;
الصفحة السابقة

(آراء حول الخليج) تتابع الانتخابات الأمريكية 2016"3" الأمريكيون: هذه أمريكا التي لا نعرفها وحملة الدخلاء ومناهضي الدولة والناخبين الغاضبين

انشأ بتاريخ: الأحد، 06 آذار/مارس 2016

دخلت الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية لعام 2016 م، في المرحلة "الأكثر حسما" والأوسع نطاقا وذلك فى الأول من مارس الماضي. وتعنى هذه المرحلة بتضييق المجال وتحديد ذوي الأسبقية من المرشحين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي من خلال عقد الانتخابات التمهيدية و المحافل الحزبية وذلك فيما يعرف باسم الثلاثاء الكبير (Super Tuesday) . ولم يعبر المشهد السياسي الأمريكي عن مرحلة يسيطر عليها القلق من الاتجاهات التي تسيطر على الحملة، بل والاتجاهات التي تنزع إليها البلاد بأسرها، مثل ما تشهده المرحلة الحالية، فهذه الحملة هي (حملة الدخلاء، ومناهضي الدولة، والناخبين الغاضبين)، فالعامة من الناس غاضبون، وآخذون في صب غضبهم على واشنطن وساستها، وقيادات الأحزاب. مناهضو المهاجرين، ومناهضو المسلمين، ومناهضو ذوي الأصول اللاتينية، ومناهضو كل ما يعتبر أجنبي ماضون قدما في نشر الخوف بين الأمريكيين.

لكن الأهم من ذلك كله، من الواضح أن ثمة حدثين هامين قد وقعا في العقد الماضي ولكنهم مع ذلك يشكلان المشهد السياسي في أميركا اليوم، وهما: الحرب على العراق وآثارها المدمرة، والأزمة المالية. إنه رد فعل متأخر لكنه يبدو وكأنه يدفع الناخبين إلى خيارات جديدة غير مسبوقة.

" هذه ليست أمريكا التي نعرفها "، تتردد هذه العبارة ليس فقط على ألسنة المهاجرين، ولكن كذلك على ألسنة المواطنين الأمريكيين العاديين الذين يشعرون بالقلق إزاء تفشي السلبية، خاصة أن الخطاب السياسي يزداد استفزازًا كلما ازدادت المنافسة داخل الحملة. فلقد نجح المرشحون المحافظون والمناهضون للمهاجرين في الحزب الجمهوري مثل دونالد ترامب في دفع الحزب ومرشحيه إلى اليمين لرغبتهم في منافسته، ولكي يكسبوا قلوب وعقول القاعدة المحافظة للحزب. و كلما تحركت الحملة  أكثر نحو الجنوب، حيث يتمركز الإنجيليين واليمين المسيحي، كلما ازدادت تطرفا.

وعلى الجانب الديمقراطي، فإن بيرني ساندرز، والذي يصف نفسه بـ "الاشتراكي"، قد دفع كذلك هيلاري كلينتون إلى سياسات أكثر ليبرالية لجذب أنصاره وخاصة الشباب والفقراء.

الاجتماعات الانتخابية الحزبية فى أيوا

كان الجمهوريون خلال الاجتماعات الانتخابية الحزبية لا يزالون غير واثقين من رغبتهم في فوز دونالد ترامب، ولذا فقد جاء في المركز الثاني (24.3%)، بينما فاز تيد كروز المحافظ المتشدد بنسبة (27.6٪). وجاء روبيو في المركز الثالث (23.1٪)، وكارسون في المركز الرابع (9.3٪)، يليه راند بول (4.5٪) ثم جيب بوش (2.8٪).  أدت النتائج فى أيوا إلى ما اشتدت إليه الحاجة من خفض حدة تعالى ترامب، ولكنها لم تؤد إلى تضييق مجاله كثيرا.

وكانت المفاجأة التي حملتها ولاية أيوا تقع على الجانب الديمقراطي. إذ ارتبط ساندرز مع هيلاري كلينتون، وهو الأمر الذي يعد خبرا سيئا بالنسبة لوزيرة الخارجية السابقة. فهى لم تأخذ ساندرز على محمل الجد عندما كانت متفوقة في استطلاعات الرأي، الأمر الذي كان بمثابة تنبيه لها ولحملتها.

الاجتماعات الحزبيةفي نيو هامبشاير

صعدت الاجتماعات الانتخابية الحزبيةفي نيو هامبشاير بترامب مرة أخرى إلى رأس قائمة المرشحين في الحزب الجمهوري وغرست الخوف في قلب الحزب من أنه ربما أصبح لا يمكن إيقافه. فقد انتصر ترامب انتصارا ساحقا وحصل على 35.3٪ من الأصوات بفارق كبير بينه و بين كايش و الذي حصل على 15.8٪ و جاء في المركز الثاني. لذا فقد أظهرت نتائج الانتخابات التمهيدية في نيو هامبشاير أن ترامب سوف يبقى داخل السباق الرئاسي وأن على الحزب أن يتقبل هذه الحقيقة.

جاء كروز في المركز الثالث في نيو هامبشاير (11.7٪) مما أشعل المنافسة بينه وترامب وأعطى إشارة غاية فى الوضوح إلى أن المنافسة الآن قد أضحت سباقا ثلاثياً بين ترامب وكروز وروبيوو. ذلك لأن كايش، على الرغم من كل ما لديه من صفات جيدة وعلى الرغم من أنه أكثر استحقاقا من المرشحين الثلاثة الآخرين ليكون رئيسا، فإنه لم يكن لديه المال أو التنظيم ليكون قادرًا على الاستمرار إلى نهاية المطاف. والسبب الآخر والأهم هو أنه كان  من المفهوم أن روبيو كان على وشك أن يكون مرشح الحزب لأنهم يعتقدون أنه هو الشخص الوحيد الذي يستطيع الفوز في مواجهة ترامب وفي الانتخابات العامة.

وكانت نتائج جيب بوش جيدة في نيو هامبشاير حيث حصل على 11.0٪ وتعادل تقريبا مع كروز. وتجدد أمله في أن حملته يمكن أن تنتعش وتعوض ما خسرته خلال الصيف والخريف الماضيين، والذي لم يمكنه استرجاعه حتى الآن. وقد جلب بوش معه إلى نيو هامبشير أقوى أسلحته، ألا وهى والدته التي لا تزال تحظى بشعبية كبيرة. وبالطبع قام ترامب بمهاجمته بسبب "استغلال" والدته وعمد إلى إظهاره  في صورة المرشح الضعيف. لكن باربرا بوش قد ساعدته بالفعل واستطاع أن يبلي بلاء حسنا في المناظرات واللقاءات التي انعقدت فى مبنى البلدية مع المرشحين. وأصبحت نكتة يتندرون بها أن جيب لا يزال على قيد الحياة!                 

حصل روبيو على لقب "جهاز التسجيل" في نيو هامبشاير بعد أداء سيء فى المناظرات إذ كان يعيد كلامه كالإنسان الآلي. وجاء روبيو فى المركز الخامس (10.6٪) في الولاية مما دفع البعض لكتابة نعيه السياسي. لكنه قد أثبت فيما بعد أن مقولة مارك توين " الأخبار المتواردة حول موتي أخباراً شديدة المبالغة " تنطبق عليه بشدة.

و كان كريس كريستي حاكم ولاية نيو جيرسي من أطلق عليه أنه يعيد كلامه والتصق اللقب به . ولم يكن أداء كريستي جيدا في نيو هامبشاير (7.4٪) وانتهى به الأمر بالخروج من السباق، لكن هجومه على روبيو قد الحق الضرر بعضو مجلس الشيوخ لولاية فلوريدا والمرشح المفضل للحزب.

وفاجأ جون كايش حاكم ولاية أوهايو الجميع بحصوله على المركز الثاني في نيو هامبشاير (15.8٪)، وذلك بفضل عضو مجلس الشيوخ الأمريكي العربي السابق جون سنونو والذي ساعده في ولايته، وربما يكون ذلك أيضا بفضل رسالته غير العادية: تمهل.

فقد دعا الناس إلى التحدث مع جيرانهم والتوقف قليلا لاسترجاع القيم التي اعتاد الناس على العيش وفقا لها قبل أن ينخرط الجميع فى طاحونة الحياة السريعة. إنه المرشح الأكثر عاطفية والأقل سلبية بين الجمهوريين.

ومرة أخرى، كانت المفاجأة على الجانب الديمقراطي عندما فاز ساندرز على كلينتون بأغلبية ساحقة في الانتخابات التمهيدية في نيو هامبشاير خاصة بين الشباب وحتى بين النساء. حيث حصد ساندرز 60.4٪ من الأصوات مقابل 38.0٪ لكلينتون.

كان جلياً من النتائج فى نيو هامبشاير أن الحملة الانتخابية لعام 2016م، بمثابة "قصة أمريكيتين"(على غرار الرواية المعروفة قصة مدينتين)، أمريكا المحافظة، المعادية للأجانب، غير الآمنة، المناوئة للاستقرار والغاضبة؛ وأمريكا الثورية، الاشتراكية، الشعبية، المناوئة للاستقرار، غير الآمنة، والغاضبة أيضا.

ولقد تجسدت "هاتان الأمريكتان" في اثنين من المرشحين الذين يختلفان عن بعضهما البعض تمام الاختلاف، وذلك في موسم بداية الانتخابات التمهيدية في نيو هامبشاير: الملياردير، اللامع، عالي الصوت، المعادي للمهاجرين والمتسلط: دونالد ترامب. وعلى الجانب الآخر بيرني ساندرز: الاشتراكي، البسيط، المعادى للسلطة والمال. أحدهما يريد أن يجعل أمريكا قوية مرة أخرى، والآخر يريد أن يجعل أمريكا عادلة مرة أخرى. ولكن كلاهما يمثلان أمريكا جديدة غريبة عن التيار المعتاد من الأحزاب والمرشحين، والذين هم فى حالة صدمة أكثر من العالم الخارجي الذي يراقب هذه الحملة الانتخابية بكثير من الحيرة.

وقد شكلت نتائج الاجتماعات الانتخابية الحزبيةفي ولاية أيوا والانتخابات التمهيدية في ولاية نيو هامبشايرصدمة للكيان السياسي وبعثت موجة من القلق لا لداخل الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي فحسب، ولكن في أمريكا بأسرها. إذ اهتزت جميع المعتقدات الخاصة بالسياسة الأميركية.

فقد فاز تيد كروز المحافظ المتطرف فى نيو هامبشاير، الولاية التي عادة ما تدعم أو تحطم  الطموحات الرئاسية. ففي ولاية ينتشر فيها تعاطي المخدرات كالوباء لم تلق رسالة المرشحين التأسيسيين أى صدى، بينما نجح كروز في إيصال رسالته.

هذا وقد اهتزت حملة هيلاري كلينتون من الفوز الحاسم لساندرز. و الذي  تفوق عليها  بين فئة الشباب وحتى بين النساء برغم أنها تخوض الانتخابات كأول سيدة قد تفوز برئاسة البلاد. فعلى ما يبدو أن النساء لم ينسين دعوة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة التي قالت  مخاطبة إياهن أثناء حملتها الدعائية لكلينتون "هناك مكان في الجحيم للنساء اللواتي لا تساعدن بعضهن البعض". ففي الواقع جاءت مقولتها بنتائج عكسية. فبين جيل الألفية الذين (تتراوح أعمارهن بين 17-29 عام) تفوق ساندرز بنسبة 84٪ مقابل كلينتون التي حققت 14٪ في ولاية أيوا. وكذلك في ولاية نيو هامبشاير حصل ساندرز على 83٪ مقابل كلينتون التي حصلت على 16٪. أما الجزء المثير للاهتمام هو أنهم يدعمون اشتراكية ساندرز فيما يتعلق بالمال الوفير، وول ستريت ونسبة الواحد في المائة من الأمريكيين الذين يسيطرون على معظم ثروات البلاد. غير أنه اتضح أن الغالبية لا يمكنها تعريف مفهوم الاشتراكية بشكل دقيق. وأظهر استطلاع شبكة سي بي اس / نيويورك تايمز أن 16٪ فقط من جيل الألفية يمكنهم تعريف الاشتراكية بشكل دقيق مقارنة ب 30٪ من الأمريكيين الذين تخطوا الثلاثين عاما. و يدل هذا على أن تلك النتائج هي رفض للوضع الراهن دون فهمٍ للبديل. فهو تصويت احتجاجي أكثر من كونه تصويت لاختيار الأفضل.

انتخابات ولاية جنوب كارولينا التمهيدية:

 بعد ولاية نيو هامبشاير، انتقلت الحملة إلى ولاية كارولينا الجنوبية، بوابة الجنوب ومعقل الإنجيليين واليمين المسيحي، فضلا عن كونها القاعدة السياسية للأميركيين من أصول إفريقية. وكما قال بوليتيكو: لقد جاء كل مرشح وهو مدججا بأسلحته الثقيلة.

وكان أول أسلحة ترامب لسانه الذي أطلق له العنان ضد الجميع بما فيهم المسلمين. واستعان كايش بثقته في نفسه التي اكتسبها مؤخرا نتيجة لأدائه الجيد في نيو هامبشاير، وأقسم على دعم الناس له حال سماع خطابه. أما بوش فقد أحضر الرئيس السابق جورج دبليو بوش،  وقد نما إلى علمنا بأن كارولاينا الجنوبية و التي منحت والده وشقيقه النصر في الحملات الانتخابية الرئاسية هي التي ستكون المفتاح لإحياء حملة بوش. وهذه هي المرة الأولى، من بعد مغادرته البيت الأبيض، التي يخرج فيها الرئيس السابق بوش من الظل ليشارك في الحملة الانتخابية. وتعد ولاية كارولينا الجنوبية موطنا لعدد كبير من العسكريين وأسرهم، ووفقا لرواية الراوي فعائلة بوش تتمتع بمحبتهم. أما روبيو "جهاز التسجيل" فقد غادر ولايته وكله تصميم على التعافي. وكانت رسالته "إنه الصباح يطل مرة أخرى على أمريكا"، و التي استعارها من رونالد ريغان.

أما كروز فقد أحضر معه لناخبي ولاية كارولينا الجنوبية كتابه المقدس ووصفة الفوز. وصرح في مقابلة شخصية مع مجلة كيف يمكننا الفوز في عام 2016؟ " إنها مسألة بسيطة للغاية. يجب أن يستيقظ المسيح ويرتفع ".

جاء بن كارسون  محملا بالآمال بأن الولاية التي يتعدى عدد الناخبين السود بها 50٪ سوف تمنحه الفرصة ليصبح ثاني رئيس من أصول أفريقية لأمريكا.

وأخذت الحملة طابعا ًسيئاً للغاية في كارولينا الجنوبية وقد جعلها ترامب تدور حول غزو العراق والرئيس السابق جورج بوش. حيث نعته بالكاذب، وقال إنه لم يكن هناك أسلحة دمار شامل في العراق. كما ألقى عليه باللوم بسبب هجمات 11/9 على الولايات المتحدة وقال إنه سلب من أمريكا الأمان. وكان ذلك بمثابة مقامرة كبيرة في الولاية التي يقطنها الكثير من الأفراد العسكريين والمحاربين القدامى. لكنه على الرغم من ذلك قد فاز، لأن الحزب الجمهوري وبوش الأب والابن استهانوا بالجرح الذي لا يزال مفتوحا والألم الذي يشعر به الأمريكيون تجاه حرب العراق.  فترامب يعتمد على استطلاعات الرأي. ويقول المراقبون أنه يقرأ استطلاعات الرأي و يتخذ استعداداته وفقا لها. و انه قد استغل شعور سكان كارولينا الجنوبية تجاه هذه الحرب وما كلفتهم إياه.

  حتى إنه تمكن من النجاة من هجومين لم يكن من السهل على أي مرشح تخطيهما. فقد صرح الرئيس باراك أوباما أنه يعتقد أن "السيد ترامب لن يصبح رئيسا ". وقال كذلك : "أن تكون رئيساً لهو أصعب من أن تظهر فى برنامج تليفزيوني"، في إشارة إلى السنوات التي عمل ترامب فيها كمذيع  لبرنامج  تلفزيوني.

و قال أيضا "أن منصب الرئيس هو منصب خطير"، وبأن لديه "ثقة" في الشعب الأمريكي أنه  لن يقوم باختيار ترامب".

وبسؤال البابا فرانسيس وهو على متن الطائرة أثناء عودته من المكسيك إلى الفاتيكان حول اعتزام ترامب بناء جدار على الحدود المكسيكية الأمريكية، أجاب بأن أي شخص يريد بناء مثل هذا الجدار ليس مسيحيا ". وقد توقع النقاد أن هذا سوف يضر بترامب في مثل هذه الولاية  شديدة التدين. ولكن من المدهش أن هذا لم يحدث. وفاز ترامب بنسبة 32.5٪ من الأصوات فى الولاية وحصل على الخمسين مفوضا تمشيا مع مبدأ أن الفائز يأخذ كل شيء. فقد جاء ماركو روبيو فى المركز الثاني بنسبة 22.5٪، وكروز في المركز الثالث بنسبة 22.3٪، في حين جاء جيب بوش فى المركز الرابع بنسبة 7.8 % فقط من أصوات الناخبين. وجاءت النتيجة حاسمة لمصير بوش وحملته الانتخابية. فإن لم يتمكن من الفوز فى ولاية كارولينا الجنوبية، حيث تمتلك عائلته الدعم القوي فانه لن يتمكن من الفوز في أي مكان آخر.هذا وقد قام بتعليق حملته الانتخابية في حضور العديد من المؤيدين والعاملين بالحملة. وصرح قائلا " لقد وقفت في هذه الحملة صلبا على الأرض، ورفضت أن أنحني للرياح السياسية". و لقد كان على حق. فلم تكن الرياح في أمريكا تسير في صالحه. فقد تغيرت أمريكا منذ آخر مرة انتقل فيها أحد أفراد عائلة بوش إلى البيت الأبيض. ويبدو أن جيب وحزبه لم ينتبهوا إلى ذلك. فلقد بدا كالمرشح ذو الأولوية والمفضل لدى حزبه.لكن الحملة التي كانوا يديرونها لم تكن تتم وفقا للإستراتيجية المناسبة لسنة انتخابية مغايرة تماما لما سبقها. فكل ما ركزت عليه كان جمع التبرعات وقد جمع الملايين من الدولارات التي أنفق الكثير منها على الإعلانات التلفزيونية،  في الوقت الذي أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي والتغريدات تقوم مقام وسائل الإعلام التقليدية. لقد كان حمامة مسالمة في موسم النسور السياسية ورجل نبيل من الأيام الغابرة وسط حقل من الابتذال. حتى أن ترامب أطلق عليه "منخفض الطاقة" و هو اللقب الذى التصق به و لم يتمكن من التخلص منه. ولقد كان اعتقاده هو وحزبه أن إخفاء اسم عائلته واستخدام اسم جيب فقط ، وهو اسمه الأول قد يمكنه من الفوز في الانتخابات كان ضربا من الجنون.و الآن فان روبيو يتنافس لكسب ناخبيه وشريحة كبيرة من الحزب يساندونه لا لشيء إلا لأنهم يخشون من ترامب و لا يثقون به.

هذا وقد تعافت هيلاري كلينتون من هزيمتها المخجلة في نيوهامبشاير وفازت بولاية نيفادا، وهى الآن تتصدر الانتخابات بنسبة 68% في ولاية كارولينا الجنوبية مقابل ساندر الذي حصل على 21%. فولاية كارولينا الجنوبية هي بلدة كلينتون ومن المتوقع أن تفوز بها خاصة بين الناخبين السود.

المرشحون والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي:

يتنافس المرشحون الجمهوريون فيما بينهم ليس فقط على من الذي سينتقل إلى البيت الأبيض في شارع بنسلفانيا العام المقبل، ولكن أيضا على من هو الأكثر دعما لإسرائيل من الآخرين.

فقد قام عضو مجلس الشيوخ توم كوتون (ار-ارك) في الأول من فبراير بتقديم مشروع لقانون يسمح باستخدام  كلمة "إسرائيل" و "صنع في إسرائيل "  فى الإشارة إلى بلد المنشأ فيما يخص السلع المصنوعة في المنطقة الجغرافية التي تعرف باسم الضفة الغربية وقطاع غزة". وفي الواقع فإن مشروع القانون هذا يقر بأن الضفة الغربية وقطاع غزة هي جزء من دولة إسرائيل وليست من الأراضي المحتلة.

أما عضوا مجلس الشيوخ تيد كروز (ار-.تكساس) وماركو روبيو (أر.فلا)،  والذين يشيرون إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ب"يهودا والسامرة" (وهو مصطلح رسمي في إسرائيل يشير إلى الضفة الغربية) ، قد قدما بالفعل التشريعات التي تقف في مواجهة السياسة الأمريكية الأكثر انتهاجا والتي تنظر إلى الضفة الغربية وقطاع غزة على أنهما أراض محتلة.

فوفقا للتقارير الصحفية فان كروز وروبيو يعتبر أن الفلسطينيين والإسرائيليين "غير متكافئين في القيمة"، وهناك المزيد من أعضاء الكونجرس ممن هم مستعدون لإقرار هذا الاتجاه السياسي الجديد. الأمر الذي يعد خبرا سيئا للفلسطينيين وقبلة الموت للحل المؤيد لإقامة دولتين.

هذا وقد أعربت فيكتوريا كوتس، مستشارة الأمن القومي لدى كروز، للموقع الإخباري المونيتور قائلة أنها منطقة نزاع مثلها مثل مناطق النزاع الأخرى في العالم "ولكن ذلك لا يعني أن هناك أى جزء من البلاد لا يمثل إسرائيل بشكل من الأشكال".

وكذلك أصبحت قضية القدس عاصمة لإسرائيل من القضايا المركزية في حملة الجمهوريين حيث يتنافس المرشحون حول من سينجح في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس أولا.

ففي البداية أخبر ترامب الجمهوريين اليهود أنه لن يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ولكنه قام بعد ذلك بتغيير موقفه بصورة ملفتة وقرر أنه إذا أراد الإسرائيليون بأن تكون العاصمة هناك فإنها ستكون هناك. ونقل عنه قوله: "إنهم يريدونها في القدس، حسنا أنا أدعم ذلك مائة بالمائة. نحن ندعم ذلك مائة بالمائة ".

كتب ماركو روبيو على صفحته الخاصة على الفيسبوك "أن تكون مولودا في القدس و أن تكون مولودا في إسرائيل ليسا إلا وجهان لعملة واحدة". وصرح بان الحكومات المقبلة ستعمل على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس التي "كانت وستظل دائما عاصمة لإسرائيل".

فكروز هو أحد أكبر المؤيدين لإسرائيل وللجناح اليميني في إسرائيل. وقد تعهد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس و "تمزيق" اتفاق إيران.

وقال جيب بوش إنه يؤيد نقل السفارة إلى القدس "ليس فقط باعتبارها رمزا، ولكن كذلك لإظهار التضامن".

أما عن الشأن السوري فقد دعم ترامب اعتبار سوريا منطقة حظر جوي لمنع اللاجئين من الزحف إلى أمريكا. ويؤمن كروز أن الولايات المتحدة "أكثر أمنا" بوجود الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة لكونه يساعد في القتال ضد "الدولة الإسلامية". وصرح كذلك بأنه يريد بأن يذهب باللاجئين إلى البلاد الإسلامية. وقام روبيو بمهاجمة "المشاركة السلبية" للإدارة الأمريكية في سوريا. ودعا لاتخاذ موقف فعلي من الأزمة. وهو يؤمن  أيضا بأن الخيار يجب ألا يكون بين الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فبالنسبة له "كلاهما يجب أن يختفي من الوجود".

وهناك اثنين من المرشحين يثيران المخاوف بسبب آرائهم المتشددة حول الهجرة وحقوق الإنسان. ترامب بدفاعه عن التعذيب والإيهام بالغرق، و هو من يرغب فى توسعه و"ملء" سجن غوانتانامو في حال انتخابه، فضلا عن هجومه المتواصل على الصحافة. و كروز الذي لا يرى أن الإيهام بالغرق يعد تعذيبا ، على الرغم من أنه  صرح بأنه لا يرغب في أن تتم ممارسته على نطاق واسع!

وعلى الجانب الديمقراطي، فمن الواضح أن هيلاري كلينتون سوف تنتهج سياسة خارجية مماثلة لسياسة الإدارة الحالية وكذلك سياسة الرئيس السابق بيل كلينتون وذلك تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي. أما فيما يتعلق بسوريا فنحن نعلم أنها أرادت أن تقوم برد فعل على الأزمة السورية من قبل و لكن البيت الأبيض لم يستجب لها أو لغيرها من أعضاء الإدارة.إن فترة عملها في وزارة الخارجية دفعت الناس إلى الاعتقاد بأنها سوف تتبع سياسة خارجية أكثر شدة، وسوف تكون أكثر صرامة مع سوريا من الرئيس أوباما. فهى تؤيد حظر الطيران على سوريا ولكن بالتعاون مع روسيا. ودعت إلى زيادة استخدام القوات البرية الأمريكية وشن حملة جوية مكثفة للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لكنها لا تريد نشر أعداد كبيرة من القوات الأمريكية كما حدث في العراق وأفغانستان.

أما ساندرز فلم يقدم خطة عمل واضحة بخصوص السياسة الخارجية، إلا أنه أعرب عن آراء معارضة للحرب على العراق والتدخل العسكري الأميركي هناك. وفيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي فهو من مناصري إسرائيل، غير أنه تحدث في الماضي عن حقوق الفلسطينيين. كما قام من قبل بتأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة، لكنه لم يكرر الحديث عن ذلك في الآونة الأخيرة. و على الرغم انتقاده لإسرائيل في الماضي، إلا انه الآن يدلى بتصريحات مؤيدة لها. ولكن على ما يبدو فإن هذا لم يجعله من "المفضلين لدى لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) "، الداعمة لإسرائيل.

وفيما يتعلق بمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فهو ضد انضمام القوات البرية العسكرية الأميركية فى مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ويدعو إلى عقد تحالف إقليمي. ويعارض ساندرز الحظر الجوي على سوريا، وهو موقف أقرب إلى موقف الإدارة الحالية.

هذا ويختلف ساندرز عن كلينتون فيما يخص الملف الإيراني، فهو يريد التحرك "بقوة" في اتجاه تطبيع العلاقات مع إيران.

وكذلك قد دعا المملكة العربية السعودية لتكون أكثر مشاركة في القضية السورية وفي الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

المرحلة التالية من الحملة:

 كلما تحركت الحملة إلى المرحلة الحرجة والحاسمة منها كلما تقاربت للغاية المسافات بين المرشحين من كلا الطرفين. وعلى الرغم من كون ترامب المرشح الأكثر تقدما الآن، لكن الأمور يمكن أن تتغير بعد انقضاء "الثلاثاء الكبير". فالفائز الذي سيحصل على معظم المفوضين في نهاية هذه المرحلة سوف يدفع المرشحين الآخرين خارج السباق، ونحن تقريبا نعرف من هو المرشح المحتمل لكل حزب.

فعلى الجانب الجمهوري يمكن حسم السباق إما لصالح ترامب، و الذي يبدو وكأنه لا يمكن إيقافه الآن، أو أن يحسم لصالح روبيو، المرشح المفضل لدى التأسيسيين. أما كروز فهو لا يتمتع بشعبية كبيرة في الحزب رغم محاولته خطب ود الإنجيليين واليمين المسيحي، إلا نه هو وروبيو متقاربين للغاية في استطلاعات الرأي، الأمر الذي لا يفسح مجالا للتكهنات. وعلى الجانب الديمقراطي تبدو كلينتون فى أوج مجدها ، ولكن لا احد يعلم ما ستسفر عنه الأيام.

إن الأمل منعقد في واشنطن وفي الأمريكيين المنهكين من كل هذا القلق، أن يتمخض هذا الفصل من سباق الترشح للرئاسة عن حملة انتخابية  أقل تطرفا وأقل سلبية.

ولكن للأسف قد تكون هذه مجرد أمنيات.

كلمات دليلية