انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 106 تقرير خاصالعلاقات السعودية – الصينية: التحالف العسكري الاستراتيجي مؤجل

العلاقات السعودية – الصينية: التحالف العسكري الاستراتيجي مؤجل

انشأ بتاريخ: الأحد، 03 نيسان/أبريل 2016

أصبح صعود الصين كقوة عالمية أمراً لا مفر منه. هذا الصعود يمكن أن يكون له تبعات استراتيجية كبيرة على منطقة الخليج خصوصًا، والشرق الأوسط عمومًا. ورغم المخاوف الدولية الموجودة حاليًا حول التباطؤ الاقتصادي في الصين، إلا أن أغلب توقعات المؤسسات الدولية ومن ضمنها صندوق النقد، والبنك الدولي تشير إلى أن حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين سوف ينمو بنسب جيدة على مدى العقدين القادمين، وإن كان بوتيرة أقل من العقود السابقة. وهنا تشير آخر بيانات لصندوق النقد الدولي، إلى أن الصين سوف تضيف إلى ناتجها الإجمالي أكثر من 5 تريليونات دولار مع نهاية 2020م، أو ما يزيد عن حجم الاقتصاد الياباني حاليًا. ومن المتوقع أن يتضاعف الاقتصاد الصيني مرة أخرى ليتجاوز نظيره الأمريكي بحلول 2030.

 

طبعًا هذا الصعود المتواصل لم يعد مفاجئًا لأحد، فقصة نهوض "التنين" الصيني أبهرت العالم بأسره، وأصبحت مصدر إلهام للعديد من الدول، ومبعث للقلق لدول أخرى في آن.  لكن فيما يخص السعودية، بات جليًا أن صانعي القرار في الرياض يرون على نحو متزايد الكتابة على الجدار: الصين ستكون قوة عظمى في المستقبل، مما يجعل نسج علاقات إستراتيجية مع هذه القوة الصاعدة قضية حيوية وإستراتيجية للبلاد.

 

  1. من الناحية الاقتصادية، الصين هي أكبر دولة من حيث عدد السكان مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم. الصين من المتوقع أن تصبح أكبر إقتصاد في العالم بحلول نهاية العقد المقبل.
  2. أما من حيث الطاقة، تعتبر الصين أكبر مستهلك للطاقة في العالم وثاني أكبر مستورد للنفط. الصين على وشك تجاوز الولايات المتحدة كأكبر مستورد للنفط الخام، وربما تصبح أكبر مستهلك للنفط خلال عقدين من الآن.
  3. من الناحية العسكرية، تملك الصين أكبر جيش في العالم، كما أنها قوة نووية ولديها ثاني أكبر ميزانية عسكرية في العالم بعد الولايات المتحدة. لكن في ظل التطورات الحالية، تبقى الحقيقة أن الأسلحة الصينية هي أقل تطورًا من الناحية التكنولوجية مقارنة مع تلك التي تصنع في الغرب أو الولايات المتحدة. مع ذلك، من المنتظر أن تسد الصين هذه الفجوة على مدى العقدين المقبلين.
  4. سياسيًا، الصين عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، ومن المؤكد أن نفوذها السياسي سوف يتصاعد بمرور الوقت مع تنامي قدراتها الاقتصادية، والعسكرية.

 

علاقات مميزة مرشحة للنمو

هذه التحولات تترافق حاليا مع تقلص إعتماد الولايات المتحدة على نفط السعودية نتيجة ما بات يصطلح على تسميتها "طفرة" الوقود الصخري والتي قد تجعل أمريكا تتخلى نهائيًا عن نفط وغاز دول الخليج العربي وربما تنافسها في بعض الأسواق العالمية. فضلا على تزايد احتمالات تطور في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران خصوصًا بعد الاتفاق النووي، الأمر الذي قد يمنح طهران زخمًا قويًا لمد نفوذها على المستويين الإقليمي والدولي وهو أمر إن تحقق ربما يقلق الرياض.وأخيرًا، فإن على صانع القرار في السعودية أن يأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية للبلاد، فضلًا على ردود أفعال الرأي العام داخليًا. بالمحصلة، جميع هذه القضايا باتت تجعل المملكة تتبنى سياسات قد لا تتوافق بالضرورة مع مواقف الولايات المتحدة.

في سياق هذه الخلفية الاستراتيجية، تطورت العلاقات بين الرياض وبكين. ورغم أن السعودية كانت آخر دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين في عام 1990م، لكنها تمكنت على مدى العقدين الماضيين أن تصبح المورد الرئيسي للنفط الخام إلى الصين، والشريك التجاري الأول لبكين عربيًا، وشرق أوسطيًا وفي منطقة غرب آسيا عمومًا. في الحقيقة، تطورت العلاقات الاقتصادية بين الرياض وبكين بوتيرة مضطردة. ونتيجة لذلك، قفز حجم التجارة بين السعودية والصين أكثر من 67 مرة من 1.03 مليار دولار في عام 1994م، إلى أكثر من 69.8 مليار دولار في عام 2014م، مع ذلك، اقتصرت العلاقات بين البلدين على صادرات الطاقة السعودية (نفط وبتروكيماويات)، إستيراد السلع الصناعية الصينية، إستثمارات محدودة في مجال النفط والبنية التحتية والإتصالات، فضلًا على علاقات عسكرية وأمنية لا تزال في مهدها.

 

لكن في المقابل، يمكن أن تساهم عدة عوامل في تطور العلاقات بين السعودية والصين خلال السنوات أو العقود القادمة. أولا، هناك إرادة سياسية قوية لدى الجانبين لدفع العلاقات نحو مستويات أعلى، وقد برز ذلك جليًا خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني إلى السعودية. ثانيًا، على الرغم من زيادة المنافسة في أسواق الطاقة العالمية، سوف تبقى منطقة الخليج تحتل مكانة استراتيجية بالنسبة للصين، خاصة فيما يتعلق بالنفط، حيث من المتوقع أن تنمو واردات بكين من المنطقة على مدى العقدين القادمين. وهنا تتفاوت تقديرات استهلاك الصين من النفط نتيجة لحالة عدم اليقين بشأن آفاق نمو الاقتصاد، تطوير المصادر المحلية، استخدام مصادر الطاقة البديلة، وزيادة تدابير الترشيد. مع ذلك، تتفق جميع التقديرات على أن الصين لا تزال بحاجة إلى استيراد كميات كبيرة من النفط في المديين المتوسط ​​والطويل، خصوصًا من منطقة الشرق الأوسط. بعيدًا عن النفط، هناك توجه جدي في السعودية لتطوير الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على استهلاك الوقود الأحفوري، الأمر الذي قد يمنح الشركات الصينية فرصًا جيدة  في قطاعات مثل الطاقة الشمسية والطاقة النووية. هذا بالإضافة إلى أن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية يمكن أن تتقاطع مع سياسة المملكة في العديد من المواقع. والأهم، إذا تم توقيع اتفاقية التجارة الحرة (FTA) بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن ذلك ربما يعزز العلاقات الاقتصادية بين الرياض وبكين.

 

شراكة اقتصادية وليست أمنية

كل هذه العوامل من المؤكد أن تساهم في تعزيز العلاقات الصينية -السعودية في المجالين السياسي والإقتصادي، وربما العسكري. لكن نستبعد في المديين القصير والمتوسط ​​أن تتطور العلاقات بين البلدين إلى شراكة استراتيجية مثلما هو الحال مع الولايات المتحدة.صحيح أن السعودية قد تبنت سياسة خارجية حازمة بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، ردًا على ما اعتبرته الرياض دبلوماسية أمريكية سلبية خصوصًا إبان ما يسمى بـ "الربيع العربي"، مرورًا بتطورات الوضع في العراق، سوريا، وصولًا إلى الاتفاق النووي مع إيران. مع ذلك، السعودية لن تفك علاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة على الأقل في المدى المنظور. على هذا الأساس يمكننا رسم 4 خطوط عريضة للسياسة السعودية في الأجلين القصير والمتوسط. الأول والأهم، تعزيز القدرات العسكرية السعودية، والعمل على تطوير التنسيق العسكري في إطار مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك تشكيل "قيادة عسكرية موحدة" التي سبق أن طرحتها المملكة.

 

ثانيًا، سوف تسعى السعودية إلى الحفاظ على علاقات جيدة وإستراتيجية مع الولايات المتحدة رغم الخلافات حول العديد من القضايا الإقليمية. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تزال قوة عالمية تملك مصالح في منطقة الشرق الأوسط تعتبرها "حيوية" لأمنها القومي، مثل (1) تأمين التدفق الحر للطاقة والتجارة، (2) منع إنتشار الأسلحة النووية، (3) مكافحة الإرهاب، (4) أمن إسرائيل. هذا بالإضافة إلى أن منظومات التسلح الأمريكية التي طورتها السعودية على مدار العقود الماضية، صفقات الأسلحة الحالية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، فضلا على الدعم اللوجستي والإستخباراتي في اليمن. وعلاوة على ذلك، لا تزال الشركات، الإستثمارات، والسلع الأمريكية تلعب دورًا هامًا في تنمية الاقتصاد السعودي. كما أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل الوجهة المفضلة للطلاب السعوديين، حيث استقبلت الولايات المتحدة على مدى العشر سنوات الماضية (منذ 2006م) نحو 350 ألف طالب سعودي، مقابل 1600 طالب سعودي فقط توجهوا إلى الصين. والأهم، الولايات المتحدة مستمرة في استيراد أكثر من مليون برميل من النفط السعودي يوميًا (1.05 مليون برميل في 2015م).

 

أما الخط الثالث، يتمثل في استمرار تنويع سياسة السعودية الخارجية. هنا يمكن القول أن تعزيز العلاقات مع الصين تكتسب أولوية كبيرة لدى صانع القرار في الرياض. ورغم أن بكين لا تطرح نفسها بديلا للولايات المتحدة، أو تسعى في الوقت الراهن إلى الدخول في تحالفات عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، لكن الصين يمكن لها أن تلعب دورًا هامًا في العديد من القضايا التي تهم المملكة. بكين يمكن أن تشكل مصدرًا هامًا لدعم السعودية سياسيًا فيما يتعلق في الاستمرار في مسار الإصلاحات الاقتصادية، مع تفادي الضغوط الخارجية التي تتعلق بقضايا مثل حقوق الإنسان والإصلاحات الديمقراطية. كما يمكن أن تزود الصين السعودية بالأسلحة التي ترفض الولايات المتحدة أو دول غربية أخرى بيعها للمملكة، مثل الصواريخ بعيدة المدى، الطائرات من دون طيار، الصواريخ المضادة للسفن، الألغام البحرية، وحتى تكنولوجيا الأقمار الصناعية. وهناك العديد من التقارير التي ترجح حصول السعودية على نماذج جديدة من الصواريخ الصينية بعيدة المدى، فضلًا على الطائرات بدون طيار. كما وقعت المملكة اتفاقية للتعاون النووي مع الصين في إطار زيارة الرئيس الصيني الأخيرة للسعودية، وهنا علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن الرياض لم توقع مع واشنطن حتى الآن اتفاق الاستخدامات السلمية للطاقة النووية (أو الإتفاق الذي يعرف أيضا باسم القسم 123) وسبق أن وقعته الإمارات عام 2009 . والأهم يمكن للصين أن تلعب دورًا حيويًا في إعادة إعمار اليمن.

 

وأخيرًا وليس آخرًا، ستواصل السعودية وبدعم من دول الخليج استخدام جميع الوسائل الاقتصادية والسياسية المتاحة للتصدي لما تعتبره توجهات توسعية للنظام في إيران. هنا، من المتوقع أن تواصل المملكة دعم دول مثل مصر، الأردن، المغرب السودان، وحلفائها في اليمن، لبنان سوريا، وفلسطين لمنع إيران من تحقيق إختراقات جديدة، ولمحاولة الحد من تزايد نفوذها الذي تنظر إليه الرياض كمصدر يهدد مصالحها الإقليمية. ولعله من المهم الإشارة إلى أنه رغم إختلاف المواقف حول سوريا، لكن مواقف بكين تتوافق إلى حد كبير مع مواقف المملكة فيما يتعلق بالبحرين، مصر، اليمن، ليبيا وحتى العراق.

 

رغم من هذه النظرة المتفائلة، هناك تحديات تنتظر تطور العلاقات بين الصين والسعودية على المديين القصير و المتوسط. واحدة من المشاكل المحتملة هي السياسات الحمائية. طالما لم يتم توقيع إتفاق  التجارة الحرة بين بكين ودول الخليج، يمكن أن تلجأ الصين مستقبلًا إلى تدابير حمائية خصوصًا تجاه منتجي البتروكيماويات. وهناك تحد آخر هو عدم اليقين بشأن حجم الطلب على النفط في الصين، والمنافسة من المنتجين الأخرين خصوصًا روسيا، إيران، والعراق لاكتساب حصصًا جديدة في السوق الصيني. في المقابل، ينتظر الشركات الصينية شوطًا طويلا حتى يمكنها إثبات وجودها في السوق السعودي، رغم أنها قد كسبت بعض العقود المهمة أخيرًا. الأهم، أن سياسة بكين تجاه طهران لا تزال تثير شكوكا لدى بعض القيادات الخليجية ومنها السعودية.

آفاق المستقبل: تزايد احتمالات الشراكة الاستراتيجية

في المدى الطويل، مع الصعود الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري للصين سوف تتزايد احتمالات إنتقال في مراكز القوى العالمية. ومع إستمرار الصين في السعي لتأمين موارد الطاقة وبناء تحالفات استراتيجية، سيبقى ذلك مصدرًا للمنافسة المباشرة مع الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وخارجها. لكن تزايد الإعتماد المتبادل بين منطقة الخليج وآسيا سيجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للولايات المتحدة لفرض سياسات أحادية الجانب. في حين أن التعاون هو أفضل نتيجة مرغوبة في المنطقة، فإنه من الصعب التنبؤ بالمستقبل، لكن المؤكد أن مصالح الصين في الشرق الأوسط سوف تتزايد، وقد يتبع ذلك تزايد التواجد السياسي والعسكري. وهنا يمكن أن نستعرض عدة مؤشرات تدعم هذا الاستنتاج، وقد تمهد لشراكات إستراتيجية مستقبلية مع دول المنطقة ومن ضمنها السعودية:

 

  • تعتبر الصين حاليًا أكبر مستورد لنفط الشرق الأوسط حيث وصلت نسبة إعتمادها على واردات المنطقة إلى 51% أو أكثر من 3.4 مليون برميل يوميًا في عام 2015م، هذه النسبة مرشحة للتصاعد إلى 60% أو 5 ملايين برميل يوميًا (ما يعادل حاليًا واردات الولايات المتحدة واليابان مجتمعتان) بداية العقد القادم بحسب توقعات وكالة الطاقة الدولية. وعلى المدى الطويل، من المتوقع أن تستورد الصين أكثر من ثلثي إحتياجاتها من المنطقة.
  • صحيح أن الصين قد طرحت مبادرة "الحزام والطريق"، لكن 90% من تجارة الصين تتم عبر البحار. هذا الوضع لن يتغير كثيرًا على مدى العقدين القادمين، لأسباب وجيهة أهمها أن الشحن البحري، أنجع، أرخص، أسرع، ولا يحتاج للمرور عبر حدود عدة دول. وهنا تبرز 3 مضائق تعتبرها بكين إستراتيجية لمصالحها الحيوية. الأول، مضيق ملقا، الذي تمر عبره معظم تجارة الصين، أكثر من 80% وارداتها النفطية، و 30% وارداتها من الغاز. ثم مضيق هرمز الذي تمر عبره أكثر من نصف واردات الصين النفطية، وربع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، ونحو 5% من إجمالي الصادرات الصينية. وأخيرًا، مضيق باب المندب مرورًا بقناة السويس وتعبره نحو 20% من إجمالي تجارة الصين الخارجية، معظمها مع أوروبا الشريك التجاري الأول للصين، فضلًا على نحو 300 ألف برميل من النفط قادمة من دول مثل، ليبيا، الجزائر، والسودان. وفقا لمعهد الشحن الدولي في شنغهاي، سوف يرتفع نصيب الصين من الشحن البحري ليمثل حوالي 15% من الإجمالي العالمي. وسوف تملك الصين أسطولا للشحن البحري أكبر مما تملكه اليابان وألمانيا بحلول عام 2020، وأكبر من قوة الشحن التقليدية اليونان بحلول عام 2030م.
  • طبقًا للبيانات التي أوردها المعهد الأمريكي (AEI)بلغت إستثمارات الصين خلال الفترة 2005-2015م، نحو 1.2 تريليون دولار، أكثرمن نصفها تركزت في مناطق مثل الآسيان، الشرق الأوسط (نحو 26 مليار في السعودية)، أفريقيا، وأوروبا، ومعظمها قريب من تلك المضائق التي سبق ذكرها، ويعمل بها عشرات الآلاف من العمال الصينيين. ومع الأموال المتاحة من المؤسسات التي أطلقتها الصين أخيرًا مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، صندوق طريق الحرير، وصندوق البريكس، من المنطقي توقع زيادة الاستثمارات الصينية مستقبلًا.
  • السياحة سوف تزيد من تواجد الصينيين في مناطق كثيرة من العالم، ومن ضمنها الشرق الأوسط. وبحسب بيانات صينية رسمية، سافر حوالي 120 مليون صيني إلى الخارج في عام 2015م. فضلًا على أنه من المرجح أن تتفوق الصين على بريطانيا وألمانيا لتصبح أكبر سوق لسياحة الرحلات البحرية (كروز) في العالم مع نهاية العقد القادم.
  • الصين تستعد من الآن وبمثابرة لهذه التطورات، فقد بدأت الشركات الصينية تنفيذ مشروع الممر الاقتصادي من شمال غرب الصين إلى ميناء جوادر الباكستاني بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 46 مليار دولار. كما بدأت الشركات الصينية بناء قاعدة عسكرية لوجيستية في جيبوتي وتعتزم بناء ميناء هناك. كما وقعت الصين خلال زيارة الرئيس الصيني الأخيرة عدة إتفاقيات لمشاركة الشركات الصينية في تطوير قناة السويس في مصر. هذا واستحوذت شركة "كوسكو" الصينية على حصة 67 % في هيأة ميناء بيرايوس اليوناني، وتعتزم إستثمار 350 مليون دولار لتحويله مركزًا للصادرات الصينية إلى عموم أوروبا. وأخيرًا وليس آخرًا، وقعت الصين والجزائر على اتفاق بقيمة 3.3 مليار دولار لبناء وإدارة (من قبل مجموعة ميناء شنغهاى) ميناء بحري ضخم ورئيسي في منطقة شرشال القريبة من العاصمة.

 

جميع هذه المؤشرات المستقبلية تقود إلى نتيجة واضحة: المصالح الصينية سوف تنمو بإضطراد، ومن المؤكد أن ينمو معها التواجد العسكري الصينى لحماية هذه المصالح، وضمان سلامة ملايين الصينيين. ولعل هذه التطورات قد تدفع بإتجاه تطابق التوجهات الصينية مع المصالح السعودية في العديد من المواقع. الأول والأهم، أمن منطقة الخليج، وضمان حرية الملاحة والتجارة في مضيق هرمز يمثل مصلحة إستراتيجية مشتركة لكل من بكين والرياض. من ناحية أخرى، كلا البلدين تربطهما علاقات جيدة مع جميع الدول المطلة على البحر الأحمر مما يوفر أرضية خصبة للتعاون في كافة المجالات خصوصًا فيما يتعلق بالأمن، الإستثمار، محاربة القرصنة، الدفع نحو إستقرار الأوضاع في اليمن والصومال. والأهم زيادة إنخراط الصين عسكريًا في المنطقة قد يفتح الباب واسعًا لاحتمالات متعددة من ضمنها شراكات إستراتيجية مع دول المنطقة.

 

الخلاصة

تعد الصين حاليًا ثالث أكبر مستورد (بعد اليابان والولايات المتحدة)  للنفط السعودي، ومرشحة أن تصعد إلى المرتبة الأولى خلال السنوات القليلة القادمة. هذا الوضع سوف يترافق مع صعود الصين العسكري والتكنولوجي الأمر الذي قد يزيد من إحتمالات التعاون الإستراتيجي بين الرياض وبكين. مع ذلك، من غير المرجح الآن أو في المستقبل القريب أن تسعى السعودية أو حتى الصين لبناء تحالف عسكري أو استراتيجي. في الوقت الراهن، الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة لا يزال هدفًا رئيسيًا للسياسة الخارجية السعودية، رغم الخلافات في المواقف تجاه العديد من القضايا الإقليمية. على المدى البعيد، لن تبقى الولايات المتحدة اللاعب الوحيد في المنطقة، وفي حال قررت تخفيض وجودها في المنطقة، أو تزايدت الفجوة في المواقف بين الرياض وواشنطن، فإن هذا الأمر قد يفتح المجال للسعودية لعقد شراكات وتحالفات إستراتيجية جديدة ومن المؤكد أن تكون الصين على رأس القائمة.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة