انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 105 إفتتاحيةتركيا .. والخيار الخليجي

تركيا .. والخيار الخليجي

انشأ بتاريخ: الأحد، 06 آذار/مارس 2016

يوجد لدى كل من دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا قناعة تامة بأهمية العلاقات الثنائية ويدركان ضرورة الارتقاء بها في العديد من المجالات نظراً للكثير من الاعتبارات، وانطلاقاً من الأهمية الاستراتيجية للجانبين ولما يمتلكان من ثقل في منطقة الشرق الأوسط برمتها ودورهما مع قوى إقليمية أخرى في رسم ملامح استراتيجية إعادة التوازن إلى المنطقة، حيث أن التطورات التي طرأت على المنطقة مؤخراً تفرض على تركيا التوجه نحو دول مجلس التعاون الخليجي في المقام الأول لكون هذه الدول من الأسواق الكبرى القريبة جغرافياً، والغنية بالطاقة التي تحتاجها تركيا، إضافة إلى الاستثمارات الخليجية، إضافة إلى التعاون العسكري الذي يهم دول الخليج لضرورات أمنية، وتحتاجه تركيا لاعتبارات تسويقية وسياسية خاصة في المرحلة الحالية من مراحل السياسية الخارجية لأنقرة، وعليه فإن التقارب مفيد للجانبين لكنه يظل مهماً للجانب التركي، فرغم تنامي القوة الاقتصادية التركية، وزيادة تأثيرها الإقليمي إلا أن  المتغيرات تحمل معطيات جديدة أيضاً ليس كلها في صالح تركيا منفردة، كما تؤكد أن مستقبل أنقرة لم يعد  في التوجه غرباً، بل المعطيات تفرض التوجه جنوباً باعتباره أفضل الحلول المتاحة أمام أنقرة للكثير من الأسباب وهذا ما نستعرضه فيما يلي:  

فيما يتعلق برغبة تركيا الدائمة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، قد يكون هذا الحلم انتهى تماماً وأصبح من الماضي نظراً لمعارضة العديد من الدول الأوروبية التي تربطها علاقات جيدة مع الأكراد، وكذلك بعد تراجع أهمية تركيا بالنسبة للقارة العجوز إثر توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1، وقبل ذلك انتهاء الحرب الباردة، وتراجع تصنيف تركيا في احترام حقوق الإنسان وحرية الصحافة، وبعد أن تحولت تركيا إلى قاعدة للاجئين القاصدين أوروبا. كما أن العضوية في الاتحاد الأوروبي بعد الأزمات التي واجهها هذا الاتحاد لم تعد مغرية أو ضرورية لتركيا كما كانت سابقا.

وعلى صعيد الجوار العربي والدور الإقليمي، لم يعد للدور التركي في العراق وهجه السابق، نظراً لتثبيت الدور الإيراني، مع تنامي التنظيمات الإرهابية في العديد من مناطق العراق مع عدم قدرة تركيا على مواجهة هذه التنظيمات، إضافة إلى الخلاف التركي ـ الكردي خاصة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، واعتبار العراق والمجتمع الدولي الوجود العسكري التركي في العراق غير مرحب به.

العلاقات التركية ـ الأمريكية، تضررت كثيراً ولم تعد كما كانت إبان الحرب الباردة وأهمية تركيا لحلف الأطلسي، كما أن اختلاف السياسات بين واشنطن وأنقرة حيال مستقبل بشار الأسد في سوريا، واختلاف الأولويات حول الحزب الديمقراطي الكردي السوري (بي واي دي) الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية فيما لا تراه واشنطن كذلك، ومن المعلوم أن هناك علاقات تاريخية للأكراد بواشنطن.    

 وتظل سياسات حزب العدالة والتنمية بميوله الإسلامية ودعمه لتنظيمات الإسلام السياسي لا تروق لدول الاتحاد الأوروبي، بل أن التوجه التركي نحو الدول الإسلامية والعربية عموماً لا يلقى ارتياحاً غربياً حيث توجد جاليات مسلمة كبيرة في دول الاتحاد الأوروبي ما يجعل هذه الدول لا ترغب في أن تكون أوروبا جسراً لربط هذه الجاليات  بالمشرق العربي والإسلامي الأمر الذي تعتبره أوروبا ليس في صالحها، وذلك في الوقت الذي يبدو فيه القرار التركي أكثر استقلالاً بسبب تنامي الاقتصاد التركي، وأيضاً تقدمها في مجال التصنيع العسكري وتوطين التكنولوجيا الحديثة، ولعل حادثة إسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي التركية دليل على استقلال القرار لدى أنقرة رغم أن له تبعات لتوريط حلف شمال الأطلسي إلا أن الناتو تعامل بحكمة مع هذه الحادثة بما ضمن عدم تورطه في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا وهو ما حرص عليه الناتو طيلة فترة الحرب الباردة، ومع ذلك قدم الناتو بعضاً من الدعم لأنقرة حفاظاً على هيبة الحلف، ولعدم إتاحة الفرصة للمواجهة مع موسكو مباشرة.

والموقف الأمريكي من التوتر التركي ـ الروسي فهو يراوح أيضاً لصالح عدم الحسم، بل يميل تعقيد الموقف بما يجعل تركيا في موقف دفاع وترقب حذر، وذلك بقصد تعمد تأخير حل الأزمة السورية وعدم الضغط على الأكراد، وأيضا جعل روسيا في حالة قطيعة اقتصادية مع أنقرة وهو ما تريده واشنطن أيضاً.

 ورغم أن أنقرة عضو قديم في الناتو إلا أن قوتها العسكرية تظل لها سمات معينة، فالمؤسسة العسكرية التركية لها تقاليد ثابتة منها عدم الخروج للقتال في الخارج وعدم خوض مغامرات عسكرية منذ دخول قبرص عام 1974م، باستثناء العمليات المحدود ضد الأكراد، كما أن القوة العسكرية التركية نظامية وليس لها أذرع مسلحة وميليشيات مسلحة أسوة بإيران ، كما هو شأن ميليشيات حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق وجماعة الحوثي في اليمن أو الأجنحة المسلحة في إيران نفسها، وهذا ما جعل أنقرة  تفشل في بناء مثل هذه الميليشيات في سوريا عكس ما فعلته طهران، الأمر الذي يجعل تحرك القوات المسلحة العسكرية التركية خارج حدودها وتنفيذ عمليات عسكرية أمر يخضع لاعتبارات كثيرة معقدة.  

كما يبدو أن مراهنة أنقرة على تنظيمات الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين ليس في صالح تركيا للعديد من الأسباب منها تفكك جماعات الإخوان بعد إقصاء الجماعة من الحكم في مصر وفشلها في تونس وسجن رموز قياداتهم وتبنيهم شعارات عنيفة ونهج القتل ما جعل الشعوب العربية تنفض من حولهم وهذا يعني أن مراهنة تركيا تخالف رغبات الشعوب وتوجهات الحكومات في الدول العربية.

وتظل علاقتها بإيران كانت في أوج قوتها خلال فرض العقوبات الدولية على طهران حيث كانت أنقرة البوابة الخلفية لربط طهران بالأسواق العالمية وتوفير الامدادات، لكن سوف تتغير المعادلة بعد رفع العقوبات وتصدير إيران النفط وزيادة الاستثمارات الأجنبية لديها وانفتاحها على الأسواق العالمية ما يقلل من الدور الذي كانت تلعبه تركيا في السابق. 

وعليه فإن تركيا ليست في أحسن أوضاعها، وأن شراكتها مع دول مجلس التعاون الخليجي في صالحها في هذه المرحلة المهمة، بل تحتاجها ولعل ثمراتها ظهرت في التعاون العسكري مع قطر بافتتاح قاعدة على أرض هذه الدولة الخليجية، إضافة إلى كون منطقة الخليج سوقاً محتملاً للسلاح التركي الذي يشهد مرحلة صعود، وكذلك توجه أنقرة لإيجاد قاعدة لها في الصومال، أي تريد التوسع والتمدد جنوباً وهنا لابد أن تلتقي مع دول مجلس التعاون الخليجي.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة