتدمرها تدميرا.
  • فكل الفرص الأربع التي أتيحت للإسلاميين في مصر في العصر الحديث ما ضاعت إلا بسبب غياب فقه المراجعة والعمل بنظرية المؤامرة .. وما حدثت الكوارث العسكرية مثل هزيمة 1967م إلا لغياب فقه المراجعة للقرار السياسي والعسكري المصري في حرب 1956م لتتكرر معظم هذه الأخطاء عام 1967م.
  • وما أضاع صدام الكويت والعراق إلا لعدم سماحه لأحد أن يراجعه أو يعارضه، وما ضاعت الخلافة العباسية والعثمانية ودولة المماليك والأندلس إلا لغياب فقه المراجعة عن الأمة كلها فتراكمت الأخطاء تلو الأخطاء لتلتهم الدولة عن آخرها.
  • لقد راجع القرآن العظيم الصحابة حينما استغربوا لهزيمتهم في أحد وقالوا "أنى هذا".. أي كيف نهزم وبيننا رسول الله؟..فلم يجبهم القرآن العظيم بنظرية المؤامرة ولكنه أرشدهم إلى فقه النقد الذاتي والمراجعة قائلا ً لهم " قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ "

تاريخ المراجعات عند الإخوان المسلمين في مصر

  • هناك مراجعتان مهمتان جداً في تاريخ الإخوان:
  • المراجعة الأولى: قام بها المرشد الثاني الهضيبي الأب لحل التنظيم الخاص ..وبالتالي وقف فكر العنف لأن النظام الخاص هو الذي أدخل الجماعة في منظومة العنف بمجموعة الاغتيالات التي قام بها ومنها اغتيال النقراشي باشا رئيس الوزراء آنذاك..وكان سبباً لاغتيال رأس الجماعة ومؤسسها حسن البنا .. وكأن الدولة المصرية تقول لهم " رأس الدعوة في مقابل رأس الدولة"كما أن اغتيال النظام الخاص للقاضي الخازندار أساء إلى سمعة الجماعة .. وأساء لمظهرها الدعوي والسياسي الذي أراد مؤسسها أن تظهر به.
  • وكان الهضيبي كقاضي يكره العنف ويحب التزام القوانين وكان مقتنعاً بأنه لن يكون هناك مستقبلًا للجماعة إلا إذا تركت العنف وحلت النظام الخاص..وقد شرع في هذه الخطوات بقوة ولكنه اصطدم بالحرس القديم في النظام الخاص .. فلم يستطع إكمال خطواته حتى وقع الصدام بينه وبين بعض الإخوان من جهة، ومع عبد الناصر من جهة أخرى ..وتفاقمت الأمور وقام بعض أفراد النظام الخاص المنعزلين ودون إذن الهضيبي بعمل محاولة اغتيال عبد الناصر..مما أدى إلى أكبر محنة في تاريخ الإخوان..
  • أما المراجعة الثانية: فهي مراجعتهم لأفكار التكفير وتجهيل المجتمع، وتصحيح الأفكار القطبية التي تسمي المجتمع المصري مجتمعاً جاهلياً والحكومات والمؤسسات حكومات جاهلية .. ثم تسحب بعد ذلك معنى الجاهلية إلى الكفر سواءً بطريقة صريحة أو ضمنية.
  • وعندما تفشى فكر التكفير في السجن الحربي في منتصف الستينات تمت أكبر ثاني مراجعة في تاريخ الإخوان وقادها أيضا الهضيبي الأب وابنه الذي صار مرشداً في الثمانينات ومعهما الكثير من علماء وقادة الجماعة منهم عمر التلمساني .. ومن خارج الجماعة الغزالي وسيد سابق وغيرهما.

المراجعات المطلوبة للإخوان في مصر

  • أولاً:مراجعة نظرية "الشرعية أو الدماء"..
  • حينما فقد د. مرسي كرسي الرئاسة خطب خطبة مطولة كرر فيها كلمة "دمي ودمكم فداءً للشرعية " مع أن الشرعية والحكم لا تستحق أن تبذل فيها الدماء.. وكانت هذه العبارات هي البداية لتدشين ذلك الشعار البائس الذي عملت به الحركة الإسلامية المصرية بعد عزل د. مرسي عدة سنوات "الشرعية أو الدماء".. وكان البعض لا يصرح بهذا الشعار علناً ولكن الجميع كان يعتقد فيه اعتقاداً جازماً.
  • وكان أكثر العقلاء يعلم خطورة هذه الشعارات وأنها لن تؤدي إلى عودة الشرعية ولن تحقن الدماء.. وهذا ما حدث بالفعل .. فقد سقط آلاف القتلى من الجيش والشرطة والحركة الإسلامية المصرية وعوام المصريين .. وسجن الكثير من الإسلاميين .. ولم تضع الشرعية ممثلة في الرئاسة والحكم فقط ولكن ضاع من الإسلاميين كل شيء.. بدءًا من حرياتهم وانتهاءً بأموالهم .. ومروراً بدعوتهم وسمعتهم ومكانتهم لدى المجتمع المصري.
  • إن كراسي السلطة مهما كانت لا تستحق كل هذه الدماء التي أريقت....ويؤسفني أن الحركة الإسلامية المصرية وعلى رأسها الإخوان لم تتعلم من التجربة الجزائرية في التسعينات شيئاً.. فقد حاول الإسلاميون في الجزائر استعادة شرعية الانتخابات التي ألغى الجيش الجزائري نتيجتها في التسعينات عن طريق العنف والاغتيالات والتفجيرات فأدى ذلك إلى قتل 100ألف وجرح 170ألف جزائري مع شحن الإسلاميين جميعاً إلى السجون.
  • وقد ناشدت الدكتور مرسي يوم 30/6 حينما كان معروضاً عليه إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أنه ليس أمامه سوى خيارين هما: خيار الحسن بن علي بالتنازل عن السلطة وقبول الانتخابات المبكرة.. وهذا خيار مدحه الرسول "ص" وفيه حقن للدماء وحفظً للوطن والحركة الإسلامية ومؤسسات الدولة أيضاً .
  • وإما خيار الحرب الأهلية الجزائرية.. وهو خيار ضار بالوطن كله ومكلف للجميع.. ولكنه للأسف هو ومعظم الإسلاميين في مصر اختاروا الخيار الثاني .. فوقع ما توقعت.. فلا الشرعية عادت ولا الدماء حقنت.
  • ثانياً:مراجعة تحويل الحركة الإسلامية من مشروع هداية إلى مشروع سياسي.
  • المشروع الإسلامي مشروع هداية ودعوة أصلاً .. أما السلطة والحكم فهي فروع عليها.. وإذا تنازع الأصل مع الفرع قدمنا الأصل وأخرنا الفرع.. فالهداية غاية والحكم وسيلة.. وإذا تنازعت الغاية مع الوسيلة قدمنا الغاية على الوسيلة.
  • ولعل أخطر ما أصاب الإخوان ومعظم الحركة الإسلامية في مصر وخاصة بعد ثورة 25 يناير هو تخليها طواعية عن موقع الدعوة والهداية لتتحول تدريجياً إلى حركة سياسية محضة .. تدور حول السلطة.. وتدندن حولها وتضحي من أجلها بالغالي والرخيص.. وتبذل دماء الآلاف من أبنائها أو أبناء وطنها من الجيش والشرطة .. أو من المتعاطفين معها من البسطاء من أجل كراسي السلطة.
  • وينبغي على الإخوان والحركة الإسلامية أن تراجع نفسها في هذه النقطة وتقدم غاية هداية الخلائق على وسيلة الوصول إلى السلطة .. ولعل الفقهاء والعلماء قديماً كانوا يهربون من السلطة .. وقد يسجن أحدهم من أجل هروبه من السلطة لا من أجل سعيه إليها .. وكلهم كان يدرك أن مكانته كفقيه وعالم أكبر من مكانة الخلفاء والسلاطين.
  • ثالثاً :-مراجعة الخلط المعيب بين الشريعة والشرعية:
  • الشريعة والشرعية كلمتان بنفس الأحرف ولكن بترتيب مختلف.. ولكل منهما معنى مغاير تماما عن الآخر.. وقد حدث خلط كبير بين الكلمتين و المعنيين عقب عزل د/مرسي لدى القطاع الأكبر من الإخوان وشباب الحركة الإسلامية حتى كاد الفرق بينهما أن يتلاشى ..فالشرعية تحولت إلى الشريعة في أذهانهم وعقولهم ..أو أن الشريعة لن تحيا إلا بعودة الشرعية.. أو عودة شرعية د. مرسي هي السبيل الأوحد لعودة الشريعة.
  • لقد حدث خلط كبير في العقول و الأفهام بين الأمرين.. والحقيقة المرة أن الفرق بين الشريعة والشرعية كالفرق بين السماء والأرض. 
  • فالشريعة معصومة وهي اختيار الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..
  • أما الشرعية فهي اختيار البشر .. وهو اختيار غير معصوم وقد يصيب وقد يخطئ
  • والشريعة لا يمكن التنازل عنها .. أما الشرعية - أي شرعية - فيمكن التنازل عنها لمصلحة شريعة أو وطنية مثل حقن الدماء أو جمع الناس على كلمة واحدة .. أو درء مفسدة كبرى.. كما تنازل الحسن بن علي عن الخلافة وكان يحكم نصف الكرة الأرضية .. ولم يعب عليه في ذلك أحدُ من الصحابة بل مدحه الرسول" صلى الله عليه وسلم "بذلك" قائلاً:" إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين ".
  • وقد أدى هذا الخلط المعيب إلى مفاسد كبرى حيث ظن عشرات الآلاف من الشباب المتدين في مصر أنه لا سبيل لإقامة الدين إلا ببذل الغالي والرخيص من أجل عودة د. مرسي ..دون أن يدركوا استحالة عودته عملياً .. أو يدركوا أن دماءهم وحريتهم وأموالهم أغلى من شرعية أي حاكم .. ودون أن يدركوا أنه يمكن التضحية بمنصب الرئاسة للإبقاء على الدين والشريعة والدعوة الإسلامية والجمعيات الخيرية والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية.
  • ولكن كل ذلك ضاع .. وضاعت معه الشرعية التي يطالبون بها.. والغريب أنه بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على عزل د. مرسي ما زال هذا الخلط قائماً .. وما زالت الدماء تسيل والشباب يشحن إلى السجون نتيجة هذا الخلط المعيب.
  • رابعاً: مراجعة فكر التكفير الذي عاد بقوة:
  • لم تعرف جماعة الإخوان المسلمين التكفير في بداية نشأتها أيام الشيخ حسن البنا .. ولكنها ابتليت به بشدة حينما سجن أبناؤها في السجن الحربي حيث انتشرت دعوات التكفير بشراسة وأدت بعض كتابات سيد قطب والتي كانت تدور حول جاهلية المجتمع والحكومة والطاغوت إلى تكفير الحكام والمجتمع.. حيث أن هذه المعاني كانت تحتاج إلى ضبط .. وكان سيد قطب أديباً عظيماً ولكنه لم يكن فقيهاً .. ولغة الأدب فضفاضة تحمل مئات المعاني التي قد تكون متباينة ومتعاكسة .. أما لغة الفقه والعقيدة فهي لغة منضبطة غاية الانضباط وصاحبها أشبه بالمحاسب الذي يعلم أن زحزحة الصفر عن موضعه قد تزيده أو تنقصه عدة آلاف .. فهذا واجب وهذا مندوب وهذا مكروه وهذا حرام وهذه كبيرة وتلك صغيرة .. ولعل المعاني الأدبية الفضفاضة التي ساق بها قطب كتبه وخاصة أنه أكثر من وصم الحكومات والشعوب والمجتمعات بالجاهلية والطاغوتية وما إلى ذلك أدى إلى هذه النوبة العنيفة من التكفير.
  • وقد بذل قادة الإخوان وقتها جهداً خارقاً لمحاصرة ظاهرة التكفير التي تفشت في السجن الحربي ثم في الجماعة .. وكادت أن تأكل الأخضر واليابس فيها وتدمرها تدميراً .. وكان على رأس هؤلاء الذين حاصروا الظاهرة " الهضيبي الأب والتلمساني".
  • وتم عزل المجموعات التكفيرية وكذلك القطبية وحصارها طوال فترة السبعينات في عهد هذين الرجلين .. إلا أن أفكار التكفير عادت مرة أخرى إلى شباب جماعة الإخوان وإلى معظم شباب الحركة الإسلامية المصرية وخاصة بعد عزل د. مرسي.. ودخول الكثير من الشباب السجون وخروج بعضهم منها حاملاً لأشد درجات التكفير.. حتى لا تكاد تجد شاباً منهم الآن لا يكفر الحاكم في مصر علانية وضمناً ً..
  • وأعتقد أن الأسباب الرئيسية التي أعادت فكر التكفير مرة أخرى إلى الكثير من شباب الإخوان والحركة الإسلامية المصرية بعد ثورة يناير وعزل د. مرسي .. تكمن في الآتي:
  1. تحالف جماعة الإخوان غير المسبوق مع الكثير من الجماعات التكفيرية والمسلحة .. ولعل ذلك التحالف ظهر واضحاً وجلياً في منصة رابعة.
  2. اعتصام رابعة والذي حضره معظم شباب الإخوان والحركة الإسلامية المصرية باستثناء شباب حزب النور .. كان الاعتصام ومنصته هو المحرك الأساسي لعودة فكر التكفير والعنف إلى الجماعات المصرية .. فقد كان خطاب رابعة خطاباً تكفيرياً وتحريضياً وحربياً و استعلائياً بامتياز .. ومثل قمة الفشل في صنع خطاب إسلامي وسطي.

-        فض اعتصام رابعة بطريقة مُختلف حولها بين جماعة الإخوان والدولة لكن ترتب عليها ما ترتب .. ولعل أبرزها ما حدث في اليوم التالي لرابعة مباشرة من حرق 60 كنيسة و250 قسم شرطة مع قتل وجرح والتمثيل ببعض ضباطها وجنودها مع أن هؤلاء الضباط والجنود لا شأن لهم بفض رابعة وكانوا يبيتون ليلة الفض في أقسامهم .. فضلاً عن حرق 10 محافظات و12 حي و50 محكمة ونيابة .. ومعظم هذه الحرائق كانت في الصعيد.

  1. إعلام الدماء والتكفير: فبعد فض رابعة نشأت بعض القنوات التابعة لتحالف دعم الشرعية وكان لا هم لها سوى التهييج الفظيع والإثارة في مقابل تهييج إعلام الإقصاء الذي مارسته بعض القنوات المصرية.. وبعض المذيعين المعروفين بالتهييج.. وقد تبادل الفريقان نوبات التكفير الديني من جهة والتكفير السياسي من جهة أخرى .. وكلاهما كان يصدر مشاهد القتل والموت على شاشته ليهيج أتباعه ويؤزهم على حرب الآخر .. وهذا أدى إلى نوبات عنيفة من الصراع والكراهية والتكفير السياسي والديني واستحلال كل فريق للآخر دون هوادة أو رحمة.

 خامساً: مراجعة تيار العنف المتنامي بين شباب الإخوان في مصر:

  • كانت جماعة الإخوان قد طلقت العنف طلاقاً بائناً منذ الخمسينات عندما حُل الجناح الخاص للتنظيم وظلت على هذا الموقف الجيد منذ الخمسينات وحتى عزل د. مرسي حيث تحالفت الجماعة في اعتصام رابعة مع معظم الجماعات المسلحة في مصر سواءً التي تركت النهج العنيف من قبل أو تلك التي أصرت عليه مثل بقايا القاعدة والسلفية الجهادية و"تنظيم التوحيد والجهاد السيناوي" والذي تحول بعد ذلك إلى "أنصار بيت المقدس" ثم إلى "داعش ولاية سيناء" أو إلى المجموعات التكفيرية التي انضمت إلى "حازمون" بعد ثورة 25 يناير وأعطت زخماً حقيقياً وهائلاً لهذه الحركة .
  • ومن خلال بعض هذه الخلايا التكفيرية التي انضمت لحازمون تم تأسيس تنظيم إرهابي شهير اسمه "أجناد مصر" قام بتفجيرات كثيرة في منطقة الجيزة.
  • ثم ما لبثت الأحداث تتوالى والمظاهرات تتصاعد في الشوارع والجامعات ليتم بعدها القبض على عدد من شباب الإخوان في هذه المظاهرات.
  • وبدأ العنف والرغبة في الثأر والانتقام يدب في شباب الإخوان وباقي الشباب الذي لم يكن يعرف العنف بعد صيحات الدعوة للعنف والقتال والثأر والانتقام على منصة رابعة ثم من خلال قنوات الإخوان.
  • وقد ترجمت هذه الدعوات العنيفة عمليا ً وواقعياً في حرق عشرات الكنائس والأقسام والمحافظات والمحاكم والنيابات عقب فض رابعة مباشرة.
  • ثم بدأ مسلسل العنف يتزايد بطريقة الفعل ورد الفعل.. فبدأت المظاهرات ترد على عنف الشرطة بحرق سيارات الشرطة ومدرعاتها.. ثم حرق كابلات الكهرباء .. وتعطيل المترو.. وحرق عربات القطارات .. وفصل جزء من قضبان السكك الحديدية عند القرى المكتظة بشباب التحالف.. ثم حرق الأتوبيسات العامة ثم تكوين شباب الإخوان وآخرين لمجموعات العنف النوعية مثل" العقاب الثوري" ومجموعات "ولع" وغيرهما .. وكانت حصيلة بعض الأيام مثلا حرق عدة مدرعات للشرطة وقرابة عشرين سيارة أخرى.
  • وكل هذا العنف يعد درجة متوسطة بالمقارنة لعنف المجموعات المسلحة مثل أجناد مصر أو أنصار الشريعة أو أنصار بيت المقدس وهي مجموعات تكفيرية مسلحة تستخدم المتفجرات والسلاح الآلي ولا تستخدم المولوتوف مثل مجموعات الشباب الإخواني.
  • وقد دشن بعض شباب الإخوان صفحات على الفيس بوك وغيرها تدعو إلى ترك السلمية لأنها لم تغن عنهم شيئاً وأنها السبب في ضياع الحكم والسلطة من الحركة الإسلامية وجرأة النظام عليها .. وبعضها يدعو إلى تقليد داعش.. وبعضها يدعو إلى حمل السلاح مباشرة ودون مواربة.. وساعد ذلك كله على شرعنة العنف لدى هؤلاء الشباب .
  • وقد ساهم أيضاً في شرعنة العنف ودعمه علناً تلك البيانات المتعددة التي صدرت عن بعض العلماء الكبار في العالم الإسلامي والمحسوبين على جماعة الإخوان مثل "بيان الكنانة" والذي أباح صراحة التصدي للشرطة والجيش ومقاتلتهما دفعاً للصائل أو ثأراً من ضابط معين.
  • وهذا والله تخريج فقهي غير صحيح وسيؤدي إلى مزيد من القتلى والجرحى في صفوف الجيش والشرطة من جهة والإسلاميين من جهة وإلى تعامل الفريقين بلغة الرصاص بدلاً من لغة القبض.. مع أن القبض على الإسلامي أقل مفسدة من قتله .. وبقاؤه في السجن أقل مفسدة من تصفيته .. وفكرة رد الصائل هي فكرة خاطئة نظرياً في هذا الواقع .. وغير عملية التطبيق .. ومفاسدها أكثر من مصالحها.
  • ويمكننا القول إن جماعة الإخوان خسرت كثيراً بتوجهات بعض شبابها إلى العنف ودعم بعض شبابها الآخر لعنف وتفجيرات المجموعات المسلحة المصرية ورغبة البعض الثالث في دعم وتأييد داعش وميولها إلى الدعشنة.

صعوبات المراجعة والمصالحة لدى الإخوان

  • هناك عدة صعوبات تحول بين الإخوان وبين إجراء مراجعات فكرية أو مصالحات مع الدولة المصرية في هذه الأيام تتمثل في الآتي:
  1. تشتت القرار الإخواني ما بين قيادات إخوانية نافذة وفاعلة في السجون المصرية.. وأخرى هاربة داخل مصر.. وثالثة هاربة خارج مصر وموزعة على عدة دول أهمها قطر وتركيا وغزة والسودان .. فأي هذه القيادات سيمسك بدفة قيادة المراجعة والمصالحة ويقود سفينتها إلى بر الأمان. 
  2. عدم وجود قائد إخواني لديه حتى الآن الاستعداد للتضحية بجاهه والإعلان عن أخطاء سياسية وإدارية وتربوية وقعت فيها الجماعة في الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير.
  3. عدم وجود قائد إخواني قوي ومؤثر وملزم للكافة يحمل على كتفيه عبء المراجعة والمصالحة - وما أكثر أعبائهما المادية والمعنوية - ويستطيع إلزام باقي فصائل الجماعة بما يتم الاتفاق عليه.. ويكون كذلك ملزما ً لقوى التحالف التي قد لا تقبل المصالحة.. وإذا قبلتها قد يرفضها بعض شبابها.
  4. التحالف الإخواني الإقليمي.. فهذا التحالف كما كان له دور في مساندة الإخوان في الحكم وبعده.. فقد يكون عائقا ً أمام المراجعة والمصالحة.. خاصة إذا تضاربت هذه المراجعة والمصالحة مع مصالح هذه الدول الإقليمية مثل تركيا أو قطر أو غيرهما.. فالتحالفات الإقليمية عادة ما تكون سلاحا ً ذا حدين.. وقد يجرح ويؤذي صاحبه قبل أن يجرح ويؤذي خصمه.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجزء الثاني :

 الجهاد في الإسلام :غاية أم وسيلة .. رحمة أم قسوة.. دفاع أم عدوان

 

قتل آلاف المدنيين في تفجير برجي التجارة الأمريكيين في 11 سبتمبر باسم الجهاد في سبيل الله .. وقتل المدنيين في تفجيرات بوسطن ولندن ومدريد باسمه، وقتل المدنيين المسلمين وغيرهم في تفجيرات الرياض والرباط والدار البيضاء وشرم الشيخ باسمه.. وخطف وقتل الشيخ الذهبي العالم الأزهري الجليل باسمه .. وفجرت الميلشيات الشيعية مثل "عصائب الحق والحشد الشعبي وغيرها " مساجد السنة في العراق، وفجرت داعش مساجد الشيعة باسمه.. واغتيل العلماء و فجروا في المساجد باسم "الجهاد" ..وذبح عشرات الجنود المصريين في سيناء في مذبحتي رفح الأولى والثانية باسمه .. وذبح عشرات المواطنين المصريين المسيحيين في ليبيا على يد داعش باسمه .. وفجرت داعش المساجد في السعودية والكويت والعراق باسمه .. وكل ذلك وأمثاله لا يمت للجهاد بصلة مما يستلزم علينا وعلى كل الباحثين تحرير هذه الفريضة العظيمة من أولئك الجهلة الذين اغتصبوها عنوة وأساءوا إليها وجعلوا الناس يكرهونها ويمقتونها وينسون جهاد النبي الحق الذي جاء رحمة للعالمين حتى في جهاده ونضاله.

 

الجهاد الفريضة المظلومة

  • إنها حقاً الفريضة التي ظلمها الجميع .. ومنهم أهلها الذين وضعوا السيف في غير موضعه فقاتلوا في المكان والزمان الخطأ وبالطريقة الخطأ، فأساءوا إلى هذه الفريضة العظيمة التي شرعها الإسلام لحفظ الأوطان وردع الأعداء وحقن الدماء وليس إراقتها دون مبرر.
  • وهي الفريضة التي ظلمها خصومها الذين ينكرونها ويرفضونها أو يقولون أنها ليست من الإسلام .. ناسين أن الحق لابد أن تحميه قوة عادلة راشدة تحمي ولا تبطش، تدافع ولا تظلم.
  •  فليس للمسلمين أخلاق فحسب .. ولكن لسيوفهم أخلاقاً أيضا ً .. فهي لا تقتل طفلا ً ولا امرأة ولا شيخا ً ولا فانيا ً ولا تقطع شجرة ولا نخلة في حالة الحرب .. فكيف يكون حالها في السلم .. لقد احترم الإسلام النخلة والشجرة المثمرة في أرض العدو حتى في حالة الحرب لأنها تفيد الناس أجمعين.
  • " الجهاد" هو الفريضة المظلومة والتي أساء إليها أهلها الذين يكفرون المسلمين ويفجرون المدنيين ويقتلونهم باسم الإسلام .. فيضروا الإسلام أكثر من أعتى أعدائه. 
  • فالذين يكفرون الجيش والشرطة والحكام يجرون بلادهم إلى الخلف ويسيئون إلى الإسلام والدين بل والجهاد في سبيل الله أعظم إساءة .. ويلطخون ثوب الإسلام النقي الأبيض بالدماء الحرام .. ويلوثون دعوة الإسلام الطاهرة.
  •  وبدلا ً أن يقدموا الإسلام للناس غضا ً طريا ً صافيا ً نقيا ً قدموه مشوها ً ممزقا ً باهتا ً جامدا ً.
  • إن رسالة الإسلام الأساسية تكمن في التبشير لا التنفير والتجميع لا التفريق .. والرحمة بالناس لا القسوة عليهم ..فمن نفرهم ولم يبشرهم.. وفرقهم ولم يجمعهم .. وعسر ولم ييسر عليهم .. وقسا عليهم ولم يرحمهم فليبحث له عن زعيم أخر غير النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن دين آخر يتحدث عنه سوى الإسلام.

هل القتال فخر في نفسه

  • إن القتال ليس فخرا ً في حد ذاته .. فالوحوش في البراري تتقاتل ويقتل بعضها بعضا ً .. ولكن الفخر الحقيقي هو أن تقاتل في سبيل الله نصرة للدين وإعزازا ً للإسلام ودفعا ً للفتن ودفاعا ً عن الأوطان.
  • أما القتال والتكفير وتفجير المدنيين وخطف المسلمين فلا ثمرة له سوى إراقة دماء الأبرياء وسفك الدماء المعصومة وزرع الأحقاد وإضعاف الأمة أمام أعدائها الحقيقيين وزرع الخوف من كل ما هو إسلامي .. وهذا يلحق بقتال الفتنة الذي حرمته الشريعة ومنعته نصوص الكتاب والسنة.
  • إن أمة الإسلام لها أخلاق وسيوفها أيضا ً لها أخلاق .. فهل نسينا قولة الصحابي أبو دجانة " لقد أكرمت سيف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن أقتل به امرأة ".
  • رغم أن "هند" وقتها كانت تقاتل في جيش المشركين في "غزوة أحد" وتحثهم على الحرب.
  • لقد بلغ من أخلاق سيوف أمتنا أنها تحمي المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا ًوتحمي الكنائس ومعابد اليهود في بلاد المسلمين رغم اختلاف العقيدة.. وتدافع عن حرية عقائدهم وأموالهم وأعراضهم.
  • لقد أساء البعض لفريضة الجهاد العظيمة التي قرنت دوما ً بالرحمة .. فهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقف على رأس امرأة مقتولة في أحد معاركه فيقول " من قتل هذه ".. وفي رواية " ما كانت هذه لتقاتل " .. وكأنه يفسر بالروايتين معا ً علة الحرب والقتال في الإسلام وهي "المقاتلة " .. كما قال أغلب فقهاء السلف .. فمن قاتلك أو اعتدى عليك تقاتله .. امتثالا ً لقوله تعالى"وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ " .
  • فالجهاد في الإسلام ليس اعتداء ً على الآخرين أو تسلطا ً عليهم أو فرض الإسلام أو الرأي والفكر عليهم بالقوة .. ولكنه الدفاع عن بلاد المسلمين والذود عن حرماتهم. 

حقيقة الجهاد في سبيل الله وفرضيته

  • الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، وهو أعظم الأعمال وأزكاها، وهو أيسر الطرق إلى رضوان الله تعالى والجنة.
  • ولقد تواترت الآيات والأحاديث التي تدل على عظيم فضل الجهاد، وسمو مكانته ورفعته والتي تحث عليه وترغب فيه.
  • قال تعالى:" وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ".
  • وقال تعالى:"انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهً ".
  • وإن من شرف الجهاد وعظمته أن يقول النبي "صلى الله عليه وسلم " في شأنه: لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل " ولا غرو في ذلك فللجهاد في سبيل الله أجر عظيم وفضل عميم ورضوان من الله أكبر.

مفهوم الجهاد

  • إن أحكام الجهاد الحق في الإسلام تنطلق من قوله تعالى"اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" ومن قول النبي الكريم(ص)"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" ومن عدل الإسلام ورحمته أن جعل الجهاد ردا للعدوان وصداً له وليس عدوانا على الآخرين"وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ".
  • ويأتي السؤال المهم "من يا رب" فتأتى الإجابة "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ" ثم ضبط القتال بقوله"وَلاَ تَعْتَدُواْ" فالعلة في الحرب والجهاد وهى المقاتلة والعدوان وليس اختلاف الدين أو العرق أو اللون فمن قاتلك تقاتله.. ومن اعتدى عليك ترد عدوانه ومن عدل الإسلام ورحمته أن جعل الجهاد نصرة للمستضعفين والمظلومين " ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان"

الجهاد غاية أم وسيلة

  • إن أكبر إشكالية يمر بها الفكر الإسلامي المعاصر هو عدم التفريق بين الغايات والوسائل أو الخلط بينهما، ومن أجل حل هذه الإشكالية كتبت كتاباً مهمًا أسميته "هداية الخلائق بين الغايات والوسائل".
  • وقد ترتب على هذا الخلط بين الوسائل والغايات إلباس الوسائل ثوب الغايات في ثباتها ولزومها واطرادها على مر الزمان واختلاف المكان .. وقد انعكس هذا الخلط سلباً في مجال التطبيق .. حيث ظن البعض أن الوسائل مقصودة لذاتها لا لغيرها فكلف نفسه ما لا يطيق، وضيق من الدين واسعاً ولذا ينبغي فض الاشتباك بين الوسائل والغايات نظرياً وعملياً.
  • فالجهاد لم يكن يوماً من الأيام هدفاً في ذاته ولا غاية .. فلم يشرع الإسلام القتال من أجل القتال وإنما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة لحفظ الدين وإعزازه، وإعلاءً لكلمة الله تعالى .. فهو وسيلة من ضمن الوسائل العديدة لتحقيق الأهداف العظمى والآمال السامية التي أرادتها الشريعة الغراء، وليس غاية مرادة لذاتها، يقول العز بن عبد السلام – رحمه الله – وجعل رسول الله "صلى الله عليه وسلم " الجهاد تلو الإيمان لأنه ليس بشريف في نفسه وإنما وجب وجوب الوسائل ".
  • لقد رأينا النبي "صلى الله عليه وسلم " في سيرته العملية يعامل الجهاد في سبيل الله معاملة الوسائل لا الغايات فكان "صلى الله عليه وسلم " تارة يقاتل وتارة يصالح، وأخرى يحالف، ورابعة يرجع من غير قتال.
  • فإذا تقرر أن الجهاد وسيلة لا غاية جرت عليه ما تجري على الوسائل من أحكام، فيجب الجهاد ويلزم إذا ما توافرت الشروط والأسباب وانتفت الموانع.

متى يمنع الجهاد

  • طالما أن الجهاد وسيلة لا غاية فيجري عليه ما يجري على الوسائل من أحكام، فقد يحرم إنفاذ الجهاد إذا لم تتوافر مقتضياته، أو شروطه، أو وجد المانع منه، أو كان إنفاذه سيؤدي إلى أضرار أخرى بمقاصد الشريعة تكون أهم وأولى منه، كأن يكون إنفاذه سيؤدي إلى تضييع الدين لا حفظه، أو إضاعة وإهلاك الأنفس في غير فائدة .. أو حينما تترتب عليه مفاسد أكبر من المصالح التي يرتجى تحقيقها عبره، أو يكون مهدراً للأنفس لا حافظا ً لها، أو يكون فتنة للناس لا درءًا للفتنة أو يكون صاداً عن سبيل الله لا مرغباً الأنفس في طريق الله.
  • وهذا باب دقيق وصعب، يحتاج إلى أفهام ذوي الأحلام والنهى، حتى لا يؤدي عدم الفهم الدقيق لهذا الباب إلى إراقة الدماء أو تفتيت وتمزيق الدول أو إشاعة الفتن الطائفية أو العرقية أو المذهبية فيها، أو إضاعة الأموال بدون أي مصلحة شرعية، بما يؤدي إلى مفاسد عظيمة في الدين والدنيا تربو على مصالح الجهاد.

ضوابط الجهاد

  •  الجهاد كغيره من الفرائض والأحكام له شروط وموانع وضوابط تضبطه .. فمن ضوابط الجهاد أنه لم يفرض على الأطفال ولا النساء ولذا لا يجوز الزج بهم في الحروب إلا في حالات اضطرارية كأن يحدث غزو للوطن ولا يستطيع الرجال مجابهته وحدهم ففرض الفقهاء على المرأة أن تقاوم الغزو حتى دون إذن زوجها.
  • ومن أحكامه حرمة قتل المدنيين وذلك بنص القرآن " وَلاَ تَعْتَدُواْ"والتي فسرها ابن عباس بقتل الأطفال والنساء والشيوخ و الزمني" أي أصحاب الأمراض المزمنة " الذين كانوا لا يشاركون في الحرب، وحرمة قتل الرهبان وأصحاب الصوامع .. وقد نهى عمر بن الخطاب "رضي الله عنه " عن قتل المدنيين بقوله موصياً جيوشه " لا تقتلوا الفلاحين فإنهم لا يناصبونكم العداء ".
  • والفلاحون هم من جملة المدنيين الذين كانوا لا يشتركون في الجيوش قديماً .. وكأنه يبين علة القتال وهي العدوان والمقاتلة.
  • وقد وجد رسول الله "صلى الله عليه وسلم" امرأة مقتولة فقال " ما كانت هذه لتقتل " وفي رواية أخرى " ما كانت هذه لتقاتل " وكلا الروايتين يفسر أحدهما الآخر.
  • وكان رسول الله "صلى الله عليه وسلم " يقول لقواد جيوشه " لا تقتلوا شيخاً فانيا ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة " .. وكل هؤلاء جميعاً يطلق عليهم في عرف القانون الدولي الحديث "اسم المدنيين" وهم الذين يختلفون عن العسكريين من أهل الحرب والقتال، وهؤلاء لا يقتلون حتى في حالة الحرب.
  • والمتأمل لمعظم ضحايا تفجيرات القاعدة تجدهم من المدنيين وقد قام بعض الباحثين بإحصائية لتفجيرات كثيرة مثل تفجيرات الرياض والدار البيضاء وفندق عمان وبرجي التجارة بنيويورك وطابا وذهب وشرم الشيخ فوجد أن أكثر من 90% من القتلى في هذه التفجيرات من المدنيين فضلاً عن تفجيرات 13 نوفمبر في فرنسا ..وكذلك مذابح داعش أو مذابح ميلشيات الحشد الشعبي وعصائب الحق وبدر وغيرها التي تقتل بالاسم وتذبح بالمذهب وتفجر المساجد في أثناء صلاة الجمعة على مصليها من السنة دون ذنب ارتكبوه .

حكم استهداف السائحين بالقتل

  • تكرر استهداف السائحين بالقتل من بعض التنظيمات التي تدعي الجهاد في سبيل الله والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى ومنها مذبحة الأقصر بصعيد مصر الذي راح ضحيتها قرابة مائة سائح أجنبي سنة 1997م، وتفجير الطائرة الروسية بعد إقلاعها من مطار شرم الشيخ وقتل السياح الأوربيين على أحد الشواطئ التونسية وغيرها.
  • وحرمة قتل السياح تأتي من ثلاثة أبواب:
  • أولاً: إن الأصل في كل الدماء العصمة ولا يزول هذا الأصل إلا بدليل أنصع من شمس النهار، فهكذا أجمع علماء الإسلام .. كما أن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية "حفظ النفس ".. والنفس هنا مطلقة لأنها جميعاً معصومة " مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" وقد سوى القرآن بين النفوس جميعاً في هذه الآية.
  • ثانياً: أنه مدني غير محارب ولا يجوز قتله أو قتاله لما ذكرناه من قبل في حرمة قتل المدنيين .. حتى لو كان من دولة في حالة حرب معنا.
  • ثالثاً: أنه دخل بلاد المسلمين بعهد وأمان وميثاق، والاعتداء عليه بأي صورة يعد غدراً وخيانة للعهد وخرقاً للأمان ومنظومته التي تفيد المسلمين أكثر من غيرهم لأنهم في حاجة للغرب أكثر من حاجة الغرب إليهم.
  • ولعقود الأمان صور حديثة معروفة منها تأشيرة الدخول، أو الفيزا، أو دعوة أي محفل علمي أو جامعة أو شركة أو أسرة أو تصريح الدولة له بالدخول سواءً عبر شركات السياحة أو غيرها .. وكل دخول للسائح بطريقة قانونية مشروعة هي بمثابة عقد أمان يلحق بعقود الأمان التي نص عليها الفقه الإسلامي قديماً وحديثاً.
  • أما القول بأن الأمان الذي تعطيه الحكومات لا يلزم هذه الجماعات فهو قول لا يمت للعلم ولا للفقه بصلة .. فالعبرة في انعقاد الأمان شرعاً هو ما يفهمه طالب الأمان الذي لا علاقة له بهذه الخزعبلات التي يطلقها بعض منظري هذه الجماعات التي تريد استحلال دماء السياح هكذا دون حجة من شرع أو دين أو قانون .. والغريب أنها تفعل ذلك بالسياح نكاية في الحكومات وصراعاتها .. فما علاقة هؤلاء السياح بهذه الصراعات .. وهل يجوز تعليق دماء السياح رهينة لمثل هذه الصراعات التي لا تنتهي أبداً في أي بلد عربي بين الحكومة وبعض التيارات الجهادية المسلحة .. وماذا لو عاملت الحكومات والشعوب في البلاد الأوربية المسلمين هناك أو القادمين إليها بنفس المعاملة فقتلتهم أو فجرتهم فهل كنا نقبل ذلك أم لا ؟! .

هل نسخ الجهاد خياري الصبر والصفح

  • من الخطأ القول بأن فرض الجهاد نسخ الصفح والصبر كخيار إسلامي أصيل لأن معنى هذا القول أنه لا يجوز لأهل الإسلام لزوم الصبر أو اختيار الصفح والعفو مع من يخالفهم وهذا كلام لا يقبله عقل فقد تواترت الآيات التي تدعو إلى الصفح والصبر وقد ذكر القرآن الصفح والعفو في 19 آية وأمر رسوله بها ولا يمكن أن تنسخ هذه الآيات .. والصواب في هذا الأمر هو أن فرض الجهاد نسخ وجوب لزوم الصبر على المسلمين ولم ينسخ جواز الصبر والصفح وفارق كبير بين الأمرين.
  • أما القول بأن آية السيف نسخت 124 آية من آيات الصفح والصبر والكف عن غير المسلمين فهذا غير صحيح .. وقد أنكر كثير من العلماء هذا الأمر .. يقول السيوطي عن خيار الصبر "وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية  السيف وهي ليست كذلك ".
  • وفي الختام أقول: من ذا الذي يستطيع أن ينسخ خيار الدعوة إلى الله أو فضيلة الصبر على الأذى أو لا يحبذ العفو عند المقدرة أو يريد أن يلغي الصبر على الأذى أو خيار الصلح بآية واحدة هي آية السيف، أليست كلها خيارات طبقها وعمل بها رسول الله " صلى الله عليه وسلم " حتي آخر يوم في حياته .. ولولا أن المقام ليس مقام تفصيل لزدت في ذلك كثيراً.
  • الله أهدى المسلمين لفهم كتابه والعمل بهدي نبيه الكريم وخاصة في فهم هذه الفريضة العظيمة التي أساء إليها المسلمون أيما إساءة ولطخوا سمعتها أو تقاعسوا عن الدفاع عن بلادهم حتى احتلت أو سرحت الأساطيل في مياههم الإقليمية والطائرات في سمائهم. 
كلمات دليلية

الشركات المعلنة