;
الصفحة السابقة

مستقبل الشراكة التركية ـ الخليجية تركيا والخليج: خيارات الانفتاح الاستراتيجي ومتطلباته

انشأ بتاريخ: الأحد، 06 آذار/مارس 2016

1- حقائق ومقومات مؤثرة في العلاقات التركية الخليجية

 

إجماع في صفوف المتابعين على أن العلاقات التركية الخليجية كانت دائما تحت رحمة مسار وتقدم العلاقات التركية ـ العربيةوملفات التقاربوالتباعد الإقليمية والدولية التي تتحكم أو تؤثر في صعود وهبوط هذه العلاقات.  

إجماع آخر على أن خارطة العلاقات التركية الخليجية شهدت تطورا ملحوظا مع الطفرة النفطية الأولى في مطلع السبعينات، واتجهت نحو قفزة جديدة مع الطفرة النفطية الثانية في منتصف الثمانينات حيث اعتمدت تركيا سياسة منفتحة واسعة باتجاه دول الخليج مع وصول الرئيس التركي تورجوت أوزال إلى السلطة مما أدى إلى حدوث تقارب بين الجانبين بعدما أطلقت تركيا عملية أعادت هيكلة أنظمتها الاقتصادية والسياسية بشكل شامل. 


بإيجاز حرب الخليج الأولى والموقف التركي منها زاد من حجم الثقة السياسية والاقتصادية بين الجانبين حيث تماشت سياسة تركيا الإقليمية مع سياسات دول الخليج وتوجت بالجولة التاريخية التي قام بها سليمان ديميريل إلى العديد من دول الخليج لتوقيع المزيد من العقود والاتفاقيات التجارية والسياسية بين الجانبين في منتصف التسعينات، رغم الضرر الملحوظ الذي أصابها بعد حرب الخليج الثانية، والانحسار الجزئي في حجم الاستثمارات التركية في الخليج وتراجع عدد الشركات التركية العاملة فيها.


ومع وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة في بداية العام 2002م، أطلق استراتيجية إعادة هيكلة السياسة الداخلية والعلاقات الخارجية لتركيا، بما في ذلك توسيع رقعة التعاون والانفتاح على دول الخليج وتبني سياسة فاعلة مشتركة لدفع العلاقات نحو الأفضل والتنسيق لحل المشاكل الإقليمية وعلى رأسها الملف الفلسطيني. وقد ترجمت هذه سياسات الانفتاح اقتصاديا وتجاريا واستثماريا في الجانبين.

في العامين الأخيرين قادت التطورات الإقليمية وتحديدا ما سمي بثورات الربيع العربي التي اندلعت في العديد من الدول العربية والمواقف التركية حيالها إلى جانب وصول السياسة التركية في التعامل مع الكثير من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية في الداخل والخارج إلى طريق شائك ومتعجرف في مسار ومستقبل العلاقات التركية ـ الخليجية.

تباعد وتقارب المواقف التركية والخليجية حيال هذه القضايا هو الذي كان يحدد مسارها وفرص تقدمها أو تراجعها سياسيا واقتصاديا وأمنيا. لكن الصعود الإيراني والنفوذ الإسرائيلي في المنطقة وبروز العديد من الأزمات التي تحولت إلى تهديد مباشر على أمن دول المنطقة وتماسكها وحماية وحدتها السياسية والدستورية والعرقية هي التي فتحت الباب على مصراعيه أمام تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي للبحث في فرص التعاون الجديدة التي بدأت تتحول إلى خطوات تنسيق استراتيجي بين الجانبين في أكثر من حقل أو مجال.

المخاطر والتهديدات الإقليمية وعلى رأسها التوسع والانتشار الإيراني الأخير بعد التفاهم مع الغرب على قوة إيران النووية وما يقال حول أدوار جديدة كلفت طهران القيام بها إقليميا بالوكالة عن قوى دولية أخرى كانت أيضا بين الأسباب التي دفعت تركيا ودول الخليج لإعادة النظر في حسابات مواقفهم وسياساتهم وخياراتهم الاستراتيجية والتحول نحو قراءة جديدة لمسار ومستقبل علاقاتهم أمام ما تشهده المنطقة من سيناريوهات تستهدف إعادة رسم الخرائط والحدود وتشكيل جديد لجغرافيتها.

مراقبون كثيرون يرون أن كل هذه المستجدات هي التي استدعت المزيد من التعاون بين تركيا من جهة، والمملكة العربية السعودية وقطر تحديدا من جهة ثانية، فشرع هذا الثلاثي في ترك الكثير من نقاط التباعد والخلاف جانبا وتوقيع عشرات من العقود والاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والأمنية المشتركة في الأشهر الأخيرة ووضع خطط تحرك شمولي باتجاه سياسات واقعية عملية تهدف إلى قلب المعادلات والتوازنات التي تسير وتتقدم على حسابه وتمس مناطق نفوذه الإقليمي.

لكن الأسئلة المطروحة في هذا الصدد هي: ما هي أسباب وفرص التقارب التركي ـ الخليجي؟ ما هي أهم نتائج التقارب التركي الخليجي وارتداداته الإقليمية والدولية؟ وهل التقارب الخليجي ــ التركي هومؤقت أم ثابت؟ وما الذي يمكن أن تقدمه تركيا لدول الخليج وفرص الرد الخليجي على استراتيجية الانفتاح التركية؟

 

 2- أسباب التقارب التركي الخليجي 

في طليعة العوامل التي أدت إلى تنامي التقارب التركي – الخليجي يأتي الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 م، وما نتج عنه من آثار سلبية محلية وإقليمية تمثلت في البعد التفتيتي العرقي والمذهبي الموقف التركي من الغزو الأمريكي للعراق ورفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لفتح جبهة شمالية. وتطابقت الرؤية الخليجية مع نظيرتها التركية بشأن تحقيق الاستقرار الإقليمي والحفاظ على وحدة واستقلالية دول المنطقة ورغبة أنقرة في تأمين احتياجاتها النفطية المتزايدة من منطقة الخليج، إلى جانب التحرك التركي نحو جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال الخليجية والعمل على فتح أسواق جديدة للصادرات التركية في الأسواق الخليجية كانت كلها بين العوامل المباشرة التي دفعت القيادات السياسية في الطرفين لمراجعة مسار العلاقات نحو الأفضل والأحسن.

 

منذ السبعينات وحتى اليوم كان لعوامل سياسية وأمنية واقتصادية الدور الأكبر في التحكم بمسار هذه العلاقات، ومنها مسألة العلاقة التركية مع إسرائيل وموضوع العضوية التركية في الاتحاد الأوروبي وقبول حقيقة توجه تركيا نحو محيطها العربي والإسلامي كلما توترت علاقاتها مع الدول الغربية في ملفات بينها الضغط الغربي على تركيا بسبب قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والأقليات ودور المؤسسة العسكرية، والملف الكردي داخل تركيا، والقضية القبرصية واليونانية والأرمينية.

 

لكن الأحداث التي شهدتها المنطقة والمرتبطة بتطورات “الربيع العربي” في مطلع عام 2010م، لعبت دوراً كبيراً في توسيع الفجوة بين تركيا والحكومات الخليجية حيث ناهضت دول الخليج التغيير بهذه الطرق الثورية، ودعت إلى الإصلاح التدريجي، في حين كانت أنقرة من بين العواصم التي دعمت دعاوى التغيير الجذري والسريع في المنطقة لتعزيز طموحاتها الإقليمية. تطورات كثيرة سياسية وأمنية دفعت لاحقا باتجاه فتح الباب أمام تهدئة التوتر، فثمة مصالح سياسية واقتصادية مشتركة وثمة تهديدات ومخاطر كثيرة تطاردهما وتهدد موقعهما ودورهما ومصالحهما في المنطقة. صعود الحوثيين في اليمن، وتهديدات إيران العلنية لدول الخليج فضلا عن تراجع العلاقة السياسية بين أنقرة وطهران وأنقرة وموسكو على خلفية الأزمة السورية والتردد التركي الخليجي حيال مواقف واشنطن في التعامل مع أكثر من أزمة إقليمية مال الخيار الأميركي فيها إلى الجانب الإيراني بشكل واضح هي في مقدمة الأسباب التي أدت إلى هذا التقارب التركي ـ الخليجي الجديد.

اللقاءات الأخيرة بين القيادات السياسية التركيةـ السعودية والتركية ـ القطرية كان لها علاقة مباشرة في ترجمة خطط الحرب على داعش والتنسيق الاستراتيجي بعد قمة الدول العشرين التي عقدت في تركيا وسبقها زيارتان استراتيجيتان لأمير قطر والعاهل السعودي لأنقرة.

العلاقات التركية المتأزمة مع موسكو، عقب إسقاط تركيا مقاتلة "سوخوي 24" في أواخر نوفمبر الماضي، وسياسة روسيا السورية والكردية كان عاملا آخر في دفع أنقرة نحو منطقة الخليج لترسخ العلاقات مع أصدقاء خليجيين  كانت أولى نتائجه التحالف الإسلامي العسكري، الذي شكلته السعودية منتصف ديسمبر المنصرم والهادف لمحاربة الإرهاب، ويضم 35 دولة إسلامية من بينها تركيا وضع أسس تشكيل حلف تركي- خليجي في مواجهة الحلف الروسي - الإيراني، الذي تنفس الصعداء مؤخرا، محاولا ممارسة الضغوط على دول الخليج من جهة، وعلى أنقرة من جهة أخرى . رغم أن الطرفين يعرفان وجود عقبة أساسية في طريق حماية هذا التوجه الجديد وهي الأزمة التركية ـ المصرية التي مضى عليها عامان تقريبا وتفجرت بعد إزاحة الرئيس المصري الأسبق، محمد مرسي، ووقوف أنقرة إلى جانب الإخوان المسلمين بشكل أغضب القيادات المصرية.

في الجانب التركي وحول أسباب التقارب الجديد مع دول الخليج ترى أنقرة أنه: 

مع وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة في العام 2002 م، بدأت العلاقات التركية ـ الخليجية تشهد تطورًا كبيرًا، ووصلت تلك العلاقة إلى الذروة في عام 2009م، بعد حادثة دافوس الشهيرة وموقف تركيا من القضية الفلسطينية تحديدًا.

أما فيما يتعلق بمسألة الربيع العربي الذي بدأ نهاية عام 2010م، فالواضح هو أن غالبية عواصم دول الخليج ترى أن تركيا أخذت موقفًا متعجلاً تجاه هذا الحراك، عندما اكتشفت بعد عام على اندلاع هذه الثورات أن المسألة تتجاوز قضايا الديمقراطية وحرية الرأي والمشاركة السياسية.

      ومع تطورات الأحداث نرى اليوم وكما حدث في اليمن، أن المواقف التركية تلتقي مع المواقف الخليجية في أكثر من مكان؛ فتركيا كانت مع الدول الخليجية منذ بداية الأزمة اليمنية، وكان هناك توافق على الانتقال السلمي للسلطة في اليمن، ودفعت تركيا بهذا الاتجاه بوضوح، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالأزمة العراقية حيث نرى أن هناك توافقا تركيا خليجيا فيما يتعلق بمستقبل العملية السياسية في العراق. 

والأرجح، على الجانب التركي، أن ثمة عوامل ساعدت على طي المسافة بين أنقرة والخليج كشفت عنها الزيارات المتبادلة، وكان آخرها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للرياض في 28 فبراير 2015 م، الماضي وزيارته للكويت نهاية أبريل الماضي، وتعهد فيهما بتنشيط العلاقات الاقتصادية وبحماية المصالح الأمنية المشتركة للجانبين في المنطقة. زيارة الرئيس أردوغان الأخيرة إلى دول الخليج لا سيما السعودية وقطر ثم زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إلى الرياض في نهاية يناير المنصرم تأتي ضمن تعزيز وزيادة التعاون بين الجانبين، خصوصاً في ظل التحالفات الدولية لمحاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا والتنسيق في ملف الأزمة السورية.

قضية المنطقة الآمنة في شمال سوريا التي تسعى تركيا منذ سنوات لتطبيقها، هي بين المسائل التي تعطيها تركيا الأولويات في التعاون ولا سيما في ظل التدخل الروسي في منطقة شمال سوريا الذي أحدث فوضى كبيرة، والسعي لخلق كيان كردي على حدود تركيا، وهو الأمر الذي لا يمكن لتركيا أن تقبل به.

 التقارب التركي الخليجي الأخير وكما تراه أنقرة يندرج أيضا في إطار رسم ملامح حلف جديد لمواجهة الحلف الروسي – الإيراني الذي بدأت تتضح ملامحه في الآونة الأخيرة، خصوصا وأن إيران بعد الاتفاق النووي بدأت في توجيه الرسائل التصعيدية والاستفزازية نحو تركيا ودول الخليج.

لكن أنقرة تقبل حقيقة ضرورة تجاوز " العقبة المصرية " وموقع وأهمية هذه الأزمة في عرقلة علاقاتها مع دول الخليج رغم أنه لا وجود لمؤشرات حتى الآن توحي بحصول مثل هذا التحول أو التغيير في الموقف التركي الذي فتح أبواب التوتر والقطيعة حتى مع بعض عواصم الخليج.

التنسيق الروسي ــ الإيراني الأخير وكما تراه أنقرة لاسيما بعدما تبيّن الدور الذي أخذه حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا، وشروع حزب العمال الكردستاني بعملياته القتالية داخل تركيا من جديد. تعكس مسألة وجود علاقة بين الاتفاق الإيراني الغربي وعودة عمليات حزب العمال الكردستاني والتصعيد المتواصل ضد أنقرة.

المشهد وكما يبدو من أنقرة هو أن تركيا وهي تسعى لتحسين علاقاتها مع دول الخليج قد حزمت أمرها في بعض الأمور التي تتعلق بالمنطقة، وستتخذ مواقف أكثر صرامة حيال ملفي حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا بهدف تعطيل مشروع تفتيت سوريا وتركيا الذي تسعى إليه روسيا وإيران في هذه المرحلة وربما سيكون هذا التفاهم التركي الخليجي على حماية وحدة وتماسك دول المنطقة العربية والإسلامية هو حلقة من الرد التركي الخليجي على محاولات المساس بالحدود والبنية والهوية الوطنية لهذه الدول.

أما في الجانب الخليجي وحول أسباب الانفتاح الجديد على تركيا فالواضح هو أن:

غالبية دول الخليج باتت ترى في تركيا اليوم القوة العسكرية الإقليمية القادرة على أن تأخذ مكانها في خط التصدي للتهديدات والاستفزازات الإيرانية والتعجرف الإسرائيلي ومشاريع الهيمنة على دول المنطقة وضرورة كسب العامل التركي لموازنة توسع التمدد والانتشار الإيراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان. وأن المساعي الخليجية للاستفادة من الخبرات التركية الكبيرة في مجال الصناعات العسكرية الدفاعية المتقدمة، هدفها تنويع مصادر تسليحها من جهة وكسر احتكار الدول الغربية لهذا المجال الحساس المتعلق بالأمن القومي الخليجي من جهة أخرى.

وأن تركيا إلى جانب مصر مع الشراكة الخليجية تمثل المثلث القادر على إيقاف مشاريع التوسع الإيراني ومحاولات إسرائيل ملء الفراغ الحاصل بسبب العديد من الأزمات والحروب في المنطقة. وقبول ما يوصف بالنمط الجديد في بلورة حضور تركي متقدم في الخليج من مدخل أوسع هو مدخل التعاون الشرق أوسطي الذي يبقى أمام الطاولة مشروع تزويد دول الخليج بمياه تركية.

 

وأن هذا التقارب يأتي في العلاقة في الوقت الذي تواجه فيه الدول الخليجية تحديات إقليمية أفرزتها ارتدادات الربيع العربي التي أعطت طهران المساحة والفرص التي كانت تبحث عنها لتفتيت المنطقة بما يكرس هيمنتها العسكرية والسياسية. ووسط قناعة خليجية حول وجود فرص تنسيق مشتركة كثيرة إزاء القضايا والنزاعات الإقليمية.

 

تحرك إيران النووي حقيقة لم يعد بمقدور أحد تجاهلها أو التعتيم عليها وهو أن مضي إيران في سياستها النووية لتحقيق هدفها النهائي امتلاك السلاح النووي،  يزيد من قلق ودوافع جيرانها الإقليميين مثل تركيا والسعودية وإسرائيل ومصر للتخطيط والتحرك باتجاه امتلاك هذه القوة، لتحقيق التوازن الإقليمي، كما يزيد من التقارب التركي الخليجي، خصوصا أن قناعة تركية تتزايد حول أن أنقرة لم تعد تثق بالترسانة النووية الغربية والتعهدات المقدمة لها في إطار الحلف وخارجه لأنها تعرف أن الغرب وواشنطن تحديدا يساوما طهران على ملفات إقليمية على حساب دول المنطقة .

 

جملة من الحقائق لا بد من قبولها خلال الحديث عن التقارب التركي الخليجي في إنه سيحقق مجموعة من المكاسب المشتركة لكلا الطرفين أهمها:

العامل الاقتصادي الإيجابي حيث أن ارتفاع مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري بين أنقرة والخليج، سيوفر العديد من الفرص الاستثمارية الواعدة بينهما، مع ارتفاع ومضاعفة حجم التجارة البينية بين دول الخليج وتركيا، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري ليصل إلى نحو 25 مليار دولار عام 2013م، منها 15 مليار دولار للصادرات التركية وما يقرب من 10 مليارات دولارات للجانب الخليجي.

وفتحت استراتيجيات تنويع مصادر الدخل ومشروعات البنية التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي العديد من الفرص لتركيا التي تمتلك قوة اقتصادية يمكن أن تتكامل مع الاقتصاد الخليجي، ولهذا ليس من الغريب أن يصبح الاقتصاد هو القوة الأساسية المحركة لتشكيل العلاقات التركية الخليجية؛ حيث تم توقيع عدة اتفاقيات في مجالات التجارة والاستثمار.

 

في الجانب الأمني، طرحت أفكار أمنية منذ منتصف التسعينيات في مسار العلاقات التركية الخليجية في إمكانية إيجاد محور أمني مشترك بين الطرفين، لكنها ظلت حبرا على ورق إلى أن فاز حزب «العدالة والتنمية» في انتخابات تركيا 2002م، حيث جاء البعد الأمني كعامل مهم في التقارب بين الطرفين، بعد جهود إيران النووية ومحاولة هيمنتها على العديد من الدول العربية.

الواضح أيضا هو أن العلاقات التركية -الخليجية ستتأثر بشكل أو بآخر بالعلاقات التركية مع حلف الأطلسي وبالعلاقات الخليجية الأميركية حيث ستتوضح حقيقة إذا ما كانت واشنطن والأطلسي يرغبان بدعم هذا التقارب التركي الخليجي أم لا على ضوء التفاهم الغربي مع طهران في الملف النووي والتصعيد الإيراني الأخير ضد دول الخليج الذي رأى فيه البعض تحركا تغطيه واشنطن لمنع أي تقارب تركي خليجي يكون على حسابها في المنطقة.

 

3-هل التقارب الخليجيالتركي مؤقت أم ثابت ؟.

من هنا يمكن القول اليوم أن التقارب التركي الخليجي لا يمكن أن يكون ظرفيا مؤقتا أمام مشاريع التفتيت والتقسيم في المنطقة وتغيير الحدود والخرائط كما تريد طهران والنظام السوري وروسيا وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا وبعض القوى العراقية وإسرائيل. 

يكفي التوقف عند ما قاله وزير خارجية تركيا السابق علي باباجان خلال توقيع عقود التنسيق التركي الخليجي عام 2008م، «تركيا تولي أهمية كبيرة لأمن الخليج واستقراره.. وهي ستكون في طليعة الدول التي قد تتأثر بشكل مباشر من أي تدهور أمني هناك» واستطراده بتحديد أبعاد وأهداف هذه الاتفاقية لتشكل «آلية للحوار السياسي المنظم وتطوير العلاقات الاستراتيجية بين تركيا ودول الخليج»، هي رسائل علنية واضحة مخاطبها هو إيران بقدر ما هي موجهة إلى أميركا وإسرائيل طبعا. من هنا ضرورة القول إن مذكرة التفاهم التركية ـ الخليجية هذه قد لا تستهدف إيران لكنها رسالة مباشرة موجهة إليها لمراجعة سياساتها الإقليمية خصوصا في الخليج لناحية التمدد والتمسك بالمشروع النووي والأزمة المستمرة معدولة.

الخليج يرى في تركيا فرصة صناعية زراعية مائية استثمارية وطريقا نحو أوروبا وفرصة لتجاوز أزمة نقص المياه التي بدأت سلبياتها ترتفع في المنطقة بشكل عام وفرصة أسواق جديدة تعوضه عن عودة بعض رؤوس الأموال الخليجية إلى المنطقة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وتركيا ترى في الخليج قاعدة الاحتياج المتبادل ووسيلة تعزيز موقفها على طريق العضوية الأوروبية بكل ما يحمل لها من حظوظ تجارية واقتصادية ومالية وإمدادات نفطية. من هنا تعتبر اتفاقية التفاهم والتعاون هذه نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من العمل المتواصل الدؤوب على طريق تحسين العلاقات. ويكفي التوقف مثلا عند حجم التبادل التجاري الذي تضاعف 4 مرات خلال السنوات السبع الأخيرة لنكتشف أبعاد قرار تركيا ودول الخليج في توسيع تعاونهما هذا وتحويله إلى تحالف استراتيجي متعدد الجوانب.

طرح التعاون التركي الخليجي الاستراتيجي لا بد أن يتضمن نقاشا في العمق حول التنسيق البنيوي المنظم والشامل في المجالات السياسية والإنمائية والأمنية والدفاعية وهو تعاون سيكون من الصعب إيقافه عند نقطة معينة إذا ما وجدت القيادات السياسية في الجانبين فائدة في المضي بمشروع توسيع رقعة التعاون والانتشار. وأنقرة لن تفرط بهذه السهولة بما بنته بصبر وتأن حتى الآن ولن تسمح بتعريض مشروعها الإنفتاحي التقاربي على دول الخليج هذا الذي يضع أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي في مقدمة استراتيجياته.

لكن الانطلاقة تحتاج إلى قوة دفع حقيقي تمر عبر إنهاء الخلاف التركي المصري وضرورة مراجعة تركيا لسياستها تجاه مصر والعكس صحيح لأن التوتر التركي ـ المصري بهذا الشكل سيؤثر دائما على خطوات الانفتاح التركي الخليجي طالما أن العديد من العواصم الخليجية لا تريد أن تفرط بمصر ودورها وموقعها الإقليمي في سائر معادلات بناء المنطقة.

ولا يمكن لأنقرة سوى أن تقبل حقيقة أن الموقف التركي من حكم الرئيس السيسي ينعكس سلباً على علاقات تركيا مع دول الخليج ولاسيما السعودية والإمارات، خصوصاً بعد أن تحولت تركيا إلى ملجأ للمعارضة المصرية وقيادات الإخوان ومراكز انطلاقته. الملف المصري مرشح إلى أن يبقى حجر عثرة كبيرة في مسار ومستقبل العلاقات الخليجية – التركية مهما جرى الحديث عن تقارب تركي خليجي خارج الموقع والدور المصري.

التحالف التركي الخليجي قادر على لعب الدور الريادي في تجنيب المنطقة الكثير من الويلات بعيدا عن سياسة الأحلاف والاصطفاف الإقليمي وهو فرصة تستحق أن تترجم عمليا على الأرض في ظل تلك التحديات الكثيرة التي تتربص بالمنطقة.

 

كلمات دليلية