انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 106 تقرير خاصالبحث عن الفرص ومواجهة التغلغل الدولي والإقليمي شرق إفريقيا... ساحة للتعاون الخليجي ـ الصيني

البحث عن الفرص ومواجهة التغلغل الدولي والإقليمي شرق إفريقيا... ساحة للتعاون الخليجي ـ الصيني

انشأ بتاريخ: الأحد، 03 نيسان/أبريل 2016

تكتسب منطقة شرق إفريقيا التى تمتد من رأس مضيق باب المندب من الساحل الإفريقي أهميتها من بعدين: الأول، كونها تشكل جزءًا من خزان العالم الاستراتيجي من الموارد الطبيعية والثروات المعدنية. الثانى، موقعها الجغرافى الجيواستراتيجى لطرق التجارة العالمية. لذلك، شهدت المنطقة تنافسًا شديدًا بين كبرى الدول المستهلكة لهذه الموارد إثر ازدياد الطلب العالمي عليها، وبين كبرى الدول المنتجة للسلع الساعية إلى فتح أسواق جديدة لمواجهة تراجع معدلات نموها الاقتصادى فى ظل تراجع حجم الاستهلاك العالمي.

ومن هذا المنطلق، تنظر الصين إلى إفريقيا بصفة عامة و شرقها خاصة على أنها خزان استراتيجى للمواد الأولية، بما يعطيها القدرة على تلبية حاجاتها المتزايدة من هذه المواد، وبما يحافظ على نموها الاقتصادى وصعودها الجيوسياسى على المستويين خاصة فى ظل مبادرتها "الحزام مع الطريق" كرؤية جديدة تطرحها الصين لدورها العالمى، إلا أن وجودها فى شرق إفريقيا يثير الكثير من التساؤلات حول توجهاتها المستقبلية وتحالفاتها القادمة مع الأطراف الفاعلة دوليا وإقليميًا، وفى مقدمتها دول الخليج , الجوار الجغرافي لدول هذه المنطقة، وما قد يمثله هذا الوجود من مجال للتعاون أم ساحة للتنافس؟ وإن كان من الأوجب للطرفين أن يكون تواجدهما مجالاً للتعاون المتبادل بما يعود بالنفع عليهما.

شرق إفريقيا... ساحة مهمة للطرفين:

إن إفريقيا بصفة عامة باعتبارها القارة الأغنى فى الموارد الطبيعية تستأثر باهتمام خاص لدى الصين، خاصة بعد زيارة الرئيس الصيني السابق "جيانج زيمين" عام 1996م، إذ اكتسبت العلاقات الصينية ــ الإفريقية أهميتها منذ ذلك التاريخ، عبّر عن ذلك تأسيس منتدى التعاون الصيني الإفريقى "فوكاك" عام 2000م، وتأكدت هذه الأهمية بقيام الرئيس الصيني الحالي بجعل إفريقيا الوجهة الأولى لزياراته الخارجية، لتصبح الصين أكبر شريك تجاري لإفريقيا، حيث  وصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى 150 بليون دولار أى 10% من تجارة الصين الخارجية كما أشار إلى ذلك "جيا كينجلين" رئيس اللجنة الوطنية السياسية لمجلس الشعب الصيني، إضافة إلى مضاعفة الصين لحجم مساعداتها للقارة والتي وصلت إلى 20 بليون دولار، لتستحوذ بذلك على المرتبة الأولى التي كانت تشغلها الولايات المتحدة من قبل. وفى هذا الخصوص تبرز أهمية منطقة شرق إفريقيا بما تتمتع به من إمكانيات زراعية هائلة تنعكس فى التنافس المحتدم حاليًا على استزراع مساحات شاسعة من الأراضي الإفريقية الخصبة بين الدول الآسيوية ذات الإمكانات السكانية الضخمة وفى مقدمتهم الصين، إذ يذكر أن الصين استثمرت حتى أواخر عام 2014م، فى استزراع حوالي 1.5 مليون هكتار في الكاميرون وموزمبيق واوغندا وتنزانيا. إضافة إلى ذلك تمثل المنطقة مصدرًا مهمًا لتأمين احتياجات الصين المتزايدة من النفط.

تمثل إفريقيا سوقًا مهمًا للصين، إذ يصل عدد سكانها إلى ما يقرب من مليار نسمة بما يجعلها رافدًا مهمًا من روافد النمو المتوقع في الاقتصاد الصيني، وحرصت الصين على تقديم منتجات بسيطة لا تحتاج إلى تكنولوجيا متطورة للتكيف مع متطلبات السكان فى قارة فقيرة اقتصاديًا غنية بمواردها وامكاناتها. كما تعد إفريقيا كذلك مكانًا مناسبًا لتوفير فرص عمل للأيدى العاملة الصينية إذ تشير بعض التقديرات إلى انتقال مليون عامل صينى للعمل فى المشروعات الصينية فى إفريقيا خلال العقدين الماضيين.

وإذا ما نظرنا إلى منطقة شرق إفريقيا نجد تواجدًا واسعًا للاستثمار الصينى، إذ أنشئت العديد من الشركات الكبيرة والمتوسطة، فضلًا عن قيامها ببناء حزمة من ألفين و233 كم من الخطوط الحديدية من بينها خط حديدي بصدد الإنجاز فى كينيا للربط بين بلدان شرق إفريقيا، كما قامت ببناء 3آلاف و530 كم من الطرق البرية.

والوجود الصينى فى القارة لم يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل فى إطار تبني الصين لسياسة خارجية تهدف إلى تكثيف وجودها العسكري فى الخارج دلل على ذلك مؤشرين: الأول، رفع موازنتها العسكرية خلال عام 2014م، بنسبة 12.2%، ما يعني زيادة حجم صادراتها من السلاح، حيث حظيت إفريقيا على نصيب وافر فى هذا الخصوص وهو ما أشار إليه السفير الأمريكى السابق فى كل من الصومال وبوركينافاسو "دافيد شين" فى مقابلة له مع صحيفة "لوموند" الفرنسية مطلع مارس 2015م، بقوله:" إن 25% من الأسلحة التقليدية الموجودة فى القارة السوداء صينية الصنع، وذلك مقابل 3-5% في ستينيات القرن الماضي". أما المؤشر الثاني، توسع مشاركتها فى عمليات حفظ السلام، إذ أرسلت الصين 27 ألف جندي على مدى الـ 25 عامًا الماضية للمشاركة فى هذه العمليات، وكان للقارة الإفريقية نصيبًا وافرًا مثال ذلك الكتيبة الصينية فى جنوب السودان فى إطار مهمة الأمم المتحدة فى جنوب السودان (مينوس MINUSS) والتي وصل قوامها إلى 700 جندي صيني لتصبح أكبر وحدة قتالية ينشرها الجيش الصيني على الأراضي الإفريقية.

على الجانب الآخر، تحظى منطقة شرق إفريقيا بأهمية بالغة لدول الخليج العربي، إذ تشكل عمقًا استراتيجيًا لها، حيث ترتبط بها على أكثر من مستوى، نتيجة للجوار الجغرافي، والتداخل البشري، والتفاعل التاريخي والحضاري، نظرًا لوجود أربع دول عربية في هذه المنطقة (جيبوتي –السودان – الصومال – جزر القمر). ومن ثم فإن التطورات المتلاحقة في هذه المنطقة تنذر بوجود تهديدات خطيرة لمنظومة الأمن القومي الخليجي، نتيجة للانفلات الأمني وانتشار الإرهاب والقرصنة، وهو ما فتح المنطقة أمام وجود عسكري دولي وإقليمي – ولاسيما إيران وإسرائيل – إذ يشكل تواجدهما تهديدًا أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا لدول الخليج العربي.

كما تمثل منطقة الشرق الإفريقي المزود الرئيسي لدول الخليج من المعادن التي تحتاج إليها الصناعات الخليجية بما فى ذلك الألومنيوم واليورانيوم اللازم لتشغيل محطات الطاقة النووية المزمع إقامتها فى دول الخليج. كما أن الأمن الغذائي يمثل أولوية لدول الخليج فى الوقت الذي تمتلك فيه دول شرق إفريقيا الأراضي الصالحة للزراعة ومصادر المياه، بما يمكن أن يوسع من حجم الاستثمارات الخليجية في هذه المنطقة بهدف تلبية متطلباتها من المواد الغذائية. الأمر الذي يشكل بدوره قاعدة شراكة اقتصادية تنعكس مردوداتها الإيجابية على الطرفين (الخليجي والشرق إفريقي). وهو ما أدركته دول الخليج واتجهت نحو تنظيم عدد من المنتديات الاقتصادية الخليجية الإفريقية بدءًا من عام 2008م. ولكن، مع تزايد التهديدات العسكرية والأمنية، أضحت ثمة حاجة ماسة لمأسسة علاقات الطرفين على أسس جديدة لا تقتصر على البعد الاقتصادي فحسب. ولعل الجهود المتميزة التي قامت بها السعودية في تخطي السياسة التقليدية والانفتاح بصورة أكبر على شرق إفريقيا، خاصة ما بعد عاصفة الحزم تؤكد على هذا التوجه، إذ يذكر أن العاهل السعودى استقبل خلال عام 2015م، عددًا من رؤساء هذه الدول بهدف تعزيز العلاقات الثنائية معها عبر إبرام عدد من الاتفاقيات فى مختلف المجالات.

جيبوتي ... الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية:

تتمتع جيبوتى رغم صغر مساحتها بمكانة استراتيجية بالغة الأهمية، جعلها محط الأنظار، حيث يعد مضيق باب المندب أحد القنوات الأكثر اكتظاظًا بحركة الملاحة الدولية. كما يعد خليج "توجورة" الذي يدخل عمق البر الجيبوتى بمسافة 61كم منطقة آمنة للإبحار تجاه البحر الأحمر الذي يعد الممر المائي الأكثر أهمية في حركة التجارة الدولية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن موقعها بالقرب من بؤر التوتر أكسبها المزيد من الأهمية في مجال تأمين طرق التجارة ونقطة الانطلاق لمكافحة الإرهاب والقرصنة.

ومن هذا المنطلق، تكتسب جيبوتي أهمية كبرى للأمن القومي الخليجي، نظرًا لقربها الجغرافي من اليمن بما يشهده من صراع دامٍ، إضافة إلى دورها فى تقديم المساعدات الإنسانية التي تمر عبر موانيها القريبة من اليمن، إذ لا يفصلها عنها سوى 22كم. وبالفعل لعبت جيبوتي دورًا مهمًا في الأزمة اليمنية، إذ فتحت مجاليها الجوي والبحري أمام "عاصفة الحزم"، كما ساهمت فى نجاح عمليات السفن والبوارج العسكرية لقوات التحالف العربي في تحرير جزيرة "ميون" اليمنية من سيطرة الحوثيين، فتمت استعادة السيطرة على مضيق باب المندب واستلمته قوات الجيش الوطني اليمني الذي وصل هناك عبر جيبوتي. إضافة إلى ذلك مثلت جيبوتي ملجأً لآلاف اليمنيين الفارين من الحرب، حيث وصل عددهم إلى 13 ألفا.

ولم تقتصر أهمية جيبوتي للأمن الخليجي على هذا فحسب، بل تخشى دول الخليج من تحول المنطقة فى ظل الأطماع الدولية والإقليمية إلى بؤرة للصراعات والحروب والتدخلات المستمرة فى شؤون دولها، خاصة وأن التطورات الإقليمية فى هذه المنطقة برمتها قد توجد مبررًا لهذه القوى لتحقيق أهدافها وتعظيم مصالحها على حساب دول المنطقة وفي مقدمتها دول الخليج، ألم تأت الاضطرابات السياسية فى اليمن بقوى الإرهاب الدولي مثل تنظيمي داعش والقاعدة، وحركات ذات أجندات خارجية مثل الحوثيين؟ كذلك الأمر ألم يؤد انهيار الدولة فى الصومال إلى هيمنة تنظيمات إرهابية على مفاصل الحكم في مقديشو.

ومن ثم، فإنه في حالة تفاقم هذه التطورات وتفاقمها قد تفضي إلى مخاطر التدويل وما يترتب عليه من انتزاع قوى أجنبية لحقوق مكتسبة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي عبر حصولها على قواعد عسكرية ثابتة في الجزر المتناثرة عند مدخل البحر، وما يمثله ذلك من تهديد لأمن وسيادة الدول المطلة عليه، وهو ما أدركته دول الخليج وسعت إلى إعادة ترتيب علاقاتها مع دول شرق إفريقيا خاصة جيبوتى، إذ قدمت السعودية مبلغ قدره 50 مليون دولار كمنحة لدعم برنامج الاستثمار الوطنى لعام 2015م، ضمن إطار مساعدات دول مجلس التعاون لجيبوتي والتي تقدر بــ 200 مليون دولار. كما ساهمت قطر فى تطوير مشروع طاقة الرياح بها. فضلا عن زيادة حجم الاستثمارات الاماراتية في جيبوتي لتصل إلى مليار دولار. كما سبق أن نجحت شركة موانئ دبي العالمية في إبرام عقد امتياز لإدارة ميناء جيبوتى منذ أربعة عشرة عامًا، وإن شهد مؤخرًا أزمة مع الحكومة الجيبوتية للمطالبة بإلغائه. ورغم هذه الجهود إلا أن الأمر يتطلب مزيدًا من التعاون مع جيبوتي خاصة في مجال تعزيز قدراتها العسكرية كما طالب بذلك الرئيس الجيبوتي "عمر جيلة" في نوفمبر 2015 بقوله:" نطالب بمزيد من الدعم لقواتنا المسلحة البحرية ولقوات خفر السواحل بجيبوتي، حتى نضطلع بدورنا المحلي والإقليمي المناط بنا لحماية مياهنا الإقليمية أولا ومن ثم المياه الدولية".

على الجانب الآخر، وفى إطار حرص الصين على توسيع تواجدها وحماية مصالحها في القارة الإفريقية، وتبنيها استراتيجية تكثيف حضورها العسكري سواء أكان تحت مظلة الأمم المتحدة عبر عمليات حفظ السلام، أو بعيدًا عنها حسبما تفرض مصالحها وظروف الأطراف الأخرى. ونظرًا لأهمية موقع جيبوتي الجيبوليتكي في إطار المبادرة الصينية "الحزام مع الطريق" ارتأت الصين أن يكون وجودها مباشرًا فى هذه المنطقة عبر توسيع نفوذها اقتصاديًا، إذ قدمت الصين منذ اليوم الأول لتدشين منتدى التعاون الصيني/ الإفريقي عام 2000م، 16.6 مليون دولار لتمويل مشروعات تنموية في جيبوتي. وكذلك توسيعه عسكريًا بهدف تأمين نفوذها الاقتصادي المتنامي عبر سيطرتها على منافذ بحرية استراتيجية، ولذا، اتجهت لإبرام معاهدة أمنية ودفاعية مع جيبوتي في فبراير 2015م، تقضي بتأهيل القوات المسلحة والشرطة، وكما تم بمقتضاها الشروع في بناء أول قاعدة عسكرية بحرية لوجستية للصين في القارة بأكملها، وذلك تحت مبرر مكافحة القرصنة وضمان أمن مضيق باب المندب، إذ يذكر أن البحرية العسكرية الصينية قامت خلال الثماني سنوات الماضية بعشرين مهمة قتالية قبالة سواحل الصومال وخليج عدن، لكنها واجهت صعوبات فى محطات الرسو وإعادة التموين، ورغم منطقية هذا المبرر وقبوله، إلا أنه ليس كافيًا لتفهم تزايد النفوذ العسكري في المنطقة، حيث يذكر أن مدمرة دبابات صينية شاركت في الاستعراض السنوي بمناسبة يوم الاستقلال الذي نظمته جيبوتي في يونيو الماضي، وهو ما يعزز من النفوذ العسكري الصيني في البلاد.

شرق إفريقيا... تحديات ماثلة للطرفين:

غني عن القول أن الطرفين (الصيني والخليجي) يواجهان تحديات تحد من تحركات كل منهما فى هذه المنطقة. فعلى صانع القرار الصيني أن يدرك أن وجوده فى القارة الإفريقية بصفة عامة وفى شرقها تحديدًا يواجه تحديات، بعضها يتعلق بالاستراتيجية الصينية المتبعة فى القارة، إذ أنه من الصحيح أن الصين قدمت مساعدات كثيرة للبلدان الإفريقية على مدى نصف قرن وأن غالبية هذه المساعدات ذهبت إلى مشاريع تنموية مجتمعية مثل المستشفيات والملاعب ودور الثقافة والجامعات والبنية الأساسية بما ساعد بلا شك في تسريع نمو بعض الاقتصادات الإفريقية التي لديها مواد أولية مثل الطلب الصيني المتزايد عليها مداخيل مهمة لهذه الاقتصادات، إلا أن هذا الوجود الاقتصادي لم يقدم مساعدات بالمعنى المتعارف عليه طبقًا للمنظور الأوروبي الأمريكى، وإنما هذه المساعدات هي في حقيقتها قروض بنسب فائدة ومواقيت سداد غير معروفة، بما يعنى أنها استحقاقات مالية مؤجلة على موازنات معظم هذه البلدان.

من ناحية أخرى، يواجه هذا الوجود أيضًا صعوبات في التواصل مع شعوب شرق إفريقيا نظرًا لحاجز اللغة وأنماط الثقافة السائدة في هذه المنطقة. صحيح أن الصين تسعى إلى نشر لغتها عبر بناء معاهد خاصة تقوم بتدريس لغتها وحضارتها واقتصادها وتاريخها، إذ يذكر أن معهد كونفيشيوس لديه فروع فيما لا يقل عن 22 بلدًا افريقيًا، وتم مؤخرًا تأسيس معهد كونفوشيوس بجامعة "انتاناناريفو" لتأهيل الطلبة المدغشقريين لدراسة اللغة، كما قامت بتنظيم جائزة أطلق عليها جائزة الإسهام البارز في نشر ثقافة الصين لعام 2015 م، في مدغشقر. كذلك الأمر في جيبوتي، إذ أنشئت بها معهدًا للدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية، فضلًا عن تقديمها منحًا للدراسة عبر اتفاقيات مبرمة لتأهيل الكوادر الإدارية العليا فى البلاد، إلا أنه فى المدى المنظور لن تؤتي هذه الخطوات ثمارها في ظل الوجود الفرنسي والأمريكي في المنطقة، الذي يعارض بصورة واسعة هذا الوجود الصيني، الأمر الذي يثير مزيدًا من التوتر في العلاقات الأمريكية ـ الصينية، إذ يذكر أن ثمة تواجد فرنسي فى جيبوتي بموجب اتفاقية عسكرية تضمن وجود ما بين 3800-4500 جندي فرنسي، وفى مارس 2001م، أسست أمريكا قاعدة عسكرية في جيبوتي بقوام 900 عنصر، وتم تجديد عقدها عام 2014م، لمدة عشر سنوات إضافية على الأقل بتكلفة (60 مليون دولار) إضافة إلى تمويل وتدريب الجنود الجيبوتيين، كما أنشأت البحرية اليابانية قاعدة عسكرية بما في ذلك ميناء دائم ومطار لإقلاع وهبوط لطائرات P-3  الاستطلاعية اليابانية.

في غضون ذلك تدرك دول الخليج أن ثمة تحديات أيضًا تواجه تعميق وجودهم في هذه المنطقة، ولعل الوجود الإيرانى يمثل أبرز هذه التحديات، إذ ترتبط إيران بشبكة علاقات مع بعض دول المنطقة منها استئجار بعض الجزر الأريترية (دهلك) واتخذتها ميناء لبحريتها، توسع استثماراتها فى مدغشقر، إذ بلغ حجم استثماراتها أكثر من مائة مليون دولار، فضلًا عن سعيها لبناء سدود لتوليد طاقة كهربائية من مساقط المياه، وكذلك بناء مصاف خاصة بالنفط والتكرير مستفيدة من التقديرات الدولية بشأن الاحتياطي النفطي المقدر بنحو 1.7 مليار برميل طبقًا لتقديرات الوكالة الأمريكية لمعلومات الطاقة. ومما يذكر أيضًا أن القمة الآسيوية الإفريقية الأخيرة التي انعقدت في أبريل 2015م، بالعاصمة الإندونيسية "جاكرتا" كانت برئاسة مشتركة بين إيران ومدغشقر. وفى الإطار ذاته، يحمل الوجود الإسرائيلي أيضا مخاطر جمة على الأمن الخليجي. كما يمثل التدخل التركي لإنشاء قاعدة عسكرية لها فى الصومال في موقع "هابر 7" خطرًا جديدًا لأمن الخليج، إذ من المتوقع أن يعمل في هذه القاعدة نحو 200 جندي، بهدف تدريب نحو 10 آلاف و500 جندي صومالي.

الصين والخليج ... الحاجة إلى التعاون في شرق إفريقيا:

يتضح مما سبق أن ثمة مصالح حيوية واستراتيجية لكل من الطرفين الخليجي والصيني في التواجد بشرق إفريقيا عامة وفي جيبوتي خاصة، كما يتضح أيضًا أن ثمة تحديات تواجه هذا التواجد، وهو ما يفرض على كل منهما أن يدرك حجم مصالح الطرف الآخر من ناحية، وإعادة ترتيب تحركاته بما لا يتعارض مع هذه المصالح من ناحية أخرى، خاصة وأن العلاقات الخليجية ــ الصينية تشهد مزيدًا من التقارب والتعاون خاصة في المجالات الاقتصادية. ولعل ما جرى مؤخرًا بشأن مطالبة الحكومة الجيبوتية بإلغاء الامتياز الممنوح لشركة موانئ دبي العالمية لإدارة ميناء جيبوتي بعد مرور 14 عامًا على عقد الامتياز، إذ رفعت الحكومة الجيبوتية دعوى قضائية ضد الشركة الإماراتية مطالبة بإلغاء عقد الامتياز بحجة أنه يحابي شركة الموانئ بشكل غير عادل. الأمر الذي أعطى انطباعًا لدى البعض لتفسير هذا الموقف في إطار عزم الصين بناء قاعدتها العسكرية في جيبوتي، نظرًا لأن موضوع إلغاء الامتياز لم يثر إلا في العام التالي للخطوة الصينية (2014م). ورغم أن هذا التفسير قد يكون غير صحيح إلا أنه يعكس جزءًا من التخوف بشأن تزايد النفوذ الصيني في هذه المنطقة وتأثيرات ذلك على الوجود الخليجي.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يمثل كل طرف مدخلاً معاونًا للطرف الآخر في تحقيق مصالحة وحماية أمنه القومي. فإذا كان صحيحًا الصين وإيران تربطهما علاقات قوية خاصة وأن مبادرة الصين "الحزم والطريق" تضع إيران محورًا مهمًا فيها، إذ ظلت الصين أكبر شريك تجاري لإيران على مدار الأعوام السبعة الماضية، إلا أنه من الصحيح أيضًا أن المصالح الاقتصادية الصينية مع دول الخليج ربما تتجاوز إيران بكثير، صحيح أن الصين تعتمد على 50% من نفطها على دول الخليج، وأن الخليج يمثل سوقًا مهمًا للصادرات الصينية، فضلاً عن تزايد حجم الشركات الصينية العاملة في دول الخليج، فعلى سبيل المثال بلغ عدد الشركات المسجلة في دبي 3 آلاف شركة العام الماضي مقارنة بـ 18 شركة عام 2005م. إلا أنه من الصحيح أن أهمية الخليج بالنسبة للصين لا تقتصر فقط على كونه سوقًا كبيرًا للسلع الصينية، وإنما يمثل خطوة مهمة للصين في سعيها لانتهاج استراتيجية مضادة للاستراتيجية الأمريكية التي تقوم على احتواء التصاعد الصيني في شرق آسيا، وذلك عبر الوجود في الفضاء الجيواستراتيجى للولايات المتحدة خصوصًا في المناطق التي بدأت تشهد فراغًا استراتيجيًا من الوجود الأمريكي، وذلك في محاولة صينية لتجنب الاصطدام المباشر مع الولايات المتحدة فى شرق آسيا، وتمثل منطقة الخليج نموذجًا متميزًا لتنفيذ هذه الاستراتيجية، خاصة وأن موقعه الجغرافي يجعله بمثابة رابط استراتيجي في المبادرة الصينية بين آسيا الوسطى وإفريقيا هي الأخرى ساحة تسعى الصين لمزاحمة الولايات المتحدة فيها، وذلك على حد التي تمثل وصف وزير الخارجية الجيبوتي بقوله:"الصين تملأ فارغًا، لأن الدول التي كانت من مسؤوليتها تعويض هذا النقص لم تقم بذلك، الأفارقة انتظروا طويلًا أن يأتي الأوروبيون وشركاؤنا العرب لمساعدتهم في عملية التنمية، والصين هي من قامت بهذا العمل".

على الجانب الآخر، يمكن أن تمثل دول الخليج مدخلاً مهمًا يُسهم في تعزيز الوجود الصيني وتوسيع مجالات تعاونها مع دول هذه المنطقة، مستفيدة في ذلك من القرب الجغرافي، إذ يمكن أن تشكل منطقة الخليج ممرًا لتجارة الترانزيت للصادرات والواردات الإفريقية من الصين، وكذلك يمكن الاستفادة كذلك من مساحات التواصل الثقافي والديني واللغوي الذي يجمع بين دول الخليج ودول شرق إفريقيا بما قد يذلل الكثير من العقبات التى يمكن أن تعرقل تعميق التعاون الصيني الإفريقي في منطقة شرق إفريقيا.

دول الخليج في شرق إفريقيا ... استراتيجية جديدة للتواجد:

يظل الدور الأهم ملقى على عاتق دول الخليج في تعزيز تواجدها في هذه المنطقة إذا أرادت أن تكون البوابة الصينية إلى دولها من ناحية، ومواجهة التدخلات الإيرانية والإسرائيلية في شؤون دول هذه المنطقة من ناحية أخرى، وذلك بالإسراع بإعادة ترتيب سياستها فى التعامل مع دولها عبر مجموعة من الخطوات الرئيسة، أبرزها ما يلي:

1-  الإسراع بتأسيس مجلس تعاون للدول المطلة على البحر الأحمر على غرار مجلس التعاون الخليجى (يضم: فلسطين، الأردن، السعودية، اليمن على ساحله الشرقى، ومصر، السودان، اريتريا، جيبوتي، الصومال على ساحله الغربي)، بما يضمن حماية مصالح وأمن هذه الدول من التدخلات. وبما يضمن التعاون بين دوله خاصة استقطاب اريتريا بعيدًا عن وقوعها تحت النفوذين الإيراني والإسرائيلي، يعزز ذلك إذا علمنا أن أغلب سكانها يتحدثون اللغة العربية ويدينون بالإسلام، وهو ما قد يمهد الطريق إلى ضمها للجامعة العربية. وغني عن البيان أن تأسيس مثل هذا المجلس وإن كان سيشكل عمقًا استراتيجيًا لدول مجلس التعاون الخليجي كونه امتدادًا له من النواحي الجغرافية والأمنية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، وذلك عبر خلق منظومة اقتصادية متكاملة بين دوله، كما يمكن دول المنطقة من التعامل مع التدخلات الأجنبية بصورة جماعية وليست فردية. فالصين كفاعل دولي تسعى إلى كسب وجود فى إفريقيا بصفة عامة وشرقها على وجه الخصوص تستفيد كثيرًا فى حالة تعاملها مع كل دولة على حدة، فى حين أن الأمر سيختلف إذا ما نجحت دول البحر الأحمر فى تأسيس هذا الكيان الوحدوى الذي يمثل توجه عام لكل البلدان المطلة على بحار شبيهة.

2-  تأسيس حوار استراتيجي خليجي – شرق إفريقي بمفهومات وصيغ جديدة، إذ تم تجاوز المرحلة التي قام فيها هذا الحوار على أساس المقايضة والمنافع السياسية المتبادلة، وما يتطلبه ذلك من الدخول فى مرحلة جديدة تُؤسس على إقامة شراكة عربية إفريقية حقيقية قوامها المصالح الاستراتيجية المشتركة والقضايا ذات الحساسية لكل من الطرفين. مع إيلاء أهمية خاصة للمدخل الأمني نظرًا لأن هاجس الأمن كثيرًا ما يطغى على التنمية.

3-  تعزيز ومضاعفة الاستثمارات فى الموانئ الإفريقية، مثل ميناء جيبوتي، ميناء بربرة في الصومال، ميناء تاماتاف في مدغشقر، محطة حاويات ميناء مابوتو في موزمبيق، انطلاقًا من أن التعاون البحري سيصبح أحد أعمدة الاستراتيجية الإفريقية الآسيوية الجديدة فى إطار رؤية دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2020م. ويُقترح في هذا الخصوص فتح خط بحري ملاحي بين جازان وجيبوتي نظرًا لأن المشاريع التي يتم العمل عليها بين الجانبين تتطلب ضرورة توفر خطوط ملاحة لخلق توأمة بين موانئ البلدين.  

4-  العمل على إبراز دور دول الخليج في اتحاد التعاون الإقليمي القادم الذي سيقام في أكتوبر 2016م، وذلك بالشراكة مع أحد الدول الإفريقية المرشحة لقيادة إفريقيا في المرحلة القادمة.

5-  التوسع في إقامة الاستثمارات والمشروعات الاقتصادية المشتركة ليحل ذلك محل أسلوب المنح والهبات المالية، لتعميق الصلة بين الطرفين، كما أن الاستثمارات المشتركة ستكون أكثر وفرة من الاستثمارات المنفردة، وهو ما يتطلب أن يكون هناك برنامجًا خليجيًا استثماريًا مشتركًا. كما يُقترح في هذا الخصوص المشاركة الخليجية في البرامج التنموية لبلدان شرق إفريقيا، على غرار البرنامج الذى أطلقته حكومة مدغشقر لمدة أربع سنوات (2015-2019م) لتنمية بنيتها التحتية بتكلفة 163 مليون دولار، إذ يمكن لدول الخليج ضخ الاستثمارات المطلوبة مقابل الاستفادة من الإمكانات المائية الهائلة التي تمتلكها جزيرة الفانيلا الغنية، إذ يبلغ الحجم الكلي للموارد المائية (449) مليار م3 سنويا، إلا أن ضعف البنية التحتية والتوزيع الجغرافي المتفاوت للموارد حال دون حصول الكثير من السكان على هذا المورد الحيوي، فأقل من 50% من السكان يحصلون على مياه الشرب. وفي هذا الشأن يمكن لدول الخليج الاستفادة من تلك المياه لزيادة استثماراتها الزراعية في مدغشقر.

6-  الانضمام للتكتلات الاقتصادية الإفريقية وخاصة بعد إعلان منطقة التبادل الحر ثلاثية الأطراف التي ضمت (الكوميسا والساداك وشرق إفريقيا) في يونيو 2015م، إذ يمكن لدول الخليج الاستفادة من هذه التكتلات في التعاون الاقتصادي المشترك وتعزيز حجم التبادل التجاري على غرار ما قامت به دول الإمارات من تأسيس منتدى المشترين من شرق إفريقيا والذي تنظمه وزارة الاقتصاد الإماراتية سنويًا، ويمثل ساحة للقاء المصدرين الإماراتيين والمشترين الدوليين من دول شرق إفريقيا. وكذلك المنتدى الاقتصادى السعودي- الشرق إفريقي.

7-  ضرورة الاهتمام بالبعد الثقافي والاعلامي في العلاقات الخليجية الإفريقية بصفة عامة ومع دول شرق إفريقيا على وجه الخصوص.

 

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة