;
الصفحة السابقة

دراسة تؤكد ضرورة التعايش في ظل الاختلاف العربي ـ الإيراني متغير النخبة الإيرانية تجاه دول الخليج وتشابك دوائر اتخاذ القرار

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 07 حزيران/يونيو 2016

تتأثر السياسة الخارجية بالعديد من المتغيرات التي يرتبط بعضها بالمجال الخارجي في حين يرتبط بعضها الآخر بالواقع الداخلي. ومن هذا المنطلق يمثل النظام والموقف الدولي أحد أهم المتغيرات الخارجية في حين يمثل متغير النخبة السياسية أحد أهم المتغيرات التي أشار إليها منظور السياسة الخارجية؛ حيث يفترض هؤلاء أن أصول وتكوين النخبة السياسية ينعكس بشكل مباشر على قدرة الدول على اتباع سياسة خارجية فعالة ويقصد بالنخبة هنا مجموعة الأفراد التي تمتلك مصادر وأدوات القوة السياسية في المجتمع بحيث تستطيع التحكم في رسم السياسة العامة وصنع القرارات الرئيسية سواء الداخلية منها أو الخارجية. ويتمثل الهدف من هذه الدراسة في تحديد أثر متغير النخبة على السياسة الإيرانية تجاه دول الخليج العربية، حيث تنامى الجدل حول تأثير التغيرات الداخلية في إيران وخاصة في مجال النخبة الحاكمة بين معتدلين ومتشددين على صناعة القرار والخاصة بالسياسة الخارجية الإيرانية تجاه منطقة الخليج العربي التي باتت تشغل حيزًا متناميًا من اهتمامات المحللين السياسيين في إطار المستجدات الدولية والإقليمية. ولاشك أيضًا أن ما يجري في محيط إيران الإقليمي بعد الاحتلال الأمريكي المباشر لكل من أفغانستان والعراق والذي يمس أمنها ومصالحها ويهدد بقاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي كانت آخر الثورات الاجتماعية في القرن العشرين إلى جانب الثورات التي تلتها، لقد وجدت النخبة الإيرانية نفسها أمام تحديات دقيقة ومعقدة في البحث عن الطرق والوسائل التي تحقق التوازن بين مصالحها القومية ومبادئها الإسلامية وتساهم في وضع بصماتها الواضحة على السياسات الإقليمية. ويرى المحللون أن الاتفاق والانسجام في القيادة الإيرانية بين قطبي النظام "القائد والرئيس" سواء كان في المواقف أو في الخطاب السياسي قد يساعد على خلق حالة من التوحد تجاه بعض القضايا الخلافية، وخاصة أن دور إيران ليس بجديد في النظام الإقليمي وبخاصة منطقة الخليج العربي منذ القرن الماضي. ولقد أدى تغير نظام الحكم في إيران من ملكي علماني إلى جمهوري ديني إلى تغير كبير في الصورة التي يظهر فيها الدور أو المشروع الإيراني. وعلى الرغم من التقارب الإيراني مع دول الخليج في بعض القضايا، إلا أن هناك اختلاف حول بعض القضايا الأخرى والتي مازالت عالقة بين الطرفين ومنها قضية الأمن الإقليمي والجزر الإماراتية والبرنامج النووي الإيراني إلى جانب القضايا الحدودية. ولا شك أن للنخبة الإيرانية الدينية دورًا في رسم وصنع السياسة الخارجية سواءً كانت النخبة مختلفة أو متوافقة ولكنها في المحصلة تتحكم بشكل شبه كامل بمسار إيران الخارجي، وخاصة أن إيران تمتلك عددًا من الأوراق الإقليمية وهذه الأوراق تتسم بتكاملها فيما بينها بما يمنح إيران نفوذًا واضحًا وتأثيرًا حقيقيًا في مختلف الملفات وفي سائر القضايا في منطقة الخليج العربي بشكل غير مسبوق والتوظيف الإيراني لهذه الأوراق يخدم المشروع الإيراني الإقليمي الجديد في المنطقة بما يؤثر على الأمن القومي العربي. لذا تحرص هذه الدراسة على إلقاء الضوء على دور وتأثير النخبة في هذا المجال باعتبارها مسؤولة عن اتخاذ القرار سواء كان النظام ديمقراطيًا أو استبداديًا. فليس بوسع أي قيادة سياسية مهما بلغت قوتها وسيطرتها أن تحكم بمفردها إدارة شؤون الدولة. فالعملية تبدو في غاية الصعوبة في حالة انعدام وجود صفوة أو نخبة تشارك في توجيه وصنع القرار. تتمثل المشكلة البحثية التي يعالجها الموضوع في محاولة التعرف على أثر متغير النخبة على السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول الخليج، وذلك من خلال الإجابة على سؤال أساسي يتمثل في كيفية تأثير قضايا معينة في السياسة الخارجية ومواقف فئات وقطاعات مختلفة من النخب الإيرانية سواء أكانت محافظة أو ليبرالية أو دينية أو سياسية. وقد جاءت أهمية الدراسة من الاعتبارات التالية:1- التعرف على مجمل علاقات النخبة الإيرانية ودراسة أثرها على السياسة الخارجية من خلال البحث في طبيعة النظام السياسي ودور النخبة في إحدى دول العالم الثالث.2- عدم وجود دراسات سابقة عن النخبة السياسية الإيرانية، وبالتالي تأتي هذه الدراسة في محاولة لإلقاء المزيد من الضوء حول هذا الموضوع .3- تستهدف الدراسة توفير قاعدة بيانات حول أعضاء النخبة السياسية الإيرانية في المرحلة الممتدة من (1989-2009م) من أجل فهم أفضل وتقديم دراسة منهجية للسياسة الخارجية الإيرانية وخاصة اتجاه القضايا المشتركة بينها وبين دول الخليج العربي . وقد تم وضع بعض الأسئلة البحثية المهمة لتفسير السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول الخليج وهي كالتالي: 1-ما هي أصول تكوين النخبة السياسية ؟2-ماهي مصادر تجنيد النخبة السياسية ومعدل دورانها ؟3-ماهي علاقتها مع باقي القوى السياسية؟ 4-ما هو شكل النظام السياسي الإيراني ودور النخبة الإيرانية في تشكيل هذا النظام؟ 5-هل هناك تجانس بين النخبة السياسية الإيرانية؟ 6-ما هي آليات العلاقة بين هذه النخبة السياسية والسياسة الخارجية؟7-إلى أي حد نجحت النخبة الإيرانية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الإيرانية وبالذات في منطقة الخليج العربي؟ كما اعتمدت الدراسة على منهجية علمية تمثلت في استخدام منهج النخبة في دراسة النخبة الإيرانية ذات الصلة بالسياسة الخارجية من خلال أسلوب المناصب الرسمية، كما أن تشكيل التوجهات ورسم السياسة العامة تكون عادة بيد القلة القليلة، فالنخب هي التي تشكل رأي الناس حتى وإن كانت تلك المجتمعات أكثر ديمقراطية؛ لكون أكثر من يشكل الناس هو رأي النخبة التي تمتلك مصادر وأدوات القوة السياسية في المجتمع بحيث تستطيع التحكم في رسم السياسة العامة وصنع القرارات الرئيسية سواء الداخلية منها أو الخارجية. وقد استخدم كذلك منهج تحليل النظم (System Analys) ويقوم هذا المنهج على افتراض أن النظام هو تفاعل بين وحدات معينة وأنه مجموعة من العناصر المترابطة والمتفاعلة وتعتبر وفق تصور ديفيد استون هو أن كل نظام يتلقى المدخلات من البيئة المحيطة به داخليًا وخارجيًا، هذه المدخلات إما أن تكون تعاونية أو صراعية، فيتفاعل معها بطريقة التحويل عبر مايتم داخل مؤسسات النظام السياسي والوحدات المكونة لهذا النظام من تفاعلات تجاه هذه المدخلات وينتج عنها مخرجات في صورة قرارات أو سياسات أو مواقف صادرة عن هذا النظام .فترة الدراسة (النطاق الزمني) : تغطي الدراسة الفترة مابين عامي (1989 – 2009م) وتمثل هذه الفترة تغييرًا في الرئاسة الإيرانية منذ حكم الرئيس الذي اتسم بقدر من البراجماتية هاشمي رافسنجاني (1989-1997)، والرئيس الذي عرف بالاعتدال محمد خاتمي (1997-2005م) ، وأخيرًا الرئيس الذي تعددت مواقفه المتشددة أحمدي نجاد (2005-2009م).تقسيم الدراسة : وقد تم تقسيم الدراسة إلى فصل تمهيدي وأربعة فصول تناول الفصل التمهيدي التأصيل النظري والمفاهيمي واستعرضته من خلال ثلاثة مباحث. يتمثل المبحث الأول في مفهوم التعريف بمفهوم النخبة والاتجاهات والمداخل لدراسة النخبة السياسية وكذلك إلى تكوين النخبة ودوران النخبة وأخيرًا اقترابات تحديد النخبة في التحليل السياسي المقارن وفى المبحث الثاني تناولت فيه مفهوم السياسية الخارجية ومحددات السياسية الخارجية والعوامل الفاعلة في صنع السياسة الخارجية. أما المبحث الثالث فقد تم التطرق إلى مفاهيم أخرى مرتبطة بالدراسة مثل مفهوم الأمن الإقليمي ومفهوم التعاون الدولي ومفهوم الصراع الدولي. أما الفصل الأول والمخصص للإطار البنيوي للنخبة الإيرانية فقسم إلى ثلاثة مباحث عرض في المبحث الأول الأصول التاريخية للنخبة الإيرانية أما المبحث الثاني استعرض تطور وتكوين النخبة الإيرانية وموقع النخبة الدينية وتأثير نخبة البازار، وفي المبحث الثالث الأصول الفكرية للنخبة الإيرانية وتم فيه استعراض المدارس الفكرية الدينية والنخب ومراكز القوي داخل السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي الفصل الثاني من الدراسة تناول محددات السياسة الخارجية الإيرانية تجاه منطقة الخليج العربي حيث تناول المبحث الأول المحددات الداخلية وفيه تم تناول المحدد الجغرافي والسياسي والديني والعسكري والاقتصادي وأخيرًا المحدد القومي. أما المبحث الثاني تم من خلاله دراسة المحددات الإقليمية التي أثرت على الدور الإيراني في منطقة الخليج. قيام مجلس التعاون الخليجي، حرب الخليج الأولى، حرب الخليج الثانية، الصراع العربي الإسرائيلي، وقضية الجرف القاري، وكما تطرق المبحث الثالث للمحددات الدولية. وفي الفصل الثالث تم التطرق إلى موقف النخبة الإيرانية من بعض القضايا المثارة في منطقة الخليج العربي من خلال ثلاثة مباحث. المبحث الأول رؤى النخبة الإيرانية للأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي. أما المبحث الثاني تم تناول النخبة الإيرانية وقضية الجزر الإماراتية. وفي المبحث الثالث تم دراسة موقف النخبة الإيرانية من البرنامج النووي. وفي الفصل الرابع تم استعراض رؤية النخبة الإيرانية لمسار التعاون في منطقة الخليج العربي وتم تقسيم الفصل إلى ثلاثة مباحث رئيسية، يتناول المبحث الأول النخبة الإيرانية والتعاون الاقتصادي في الخليج العربي. ويتناول المبحث الثاني النخبة الإيرانية والتعاون الثقافي في الخليج العربي. ويتناول المبحث الثالث موقع القضية الفلسطينية من السياسة الإيرانية وأثر ذلك على العلاقات الإيرانية الخليجية. خاتمـــة حاولت الدراسة الإجابة عن تساؤل رئيسي يتمثل في كيفية تأثير قضايا معينة في السياسة الخارجية الإيرانية ومواقف فئات وقطاعات مختلفة من النخب الإيرانية سواء محافظة أو ليبرالية أو دينية أو سياسية. وإلقاء الضوء على النخبة الإيرانية خلال الفترة من 1989 إلى 2008 م، من خلال خلفياتها الاجتماعية ومعايير تجنيد أفرادها وتوجهاتهم سواء كانت محافظة أو إصلاحية وخاصة في ظل الازدياد المطرد في النفوذ العسكري والاقتصادي وتراكم الخبرة الإيرانية في التعامل مع القضايا الإقليمية. وبشكل عام اعتمدت النخبة الإيرانية منهجًا مستندًا إلى متطلبات المصالح القومية الإيرانية في رؤيتها لصياغة السياسة الخارجية لذا كانت متوافقة مع الفرضية الأساسية للدراسة وهي كلما تجانست النخبة السياسية كلما زاد تأثيرها على السياسة الخارجية وفي هذا السياق سعت الدراسة إلى الإجابة على تساؤلات الدراسة التي تمحورت حول التعرف على خصائص النخبة الإيرانية وأثرها على السياسة الخارجية تجاه دول الخليج. وقد انتهت الدراسة بصدد هذه القضايا إلى ما يلي:-1- يعتبر رجال الدين في إيران نخبة مؤثرة على مجمل الأحداث على مر العصور وبشكل واضح مع تأسيس الدولة الصفوية التي اتخذت من التشيع المذهب الرسمي للدولة ويمثل التجار (البازار) نخبة اقتصادية وسياسية مؤثرة وهي الممول والداعم للمؤسسة الدينية ولها دور كبير في حماية النظام من أي تحديات ومؤثرات خارجية تهدد البناء الاجتماعي والديني في إيران، ونجد أن ذلك جليًا في الاهتمام الكبير الذي حظي به الملف النووي الإيراني من قبل التجار والمتحالفين مع الجناح التقليدي من التيار المحافظ حيث تمثل الحوزات الدينية في إيران الأساس والركيزة الأساسية لتكوين النخب وتنشئتها مما جعلها تستقطب الجماهير الإيرانية خارجها من ناحية وتربى قيادات جديدة لها وزنها وهو ما جعل الحوزات الدينية في إيران أشبه بقلاع حصينة قاومت العديد من الضغوط التي مارستها الحكومات المتعاقبة.2- اتسمت النخبة الإيرانية بالانغلاق نوعًا ما لانخفاض معدل دورانها، حيث لم يكن التغيير في بعض أفراد النخبة انعكاسًا للتغيرات في القوى السياسية والاجتماعية بقدر ما كان تغييرًا في الأشخاص الذين ينتمون إلى نفس التيار. لذا نجد بعض الوزراء يقبلون بمنصب أقل وبكثير من منصب الوزير، فالمكسب والخسارة ليس متعلقًا بالوجود في المناصب الكبيرة من عدمه وتعتبره النخبة دليلاً على روح الثورية كما أن السوابق الناجحة في المجالات التنفيذية والسياسية تعتبر من المعايير المنظمة لتحديد مكانة أي فرد.3- لقد عملت الثورة الإيرانية على إيجاد إطار مؤسسي ينظم علاقات القوى في داخله حيث أفرد دستور الجمهورية الإسلامية الكثير من مؤسسات النظام الحديثة لتتوافق مع أهداف ومبادئ الجمهورية الإسلامية للمحافظة على استمراريتها وديمومتها، وقد أرتبط ذلك بالطبيعة الدينية للنخبة الإيرانية التي كانت تخشى من التأثيرات الليبرالية فعمدت للسيطرة على التنظيم السياسي الرسمي للدولة.4- تتنازع النخب الإيرانية توجهات وانتماءات مختلفة بين ما هو إسلامي وفارسي حيث أن الشعور القومي الفارسي يكاد يكون واضحًا في أوساط النخب السياسية ورجال الدين على الرغم من إيمانهم بالعقيدة الإسلامية التي تؤكد على الأخوة والمساواة ، فإنهم يرون أفضلية الإيرانيين وتميزهم على باقي الشعوب الإسلامية الأخرى. كما أن التعدد الكبير في عدد القوى السياسية الإيرانية واختلاف الرؤى حول الكثير من القضايا والسياسات الداخلية منها والخارجية أدى إلى أن تتجاذب فيها المصالح الأيديولوجية والاعتبارات الإسلامية إلا أن هذا التباين والاختلاف كانت المحصلة النهائية تصب في المصلحة القومية للجمهورية الإسلاميةحيث نجد اتفاقًا نخلصه في الآتي:‌أ( تشترك النخب الإيرانية فيما بينها على أن السبب الرئيسي للتوتر في منطقة الخليج العربي هو وجود القوات الأجنبية ، هذه الرؤية للنخب الإيرانية نجدها واضحة من خلال التصريحات والخطابات التي تصدر بين الحين والآخر). ب  (إن التحليل الدقيق لتوجهات النخب الإيرانية حول الجزر الإماراتية المحتلة يعد مهمًا حيث يتضح أن هناك اتفاقًا حول أحقية إيران بالجزر الإماراتية وأنها جزء لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية وهو بلاشك تشدد قد يؤدي إلى اندلاع صراع في المستقبل أو على الأقل سيكون له دور في إثارته، والخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين ينحصر فقط في أسلوب التعامل مع هذه القضية).‌ج (هناك إجماع بين النخب الإيرانية على أهمية تطوير البرامج النووية، فعلى الصعيد الداخلي يلاحظ أن المشروع النووي الإيراني أصبح مشروعًا نوويًا قوميًا وقضية اتفاق بين الإصلاحيين والمحافظين، حيث تعتقد الأغلبية من النخب في إيران بأن السلاح النووي يعد ضمانة وحماية للجمهورية الإسلامية). إن الانسجام والتوافق بين النخب الإيرانية هو انعكاس لمساهمات المؤسسات المختلفة وتأثيرات المجموعات ذات المصالح بالإضافة إلى هيكلية صنع القرار مشاورات المرشد الأعلى مع شبكة رجال الدين التابعة له في قم (وفي أمكنة أخرى) وأن القرارات المتخذة من قبل المرشد الأعلى تعكس اتفاق عملي وشبه حقيقي بين مختلف القوى وهو مازاد من فاعلية السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول الخليج.5- النخبة الإيرانية في رؤيتها لمسار التعاون مع دول الخليج العربي، حيث يظل مستقبل التعاون الاقتصادي مرهونًا ببلورة رؤية واضحة لكيفية تعظيم الاستفادة من علاقات الجوار وما توفره من فرص عديدة لدفع عجلة التنمية في إيران، وستظل إشكالية العلاقة الدائرية بين القضايا الاقتصادية والأمنية تلقي بظلالها على مستقبل العلاقة بينهما، فتارة يتم تصعيد القضايا الاقتصادية لتنمية العلاقة بينهما، وتارة أخرى يتم تصعيد القضايا الأمنية، وهذه العلاقة الدائرية تجهض كل محاولات إرساء علاقات اقتصادية واضحة بين الطرفين. على الرغم من أن العلاقات الثقافية والدينية كانت محورًا رئيسيًا للخلاف بين إيران ودول الخليج العربي منذ الثورة الإسلامية، إلا أن ما انتهت إليه الأمور من تطور إيجابي كبير في العلاقات الثقافية بينهما يوحي بأن العلاقات قد تشهد تطورًا أكثر في المستقبل ويعتمد التطور على الرؤية التي تطرحها النخبة لهذه العلاقة وكيفية تطويرها وأيضًا كيفية تجاوز الخلافات بينهما. وقد شهدت العلاقات مناخ إيجابي لتطوير هذه العلاقات من منطلق قاعدة سياسية مهمة مفادها أن العلاقات غير السياسية مثل، الاقتصادية والثقافية تعد مدخلاً لخلق علاقات سياسية قوية، وتمهد الطريق لتجاوز الخلافات الجوهرية في علاقات الدول حيث أن العلاقات تضم شرائح من النخب المختلفة تكون رأيًا عامًا وقويًا ومساندًا للنخبة السياسية في قراراتها السياسية والاستراتيجية، مما يجعل صانع القرار ينظر إليها بعين الاعتبار عند إقدامه على اتخاذ أي قرار قد يضر العلاقات بين البلدين. استمر نهج النخبة الإيرانية من محافظين وإصلاحيين في التعامل مع القضية الفلسطينية وفقًا للمبادئ والأسس التي أوحى بها الخميني، والتي تتلخص في الدعوة لمحاربة الصهيونية ودعم الكفاح الفلسطيني لتحرير كامل الأرض ومحو إسرائيل، كفريضة لا يمكن التهاون فيها. وبالرغم من الثوابت الأيديولوجية لدى النخبة الإيرانية تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أن هناك اختلافًا في أدوات وآليات التعامل مع هذه القضية ما بين التصعيد والتهدئة وفقًا لمتغيرات كل مرحلة والظروف الدولية والإقليمية القائمة. إذًا فنحن أمام ثابت أيديولوجي ومتغير براجماتي. وأخيرًا بدت تتضح معالم لقوى مختلفة عن النخب التقليدية جديرة بالدراسة في إيران فالجماهير التي أسقطت إمبراطورية الطاووس الشاهنشاهي تعود إلى الشارع من جديد لتعبر عن رفضها للنظام والكل تابع وشاهد ماجرى من أحداث أخيرة في إيران 2009 م، من مسيرات واحتجاجات ومصادمات بين قوات الأمن والمواطنين الإيرانيين العزل. القضية لم تكن بنجاح أحمدي نجاد برئاسة الجمهورية فقط وإنما كانت تداعيات لإخفاقات حكومية على أصعدة مختلفة إضافة إلى الشبهات التي واكبت الانتخابات وفشل الحكومة في القضاء على مشاكل البطالة والنمو الاقتصادي المتردي في بلد يملك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم بعد السعودية. وكذلك النقمة المتزايدة من تصريحات أحمدي نجاد في المؤتمرات الدولية والتي يطلقها بين الحين والآخر مما أدى إلى أن تعيش إيران في عزلة سياسية داخل المجتمع الدولي وهذا الأمر الذي يرفضه الكثير من الإيرانيين وخاصة أصحاب التوجهات الإصلاحية ورغبتهم في الانفتاح على العالم ومد جسورالصداقة والتعاون بين إيران وبين محيطها الدولي والإقليمي. كما أن آراء ميرحسين موسوي السياسية لاقت قبولا لدى الجيل الجديد من الشباب الإيراني المتطلع للتغير والذي استطاع في تجارب تاريخية سابقة من تغذية الحراك السياسي والاجتماعي في مجتمع ينبض بالحياة مثل المجتمع الإيراني كما حدث في ثورة الخميني حيث قام المتظاهرون بوضع الورود أمام فوهات البنادق وهم يرددون أيها الجندي لاتقتل أخاك ولم تمنع الطائرات العمودية والقصف الدموي ملايين المتظاهرين من إحداث التغير وإنجاح الثورة التي تعتبر آخر ثورة اجتماعية في القرن العشرين. ولكن الذي يسترعي الانتباه والملاحظة وأيضًا المراجعة أن الانتقادات لم تقف عند حدود رئيس الجمهورية فقط بل طالت أعلى وأقوى منصب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ألا وهو المرشد الأعلى واتهم بالانحياز التام للرئيس المنتخب أحمدي نجاد وجاءت تلك الأصوات المعارضة على لسان أقطاب دينية وسياسية إيرانية لها وزنها وتأثيرها في الساحة الإيرانية من أمثال رجل الدين المعارض آية الله حسين منتظري وآية الله يوسف صانعي من قم وآية الله أميني إلى جانب كل من ميرحسين موسوي ومهدي كروبي ومن المعروف أن مكانة المرشد أو "الولى الفقيه " في الفقه السياسي الإيراني " تعتبر أعلى السلطات في إيران، وسقف صلاحيات المرشد لا تحدها حدود قانونية ويعتبر الفقهاء في الجمهورية الإسلامية حكام على الملوك وإن كان السلاطين على قدرة من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في أعمالهم وأحكامهم على الفقهاء بهذه الحالة يكون الحكام هم الفقهاء ويكون السلاطين مجرد عمال لهم ومن الصفات التي يجب أن يتصف بها الحاكم الأعلى الفقيه العلم بجميع الأحكام الإسلامية فالإمام في زمان الغيبة هو الفاضل العالم بالأحكام والقوانين وعادل في إنفاذها. إن تداعيات الأحداث في إيران يمكن تسميتها مجازًا ثورة على الثورة فقد كان الفقهاء في السابق يتدخلون عندما تواجه النظام أزمة داخلية ويتدخلون للإصلاح ولحماية الشعب وحقوقه الدستورية من بطش السلطة ويتصدون للدفاع عن المعتقدات الدينية للشعب الإيراني ولكن ما حدث في الانتخابات السابقة هو أن المرشد الأعلى علي خامنئي يقر بشرعية الانتخابات ويطلب من الشعب الإقرار بنتائج الانتخابات ويكون الرد من الشارع هو الرفض القاطع لتوجيهات المرشد. وهذه المواقف والمعالجات التي تمت من السلطة الدينية لم تكن بقوة وإلزامية سابقاتها من حيث قوة ونفوذ الفقهاء أمام شرعية السلطة سواء بالإقرار أو التنحية ومن تلك الحوادث صدام الشاه عباس "العظيم" مع الملا أحمد أردبيلي 1629م، حيث حمل خطاب الفقيه الموجه إلى شاه إيران الكثير من التعنيف والوعيد ممايدل على عظم وقوة المؤسسة الدينية حيث حذره من عواقب الإخلال بشروط الثقة المستمدة من الحق الإلهي بالنيابة عن الإمام الغائب مما جعل الشاه يتراجع عن بعض مواقفه الغير دستورية. وفي عام 1891م، يصدر فقيه من سامراء بالعراق فتوى تحرم التبغ...ببضع كلمات فقط قال فيها الميرزا الشيرازي (التدخين الآن حرام وبمثابة محاربة لإمام الزمان) يهتز لها البلاط الشاهنشاهي في طهران وتلغى علىأثرها اتفاقية وقعها الشاه مع أحد التجارالبريطانيين ولايجد الشاه بدًا من الانصياع لتلك الفتوى التي سرت بقوة في كافة أنحاء إيران. كما أن بدايات الثورة جاءت على يد الخميني الذي أطلق صرخة مدوية أمام مناصريه في قم ينتقد النظام الحاكم وتخليه عن الدستور وقال إن الشعب مستعد لما هو أبعد من الإضراب ولن يكتفي بالتظاهرات السلمية وأنه سيقف أول المدافعين عن الشعب وحقوقه الدستورية حاملا كفنه بين يديه لكي يتحقق للشعب استقلاله فتتحرك الحشود المليونية ضد سلطة الشاه مما أدى بالتالي إلى إسقاطه وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية. إن ما يحدث في إيران من استقطاب بين المعسكرين الإصلاحي والمحافظ والاتهامات المتبادلة على خلفية الانتخابات الأخيرة لن يقتصر على الوضع الداخلي فقط بل سيتعدى لما هو أبعد في اهتزاز وشرعية أخطر وأعلى مؤسسة في الجمهورية الإسلامية في حال استمر الاحتقان وزادت التجاذبات مما قد يهدد النظام وربما يؤدي إلى تقويضه في حالة عدم توصل الأطراف الإيرانية الإصلاحيين والمحافظين من إيجاد صيغة توافقية للخروج من الأزمة القائمة .مقترحات لبدء مرحلة جديدة للتعاون مع النخب الإيرانية:- إنشاء مراكز متخصصة تعمل على دعم البحوث والدراسات باتجاه ما يعزز التقارب ويكشف عن المزيد من نقاط اللقاء والتعاون بين العرب والإيرانيين تاريخيًا ومستقبلاً.- التعاون وفتح قنوات اتصال مع جميع النخب الإيرانية وخاصة المعتدلة في الطرح والفكر من خلال تشكيل لجان عربيةـ إيرانية من النخب والمثقفين وأن تكون قادرة على التأثير لتقريب وجهات النظر حول القضايا الخلافية وخلق مناخ نفسي للتقارب العربي ــ الإيراني من خلال الحوار وتبادل وجهات النظر.- العمل على صيانة الروابط الروحية والحضارية العميقة بين العرب والإيرانيين وإعادة قراءتها قراءة مشتركة، وتشجيع محاولات التقريب بين المذاهب الإسلامية لتجاوز السلبيات والعمل على تصحيح صورة الإسلام وإزالة ما لحقها من تشويه سواء في خطابه أو في توضيح رؤاه حول القضايا المعاصرة المختلفة.- يجب العمل على تقوية المجتمع المدني في المنطقتين العربية والإيرانية من خلال الزيارات المتبادلة وإقامة المعارض المشتركة .- تشجيع التعاون الاقتصادي والنفطي وتوفير الثقة المتبادلة والمناخ الملائم للعمل الاقتصادي ولتبادل المصالح المشتركة بما يعود بالخير لشعوب المنطقة.- الاستقطاب الإعلامي للنخب الإيرانية وتسليط الضوء عليها وتبادل الدعوات الصحفية بين الإيرانيين والعرب وتقوية التعاون في المجالات الثقافية فكل الأبحاث والدراسات والنتاجات الفكرية والفنية والسياسية والاقتصادية كانت تترجم بين هذه النخب عبر الترجمات الغربية.- وأخيرًا يجب أن تدرك جميع الأطراف قيادة وشعوبًا ضرورة التعايش في ظل الاختلاف، نحو مستقبل تتكامل فيه تكاملا خلاقًا ولن يتحقق ذلك إلا من خلال النوايا الصادقة وحل جميع القضايا العالقة بين إيران ودول الخليج. 

كلمات دليلية