;
الصفحة السابقة

لماذا تعطل الحوار العربي التركي : وما السبيل إلى إحيائه ؟

انشأ بتاريخ: الأحد، 06 آذار/مارس 2016

تركيا شدت أنظار العرب كما لم تفعل طوال قرن منذ انهيار الدولة العثمانية، ففي  وسط العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، توجه الرأي العام والحكومات العربية إلى تركيا ،لأسباب عديدة ، ولكن كان على رأسها توليفة  من عاملين ( النجاح الاقتصادي والحكم ذو الخلفية الإسلامية) لم تصل تركيا إلى هذا النجاح الاقتصادي والسياسي الذي وصلت  إلى أعلى قمة له في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، هكذا فجأة، بل سبق ذلك  تجارب، بعضها مرير ،وصراع أوصل الأتراك إلى حد الانقسام العمودى الحاد، في كلا المجالين الاقتصادي والخلفية الإسلامية، فقد تعثرت تركيا اقتصاديا حتى وصل الأمر أن لايسمح لمسافر تركي  أخذ أكثر من مائة دولار  معه أيا كانت وجهته، بل عليه أن يُعيد الباقي إلى الدولة إن وفر من ذلك المبلغ  شيء؟ وذلك دليل على أن الوضع الاقتصادي التركي متعثر! وكذلك تعثرت تجربة الحكم من خلال الإسلام السياسي، بسبب راديكالية الموجة الأولى من الإسلام السياسي التركي (تجربة نجم الدين أربكان) الذي وصل إلى الحكم (كرئيس وزراء 1996م) وكانت فترة مربكة ومشوشة من جديد كان الانقسام فيها واضحًا في الجبهة الداخلية التركية.

 يرى البعض أن النجاح  الذي وصلت إليه تركيا في بداية القرن الميلادي الحالي قد تأهلت له منذ عهد حكم توركوت اوزال في نهاية الثمانينات و بداية التسعينات ( كان  رئيس وزراء بين  1989-1993م ) من القرن الماضي ،وهو الذي أجرى التحول التاريخي في كل من الاقتصاد والسياسة، من جمهورية علمانية كان قد أقامها مصطفى كمال ( اتاتورك) عام 1924م، واستمرت  تقريبا ثمانية عقود جعت من الصعب استمرارها كما هي ، و اقتصاد متعثر تتدخل الدولة في  معظم مفاصله ،فجاء اوزال ليقوم بخطوتين  مهمتين في مسيرة تركيا الحديثة ، الأولى تحرير الاقتصاد التركي من جهة ،و الثانية  إتاحة الفرصة لحزب ديني، ولكن  شبه حديث للعمل العلني . أيا تكن الأسباب فقد صعدت تركيا في أعين كثيرين إلى قمة الإدارة الحديثة والنجاح الاقتصادي بسبب قيادة تعرفت على المطالب الحياتية والحديثة للشعب التركي، وبدأ العرب الذين كانو يرون في التجربة التركية شيئًا افتقدوه يتقربون من التجربة التي حملت، دولة حديثة ذات مرجعية دينية، ولكن في نفس الوقت ديمقراطية إلى حد كبير، تحفظ حقوق الإنسان وتعتني بالإنتاج. 

على هذه الخلفية بدأ (الوله) العربي وخاصة الخليجي تجاه التجربة التركية، كان دافعه القوة الجديدة لما يعرف بــــ (الإسلام السياسي) المعتدل، خاصة تلك القوى الخليجية التي تعمل في السوق والتجارة والعمل الأكاديمي والنشطاء السياسيون، زاد على ذلك (الاعجاب) الاختراق الثقافي الذي سببته (فنتازيا المسلسلات التركية) التي بهرت المتلقي الخليجي، حتى صار بعضهم يسمى أبناءه بأسماء أبطال المسلسلات[1] انبهارًا بها.

موقف السياسة الخارجية التركية في تلك الفترة ( العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين) زاد من ذلك الانبهار ، فقد بدأت تحت شعار ( تصفير المشكلات) خاصة تجاه العرب، تصفي المشكلات العالقة، وكان أمراً مرحبًا به من قطاعات واسعة عربية وخاصة خليجية ،  زادت حدة  تصاعد الخلاف بين تركيا  و إسرائيل[2] في  عمق تفهم العرب للموقف التركي،  وخاصة تجاه قضيتهم الكبرى ، فقد وجدوا في تركيا نصيرًا ، خالف كل ما كان يقوم به، واهتم بالقضية إلى درجة أن صداما مع إسرائيل قد حدث وإن كان على الصعيد الدبلوماسي، كل ذلك  زاد من التقارب بين العرب والأتراك وخاصة أهل الخليج بسبب كل تلك الخلفيات الجديدة التي أطل بها حزب التنمية والعدالة على المشهد السياسي الإقليمي .

التقارب المؤسسي:

في متنصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وعلى خلفية النجاح الاقتصادي والخلفية الإسلامية التي بدأت تنظر بها تركيا إلى أمور العلاقات الدولية، بدأ الحوار الخليجي ــ التركي، وكان ذلك في عام 2005م،    وعلى  مستوى وزراء الخارجية والذي تفرعت منه عدد ًمن اللجان ( العملية )  وبعدها عقدت ثلاثة حوارات على مستوى  القمة كان أخرها عام 2012م ، كانت  على التوالي 2008م، في الكويت و  2010 م، في جدة و 2012 م، كان نتيجة هذا التقارب بين الخليج وتركيا أن قفز حجم التبادل التجاري بين المنطقتين من 2 مليار دولار  عام 2000م، إلى 20 مليار دولار عام 2010م، وهي قفزة نوعية كبيرة، تدل على متانة العلاقة بين الأتراك والخليجيين في هذه الفترة، وتدفقت مليارات الدولارات كاستثمار في تركيا، سواء كانت استثمارات شخصية  (شراء عقارات) أو استثمارات رأسمالية وخدمية كمثل افتتاح فروع للبنوك الخليجية أو مشاركة في مصانع  أو سياحة خليجية إلى تركيا أو عبرها إلى أوروبا، بل شهدت تلك الفترة أعلى كثافة زيارات لرسميين خليجيين إلى أنقرة أو أتراك إلى العواصم الخليجية، فالعقد الأول من القرن الواحد والعشرين شهد ما يمكن أن يسمى ( شهر العسل) التركي الخليجي، في نفس الوقت بدأت بعض النخب العربية والتركية في التفكير في تكوين تجمع عربي تركي (شعبي) للحوار ، فأنشأت  مجموعة الحوار العربي ــ التركي، الذي أشهر في استنبول ،وعقد أربعة اجتماعات بين اسطنبول و المنامة في البحرين على التوالي ، كما عقدت مجموعة من الحوارات بين النخب التركية والعربية في عدد من العواصم العربية و استنبول و كذلك العواصم الخليجية .

ما الذي عطل الحوار:

الربيع العربي وأحداثه وتفاعلاته وصدمته عطل جزئيا الحوار، بل رفع من وتيرة الشكوك، فقد وجدت السياسة التركية أن (أحداث الربيع) هي فرصة لها من أجل تسويق مشروعها السياسي (الإسلام السياسي الحديث) ووجدت بعض الدول العربية والخليجية بالذات أن السلوك السياسي التركي في هذا الموضوع هو سلوك متعجل لا يأخذ بالحساب المصالح الخليجية. كان سفر السيد رجب طيب أردوغان (بوصفه رئيس الوزراء) إلى كل من القاهرة وتونس إبان الفورة الربيعية في عام 2012 م، دليل عند الآخرين على أن تركيا تؤسس لعلاقات جديدة، وتدير ظهرها للعلاقات السابقة مع دول الخليج، كما تصاعد تأييد تركيا  للقوى (الإسلامية المتشددة) العربية وخوضها مغامرات في هذا الأمر، زاد من الريبة بين عدد من الدول الخليجية تجاه تركيا. تبين لتركيا فيما بعد أن برق (الربيع) هو برق خُلب! لم يتفهم الأتراك الفروق المنهجية بين (الإسلام السياسي) في البلاد العربية وبين (التجربة التركية)، على الرغم من أن تركيا (خاصة بعد زيارة اردوغان لمصر والإدارة الإخوانية في القاهرة) تبين لها أن هناك فروق لا يمكن تجسيرها في التفكير بين التيارين. إلا أن الخطأ الآخر الذي ارتكبته تركيا هو استمرارها في احتضان (الإخوان) على الرغم من فشلهم في مصر وإلى حد كبير في تونس، ولم تفهم أنقرة أن ما حدث في مصر من تغيير ضد الإخوان هو برغبة الشعب المصري أو أغلبه، في رفض الحكم المتشدد للإخوان! هذا الأمر، أي استمرار تركيا في الدعم للإخوان بتجلياتهم المختلفة في أكثر من دولة عربية، جعل من بعض دول الخليج تأخذ (خطوة إلى الخلف) تجاه تركيا، التي هي نفسها واجهت صعوبات سياسية أيضا في سوريا، وقد اختلفت من جديد بعض دول الخليج مع تركيا في الثلاث سنوات الأولى من ثورة السوريين، بسبب الاختلاف في المنظور و الأولويات، الذي يتوجب الأخذ بها تجاه تطورات الأحداث في سوريا، من جهة أخرى لم تبد تركيا (حماسة) متوقعة منها في الحرب ضد الحوثيين في اليمن، عندما اندلعت الحرب في مارس 2015م، تلك كانت الملفات التي أخرت التفاهم والتفهم بين تركيا ودول الخليج، إلا أن بعض الدول الخليجية وخاصة قطر كانت ترى في الكثير من الملفات ما تراه تركيا، الأمر الذي جعل التمهل من دولاً خليجية تجاه تركيا يزداد مع شيئ من الشكوك غير  المسكوت عنها، خاصة أن تركيا أصبحت أرضا  لاستقطاب كبار ( الإخوان) العرب !

في السياسة تتبدل الأمور:

وقد تتبدل بشكل سريع خاصة في المراحل الانتقالية، كمثل التي تشهدها المنطقة العربية والشرق الأوسط الكبير  اليوم، فقد أصبحت الحرب في سوريا تقريبا حربا ( عالمية) يشارك فيها العديد من الدول، بعضها عضو أساسي في مجلس الأمن مثل روسيا،و الأخيرة تبدى عداء شديدًا ومعلنًا للدولة التركية بعد اشتباك الطيران الذي أوقع  طائرة روسية  في شهر نوفمبر 2015م،(اعتبرته روسيا إهانة لقوتها ) كما أن الرد الروسي كان يعمل على تقوية كل أعداء تركيا الدولة  في الجوار ( خاصة أكراد تركيا وأكراد سوريا) الأمر الذي يسبب صداعا مستمرا لانقرة، أضف إلى ذلك أن ( المستنقع) السوري أوقع تركيا الرسمية في إشكال كبير ، لا يبدو أن حلفاءها في الغرب يتفهمون موقفها، فقد طالبت بـــ ( منطقة عازلة) فوق  شمال سوريا لجعلها مكانا يأوي إليه اللاجئون وربما منطلقا لأعمال عسكرية، فلم تفلح في إقناعهم ، ثم تدفقت هجرة اللاجئين السوريين من تركيا إلى أوروبا  بأعداد كبيرة ، مما أوقع تركيا في إشكال جديد مع جيرانها الأوربيين ،وهي حائرة في أي ملف يمكن أن تعالج أولا ، فقد احتاجت إلى أصدقاء،. من هؤلاء الأصدقاء الصف الخليجي الذي يرى أن أول الخطوات التي يجب أن تتخذها تركيا هي (مصالحة تركية\مصرية) من أجل نزع شوك التخوف والريبة الذي يشعر به المصريون من جهة، ومن أجل تصلب موقف الدول (السنية) في المنطقة من جهة ثانية، في وجه هجمة توظفها إيران تحت شعار طائفي، لخلخلة الوضع في المنطقة العربية بشكل عام وفرض نفوذها التوسعي ودفع مصالحها إلى مكان يقلق العرب والأتراك معا. 

فأمام تركيا إذاً ملفات للتفكير العميق واتخاذ خيارات استراتيجية، إذا أرادت أو لم ترد، تواجه مجموعة من المتغيرات جميعها سلبية على أمنها القومي بل وخطرة على الدولة الوطنية التركية. من جهة أخرى فإن دول الخليج ترغب في أن تتعاون مع تركيا بشكل إيجابي، لأن ما تملكه تركيا من موارد استراتيجية تحتاجها دول الخليج في مرحلة الصراع مع إيران في ظل تراجع الرغبة الأمريكية في التدخل النشط أمام الهجوم الروسي/ الإيراني. من هنا فإن خطوات المصالحة التركية / المصرية واحدة من أولويات العمل القادم في السياسة التركية ــ الخليجية، وكذلك سياسة منسقة في كل من سوريا ولبنان وربما اليمن أيضا، هي من المتطلبات العجلى لكلتا السياستين التركية والخليجية في الأشهر القليلة القادمة.

الأمور السياسية في المنطقة، كما ذكرت آنفا، هي في مرحلة سيولة سريعة، و أيضا خطيرة، فليس من المتوقع أن يكون هناك اتفاق يقود إلى سلام ما في الربوع السورية في وقت قريب، فهناك في تلك الساحة سوف تتصارع إرادات و تتداخل مناورات و يحدث تفكيك و تركيب جديد بين دول فاعلة، ليس أقله من وجه النظر التركية أن يكون هناك ( كيان تركي ) في كل من سوريا والعراق، يُنبت دولة جديدة هي في طريق التشكيل نتيجة الصراع الدائم،كما أن النتيجة في اليمن قد لا تكون محسومة،وقد ينتج عنها أيضا شيئ من التقسيم ،إما على شكل القديم ( يمن شمالي و جنوبي) أو ربما أكثر من ذلك، ولا يوجد حتى الآن رأس جسر لتوافق مصري / تركي وهو حجر الزاوية في احتمال قلب المعادلة ضد الهجمة الإيرانية، كما يزيد تراجع أسعار النفط التي تعتمد عليها دول الخليج في تهدئة سرعة التبادل التجاري التركي الخليجي، ولا بد أن ننظر إلى الداخل التركي الذي يشهد صراعا معلنا بين قوى رافضة للسياسات التي تتبعها الإدارة الحالية أو تلك القوى التي ترغب في الاستقلال الكامل أو الجزئي عن التراب التركي!

كل تلك الأسباب تجعل من إعادة الحوار الاستراتيجي التركي / الخليجي ذو أهمية قصوى في هذه المرحلة الصعبة والذي يجب أن توضع له أولويات منها:

1-   إعادة اللحمة التركية المصرية بأسرع وقت ممكن مع تصعيد تلك العلاقة من علاقة عادية إلى علاقة تعاون وثيق في الملفات الإقليمية العاجلة.

2-   وضع خطة مشتركة للملف السوري والعمل على النطاق العالمي بشكل مشترك لدعوة إلى تلك الخطة ومن بينها صرف بشار الأسد من السلطة في أقرب وقت ممكن وتمكين حكومة وطنية من الأجهزة العسكرية والأمنية والاقتصادية.

3-   التعاون في الملف اليمني الذي يتوجب النشاط الأكثر وضوحا لتركيا فيه من حيث التعاون العسكري والدبلوماسي.

4-   مساعدة تركيا للتغلب على مشكلاتها من خلال الدعم الاقتصادي والدبلوماسي.

5-   توحيد المنظور الخليجي في الملفات القائمة والصعبة بشكل أكبر مما هو عليه الآن.

6-   السعي الجاد لوحدة خليجية مبتكرة وفاعلة تقف بحسم أمام تطلعات الدول الإقليمية وخاصة إيران في الهيمنة والسلوك العدواني عن طريق عدد من وكلائها المحليين.

7-   العمل على النظاق العالمي والتنسيق الدبلوماسي لوضع العديد من القوى (مادون الدولة) في كل من تركيا ولبنان وليبيا وبلاد أخرى على قائمة (الإرهاب الدولي) ومطاردة مصادرها المالية واللوجستية.

ليس هناك اليوم أكثر من أهمية الحوار التركي/ الخليجي الاستراتيجي، فهناك العديد من الملفات التي تجعل من هذا الحوار ذو أهمية قصوى، هو لا يتعلق فقط بالاقتصاد أو التعاون بل يتعلق بالأمن القومي لكل من تركيا ودول الخليج، و لقد بدأ بالفعل شيء من التواصل السعودي/ التركي للبدأ في الحديث في ( خارطة طريق) للتعاون ،و أيضا هناك دول خليجية بدأت تنظر إلى أهمية  التعاون على إنها ضرورة استراتيجية، كما أن هناك رأي عام خليجي و تركي محبذ لهذا التواصل و تصفية المشكلات العالقة بأسرع وقت ممكن ،حتى تصل الرسالة إلى المعسكر المعادي مفادها ،إن هناك جدية في التوجه وليس فقط حديث سياسي عابر.

 

 

 

 

[1] كانت تلك الأسماء العربية هي من خيال المترجمين  الذي دبلجوا تلك المسلسلات

[2] كان الأكثر حدة في الخلاف الإسرائيلي التركي عندما  ترك الرئيس اردوغان مكانه اثناء الحوار في دافس يناير 2009 احتجاجا على الرئيس الاسرائيلي وقتها شيمون بيرس 

كلمات دليلية