;
الصفحة السابقة

دول الخليجي وتجمع البريكس: لقاء المنافع على طاولة المصالح المشتركة

انشأ بتاريخ: الأحد، 03 نيسان/أبريل 2016

يعد تجمع البريكس من أهم التجمعات التي بزغت خلال فترة ما بعد الحرب الباردة، ومؤخراً تصاعدت مكانة البريكس في النظام الدولي بعد اندلاع الأزمة المالية العالمية، بل صارت القاطرة الرئيسية لانتعاش الاقتصاد العالمي ونموه، مستندة في ذلك على قوتها الاقتصادية الضخمة ونفوذها المتزايد في المؤسسات الاقتصادية الدولية. وكان "جيم أونيل" رئيس بنك جولدمان ساكس أول من أطلق عليها هذا الاسم عام 2001م وبدأت مفاوضات إنشاء البريكس عام 2006 م، من جانب البرازيل وروسيا والهند والصين ليطلق عليها اسم البريك BRIC وعقدت أول مؤتمر قمة لها عام 2009م، ثم انضمت جنوب أفريقيا إلى التجمع عام 2010 م، ليصبح أسمها البريكس BRICS. وتشكل 26 % من مساحة الكرة الأرضية، و46 % من عدد سكان العالم، وحجم الناتج المحلي الإجمالي للبريكس يقرب من 18 % من إجمالي الناتج المحلي العالمي. كما يبلغ حجم تجارتها الخارجية 16 % من إجمالي حجم التجارة العالمية، وتجذب البريكس نصف الاستثمارات الأجنبية في العالم.

ولدول مجلس التعاون الخليجي، علاقات تعاون وتنسيق مع العديد من التجمعات والتكتلات الاقتصادية، ومن بينها تجمع البريكس. وخلال السنوات القليلة الماضية، نمت علاقات المجلس مع دول البريكس بشكل ملحوظ وخاصة في النواحي الاقتصادية. ولبعض هذه العلاقات جذور تاريخية، بداية من طريق الحرير حتى مرحلة النفط، وتوجد حركة تبادل تجاري نشطة بين الطرفين، بالإضافة إلى عدد كبير من الاتفاقيات الجماعية والثنائية. وفي الوقت الراهن تتبنى الصين والهند خططًا اقتصادية ومبادرات لتطوير طريق الحرير والحزام الاقتصادي الخاص به، ونظرًا لأن دول مجلس التعاون تتوسط الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، فإن ذلك من شأنه إفساح المجال لفرص تعاون اقتصادي هائلة تعود بالفائدة على الطرفين.

وفي ظل ما تتمتع به دول مجلس التعاون من إمكانيات اقتصادية ضخمة، وموقع جغرافي متميز وقريب من بعض دول البريكس فإن فرص التعاون الاقتصادي مرشحة للنمو والزيادة. وفي هذا الإطار، يسعى هذا المقال إلى استعراض أبرز ملامح العلاقات بين دول المجلس وتجمع البريكس، وأهم الفرص المتاحة لدول المجلس من تعزيز تعاونها مع الصين وبقية دول البريكس.كما يرصد المقال أهم المعوقات التي ربما تحول دون تطوير العلاقات بين الطرفين، ويطرح بعض سبل تطويرها.

أولًا: العلاقات الخليجية بدول تجمع البريكس: المنطلقات والمرتكزات

لا شك أن علاقات دول مجلس التعاون بدول البريكس وفي مقدمتها الصين تستند على دعائم ومقومات عدة، أبرزها اتساع قاعدة المصالح المشتركة وتنامي فرص التعاون، فضلاً عن الاهتمام المشترك من الجانبين بتعزيز ركائز السلام والتنمية على المستويين العالمي والإقليمي. ودول البريكس هي بمثابة شريك اقتصادي له أهمية بالغة لدول مجلس التعاون، ليس فقط على صعيد المؤشرات المتعلقة بالتبادل التجاري أو الاستثمارات، ولكن للتقدم الكبير الذي حققته بعض هذه الدول في عدد من القطاعات ذات الأهمية الخاصة بالنسبة لدول الخليج وبخاصة الطاقة النظيفة، وتوطين التكنولوجيا واقتصاد المعرفة، وكذلك تطوير قطاع التعليم والخدمات خاصة السياحة والخدمات المصرفية. بالإضافة إلى التعاون في مجال الطاقة النووية باعتبار أن ثلاثة من الدول الأعضاء بالبريكس هي دول نووية (روسيا، الصين، والهند)، وكذلك اشتراك دول مجلس التعاون ودول البريكس في عضوية العديد من المنظمات الدولية مثل منظمة الأوبك ومجموعة العشرين وغيرها، إنما يمثل فرصة جيدة لتنسيق المواقف بشأن القضايا المشتركة.

وفي ظل تصاعد التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون ودول البريكس أدرك كل منهما ضرورة تدعيم العلاقات السياسية والاقتصادية بما يعزز مصالحهما المشتركة. وهو الأمر الذي تجسد في الزيارات المتكررة والمتبادلة رفيعة المستوى بين قادة دول التجمعين، وكذلك توقيع مئات الاتفاقيات التي تنظم العلاقات بين الطرفين في المجالات كافة، وتشكيل اللجان والمجالس المشتركة لبحث مجالات التعاون المختلفة بين دول المجلس ودول البريكس، بالإضافة إلى عقد المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات المشتركة بين كبار المسؤولين في الجانبين.

وتأتي محاولات دول مجلس التعاون لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول البريكس وفي مقدمتها الصين في إطار جهودها الرامية إلى تجاوز الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تدهور أسعار النفط، بالبحث عن مصادر جديدة للنمو الاقتصادي، عبر بناء شراكات اقتصادية وتنموية جديدة. وفي المقابل تسعى الصين التي تعاني من تباطؤ في معدل النمو الاقتصادي على نحو لم تشهده منذ ربع قرن، إلى البحث عن شركاء دوليين جدد، وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي تعد قوة اقتصادية رئيسية في العالم.

ومثلما كانت التحديات الاقتصادية عاملًا محفزًا لتعزيز علاقات التعاون مع دول البريكس فإن التحديات الأمنية، والمتمثلة في الاضطرابات السياسية التي تشهدها دول المنطقة وانتشار التنظيمات الإرهابية تمثل هاجسًا مشتركًا يستدعي مزيد من التعاون بين الجانبين. ولا تنحصر دوافع الصين لتعزيز علاقات الشراكة مع دول مجلس التعاون في كون الأخيرة تمد بكين بحوالي نصف وارداتها من النفط، بل يمكن القول إن لدى الصين تخوف من تداعيات تدهور الأوضاع في دول المنطقة وانتشار الجماعات الإرهابية، وإمكانية أن تقوم الأخيرة بتوفير الدعم للحركات الانفصالية المسلمة في غرب الصين.

وبالإضافة إلى الدوافع الاقتصادية والأمنية فثمة متغيرات إقليمية تدفع نحو مزيد من التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون وبعض دول البريكس وتحديدًا الصين وروسيا. ذلك أن التغير الحادث في علاقات دول مجلس التعاون بأمريكا، أوجد دوافع قوية لدى دول الخليج لإعادة صياغة شبكة تحالفاتها وعلاقتها الدولية، لذا عمدت على تنويع شركائها وحلفائها الاستراتيجيين، وتوطيد علاقات التعاون مع بعض القوى الصاعدة في النظام الدولي.

ومن بين الدول الأعضاء بتجمع البريكس تعد الصين أهم شريك اقتصادي لدول الخليج؛ فهي صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي إجمالي بلغ 14 تريليون دولار، واحتياطي نقدي أجنبي بلغ 4 تريليون دولار عام 2014م. والصين الباحثة عن مصادر جديدة لرفد نموها الاقتصادي وبيع سلعها، وجدت ضالتها في دول مجلس التعاون.

وتمثل العلاقات الخليجية الصينية أهمية خاصة بالنسبة للطرفين، في ظل تعاظم حجم المزايا والفوائد المتبادلة. فمن ناحية أولى، تعد الصين أكبر دولة في العالم من حيث استهلاك النفط، وثالث أكبر دولة في العالم من حيث استيراده، وتعتمد بشكل كبير على نفط الخليج؛ حيث قامت باستيراد أكثر من نصف احتياجاتها النفطية من دول مجلس التعاون الخليجي عام 2015م. ومن ناحية ثانية، تحتل الصين مكانة خاصة لدى دول الخليج، في ظل ما يتمتع به السوق الصيني من جاذبية كبيرة بسبب كون الصين أكبر سوق استهلاكي في العالم، باعتبارها أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، بما يعنيه ذلك من توفير فرص ضخمة أمام الاستثمارات وكذلك الصادرات الخليجية من النفط والبتروكيماويات والأسمدة والألومنيوم وغيرها.

وتسعى بكين من جانبها إلى توسيع نطاق شراكتها الإستراتيجية مع الدول الخليجية وتحديدًا السعودية، التي تشكل سوقًا مهمًا للصادرات الصينية. وفي هذا السياق جاءت زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية في يناير الماضي لتعكس التقارب السعودي الصيني؛ وبرغم طغيان الطابع الاقتصادي على الزيارة، فإن البلدان قد وقعا على اتفاقية إنشاء مفاعل نووي ذي حرارة عالية يبرد بالغاز، وهو الأمر الذي يعكس من الرغبة السعودية في استمالة الصين. وقد أسفرت الزيارة عن اتفاق البلدين على الارتقاء بعلاقتهما إلى مصاف الشراكة وتعزيز التعاون في مختلف المجالات.

وعلى الرغم من محورية العلاقات الخليجية الصينية باعتبار الصين القوة الأكثر أهمية وتأثيرًا داخل تجمع البريكس، فثمة علاقات خليجية قوية مع بعض أعضاء البريكس ومن بينهم الهند، التي تعمل على إقامة شراكات قوية مع دول مجلس التعاون في مجالات التجارة وأمن الطاقة وتطوير البنى التحتية. وفي هذا الإطار، بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند ودول المجلس 150 مليار دولار عام 2014م، حيث تستورد الهند ثلثي احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج، وتأتي الإمارات والسعودية في مقدمة الشركاء التجاريين للهند. إذ بلغ حجم التبادل التجارى بين الإمارات والهند حوالي 60 مليار دولار، وتعمل في الإمارات نحو 50 ألف شركة هندية، كما بلغ حجم التبادل التجاري بين السعودية والهند حوالي 40 مليار دولار عام 2014م.

وفي المقابل تمثل الهند سوقا استهلاكية ضخمة للصادرات الخليجية خاصة النفط والبتروكيماويات والأسمدة، ومن المتوقع أن تشهد العلاقات التجارية بين الجانبين طفرة كبيرة بعدما وافق المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في نوفمبر 2015م، على إنشاء منطقة تجارة حرة مع الهند تتمتع فيها السلع ذات المنشأ الوطني بحرية الحركة دون قيود أو رسوم جمركية. وفي ظل التوجه الخليجي، فإن المجال مفتوح أمام دول الخليج لتعزيز علاقات التعاون مع الهند التي تعد من بين أكثر دول العالم تقدمًا في مجال تطوير التكنولوجيا وتوطين المعرفة.

ولا تنحصر العلاقات الخليجية الهندية في الجانب التجاري، بل أن هناك رافدا بشريًا مهمًا يدعم هذه العلاقات، وهو العمالة الهندية في دول الخليج، التي تصل إلى حوالي 6 ملايين عامل، ويشكل هؤلاء أكبر جالية أجنبية في دول المجلس، وتسهم العمالة الهندية بتحويلات مالية قدرت قيمتها 29.29 مليار دولار عام 2012م، لتمثل حوالي 47 % من إجمالي التحويلات المالية للهند.

وهناك مجال آخر للتعاون الخليجي الهندي، وهو التعاون في المجال الأمني – العسكري؛ حيث وقعت الهند عدة اتفاقيات للتعاون العسكري مع الإمارات وقطر وعمان، فضلًا عن مساعيها إلى توقيع اتفاقية مماثلة مع السعودية. بالإضافة إلى الاهتمام المشترك للطرفين بتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، حيث يمثل تنظيم داعش تهديدًا مشتركًا للأمن والاستقرار، وتسعى الهند من ذلك إلى تأمين مصالحها في الجزء الغربي من بحر العرب والمحيط الهندي، وكذلك تأمين إمدادات الطاقة، وضمان سلامة خطوط الاتصالات البحرية، والتصدي لجرائم القرصنة

على صعيد علاقات دول مجلس التعاون مع روسيا العضو المهم في البريكس، فإن الأخيرة تعد واحدة من أكبر منتجي النفط خارج (أوبك) وتعارض موقف الطرفين مؤخرًا بشأن الحفاظ على مستويات الإنتاج وسياسات التسعير، وفي هذا الإطار تعتقد روسيا أن دول الخليج تسببت في الخفض الكبير لأسعار النفط خلال الشهور الماضية، وعلى الرغم من التعارض الظاهر في بعض المواقف السياسية والاقتصادية التي يتبناها الطرفان فليس بالإمكان التقليل من أهمية التحسن في العلاقات الاقتصادية الخليجية ـ الروسية على مدار السنوات الأخيرة، سواء على صعيد ارتفاع حجم التبادل التجاري بين الطرفين إلى ما يقرب من 3.75 مليار دولارًا عام 2013م، وزيادة حجم الاستثمارات الخليجية في روسيا، حيث بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية هناك حوالي 18 مليار دولارًا عام 2014م، كما أعلنت السعودية في يوليو 2015 م، عن إقامة شراكة استثمارية بين صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي وصندوق الاستثمارات السيادي السعودي بقيمة عشرة مليارات دولار. بالإضافة إلى إبرام الطرفين عددًا من الاتفاقيات في مجال التعليم والبحث العلمي، والسياحة والتكنولوجيا، والطيران، وغيرها. وفي هذا السياق يمكن القول إن تطوير العلاقات الاقتصادية الخليجية ـ الروسية سيكون لها تأثير إيجابي على إنعاش الاقتصاد الروسي.

وبالنسبة للبرازيل أحد أهم أعضاء البريكس وسابع أكبر قوة اقتصادية على مستوى العالم بناتج محلي إجمالي بلغ 2.24 تريليون دولار عام 2014م، كما بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها 62 مليار دولار في العام نفسه، فقد بلغ حجم تجارتها الخارجية مع دول مجلس التعاون الخليجي 9.1 مليار دولار، وتجاوزت قيمة صادرات البرازيل لدول المجلس نحو 6.3 مليار دولار، فيما بلغ إجمالي واردات البرازيل من مجلس التعاون نحو 2.7 مليار دولار، ليصل الفائض التجاري لصالح البرازيل 3.6 مليار دولار. وجاءت السعودية في المرتبة الأولى من حيث نمو الصادرات البرازيلية، حيث شهدت الأسواق السعودية ارتفاعًا كبيرًا في حجم المنتجات البرازيلية المستوردة بمعدل 8.19 % ليصل إلى 2.7 مليار دولار عام 2015م، مقارنةً بنحو 2.542 مليار دولار عام 2014م، واحتلّت الإمارات المرتبة الثانية في حجم التبادل التجاري مع البرازيل في العام الماضي، بنحو 2.5 مليار دولار.

وتعد الاستثمارات الإماراتية في البرازيل الأكبر من بين استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث بلغت قيمتها نحو 1.5 دولار، تتركز في مجالات النفط والغاز والألمنيوم وأشباه الموصلات والبنية التحتية والموانئ والعقارات والطيران. وتمثل استثمارات موانئ دبي العالمية وحدها في البرازيل أكثر من 500 مليون دولار، وبلغ عدد الشركات التجارية البرازيلية في الإمارات 30 شركة لديها مكاتب تجارية، كما أن لدى وكالة ترويج التجارة والاستثمار البرازيلية مكتب في جبل علي، منطقة التجارة الحرة في دبي، لمساعدة الشركات البرازيلية التي ترغب في تأسيس مكاتب في الإمارات، وفي عام 2008م، تم افتتاح مكتب تمثيل لبنك البرازيل في دبي. هذا بالإضافة إلى التعاون الخليجي مع البرازيل في مجال السياحة وتكنولوجيا المعلومات وصناعة السيارات، بالإضافة إلى مجال الطاقة المتجددة التي حققت فيه البرازيل تقدمًا ملحوظًا، وهو ما يأتي متزامنا مع اهتمام بعض دول الخليج بتطوير مصادر بديلة للطاقة كالطاقة الذرية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية. هذا بالإضافة إلى إمكانية الاستفادة من الخبرات البرازيلية الواسعة في مجال تطوير المحاصيل الزراعية، وكذلك مواجهة بعض التغيرات المناخية وبخاصة مشكلة الجفاف والتصحر لما تمثله من تأثير سلبي على الزراعة في دول الخليج.

ونظرا لتطور قطاع صناعة الطيران في البرازيل كونها تمتلك ثاني أكبر أسطول للنقل الجوي على مستوى العالم، فإن هناك فرص متنوعة للاستثمار والشراكة مع دول مجلس التعاون في مجال الخدمات اللوجستية والبنية التحتية والنقل، وتحديدًا الإمارات، بعدما قامت شركة الاتحاد للطيران بتوسيع نطاق رحلاتها إلى البرازيل ودول البريكس الأخرى لربط أبو ظبي بهذه الدول.

وبرغم قيام دول المجلس والسوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية (تجمع الميركوسور)، والذي يضم في عضويته (أوروجواي، باراجواي، الأرجنتين، البرازيل، بالإضافة لفنزويلا) بالتوقيع في مايو 2005م، على اتفاقية إطارية للتعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري والفني بين الطرفين، تمهد عبر موادها لإطلاق مفاوضات لإقامة منطقة تجارة حرة بين التكتلين، فلم يتم التوصل إلى هذه الاتفاقية، نظرًا لمعارضةالاتفاقيةمنجانب شركاتالبتروكيماوياتالمحلية، وهو ما يمثل عائقًا أمام تشجيع حركة التبادل التجاري بين الطرفين. وفي هذا الصدد ينبغي الإشارة إلى أن منالأسبابالأخرى لعدمإبرامالاتفاقيةالوضعالداخلي فيالبرازيلالتيتواجهانخفاضًا فيمعدلالنمو الاقتصاديومشكلات اجتماعية،فضلاًعنالأرجنتينالتيتواجهعجزًاعن سدادالديونالسيادية، وما ارتبط بذلك من توجه البرازيل والأرجنتين نحوسياسة الحمايةالجمركية وتجميد المفاوضات الخاصة باتفاقيات التجارة الحرة مع دول العالم ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن العلاقات الخليجية بالبرازيل ربما تشهد تطورات إيجابية خلال السنوات القادمة، مستفيدة في ذلك من الزخم الذي أحدثته القمة الرابعة للدول العربية ودول أمريكا الجنوبية، التي استضافتها السعودية في نوفمبر 2015م، والتي اتفق المشاركون فيها على ضرورة زيادة الرحلات الجوية المباشرة بين الدول العربية وأمريكا الجنوبية، وتسهيل منح تأشيرات الدخول للسياحة والأعمال، وتعزيز مستوى التمثيل التجاري المتبادل بين المنطقتين، وكذلك تشجيع إنشاء مجالس أعمال ثنائية في دول المنطقتين. فضلا عن الاتفاق على إنشاء شركة قطاع خاص مشتركة للنقل البحري، وكذلك إنشاء شركة قطاع خاص مشتركة للخدمات اللوجستية بين الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية، على نحو يدعم توفير روابط بحرية مباشرة وتوفير الخدمات اللوجيتسية لتسهيل التبادل التجاري بين الجانبين.

ثانيا: العلاقات الخليجية بتجمع البريكس: الانعكاسات والدلالات

تعكس التطورات الإقليمية والدولية، وكذلك نمط العلاقات والتفاعلات الراهنة توجه قوي من جانب الدول الخليجية وكذلك دول البريكس نحو تقوية العلاقات المشتركة بل أن المعطيات السابقة تكشف بشكل واضح عن رغبة قوية لدى الطرفين في تحقيق درجات أعلى من التقارب في الرؤى تجاه بعض القضايا المهمة.

إن تقوية الروابط الخليجية مع دول تجمع البريكس في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي سيكون له مردود إيجابي واضح على الدول الخليجية، من زاويتين، الأولى: تحسين الأوضاع الاقتصادية وتوفير فرص جديدة للعمالة وتنويع مصادر الدخل ورفع معدلات النمو الاقتصادي، وكذلك تحسين الصناعة الوطنية وتطويرها وإقامة اقتصاد المعرفة. إضافة إلى ذلك أن التقارب في الرؤى يمكن أن يسهم في إنعاش الاقتصاد العالمي والخروج من حالة الركود؛ لأن التنسيق الخليجي الروسي مثلاً في مجال النفط، يمكن أن يسفر عنه التوصل لاتفاق بشأن الأسعار وحصص الإنتاج، مما قد يقود إلى رفع أسعار النفط وإنعاش اقتصاديات العالم، وإن كان ذلك الافتراض من الصعب تحقيقه على إطلاقه؛ في ظل عودة إيران إلى سوق النفط، وكذلك مع زيادة إنتاج النفط والغاز الصخري الأمريكي.

أما الزاوية الثانية، فهي تتعلق بالتأثير الإيجابي لإقامة دول الخليج علاقات اقتصادية قوية مع بعض دول البريكس على استقرار منطقة الشرق الأوسط. فمن ناحية، يمكن أن يؤدي تحقيق المزيد من التقارب والتقدم في العلاقات الاقتصادية الخليجية مع الصين ورسيا على وجه الخصوص إلى الوصول إلى تفاهمات سياسية بين هذه الدول من أجل حل العديد من الأزمات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أن توثيق العلاقات الخليجية مع روسيا والصين قد يدفعهما إلى القيام بأدوار أكثر إيجابية ونشاطٍ في الأزمات الإقليمية الراهنة، وربما سيدفع الصين تحديدًا إلى الابتعاد عن الموقف المحايد الذي تتبناه والميل بدرجة أكبر إلى تدعيم المواقف الخليجية من القضايا المثارة على الساحة الإقليمية.

أضف إلى ذلك أن التعاون الخليجي مع شركائها في البريكس ومع روسيا والصين بالتحديد في المجالين الأمني والاستخباراتي من شأنه المساهمة في تعزيز منظومة الأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي، فضلا عن دوره في تدعيم القوة العسكرية لدول مجلس التعاون، وتنويع تحالفاتها وشراكاتها الأمنية والعسكرية.

ثالثًا: العلاقات الخليجية بتجمع البريكس: رؤية استشرافية

يتضح من استعراض العلاقات الخليجية مع تجمع البريكس أن هذه العلاقات مرشحة لمزيد من التقدم، على ضوء متغيرات البيئة الإقليمية التي كشفت عن تراجع الولايات المتحدة عن الانخراط المباشر في الأزمات التي تشهدها دول المنطقة. فيما تظل إيران عاملا معرقلا لتطوير العلاقات الخليجية مع أغلبية دول البريكس؛ فروسيا تربطها علاقات قوية بإيران في المجالين الاقتصادي والعسكري. فمن ناحية أولى، تقدم موسكو التكنولوجيا النووية والخبرة لطهران، إضافة إلى منظومات تسليح متقدمة، مقابل عوائد اقتصادية تسهم في تخفيف الضغوط المفروضة على الاقتصاد الروسي. وتشير بعض التقديرات إلى أن قيمة واردات الأسلحة الروسية لطهران قد تجاوزت خلال الفترة ما بين عامي 1995 – 2015م، حوالي 300 مليار دولار، ومن المتوقع أن تزداد العلاقات العسكرية ازدهارًا في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب.

أما الصين فتعد أكبر شريك تجاري لإيران؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 52 مليار دولار عام 2014م، كما يربط البلدان علاقات اقتصادية وأمنية وعسكرية وسياسية قوية. وخلال الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني لإيران في يناير 2016م، والتي كان أول زعيم يزور إيران بعد رفع العقوبات الدولية عنها، تم التوقيع على 17 اتفاقًا في عدد من المجالات وبخاصة الطاقة والتبادل التجاري، وذلك بهدف الوصول بحجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ما قيمته 420 مليار دولار. كما تحتفظ الهند بروابط قوية مع إيران، حيث تعد شريك تجاري مهم لها، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 15 مليار دولار، وفي السياق ذاته، كانت البرازيل من أكثر دول أمريكا الجنوبية دفاعًا عن أحقية إيران في امتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية، كما يربط البلدين شراكة اقتصادية قوامها النفط والغذاء.

وبصفة عامة يمكن القول إن نجاح دول مجلس التعاون في تعظيم المنافع التي يمكن أن تحصلها منعلاقتها بدول أعضاء في البريكس يتوقف على قدرة الدول الخليجية على التحرك الخارجي بصورة جماعية والابتعاد قدر الإمكان عن اتخاذ مواقف فردية، فمزيد من التنسيق الجماعي بين دول مجلس التعاون يعني تعزيز قدرتها على الاستفادة من الرغبة القوية التي تبديها دول البريكس للتقارب.

علاوة على ذلك فإن دول الخليج مطالبة بتنويع مجالات التعاون مع دول البريكس بحيث لا ينحصر التعاون على قطاع النفط فحسب، بل الاهتمام بمجالات الطاقة النظيفة والنووية ومجالات الطيران والفضاء. ودول المجلس مدعوة كذلك إلى إيجاد آليات للاستفادة من التعاون في مجالات البحث وتوطين التكنولوجيا في كافة مجالات الصناعة. وسيكون على دول مجلس التعاون أن تعمل على تحسين الصورة الذهنية السلبية السائدة لدى شعوبها تجاه بعض دول البريكس وفي مقدمتها روسيا والبرازيل؛ فمازال هناك ميراث ثقافي وتاريخي خليجي ينظر إلى روسيا باعتبارها عدوة للإسلام والمسلمين، كما أن معظم دول الخليج ترفض التدخل العسكري الروسي في سوريا. وبالنسبة للبرازيل فمازال العقل الجمعي الخليجي ينظر إليها باعتبارها بلد كرة القدم والمهرجانات والبن دون النظر إلى التقدم الهائل الذي أحرزته البرازيل والذي أهلها للعب دور محوري على الساحة الدولية. وبناء على ما سبق، فإن على دول مجلس التعاون الخليجي العمل على تحسين الصورة الذهنية السائدة تجاه بعض دول البريكس، والعمل عن كثب مع تلك الدول وتعظيم الاستفادة من المزايا الضخمة التي تتمتع بها بما يتوافق مع مصالح دول المجلس ومستجدات الأوضاع في المنطقة.

وفي السياق ذاته فإنه من الضروري أن تركز دول مجلس التعاون على القواسم المشتركة مع دول البريكس، والابتعاد عن القضايا الخلافية، الأمر الذي، سيمهد المجال في المستقبل أمام الطرفين من أجل التوصل إلى تفاهمات وتحقيق التقارب في الرؤى بشأن القضايا بين الجانبين.

بالإضافة إلى أن مستقبل هذه العلاقات مرهون بمدى توافر الإرادة من جانب دول التجمعين وقدرتهم على الحيلولة دون عرقلة الخلافات الثنائية الجهود الهادفة إلى تطوير هذه العلاقات والارتقاء بها إلى مستويات أكثر عمقًا ومتانة وتنوعًا، بل أن الأمر يتوقف على كيفية تعاطي دول البريكس وفي مقدمتها الصين مع معضلتها القائمة على استمرار الاعتماد على دول المجلس كمصدر رئيس لاحتياجاتها من النفط ولكن دون التخلي عن أحد ركائز سياستها الخارجية ألا وهو مبدأ عدم التدخل، وهو الأمر الذي أصبح من الصعب القبول به في ظل تصاعد المنافسة الإقليمية وتعارض الرؤى بشأن العديد من القضايا الإقليمية بين السعودية وإيران.

لذا فإن مستقبل العلاقات الخليجية الصينية يتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الأخيرة على اتخاذ مواقف أكثر جسارة بشأن المشكلات والتحديات الخطيرة التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي، فليس كافيًا أن تحقق الصين نجاحات اقتصادية مهمة في علاقتها بدول الخليج، حيث أن طلبها المتنامي على الطاقة يستدعي إقامة شراكات أعمق مع السعودية، المصدر الأكبر للنفط في المنطقة. بما يعنيه ذلك في المقابل من قدرة دول المجلس على تقديم المزايا والحوافر التي تدفع الصين إلى تبني موقف دول المجلس.

كلمات دليلية