;
الصفحة السابقة

التحالف التركي السعودي والاختبار السوري

انشأ بتاريخ: الأحد، 06 آذار/مارس 2016

تصاعدت وتيرة التعاون والتنسيق بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية بعد فترة من التباعد والجفاء السياسي بين عامي 2013 ــ 2014م، إثر عدة مواقف وسياسات إقليمية للجانبين كان آخرها الاختلاف البيني الواضح تجاه مطالب التغيير السياسي في الدول العربية. ومع مجيء الملك سلمان بن عبد العزيز إلى الحكم مطلع عام 2015م، واشتداد حدة التهديدات الإقليمية التي فرضت عليها تعديلات واضحة في النهج والأولويات لصالح بلورة شبكة تحالفات قائمة على صد النفوذ الإيراني الذي بات من أكثر المهددات لأمن واستقرار المنطقة، بالإضافة إلى تنامي الحاجة التركية لجهود التنسيق مع المملكة لتقليل الخسارات في ملفات إقليمية تدار وفق مبدأ إدارة الأزمة والتوظيف السياسي والأمني لأوراق وفاعلي هذه الملفات بشكل قد يعزز من فرص التهديد الأمني القومي التركي، كل ذلك جعل من ضرورات التعاون والتنسيق مطلباً ثنائياً فرضته المتغيرات الحادة التي تشهدها المنطقة والتي تؤثر بشكل واضح على معادلات السياسة والأمن في النظام الإقليمي.

تم الإعلان أواخر العام المنصرم من الرياض عن تشكيل مجلس تعاون استراتيجي بين البلدين يشمل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، كخطوة رئيسية في تدعيم العلاقة بين قوتين "سُنيتين" سيكون لالتقائهما ولزيادة نسب التنسيق البيني الأثر الواضح على تفاعلات السياسة والأمن والدفاع في المشرق العربي على وجه التحديد، إلا إن العناصر المهددة لمسير وعمل هذا التحالف تفرض نفسها كعائق ومحدد لنموه وتطويره، لذا ستحاول هذه الورقة تبيان مكامن القوة والضعف في هذا التحالف حتى يتسنى معرفة دعاماته التي سيكون لرسوخها ولثباتها أثراً مهماً في تحقيق غاياته المعلنة، وذلك عبر تقديم إجابات لأهم الأسئلة التي يواجهها هذا التحالف خاصة فيما يتعلق بالملفات العالقة وعناصر التكافؤ في القوة والتوجهات والأهداف، وفيما يتصل أيضاً بالقدرة على صد النفوذ الإيراني المتنامي خاصة بعد الاتفاق النووي الذي شرعن دولياً عودة إيران للحظيرة الدولية، أو فيما يرتبط بالغايات الملحة لهذا التحالف. وستنتقل الورقة بعد استعراض أهم المسارح الجيوسياسية (سورية) المتوقع أن يكون لنتائج هذا التحالف أثراً بالغاً في تحقيق الاستقرار الأمني والاجتماعي فيها، وتختم الورقة عرضها التحليلي هذا بتلمس مآلات ومستقبل هذا التحالف.

استراتيجية أم ضرورة مرحلية

تقف خلف تطور العلاقات التركية السعودية جملة من الدوافع والاعتبارات التي تُهيئ الأسباب لانطلاقة تحالف بيني مستدام، ينهي حالة التوتر وعدم الثقة التي كانت سائدة خاصة بعد جملة المواقف المتضاربة حيال حركات الربيع العربي وتبعاته السياسية والأمنية. ولعل أهم هذه الدوافع (ما عدا سورية التي ستفرد هذه الورقة قسماً خاصاً بها) هي:

أولاً: العبث الإيراني في معادلات الأمن الإقليمي: جهدت إيران على تعزيز سبل تنامي نفوذها في المنطقة منذ ملئها للفراغ في العراق جراء السياسات الأمريكية بعد سقوط نظام صدام حسين والتي قرأت طهران الهوامش المتاحة لتؤسس كافة العوامل الكامنة للتحكم في مفاصل الدولة وتفاعلاتها الإقليمية. وأفرزت الصفقة التي توصلت إليها إيران مع المجتمع الدولي في يوليو 2015م، رفعاً للحظر الاقتصادي الغربي عنها ودخولها للحظيرة الدولية، كما هيأت المناخ السياسي الدولي لتقديم أوراق اعتماد طهران في المنطقة كشرطي منطقة من جديد من جهة، وكفاعل مهم في ضبط السيولات العنفية والأمنية في المشرق العربي على وجه التحديد من جهة أخرى، مما أثار قلق المملكة من تبعات ذلك، سواء على صعيد توجه وتحول واشنطن نحو طهران على حساب حلفائها الأساسيين في دول الخليج، أو على مستوى زيادة مستوى الدعم لميليشيات إيران وأذرعها المحلية المنتشرة في طوق محكم في المنطقة جراء "البحبوحة" الاقتصادية المتوقع أن يشهدها الاقتصاد الإيراني. كما غذا تنامي النفوذ الإيراني في العراق وسورية كافة الترشيحات الأمنية التي تهدد الأمن القومي التركي خاصة بعد محاولات طهران للتوظيف السياسي والدعم العسكري لبعض المجموعات الكردية في إقليم كردستان العراق وقوات الحماية الشعبية في سورية، وتنامي فرص الاندماج الكردي بشكل يبلور دولة كردية جنوب البلاد مهددة للاستقرار الاجتماعي التركي. كما ترى تركيا أن طهران هي من تقف وراء تصعيد[1] موقف الحكومة العراقية من القوات التركية المتواجدة في العراق وتكرار طلب رئيسها العبادي بانسحابها من معسكر "معشوقية". هذه الرؤية الموحدة والمتوجسة من تبعات عبث إيران في معادلات الأمن في المنطقة شكلت أسَّاً مهماً ودافعاً ملحاً باتجاه تطوير العلاقات لدرجة التحالف.

كما شكل موقف تركيا القوي من الأحكام الجنائية الصادرة بحق "النمر" وما تبعه من حرق سفارة المملكة في طهران عاملاً مساعداً لتقارب الرؤى السياسية، صحيح أن التباعد التركي ـ الإيراني لم يصل لمستويات متقدمة في التوتر لأسباب موضوعية عدة، إلا أن الخطاب التركي بدأ بتبني خطاب المملكة فيما يتعلق بخطر التمدد الفارسي واعتباره الخطر المشترك وهذا ما سيدفع البلدين لمزيد من الجهود في سبيل تقريب هذه الرؤى لتكون دعامة أساسية في بنية التحالف الاستراتيجي.

ثانياً: طبيعة التحولات المحلية وضرورات التكامل: شهدت بُنية البلدين مؤخراً عدة تحولات محلية -كجملة التغييرات التي كرسها الملك سلمان بن عبد العزيز فور استلامه السلطة، ملف السلام الكردي وتحولاته وارتداداته على الداخل التركي - فرضت نفسها كضرورة ملحة لتغيير النهج الإقليمي والسلوك الخارجي بهدف تحسين التموضع السياسي ضمن الخارطة الإقليمية المتغيرة، خاصة بعدما ساهمت حركات التغيير السياسي في بلدان الربيع العربي في تعزيز الحدية السياسية وحدوث تغييرات متسارعة ومتبدلة في خارطة التحالفات الإقليمية. وقد فرضت ضرورات وعوامل الاستقرار المحلي البدء في سياسات المراجعة لبعض الملفات الإقليمية التي لاتزال يشهد مسرحها السياسي والعسكري سياسات متناقضة تعزز التهديد الأمني.

وقد شهدت المملكة عدة أمور ساهمت في دفع السياسة الخارجية على إجراء بعض التعديلات في سياساتها التحالفية والمحفزة في ذات الوقت لبعض الدول كتركيا على تعزيز علاقاتها مع المملكة نذكر منها[2]:

  •  شكل النجاح في ترتيبات المرحلة الانتقالية في السعودية إبان استلام الملك سلمان زمام الحكم عاملاً دافعاً لتوظيف كامل عناصر قوة المملكة الناعمة والصلبة لصيانة مصالحها الإقليمية.
  • نهج الحزم المتبع من قبل القيادة الجديدة للمملكة والذي برز في سياساتها تجاه تفاعلات الملف اليمني وفرص ديمومتها المرتفعة بما يُقوي الجبهة الداخلية ويدفع باتجاه بلورة نهج جديد للمملكة يحفز بعض الفواعل الإقليمية "السنية" على السعي باتجاه تمتين العلاقة.
  • إعادة ترتيب أولويات التعامل مع المهددات الأمنية، ووضع المهدد الإيراني في مقدمة هذه الأولويات.
  • تصدير المشهد السياسي لشخصيات حكومية وأهلية سعودية متصالحة مع السياسات التركية.

بالمقابل فقد ساهم في تعزيز التقارب بين البلدين جملة من التحولات الداخلية التركية والنمو والتطور الاقتصادي ووصول الناتج القومي الإجمالي حوالي 820 بليون دولار سنوياً[3]، بالإضافة إلى نجاح حزب العدالة والتنمية في امتحاناته الانتخابية وتثبيته في الحكومة والبرلمان والرئاسة. وحرصاً على أولوية الشروط المحلية، كان لا بد من إجراء بعض التعديلات في السياسات الإقليمية التي تستوجب مزيداً من التنسيق والتكامل. ومن أهم الفواعل التي كانت تبحث أنقرة عن تمتين علاقاتها معها كانت المملكة وذلك بحكم ثنائية "التهديدات وقواعد الاتفاق" المشتركة.

ثالثاً: الشراكة الاقتصادية: شكلت زيادة وتقوية الميزات النسبية للحركة الاقتصادية الثنائية عاملاً مهماً في تطوير العلاقة، بالإضافة إلى محفزات زيادة تنويع قاعدة التعاون الاقتصادي لتشمل أكبر تشكيلة ممكنة من القطاعات والمنتجات المرغوبة في كلا السوقين، خاصة بعد إدراك البلدين أن تركيا التي تشهد ثورة صناعية واستثمارية ستبقى مدخلاً لأوروبا والسعودية الرائدة في مجال الطاقة والرأسمال مدخلاً رئيسياً للخليج، كما أن منسوب العلاقة يمكنه من التنامي بمعدلات تعود بآثار إيجابية على البلدين. فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد تضاعف حجم التبادل التجاري بين عامي 2006 و2011م، خمسة أضعاف[4]، كما ستمكن الاتفاقات الاقتصادية الموقعة بين البلدين من تنشيط الحركة الاقتصادية والاستثمارية والتي بدورها ستعزز من عوامل التحالف وتهيؤه ليغدو استراتيجياً ومداماً.

ومما لا شك فيه أيضاً أنه رغم الكمون العالي في ثنايا هذه العلاقة الآخذة بالتطور فإنه توجد جملة قيود يمكن استنباطها من تراكمات الماضي وسياسات التنافس الإقليمي، ومن الطبيعة المختلفة لملفات المنطقة، فالملفين المصري والليبي سيُبقيان عقدة تحتاج جهوداً استثنائية لتجاوزها، إلا أن للمحددات المشتركة التي تجمع البلدين فرصة حقيقية لتثبيت دعائم هذا التحالف ليغدو استراتيجياً أكثر منه ضرورة مرحلية.

سوريا: اختبارٌ وظيفيٌّ للتحالف

رغم توافق السياسة السعودية مع نظيرتها التركية في الملف السوري فيما يتعلق بدعم قوى المعارضة سياسياً وعسكرياً وفيما يرتبط بالملامح العامة للتغيير والانتقال السياسي خاصة في الموقف من رحيل بشار الأسد عن السلطة وعدم وجود أي دور له في مستقبل سوريا، إلا أن مبدأ الإدارة الإقليمية بالتنافس الذي شهدته التفاعلات المحلية في السابق كان له عدة مفرزات سلبية ساهمت بشكل رئيس مع ديمومة الصراع في خلق حالة استقطاب سياسي وعسكري حاد لجُلّ الفاعلين المحليين، وهذا ما جعل الجبهات المدعومة من قبل الدولتين تنتهج خُطَطاً مُتباينة وترتجي بنك أهداف متضاربة. ساهم هذا الاستقطاب المحلي بتعزيز حالات التشظي والفصائلية ضمن فضاء التفاعلات العسكرية والسياسية المحلية، ناهيك عن الاختلاف الواضح في نوعية الفصائل المدعومة، بالإضافة إلى أن السلوك والمنهج المتبع من قبلهما كان تحت أطر وهوامش الحركة المتاحة من قبل الإدارة الدولية لهذا الملف، إذ كانت تتم معظم السياسات وفقاً لمبادئ التوازن في معادلات الأمن والدفاع والسياسة ضمن المسرح السوري من جهة، وحرصاً على إحداث تغيير سياسي لا يهدد بُنية "الدولة السورية" من جهة سعودية، وخشية من التورط المباشر بتعقيدات الملف المحلي وانعكاساته وارتداداته غير المتوقعة من جهة تركية.

إلا أنه وبعد حالة الاستعصاء السياسي التي شهدها الملف السوري منذ تعثر مفاوضات جنيف 2، وتنامي حالة العسكرة دون وجود نية دولية وإقليمية حقيقية للحسم لأي طرف، شهدت بُنية النظام تآكلاً واضحاً وانحسارات عميقة على مستوى السيطرة العسكرية. وزاد من تسارع هذا الانهيار بلورة فعل (سياسي – عسكري) تركي ـ سعودي إبان تولي الملك سلمان بن عبد العزيز ونهج الحزم الذي تم اتباعه أمام تمدد الحوثي (الذراع الإيرانية في اليمن)، مما تجلى بصيغ لتنسيق الجهود والدفع باتجاه تكوين غرف عمليات للفصائل العسكرية، الأمر الذي حقق سلسلة انتصارات أفرزت تحريراً كاملاً لمحافظة إدلب مثلاً. إلا أن هذا الدفع ولأسباب تتعلق بالعوامل المحلية والإخفاقات المتتالية في امتحانات الثورة بالإضافة لأسباب تتعلق باختلاف الرؤية السياسية ما بين المملكة وتركيا فيما يتعلق بالوظائف التي تقوم بها المكونات الرسمية للمعارضة لم يترجم هذا الانتصار على مستوى تهيئة الظروف الأمثل لإدارة هذه المنطقة المحررة من قبل المجالس المحلية والحكومة المؤقتة.

ومما زاد التعقيد -الناجم عن عدم استغلال الهوامش التي أتاحتها هذه التقدمات وعدم ترجماتها لمكتسبات سياسية سواء على صعيد الاستمرار في تقويض النفوذ الإيراني أو على صعيد تمكين قوى الثورة وزيادة دعمها سياسياً-أتى التدخل الروسي ليغير قواعد التعاطي مع الملف السوري، فقد ساهمت العودة الروسية في بداية تشكل أفق وملامح عامة جديدة تُرجئ أي حسم في مسارات التفاعل ضمن الإقليم. ويمكن ذكر أهم هذه الملامح كما في الآتي:

  • محاولة تثبيت معادلة أمنية تضمن التوازن الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وحلفائها مع الاتحاد الروسي وحلفائه.
  • تأخير الحسم في مسارات جيبولتيك الطاقة في المنطقة، المرتبطة ارتباطاً عضوياً بمستقبل القضية السورية، إذ تدرك روسيا جيداً أهمية موقع سورية كونها مكاناً محتملاً لمرور شبكة أنابيب النفط والغاز إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا وهو ما يهدد هيمنتها على تصدير الغاز للقارة الأوروبية.
  • مراعاة تغييب الحركات الإسلامية بكل تدرجاتها من أي مشاريع للتغيير السياسي في المنطقة عبر تثبيت حوامل الثورة المضادة وتدعيم مفاهيم وكوادر الدولة "العميقة".
  • تثبيت أولوية مكافحة الإرهاب على حساب قضايا التغيير السياسي، وذلك عبر الاستمرار في الاستثمار والتوظيف السياسي غير المباشر للجماعات العابرة للحدود.
  • الحد من التدخلات الإقليمية ورسم سقفها ضمن قاعدة الدعم غير المباشر للحلفاء المحليين.
  • احتكار وظيفة محاربة الإرهاب للنظام السوري مدعوماً بالقوات الروسية ومنع تصدُر أي فصيل سوري لهذه المهمة وتهميش دور التحالف الدولي التي تقوده الولايات المتحدة.

 

إن هذا التدخل الروسي المباشر وما تبعه من محاولات فرض حلٍ سياسيٍّ عبر الاتفاق وفق قاعدة الحد الأدنى من المشتركات ما بين الولايات المتحدة وروسيا، والذي تم العمل على بلورته في اجتماعات وبيانات فيينا والقرار الدولي 2254، زاد من صعوبة الخيارات المتاحة أمام ما يعرف بالمحور الثلاثي (السعودي التركي القطري). وتمحور عمل المحور الثلاثي حول تحسين التموضع السياسي سواء عبر اصطفافهم بقيادة السعودية لدعم جهود توحيد المعارضة وبلورة مخرج  "مؤتمر الرياض" كمحاولة لإنهاء حالة السيولة التي شهدتها مكونات المعارضة، أو عبر الجهود الحثيثة لضم الميليشيات الشيعية لقوائم الإرهاب والذي كُلفت الأردن بإعدادها بالتنسيق مع الهيآت الأمنية للفواعل الإقليمية والدولية، وهو أمرٌ أرادته موسكو سيفاً مسلطاً على رقاب جُل الفصائل الثورية والإسلامية تمهيداً لإزاحتهم من المشهد السياسي والعسكري، إلا أن الجهود السعودية والتركية والقطرية المبذولة في هذا الصدد أرجأت الحسم في هذه القائمة.

واليوم تتزايد تحديات الفاعلين السعودي والتركي أمام قرب إكمال التدخل الروسي للقسم الأهم من خطته العسكرية في تأمين حدود "سوريا المفيدة" ومحاصرة الثوار ومنع تواجدهم بخطوط تماس مباشرة مع تنظيم الدولة الإسلامية بغية حرمانهم من أي دعم متوقع، وخاصة مع الضغوط الدولية الممارسة باتجاه إحداث تغيير سياسي شكلي يُسكن الأزمة ويدفعها نحو العنف والإرهاب من جهة، وباتجاه تثبيت مكتسبات موسكو وحلفائها عبر عمليتي وقف إطلاق النار أو الهدن المؤقتة ووقف العمليات العدائية (وفق بيان ميونخ) والعمل على طرح نظام الأسد (الذي بات يمتلك أكبر خطوط مواجهة مع تنظيم الدولة) كحليف استراتيجي في مواجهة الإرهاب وذلك كمقدمة لتقديم أوراق اعتماده إلى الحظيرة الدولية من جهة أخرى.

وضمن هذا السياق فإن الملف السوري سيشكل اختباراً وظيفياً حقيقياً لهذا التحالف وديمومته وقابليته للتطور في سبيل تذليل إشكالات المنطقة تمهيداً لدور مركزي لكلا البلدين في نظام إقليمي جديد، وهو اختبارٌ ثنائيُّ المستوى, الأول متصل بالمصلحة المشتركة في تحسين ظروف الاستقرار في سورية والحد من التداعيات الأمنية المهددة للعمق الداخلي لكلا البلدين، وذلك عبر زيادة تنسيق الجهود السياسية والحد من تنامي المشروع الإيراني وحلفائه في سوريا، أو على مستوى تمكين الحلفاء المحليين والدفع باتجاه استغلال أي فرصة لتحسين تموضعهم السياسي والعسكري من جهة، أو ضمانهم لعملية تغيير حقيقية ضامنة للاستقرار الاجتماعي الكفيل بالحد من سيولة الإرهاب في سوريا واحتمالات ترشحه لدول الإقليم سواء بشقه العقدي أو القومي؛ تنظيم الدولة وتنظيم الـPYD الكردي كنموذجين على ذلك.         

كما تعد محاربة تنظيم الدولة الإسلامية من أهم التحديات المركبة لهذا التحالف، فتركيا تعرضت خلال العام الأخير 2015م، إلى عدة هجمات من قبل التنظيم، والسعودية هي الأخرى تعرضت لعدة هجمات استهدفت مساجداً للشيعة في المنطقة الشرقية، من قبل عناصر تنظيم الدولة، الأمر الذي يحتم التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين وارتقائه لمرتبة متقدمة لمحاصرة أعضاء التنظيم وتضييق الخناق عليه.       

أما فيما يتعلق بأهم المؤشرات المتعلقة بالملف السوري والتي يُنتظر ظهورها ليغدو هذا التحالف متسقاً مع مسارات النمو باتجاه استراتيجي فهي:

1-   دعم الهيأة العليا للتفاوض بكافة استحقاقاتها القادمة وذلك عبر مساندتها في تذليل كافة العقبات التي تعترض مسير عمل ومخرجات لجانها الفرعية خاصة فيما يتعلق بالتواصل والتنسيق بين الشق العسكري والسياسي.

2-   الحيلولة دون سيطرة الأسد وحلفائه أو تنظيم الـ PYD أو صيغته الجديدة مجلس سوريا الديمقراطي من السيطرة على المعابر الحدودية.

3-   الاستمرار في التأكيد على تلازم مساري وقف إطلاق النار والعملية السياسية.

4-   الاستعداد لسيناريوهات الالتفاف على مطلب هيأة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات.

5-   دعم الفصائل الثورية في مواجهة تنظيم الدولة والاعتماد عليهم كحليف وطني محلي يملأ الفراغ الناجم عن تقهقر التنظيم.

6-   العمل على كافة المستويات السياسية والدبلوماسية باتجاه إخراج كافة المقاتلين الأجانب وخاصة الميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية والمرتزقة الأفغان وغيرهم.

7-   دعم القوى المدنية المحلية كالمجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني بشكل منظم يحافظ على وحدة واستقرار المناطق التي تخضع لسيطرة قوى المقاومة الوطنية.

8-   ضمان وحدة الصف الخليجي فيما يتعلق بدعم العملية الانتقالية في سورية.

9-   العمل على محاصرة مشاريع مجلس سورية الديمقراطية العابرة للحدود.

السيناريوهات المستقبلية المتوقعة

تنحصر السيناريوهات المستقبلية المتوقعة لهذا التحالف الناشئ ضمن ثلاثية تفرض العوامل الموضوعية لأي سيناريو شروطه الواقعية، كالتدرج في وتيرة التعاون، أو تقهقره المتسارع أو بقائه ساكناً ومكتفياً بأبعاده الاقتصادية، وفيما يلي عرض لأهم هذه السيناريوهات:

التدرج الفعال

وهو المآل الأكثر توقعاً، وسيكون العامل الأساس فيه الملف السوري والسعي المشترك لضمان جملة من المصالح المشتركة، فالتدرج في تعميق هذا التحالف مطلب تفرضه الضرورات المحلية والإقليمية. ومما يعزز هذا السيناريو بدء التعاون الاستراتيجي السعودي التركي منذ أشهر، وزيادة التنسيق الملحوظ فيما بينهما بالإضافة إلى دولة قطر، وكذلك الرغبة التركية في تعريف علاقتها مع العرب بأفضل الصيغ بحكم الروابط الثقافية والعقدية المشتركة وذلك عبر المدخل السعودي، ناهيك عن الحاجة المتبادلة لحلف قوي يشكل عاملاً صاداً ومانعاً للنفوذ الإيراني. إلا أن أحد المعوقات في هذا السيناريو هو تباين الرؤى السياسية باتجاه النظام المصري.

الانحسار

وينطلق هذا السيناريو من جملة التحديات والملفات الشائكة التي سيواجهها هذا التحالف والتي سيشكل الفشل في تلافيها وحلحلتها هاجساً للعودة إلى نقطة البداية بين الطرفين وتقهقر التعاون السياسي والأمني على أقل تقدير. ومن أهم هذه الملفات ملف الإخوان المسلمين وعدم تطور الدعم التركي لعملية عاصفة الحزم في اليمن، فمنذ اليوم الأول للإعلان عن عملية عاصفة الحزم في مارس 2015م، أعلنت تركيا أنها لن تشارك عسكرياً في هذه الحرب لكنها ستقدم الدعم اللوجيستي للسعودية فيها، وطبقاً لهذا التعاون بين البلدين ستكون هناك رغبة سعودية ماسة لمشاركة تركيا بشكل أكبر في التخلص من هذه الأزمة وهو ما يمكن أن يتعارض مع التوجهات التركية.

المراوحة في المكان

يستند هذا التصور على فكرة عدم تطور العلاقات بين البلدين وبقائها في المستوى المتاح من التعاون، ووفقاً لقواعد اللعبة الدولية التي تحدد شروطها الإدارة الدولية الأمريكية والروسية. ومما يعزز هذا السيناريو عدم وجود مؤشرات واضحة من كلا البلدين في إعادة تعريف علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم الرغبة بالقيام في "مغامرات" تزيد من تكلفة تداخلاتها بقدر لا يستطيع البلدان على تحمل أعبائها، هذا بالإضافة إلى تداخل الملفات الإقليمية وتشابكها، واحتمالية سعي كل طرف إلى تعظيم مصالحه دون التأثير على مصالح الطرف الآخر والتدخل في شؤونه، ناهيك عن أن البيروقراطية التركية والسعودية تتسم بالحركة البطيئة ولاتزال محكومة بمجموعة محددات تستوجب المراجعة والتغيير.

 

[1]- غاندي عنتر، التحالف الاستراتيجي بين تركيا والسعودية: الأبعاد والآفاق، تقدير سياسي صادر عن المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، تاريخ 20/ يناير/2016، للاطلاع على الدراسة مراجعة الرابط التالي:

http://www.eipssg.org/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A_%D8%A8%D9%8A%D9%86_%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82/2/0/344 

[2]- مصطفى خضري، العلاقات الاقتصادية التركية السعودية دراسة استشرافية، دراسة صادرة عن مركز التفكير الاستراتيجي، تاريخ16/11/2015

http://istratigy.com/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9

[3]- للاطلاع على المزيد من الإحصاءات المتعلقة بالاقتصاد التركي، راجع موقع الاستثمار في تركيا على الرابط التالي:

http://www.invest.gov.tr/ar-SA/infocenter/news/Pages/020414-turkey-2013-gdp-growth-4-pct.aspx

[4]- المرجع السابق

كلمات دليلية