;
الصفحة السابقة

إيــران تفشل في اختراق العلاقات الجزائرية ـ السعودية

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 07 حزيران/يونيو 2016

بعد أن أعاد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة العلاقات الجزائرية الإيرانية إلى سابق عهدها بعد توليه الحكم عام 1999 م، كان علينا انتظار مرور عشر سنوات لعقد الدورة الأولى للجنة المشتركة العليا الجزائريةـ الإيرانية في طهران عام 2010م،  والتي لم تحدث الأثر الملموس الذي يمكن أن يرضي تطلعات الطرفين نحو ترقية علاقات التعاون الثنائي خاصة في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والأشغال الكبرى حيث لم يتجاوز حجم التبادلات الثنائية 50 مليون دولار عام 2011 م، ثم توالت الظروف الدولية بين العوامل الإيجابية في شكل وفرة مالية كبيرة من عوائد تصدير النفط والغاز بالنسبة للجزائر، والسلبية بالنسبة لإيران بعدما فرض المجتمع الدولي مستوى من العقوبات الاقتصادية الدولية عليها بسبب نشاطها النووي، وفي ديسمبر2015م، انعقدت الدورة الثانية للجنة العليا المشتركة بالجزائر ولكن في ظروف اقتصادية سيئة للبلدين حيث تأثر الاقتصاد الجزائري كثيرًا بانخفاض أسعار البترول في السوق العالمية وأعلنت الحكومة حالة التقشف، كما أثرت العقوبات الاقتصادية على البنوك الإيرانية فتراجع حجم مبادلات التجارة الثنائية إلى 7.5 مليون دولار عام 2014 م، وأصبح عدد الشركات الإيرانية في الجزائر ضئيلًا جدًا كما لا يوجد تبادل تجاري أو مشاريع اقتصادية مشتركة، ثم اعترف السفير الإيراني لدى الجزائر رضا عامري بوجود عقبات وعراقيل بيروقراطية في الإدارة الجزائرية يتوجب رفعها ثم اقترح وزير الطرق وتهيئة المدن الإيراني عباس أخوندي بضرورة تعيين مستوى تنموي وتحديد الأرقام التي يجب تحقيقها خلال عام 2016 م، ووضع آلية لمتابعة كل ما يتم الاتفاق عليه في مجال التعاون الثنائي وكان مفهوم أن لدى إيران تلهف على ضمان وجودها كطرف فاعل ومؤثر بالجزائر في أسرع وقت ممكن  ويتضح ذلك من خلال توقيعها  على عدد من الاتفاقيات للتعاون والشراكة في مجالات تهيئة المدن والصناعات الكيماوية والسكك الحديدية وهو ما تم  بناء على آمالها العريضة وهي على مقربة من رفع العقوبات الدولية عنها بداية من عام 2016 م، أن يتوفر لها من العوائد المالية ما يمكنها من رفع إمكانياتها لتجاوز أسباب ضعف تعاونها الاقتصادي مع الجزائر، ولرفع كفاءة مؤسساتها لإبرام اتفاقات شراكة بين مؤسسات البلدين في مجال تحويل التكنولوجيا والمعرفة في القطاعات الصناعية وذلك في إطار ما توصل إليه منتدى رجال الأعمال الجزائري الإيراني الذي انعقد بالجزائر في 17 ديسمبر 2015م، ولكن في قرار مفاجئ للحكومة الجزائرية بدا غير منسجم مع الأوضاع الداخلية الحرجة والظروف الدولية الصعبة تم الإعلان عن حظر منح الشركات الأجنبية صفقات مشاريع البنية التحتية والبناء..  واتخاذ جملة إجراءات تحفيزية لتعزيز نشاط الشركات الجزائرية القائمة، وبعضها تشجيعية لكبرى المؤسسات لولوج عوالم التكنولوجيا المتطورة والعلوم والمعرفة، وأخرى تسهيلية لإنشاء المزيد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وكلها مغلفة بحزمة من الإغراءات كتخفيف الأعباء الضريبية والالتزامات الاجتماعية بهدف تكريس مبدأ الاعتماد أولا على القدرات الذاتية والإمكانيات المحلية وتفضيل المؤسسات الوطنية حتى ولو كانت متواضعة في الخبرة العملية والقدرات الفنية، وهو ما وضع أكثر من علامة استفهام أمام:

 أولًا، مدى قدرة الجهاز الإنتاجي الجزائري على الوفاء بالاحتياجات الأساسية ومدى كفاية الموارد المالية الممكن حشدها في ظل بداية تسجيل العجز في الميزان التجاري وثانيًا، ما مصير مشاريع الشراكة الأجنبية المتفق مبدئيًا عليها وما مستقبل اتفاقيات التعاون التي أبرمتها الحكومة ومنها ما هو مع الطرف الإيراني المتحمس لها.

 

عندما قام إسحاق جهانقيري نائب الرئيس الإيراني بزيارة للجزائر دامت من 16 ـ 17 / 12 /2015 م، سارعت الآراء الجزائرية إلى إضفاء الطابع الاستثنائي عليها بالنظر إلى تأثيرات انهيار أسعار البترول في السوق العالمية على الوضع الاقتصادي في البلدين العضوين بمنظمة "أوبك" وكان أمل المراقبين في البلدين أن تتجه جهود البلدين إلى توحيد موقفهما لوقف التدهور المستمر للأسعار، خاصة بعدما رفضت المملكة العربية السعودية دعوة الجزائر لخفض الإنتاج من النفط ولم تتجاوب أيضًا مع دعوتها لعقد اجتماع طارئ لمنظمة "أوبك"  ولكن تصادف أن اصطدم هذا الأمل الجزائري مع قرار إيران رفع صادراتها من النفط إلى أعلى مستوى لتبلغ 1.26 مليون برميل يوميًا بداية من مطلع عام  2016 م، وهو ما يناقض جهود الجزائر ودعوتها لخفض الإنتاج بل ويثير المزيد من تخوفها من حدوث تخمة عالمية في المعروض من النفط ستؤثر بالسلب أكثر على أسعاره وبالتالي على عوائد الجزائر من تصديره الذي تعتمد عليها بنسبة 97% وعليه أصبحت الجزائر في ظل قصور هيكلها الإنتاجي وضعفه وعدم قدرتها على  تنويع اقتصادها في حالة انتظار موعدها مع المعجزة ، هذا بالرغم من توالي زيارات المسؤولين الإيرانيين للجزائر خلال عام 2015 م، بما يشبه الإنزال الإيراني فيها بدأ منذ حضور الوزير الأول الإيراني قمة الغاز التي انعقدت بولاية "هران" (غرب الجزائر) في أبريل 2014والتي مهدت لزيارة وزير الطاقة الإيراني جيت جيان في 29/6/2015م، لتسليم رسالة من الرئيس روحاني للرئيس بوتفليقة تتعلق بالقضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، ثم زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف ( 31/8 ـ 1/9/2015م) لبحث جهود استعادة الاستقرار في سوريا واليمن ، تبعها زيارة الوزير الأول عبد المالك سلال لحضور قمة منتدى الدول المصدرة للغاز في 23/11/2015 م، بطهران، ولا يبدو أن كل هذه اللقاءات قد أدت إلى تشكيل تصور محدد الملامح لتحرك مشترك يضمن الحفاظ على المصالح الحيوية للبلدين في مجال الطاقة على الأقل .

يضع المراقبون السياسيون التقرب الإيراني من الجزائر في إطار محاولة استمالة القيادة الجزائرية لتشكيل تكتل مواز للتحالف العسكري الإسلامي الذي أعلنته المملكة العربية السعودية مستغلة اتهامات جزائرية للسعودية في التسبب بانخفاض أسعار النفط وغيابها عن الدول المشاركة في التحالف العسكري الإسلامي، وموقفها من قبل غير المؤيد لعملية " عاصفة الحزم" في اليمن، ثم تأثر الجزائر من تقارب دول الخليج العربي من المغرب في قضية الصحراء الغربية، بينما في مقابل هذا تشارك الجزائر المواقف الإيرانية من الصراع في سوريا.

 

ومن جهة الجزائر، إذا كان استشعارها خطورة الأزمة المحيطة بها وقناعتها المتأخرة بضرورة الاتجاه نحو تنويع نشاطها الاقتصادي تدفعها لمراجعة نهجها السياسي الخاطئ للخروج من حالة التبعية المطلقة للبترول فلن يكون ذلك كافيًا أو سهلًا لتحقيق الإصلاح الاقتصادي الشامل سريعًا خاصة وأنه لم يتحقق في فترة الوفرة المالية، ولكنه لن يكون سببًا  يدفعها للتخلي عن سياستها الرافضة للمشاركة في أي تحالفات أو يجعلها تتغاضى عن محاولات قوى موالية لإيران ,العمل على  تمدد المذهب الشيعي في البلاد، ومع ذلك ستسعى إلى عدم تصعيد الخلافات أو حتى الإعلان عنها  أو حتى الإشارة إليها رسميا بإبقاء الوضع في حالة " أزمة صامتة" وذلك من أجل إحداث التوازن في علاقاتها مع السعودية وإيران كما أنها على خلاف ما ذهب إليه بعض المراقبين , غير مؤهلة حاليًا لقيادة وساطة بينهما تكون إيران  طلبتها لأن التوتر بين الجزائر والسعودية لا يقتصر على الخلاف حول مسألة التحالف العسكري ضد الحوثيين في اليمن أو ضد تنظيم  " داعش" كون هذا   التحالف قد يمتد للتدخل في ليبيا لاحقًا ثم تونس فيضع  مناطقها الحدودية مع البلدين في حالة تهديد خطير ولكنه ، وتأثير السعودية الكبير على القرار داخل " أوبك"  ثم الموقف السعودي المقارب للموقف المغربي في قضية الصحراء الغربية، كما أن الجزائر تنظر ببالغ القلق  للتدخل السياسي ـ العسكري الإيراني المباشر في سوريا والعراق واليمن وسط تنبيهات عربية بخطورة المد الشيعي الصفوي الفارسي في أطراف الوطن العربي، خاصة بعدما وشح حسن نصر الله زعيم " حزب الله" خريطة فلسطين بألوان العلم الإيراني .  

الواقع الآن، أننا أمام مرحلة انتقالية مرتبكة لترتيبات الوضع في الشرق الأوسط  تلقي بعد اليقين ، السعودية تدرك استبعاد حدوث مواجهة مسلحة مع إيران، والجزائر لا تتفق مع السعودية سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا ولا تستطيع مناهضتها ، وإيران فشلت في استقطاب الجزائر سياسيًا ، وما بقي هو أن الجزائر تدرك قيمة التجربة الاقتصادية الإيرانية وتريد استيراد الخبرة الإيرانية  لتنمية قدراتها الصناعية التي تقول الأنباء أن البداية ستكون بتصنيع السيارات الإيرانية من نوع " سايبا " و"تيبا" في آفاق 2017 بالجزائر من خلال استثمار مشترك يقدر بـ20 مليون دولار وقد يمتد ذلك التقارب إلى تشكيل محور تنسيق محدود التأثير جزائري / إيراني / فنزويلي في مجال النفط ، بينما تراهن إيران على تحالفها مع الجزائر في تقوية جبهة تريدها موحدة لمواجهة النفوذ المتزايد للسعودية عربيًا وإقليميًا و يبدو حسب معطيات الأوضاع الراهنة أنه سيكون تحالفًا على استحياء ومقصورًا على المستوى الاقتصادي والعلمي ولن يكون له ذلك التأثير الفعال على توجهات السياسة السعودية أو على حجم نفوذها الإقليمي.، فالاتصالات الإيرانيةـ الجزائرية لا تعدو أن تكون من قبيل المناكفة الإيرانية للسعودية كما أنها رسالة تبعث بها الجزائر أيضًا للسعودية بسبب سياستها البترولية، ولذلك لن يجد أحدهما في الآخر السند الكافي له برغم وحدة هدفهما الخارجي ، وستبقى الجزائر طالما بقي الأمر على هذا الحال سرابًا لإيران تلهث وراءه دون جدوى      

كلمات دليلية