انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 107 رؤية وتحليلالعلاقات السعودية ـ المغربية نموذجاً: الشراكة المغاربية ــ الخليجية: تكامل لمواجهة المخاطر الأمنية

العلاقات السعودية ـ المغربية نموذجاً: الشراكة المغاربية ــ الخليجية: تكامل لمواجهة المخاطر الأمنية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 09 أيار 2016

تعتبر العلاقات المغربية السعودية نموذجًا للعلاقات الخليجية المغاربية لعدة اعتبارات، أهما طبيعة النظامين السياسيين، إذ يعتبر المغرب البلد المغاربي الوحيد ذو النظام الملكي، مما جعله أكثر قربًا من الأنظمة الملكية في المشرق العربي. وعند تتبع مسار السياسة الخارجية المغربية تجاه المملكة العربية منذ استقلاله، نجد أن هناك تطابقًا وتوافقًا بين الرياض والرباط في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، العربية والإسلامية، وذلك بالرغم من التحولات التي شهدها النظام الدولي والنظام الإقليمي العربي. إن العلاقات السياسية السعودية المغربية الإيجابية عكستها علاقات التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، خاصة في قضايا الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي الخليجي. الجانب الاقتصادي له أهميته في العلاقات بين البلدين، إذ تعتبر الرياض أحد الداعمين الأساسيين للمشاريع التنموية بالمغرب. 

  1. العلاقات السعودية المغربية بين ثنائية "العربي" و"الإسلامي" 

كانت العربية السعودية من الدول الأوائل التي دعمت فكرة إنشاء جامعة الدول العربية، فبعد اللقاء الذي جمع بين الملك عبد العزيز والملك فاروق في جبل رضوى غرب السعودية، قررت الرياض الموافقة على بروتوكول الإسكندرية عام 1945م. وقبل أن ينضم المغرب إلى الجامعة العربية عام 1958م،كان يتفاعل مع القضايا القومية المطروحة آنذاك، ففي عام 1956م، تجاوبت الرباط مع دعوة الملك سعود لتأييد مصر إثر تعرضها للعدوان الفرنسي البريطاني الإسرائيلي بعد تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس.

وظلت الجامعة العربية هي الحاضن الرئيس لتفاعل السعودية والمغرب مع القضايا القومية، إلى أن بدأت الشكوك والتوتر تدب في العلاقات بين بعض الدول العربية، خاصة بعد الإطاحة ومحاولة الإطاحة بالأنظمة الملكية. فالعلاقات المصرية السعودية عرفت تراجعًا بعد اندلاع الحرب في اليمن ما بين 1962و1970م، والتي انتهت بسقوط المملكة المتوكلية اليمنية وانتصار الجمهوريين. وقبل هذه الفترة سقط الملك فاروق في مصر بعد ثورة يوليو 1952م، وبعدها أسقط "تنظيم الضباط الأحرار" الملك فيصل الثاني الملكية في العراق عام 1958م. وفي المنطقة المغاربية أرغم معمر القذافي محمد إدريس السنوسي على التنازل على الحكم، وتبنى القذافي الأيديولوجية الناصرية، واندفع في السبعينيات إلى إسقاط الملكية في المغرب ودعم "جبهة البوليساريو" الانفصالية في جنوب الممكلة، كما حاول نظام البعث في سوريا دعم الانقلاب في المغرب.

ووسط هذه الأجواء تبلورت لدى العربية السعودية فكرة إنشاء إطار "إسلامي" واسع، تستطيع الأنظمة الملكية عبرها تعزيز شرعيتها وتجاوز الأزمات التي طرحتها الاتجاهات القومية المتشددة داخل الجامعة العربية، وفي هذا الإطار تحرك الملك فيصل بن عبد العزيز نحو عدد من الدول الإسلامية لحشد التأييد لفكرة إنشاء "منظمة المؤتمر الإسلامي"، بما فيها إيران وتركيا وباكستان. ودعم المغرب هذا الاتجاه، واحتضنت الرباط أول مؤتمر للقمة الإسلامية في 20 ديسمبر 1969م، والذي تم الإعلان فيه عن إنشاء "منظمة المؤتمر الإسلامي". وكانت أبرز القضايا التي تم نقلها من الإطار القومي العربي إلى الإطار الإسلامي هي القضية الفلسطينية، خاصة وأن المؤتمر عقد بعد إحراق المسجد الأقصى، وفي عام 1975م، سيتم إنشاء لجنة القدس خلال لقاء القمة السادس لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وسيتم إسناد رئاستها للمغرب بدعم من العربية السعودية ودول أخرى.   

  1. المغرب والسعودية بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي

خلال نهاية السبعينيات من القرن العشرين حصلت تحولات استراتيجية مهمة في المشرق العربي، دفعت بالمملكة العربيةالسعودية إلى البحث عن أدوات جديدة للدفاع عن أمنها القومي. ففي عام 1979م، أسقطت "ثورة الخميني" النظام الملكي في إيران الذي كان يقوده الشاه محمد رضا بهلوي. ونتيجة للتوجهات التي أعلن عنها الخميني وسعيه إلى تصدير "ثورته" إلى الخارج شعرت المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى بالخطر الذي يشكله النظام الإيراني الجديد، على أمنها واستقرارها. وبعد مغادرة شاه إيران البلاد في يناير 1979م، وتوجه نحو المغرب، زار الملك خالد الرباط ما بين 19و23 مايو من السنة نفسها للتنسيق في شأن القضايا العربية وقضية فلسطين، كما تم إنشاء لجنة سعودية مغربية دائمة على المستوى الوزاري برئاسة وزيري خارجية البلدين[1]. وباندلاع الحرب الإيرانية العراقية في سبتمبر 1980م، أضافت أعباء سياسية وأمنية واستراتيجية جديدة على السعودية والخليج العربي، مما نتج عنه إنشاء نظام إقليمي عربي فرعي في مايو 1981م، أطلق عليه بـ"مجلس التعاون الخليجي". 

إن المواقف المغربية والسعودية كانت متناغمة في التعامل مع إيران مباشرة بعد "ثورة الخميني"، ففي الوقت الذي تجنبت فيه السعودية الاصطدام والتعليق العلني على مجريات الأحداث في إيران، اختار المغرب تعيين الدكتور عبد الهادي التازي سفيرًا له في طهران، علمًا أن الأخير ربطته علاقات بآية الله الخميني الذي كان يقيم بالنجف في العراق، بينما كان التازي سفيرًا للمغرب في بغداد. ولكن بعد أن هيمن وقوي الاتجاه الداعي إلى تصدير الثورة في إيران، بدأت طهران تستضيف "الحركات التحررية" والمعارضة في الدول الأخرى، وهكذا تم تأسيس "الجبهة التحررية لشبه الجزيرة العربية" التي أثارت المملكة العربية السعودية وأدى بها إلى الإعلان مباشرة عن دعمها للعراق في حربه مع إيران[2]. ووجد المغرب نفسه مضطرًا أيضًا إلى مواجهة إيران بعد أن فتحت ممثلية لـ"جبهة البوليساريو" الانفصالية في طهران، وحين انعقاد القمة العربية الثانية عشر في فاس عام 1982م، عبر الملك المغربي الحسن الثاني عن استعداد بلاده تنفيذ التزاماته تجاه العراق في إطار معاهدة الدفاع المشتركة العربية، وذلك في حالة عدم استجابة إيران للمطالب العربية واستمرارها في الحرب[3].

ولكن مع اشتداد مخاطر الحرب العراقية الإيرانية بدأت تلوح في الأفق نوع من الدبلوماسية السعودية المرنة تجاه إيران، وذلك في إطار البحث عن تسوية لإنهائها، وهكذا قام وزير الخارجية الراحل الأمير سعود الفيصل بزيارة إلى طهران تباحث فيها مع الإيرانيين سبل إنهاء الحرب العراقية الإيرانية وملفات أخرى[4]. وخلال هذه المرحلة أيد المغرب أيضًا المسعى السعودي لإنهاء الحرب العراقية الإيرانية[5].  

  1. العلاقات المغربية السعودية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي

إثر انهيار الاتحاد السوفيتي تخلخل النظام الدولي الذي كان قائمًا على توازن الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بزعامة واشنطن والمعسكر الشرقي بزعامة موسكو. وفي الوقت الذي اهتزت فيه عدد من الأنظمة في إفريقيا وآسيا والقوقاز، قام صدام حسين بغزو الكويت في أغسطس من عام 1990م، وإعلانها محافظة عراقية، ليشكل بذلك أول وأكبر تهديد للأمن القومي العربي والخليجي، بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية. وحينها لم يكن يرغب الملك فهد بنزول القوات الأجنبية في المنطقة، غير أن عدم استجابة صدام حسين للمطالب العربية بالانسحاب من الكويت أجبر السعودية على القبول بفكرة استدعاء القوات الحليفة لتحرير الكويت. وقاد المغرب بدوره وساطة لتجنيب المشرق العربي حربًا جديدة. وكانت الرباط أول بلد يعلن رفض احتلال العراق الكويت ويطالب العراق بانسحاب قواته. وبعد أن ترجحت كفة الحرب، أرسل المغرب 1200 جندي لحماية الأراضي المقدسة، فضلا عن 500 جندي إلى الإمارات العربية المتحدة.

وفي الوقت الذي اشتعلت فيه نيران الحرب على الحدود الشمالية السعودية بسبب الغزو العراقي للكويت، كان الأمن القومي الخليجي من جهة البحر الأحمر وخليج عدن يتعرض لضغوطات جديدة إثر انهيار نظام سياد بري بالصومال في يناير 1991م، ودخول البلاد مرحلة الحرب الأهلية. وتدخلت الأطراف العربية في تسابق مع أطراف إقليمية أخرى لإيقاف تدهور الأوضاع في القرن الإفريقي، منها المملكة العربية السعودية التي عرضت استضافة مؤتمر للمصالحة الصومالية في الجامعة العربية عام 1992م. وعندما قررت الأمم المتحدة إرسال قواتها   لإيقاف الحرب الأهلية في الصومال، أرسلت السعودية ما يزيد عن 750 من جنودها للإسهام في إعادة الاستقرار في ذلك البلد المنهار. وانخرط المغرب أيضًا إلى جانب المملكة العربية السعودية في تأييد جهود المصالحة، ثم أرسل 1300 من جنوده عام 1993م، ضمن التحالف الدولي في الصومال، وذلك إلى جانب دول أخرى حليفة للسعودية، أبرزها باكستان.

وعمومًا، فإن القضايا الإقليمية والدولية التي طرحت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كانت فيه كل من المغرب والعربية السعودية متناغمة حولها، سواء تعلق الأمر بالغزو العراقي للكويت أو الأزمة الصومالية، أو ملف الصراع العربي الإسرائيلي أو حرب البوسنة والهرسك. وإن أكثر ما يفسر توافق سياسة البلدين، هو تجاوز الرياض والرباط للبعد الدبلوماسي لسفارتيهما، وتعويضها بشخصيتين من القيادتين تتواجدان في دواني القصرين السعودي والمغربي، وهي الفكرة التي سبق أن طرحها الملك المغربي الحسن الثاني في عهد الملك فهد بن عبد العزيز.   

  1. المغرب والسعودية: من سقوط صدام إلى "عاصفة الحزم"

عندما بدأ التصعيد الأمريكي ضد العراق عام 2003م، برز تحد جديد يلوح في الأفق للأمن القومي الخليجي، خاصة وأنه توازى مع الضغوطات الأمريكية على المنطقة العربية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، في الولايات المتحدة. وبالرغم من الآثار السلبية للغزو العراقي للكويت، إلا أن السعودية كانت تبحث عن أفق لتجاوز الأزمة العراقية، ظهر أساسا في قمة بيروت لعام 2002م، وعناق ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز مع نائب الرئيس العراقي عزة إبراهيم الدوري. وقد جاء التحرك السعودي لحل الأزمة العراقية الكويتية بالتوازي مع طرح السعودية للمبادرة العربية للسلام بغية حل القضية الفلسطينية.

ولكن مع الحملة الأمريكية الجديدة ستربك واشنطن المسعى السعودي لحل بعض الأزمات العربية. وبعد أن صار موضوع إسقاط نظام صدام حسين قرارا لا رجعة فيه بالنسبة لإدارة بوش، بدأت الرياض تعد لمرحلة ما بعد صدام للدفاع عن مصالحها ونفوذها في المنطقة ومواجهة التغلغل الإيراني المحتمل. وضمن هذا السياق أيدت السعودية "إياد علاوي" بقوة في ترشحه لرئاسة الوزراء لإبقاء العراق في إطاره العربي. وتفاعل المغرب مع هذا المنحى السياسي وأيد دستور 2004م، وعمل في فترة "علاوي" على المساهمة في إعادة الاستقرار للمؤسسات السياسية، من خلال تدريب الكوادر في وزارتي العدل والخارجية، فضلا عن إبدائه الاستعداد لتدريب قوات الجيش والأمن والدرك والوقاية المدنية[6]. ولتجاوز آثار العنف الطائفي الذي اندلع في العراق طلبت بغداد من رئيس "هيأة الإنصاف والمصالحة" إدريس بن زكري الاستفادة من التجربة المغربية في المصالحة السياسية[7]. أما بخصوص المباردة العربية للسلام، فقد أيدها المغرب، واقترح في القمة العربية بتونس عام 2004م، لإيجاد آلية لتنفيذها، وخلال قمة 2007 م، تم تشكيل فريق عمل لإجراء الاتصالات الدولية لحشد التأييد لـ"المبادرة"، كان المغرب ضمن أعضاء الفريق.   

وبالتوازي مع الأزمة العراقية كان موضوع الملف النووي الإيراني ضاغطًا على الخليج العربي، ونهج المغرب سياسة مؤيدة لبقاء منطقة الشرق الأوسط فارغة من الأسلحة والتهديد النووي، وذلك في تناغم مع الموقف السعودي والمصري وعدد من الدول العربية. الموقف المغربي من المسألة النووية جعل الرباط في مواجهة مع إيران في أكثر الملفات حساسية لسياستها الخارجية، خاصة بعد أن اصطف المغرب إلى جانب المحور الدولي الذي كان يدعو إلى تعديل المادة الرابعة من معاهدة الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل في المؤتمر المنعقد في نيويورك عام 2004م، بالإضافة إلى استضافة المغرب لأول مؤتمر للإرهاب النووي عام 2006[8].  

ترى السعودية أن إيران تحاول زعزعة استقرارها في شرق البلاد عبر البحرين، وفي الوقت الذي صرح فيه مسؤولون إيرانيون بزعم تبعية البحرين لبلادهم اندلعت مواجهة دبلوماسية بين المغرب وإيران، حيث اعتبرت الرباط تلك التصريحات مهددة لوحدة وسيادة دولة عربية، انتهت بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2009م. وخلال الفترة نفسها اندلعت حرب جديدة على الحدود الجنوبية السعودية، إثر المواجهة المسلحة بين الحوثيين المدعومين إيرانيا والقوات اليمنية. ودخلت السعودية في مواجهة مع الحوثيين بتأييدها القوات النظامية اليمنية، وحينها أرسل المغرب قوات خاصة لدعم السعودية في تلك الحرب.

وتطورت العلاقات المغربية / الخليجية عمومًا، والسعودية/ المغربية خصوصًا، بعد الاضطرابات التي تلت سقوط زين العابدين بن علي من السلطة في تونس، وبعد أن امتدت الأحداث إلى مصر وليبيا واليمن، شعرت دول الخليج بضرورة التحرك لحماية أمنها القومي. وإثر ذلك جاءت مبادرة دعوة المغرب والأردن إلى الانضمام لمجلس التعاون الخليجي عام 2011م، انتهت بصيغة "الشراكة الاستراتيجية الخليجية المغربية". وهي الشراكة التي ستجعل المغرب أكثر اندماجًا مع الاستحقاقات الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية الخليجية، تم التعبير عنها بصورة أوضح من خلال المشاركة المغربية في حرب "عاصفة الحزم"، التي أطلقتها العربية السعودية في مواجهة الحوثيين وقوات علي عبد الله صالح بعد انقلابها على شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي. وشهدت العلاقات الاستراتيجية السعودية المغربية نقلة أخرى بعد أن شاركت الرباط في مناورات "رعد الشمال" التي قادتها السعودية آخر فبراير 2016م، وتوقيع البلدين على اتفاقية للتعاون العسكري في ديسمبر 2015م. وتعد الاتفاقية الأخيرة جزءًا من منظومة الاتفاقيات الأمنية والعسكرية الناظمة للعلاقات المغربية الخليجية، خاصة وأن للمغرب اتفاقيات مماثلة مع الإمارات العربية المتحدة. ويذكر في هذا السياق، أنه بالتوازي مع إعلان السعودية إنشائها "للتحالف الإسلامي ضد الإرهاب" في 15 ديسمبر 2015 م، وتأييد الرباط له، سبق للمغرب أن أطلق "مبادرة مجموعة أصدقاء ضد الإرهاب" بالأمم المتحدة تتكون من 30 دولة، تمثل فيها السعودية ضمن المجموعة الآسيوية إلى جانب كل من الهند وباكستان والإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا والأردن.

  1. آفاق التعاون الاقتصادي المغربي السعودي

إن التراكم الذي شهدته العلاقات السعودية المغربية في السنوات الأخيرة توجت بعقد أول قمة بين المغرب ومجلس التعاون الخليجي في 20 أبريل 2016م، حيث تناولت سبل تعزيز الشراكة بين الطرفين، سواء في أبعادها الاستراتيجية والأمنية، أو في أبعادها السياسية والاقتصادية. ويشكل المغرب في هذا الإطار بيئة مناسبة لتدفق الاستثمارات الخليجية والسعودية للمغرب، بحكم عدد من المشاريع التنموية التي أطلقها المغرب، في أفق مشروع التحول إلى دولة صاعدة في إفريقيا. وقد سبق لمجلس التعاون الخليجي أن خصص للمغرب في عام 2011م، غلافًا ماليًا لدعم اقتصاده بلغ 2.5 مليار دولار، لتعزيز الاستثمارات والمبادلات التجارية بين دول الخليج العربي والمغرب.

والواقع، أن الاستفادة المغربية الاقتصادية من الدعم الخليجي جاء أيضًا في سياق التحولات التي شهدتها سياسة الاستثمار الخليجية، إذ بعد التضييقات التي تعرضت لها الأموال الخليجية بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001م، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط، جعل المستثمر الخليجي يفكر في ضخ استثمارات بشكل أكبر في عدد من الدول المغاربية، حيث تركزت قبل 10 سنوات من عام 2013م، على القطاع البنكي والمالي، إضافة إلى البنيات التحتية والسياحة[9]. وفي السنوات السابقة لحكم زين العابدين بن علي كانت تونس تستقطب أزيد من 50% من الاستثمارات الخليجية في المنطقة المغاربية، محتلة بذلك المرتبة الأولى، ثم يأتي المغرب في الترتيب الثاني. ولكن مع أجواء الاضطرابات السياسية في تونس بعد 2011م، ازدادت أهمية المغرب بالنسبة للمستثمر الخليجي والسعودي. ويتوفر المغرب على بيئة تشريعية وقانونية ملائمة لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الخليجية، إذ يرتبط المغرب باتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، فضلا عن اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يمكن أن يكون المغرب جسر لدول الخليج نحو هذه المناطق، وفي هذا الإطار تأتي أهمية الاتفاقية الموقعة بين المغرب والسعودية في يونيو 2014م، لإنشاء خط بحري مباشر بين البلدين، فضلا عن إنشاء صندوق استثماري مشترك يخصص لدعم القطاع الصناعي بقيمة 500 مليون دولار.

  1. آفاق التعاون الاستراتيجي السعودي المغربي

إن آفاق التعاون الاستراتيجي المغربي السعودي الخليجي حدد معالمها العاهل المغربي محمد السادس في الكلمة التي ألقاها خلال القمة الأولى المغربية الخليجية المنعقدة في 20 أبريل 2016م، فقد كان لافتًا أن انتقد بصورة غير مباشرة بعض الدول الكبرى في التخلي عن حلفائهم، فضلا عن السعي إلى تفتيت الدول المستقرة المتبقية من الوطن العربي. وفي هذا الإطار أشار إلى ما تمثله الأوضاع في العراق وسوريا واليمن وليبيا من تهديد على الأمن الخليجي والمغربي، كما انتقد بشكل مباشر وشخصي الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون في مواقفه الأخيرة حول الصحراء المغربية، والتي يرى فيها المغرب انتقاصًا من سيادته على الصحراء، وسعيًا إلى دعم الأطروحات الانفصالية. وكما يرى المغرب أن دولا تخلت عن حلفائها الخليجيين، فإنه ينتقد أيضًا بصورة غير مباشرة حلفاءه الذين يسعون إلى إدامة النزاع حول قضية الصحراء وعدم حسمه، وقد كان ذلك واضحًا في كلمة العاهل المغربي خلال القمة المغربية الخليجية عندما ذكر أن "المغرب ليس محمية لأحد"، وعلى هذا الأساس أشار إلى أهمية تنويع الشركاء والحلفاء، بما فيها الهند والصين وروسيا. وهنا تلتقي التصورات المغربية والسعودية حول مستقبل سياستهما الخارجية، حيث عمدت الرياض أيضًا إلى مزيد من الانفتاح على شركاء جدد، خاصة الهند والصين.

إن التحديات التي يواجهها المغرب والعربية السعودية والدول الخليجية الأخرى، يفرض عليهم توسيع نطاق تعاونهم الاستراتيجي. وإذا كان اليمن وسوريا والعراق وليبيا ساحة أساسية للتعاون الاستراتيجي والأمني بين المغرب والدول الخليجية، فإن إفريقيا تعد أيضا ساحة أساسية للعمل المشترك المغربي الخليجي، لما تمثله من أهمية مستقبلية على الصعيد الاقتصادي والأمني والاستراتيجي. وبالنسبة للعربية السعودية فإن الاهتمام الأوسع بدول شرق إفريقيا يشكل خطًا استراتيجيًا حيويًا لأمنها القومي المستقبلي، وتؤكد الأحداث في اليمن والتنافس الدولي حول خليج عدن أهمية هذا المحور. والملاحظ أن العربية السعودية قد اتخذت خطوات مهمة في الفترة الأخيرة لتقوية حضورها على صعيد الاستحقاقات الاستراتيجية في شرق إفريقيا، أهمها إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي، فضلا عن إشراك الصومال في مناورات "رعد الشمال".

ويسعى المغرب أيضًا في الفترة الأخيرة إلى تطوير علاقاته مع دول شرق إفريقيا، وذلك في سياق التحديات الأمنية وإشكالية الإرهاب التي تعاني منها، إذ عمد إلى ضم علماء من هذه الدول إلى "مؤسسة محمد السادس لعلماء إفريقيا"، التي تأسست في يوليو 2015م، بما فيها كينيا وموريشيوس ومدغشقر والصومال وغيرها، وذلك بغرض التصدي للبنيات التي تؤدي إلى إنتاج التطرف والإرهاب. ونشير في هذا السياق، أنه خلال اللقاء الذي جمع بين وزير الخارجية  المغربي صلاح الدين مزوار برئيس الحكومة الصومالية عمر عبد الرشيد خلال القمة 13 لمنظمة التعاون الإسلامي، طلب الأخير من المغرب المساعدة على تأهيل مؤسساتها الأمنية والاستخباراتية للمساهمة في تعزيز الاستقرار ومحاربة الإرهاب. وسبق أن أرسلت كينيا وفدًا برلمانيًا للمغرب في ديسمبر 2015م، طالبًا الاستفادة من التجربة المغربية في محاربة الإرهاب، علمًا أن كينيا ازدادت أهميتها الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، دلت عليها مثلا اللقاء الأمني الإقليمي لقيادات الشرطة في شرق إفريقيا، والذي عقد في مومباسا خلال أغسطس 2014م، بحضور خبراء أمنيينمنألمانيا وفرنسا والجزائر ونيجيريا وتركيا.

إن التعاون المغربي السعودي في شرق إفريقيا مثلا، يفرض على البلدين في سياق اتفاقية التعاون العسكري الموقعة بينهما الاهتمام بمسألة الأمن البحري والتدريبات المشتركة في هذا السياق، بما فيها خليج عدن والمحيط الهندي، وذلك بغية الرفع من فعالية المشاركة في مواجهة التهديدات الأمنية الآتية من البحر، سواء ما يتعلق بأعمال القرصنة التي تهدد التجارة بين السعودية من خليج عدن إلى البحر الأبيض المتوسط، أو ما يتعلق بالأنشطة الأخرى مثل الإرهاب وتهريب الأسلحة المستعملة في زعزعة استقرار الدول في منطقة الخليج أو إفريقيا. ويقتضي الرفع من الأدوار بخصوص مسألة الأمن البحري الرفع أيضا من الترسانة العسكرية البحرية للمغرب والسعودية، كمًا ونوعًا، وتجاوبًا مع التعقيدات المطروحة على هذا الصعيد. وضمن هذا الإطار تأتي أهمية المساعدة المالية السعودية للمغرب لاقتناء غواصة روسية لتعزيز قواته البحرية[10]، فضلا عن إرسال المغرب لفرقاطة "طارق بن زياد" للمساهمة في المراقبة البحرية في حدود اليمن ومنعًا لتهريب السلاح نحو الحوثيين[11]، هذا إضافة إلى أهمية مشاركة فرقاطة "علال بن عبد الله" التابعة للبحرية المغربية في المعرض الدولي للدفاع البحري في الدوحة خلال مارس 2016[12].

ولقد أصبح المغرب مطالبًا أكثر بالاستعداد للمشاركة في الحفاظ على الأمن البحري الليبي الذي أصبح يشكل أحد اهتمامات دول الخليج أيضًا، كما أن الأمن القومي السعودي والخليجي أصبح مرتبطًا أيضًا بتطور الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا، إذ أن انهيار هذا البلد أو تحوله إلى "أفغانستان شمال إفريقيا" سيجر مصر إلى حرب استنزاف يضعف جيشها، تمامًا مثل ما حصل للجيش الباكستاني حين تم استنزافه بسبب تداعيات الأوضاع المتوترة في أفغانستان. وإن أي تهديد لاستقرار مصر واستمرار الجيش فيها كعمود فقري للدولة، سيضاعف من المخاطر الأمنية والاستراتيجية على الحدود الشرقية للحدود البحرية السعودية في البحر الأحمر. وضمن هذا السياق تأتي أهمية الدعم السياسي المغربي لليبيا في احتضانه لمفاوضات الفرقاء الليبيين في مدينة الصخيرات المغربية، وتوصلهم إلى اتفاق يعيد بناء المؤسسات السياسية. ولكن المسار السياسي غير كاف لتثبيت الاستقرار، إذ أن هناك حاجة ماسة إلى تقوية المؤسسات الأمنية والعسكرية لتأمين الحدود البرية والبحرية، خاصة وأن هناك محاولات لتواجد دولي في الأراضي الليبية بحجة مكافحة الإرهاب والهجرة السرية، أو ربما بغرض تهيئة وضع جديد يمهد إلى شكل من أشكال تقسيم الأراضي الليبية شبيهة بالمسار الذي شهدته الصومال أو العراق. وضمن هذا الإطار تأتي أهمية المساهمة المغربية والخليجية في تقوية أدوارهما لإعادة وتقوية المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية الليبية.

بكلمة، إن التحديات الأمنية والاستراتيجية للمغرب والسعودية تفتح آفاقا واسعة للتعاون بينالبلدين، حاضرًا ومستقبلا، سواء على صعيد منطقة الخليج، أو المنطقة المغاربية، أو إفريقيا. وبناء عليه هناك حاجة ماسة لتطوير آليات التعاون وتطوير الرؤى الخاصة بمستقبل العلاقات الإقليمية والدولية.

 

[1] عادل بن علي الفرحان المورعي،العلاقات المغربية السعودية ودورها في تعزيز الأمن العربي، رسالة مقدمة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في العلوم الاستراتيجية، جامعة نايف للعلوم الأمنية، الرياض، 1436ه/ـ 2015 م، ص: 41.

[2] أنظر "العلاقات الإيرانية ـ السعودية بعد الثورة الإسلامية"، صحيفة صداي عدالت ( صوت العدالة )، عدد 26 غشت 2002، أعيد نشره على موقع البينة الإلكتروني

http://www.albainah.net/Index.aspx?function=Item&id=1487&lang=

[3] "العلاقات المغربية الإيرانية: من القطيعة إلى الانفتاح"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 17 يناير 2011.

http://www.dohainstitute.org/release/948b3475-fb2b-4451-9728-10be4a8273bf#c3 

[4] "العلاقات الإيرانية ـ السعودية بعد الثورة الإسلامية"، مرجع سابق.

[5] عادل بن علي الفرحان المورعي، مرجع سابق، ص: 43.

[6] فرحاوي فؤاد، موقع المغرب في السياسة الخارجية الأمريكية – دراسة في الأبعاد الثنائية والإقليمية في ظل إدارة بوش الإبن، رسالة دبلوم الدراسات العليا المعمقة، كلية الحقوق للعلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، جامعة محمد الخامس – أكدال، 2009، الصفحة: 150- 151.

[7] الحوار مع رئيس هيأة الإنصاف والمصاحة في جريدة الشرق الأوسط، عدد 10320، 1 مارس 2005، ص:5.

[8] فرحاوي فؤاد، مرجع سابق، ص: 264.

[9]Carolyn Barnett , "GCC-Maghreb Relations in a Changing Regional Order",Center for Strategic and International Studies (CSIS), Analysis Paper, August 2013, P:1-12.

http://csis.org/files/publication/130814_Barnett_GCCMaghreb_Web_2.pdf

[10]Tarik El Barakah, “Saudi Arabia to Pay for Submarine Morocco Will Buy from Russia ”.

http://www.moroccoworldnews.com/2015/08/166436/saudi-arabia-to-pay-for-submarine-morocco-will-buy-from-russia-source/

[11] "المغرب يرسل قوات بحرية للمشاركة في الحرب ضد الحوثيين في اليمن"،

http://www.alayam24.com/articles-14362.html

[12]Maneesh Bakshi, “8 warships from 7 countries make majestic appearance, http://www.qatar-tribune.com/viewnews.aspx?n=CC2FD746-B08E-41CB-B292-8B1042EEE2FF&d=20160329

كلمات دليلية

الشركات المعلنة