;
الصفحة السابقة

أكثر مأساوية من سايكس بيكو والمتضررون العرب السنة مشروع كيري لافروف: انتكاسة رجعية لحركة التاريخ

انشأ بتاريخ: الإثنين، 05 أيلول/سبتمبر 2016

 

  • يقول كارل ماركس: التاريخ لا يعيد نفسه، وإن فعل فإنه في المرة الأولى تحدث المأساة وفي المرة الثانية تكون مهزلة. نظرة تقدمية لحركة التاريخ، تستبعد ما يُقال عن عودة عجلة التاريخ للوراء... فمسيرة التاريخ عند فلاسفة الثورة التاريخيين، منذ أرسطو (٣٤٨ -٣٢٢ ق. م. ).. مروراً بفلاسفة العقد الاجتماعي، وصولاً لهيجل (١٧٧٠ - ١٨٣١م) وكارل ماركس ( ١٨١٨- ١٨٨٣م) هي حركة تقدمية إلى الأمام حتى بلوغ منتهاها في سيادة الحرية والسلام، وإن كانت نهاية التاريخ تختلف باختلاف المنطلقات الفلسفية والعقائدية، لدى كل فيلسوف من فلاسفة الفكر الثوري التاريخيين. إلا أن حركة التاريخ، ليست في جوهرها، حركة قدرية سلسة تسير في خط مستقيم سهل ومعبد بدون عوائق أو عقبات... بل أن هذه العوائق والعقبات، في حقيقة الأمر، ما هي إلا آليات وأدوات تستخدمها مسيرة التاريخ، للانتقال من حقبة تاريخية إلى أخرى في حركة "ديالكتيكية" معقدة، بغرض تحديدالفصل الحاسم بين مرحلة تاريخية والتي تليها، حتى تصل مسيرة التاريخ لمنتهاها، وتبلغ غايتها. 

 

هذه الحركة التقدمية لمسيرة التاريخ تتنافى مع النظرة الشائعة التي تقول باحتمال تكرار الأحداث التاريخية. هنا يحاول ماركس تأكيد فرضيته في استحالة تكرار الحقب والأحداث التاريخية، وإن تراءت للبعض أنها تحدث، فهي لا تعدو كونها مأساة في المرة الأولى، وإن تكررت ثانيةً فإنما هي مهزلة... إذن: لابد في النهاية لحركة التاريخ أن تستدل إلى مسارها الطبيعي وتمضي قدمًا، لبلوغ غايتها في سيادة السلام والحريّة. 

 

مقدمة فلسفية نظرية يمكن أن تساعدنا في فهم ما يحدث من حركة عنيفة في المنطقة تستخدم فيها حركة التاريخ أهم أدواتها الفاصلة والحاسمة (الحروب) لتشكيل خريطة جديدة للمنطقة، إلى حد كبير تشبه تلك التي تطورت من مائة عام تقريبًا، عندما اندلعت الحرب الكونية الأولى (١٩١٤ -١٩١٩م). كان من نتيجة تلك الحرب الكونية العظمى على منطقتنا، رسم خريطتها السياسية الإقليمية، كما تكشفت، بعد الحرب، في اتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا، الذي استغرق التفاوض بشأنها ما يزيد عن نصف العام (نوفمبر ١٩١٥ - مايو ١٩١٦م) في سرية تامة للتوصل إليها بين الدولتين الاستعماريتين. بموجب هذه الاتفاقية، التي أجرى التفاهمات بشأنها كلٌ من الدبلوماسي البريطاني (مارك سايكس) ونظيره الفرنسي (فرانسوا جورج بيكو) وتم بموجبها الاتفاق على اقتسام منطقة الهلال الخصيب، بعد هزيمة الدولة العثمانية، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تتفاوض مع شريف مكة طلبًا لمساعدته في هزيمة الإمبراطورية العثمانية، مقابل الاستجابة لطموحاته بإقامة مملكة خاصة له في العالم العربي، شرق السويس.

 

عقب نجاح الثورة البلشفية في روسيا (أكتوبر ١٩١٧م) عمد الشيوعيون بقيادة لينين إلى فضح بنود تلك الاتفاقية السرية حيث كانت روسيا القيصرية طرفاً فيها، إحراجًا لفرنسا وبريطانيا، وتزلفًا لشعوب المنطقة، التي اقتسمت أراضيها من قبل لندن وباريس. إلا أنه قد تم التأكيد على محتوى اتفاقية سايكس بيكو، علنًا، في مؤتمر المجلس الأعلى للحلفاء بمدينة سان ريمو الإيطالية (١٩ -٢٥ أبريل ١٩٢٠م).. وما لبث مجلس عصبة الأمم في ٢٢ يونيو ١٩٢٢م، أن أقر نظام الانتداب البريطاني على العراق ومنطقة الخليج العربي وجنوب الجزيرة العربية وفلسطين، بينما كانت سوريا ولبنان، من نصيب فرنسا، تفعيلاً للاتفاقية وتطبيقًا لها على الأرض.

 

من أهم ما تمخض عنه نظام الانتداب البريطاني الفرنسي، الذي كان في حقيقة الأمر تكريسًا لاستعمار الدولتين للأراضي العربية الطويل، من الخليج العربي وحتى المحيط الأطلسي، لكن هذه المرة جاء تحت غطاء شرعية دولية وفرتها منظمة أممية جديدة (عصبة الأمم)، بظهور نماذج للدولة القومية الحديثة، في العالم العربي، في شكل صيغة إقليمية جديدة للمنطقة، تتكامل إلى حدٍ ما (شكلياً) مع تلك الصيغة التي تمخضت عن معاهدة صُلّح ويستفاليا في أوربا (١٦٤٨م).

 

إلا أنه، في حقيقة الأمر، ما تطور من شكل للدولة القومية الحديثة في العالم العربي، بداية العقد الثالث من القرن العشرين، كانت تفتقر إلى كثير من مقومات ومتطلبات الاستقرار والاستمرار، عكس سابقتها في التجربة الأوربية... ذلك لأن الحدود السياسية لكثيرٍ من هذه الدول الوليدة في المنطقة، رُسِمّت على الورق وبعضها خُطَ - على عجل - بأقلام الرصاص، ليس من أجل بناء كيانات وطنية تعكس إرادة شعوبها في الحرية والاستقلال والسيادة، بقدر ما كانت تصورًا لمناطق نفوذ للدول الاستعمارية تعالج مشكلة إدارة الصراع من أجل التوسع والهيمنة بينها، بغرض الحصول على الثروات والمرور للأسواق، تطلعًا لاستمرار حالة السلام الهش بينها، التي أعقبت الحرب الكونية الأولى، في ما يشبه توزيع غنائم تلك الحرب، ما عُرِف بتركة الرجل المريض ( الدولة العثمانية )، بين الحلفاء المنتصرين، على حساب مصالح وحرية واستقلال وسيادة الدول، التي ساهموا في إقامتها بالمنطقة. 

 

صيغة الدولة في مقابل أحلام الوحدة

 

  • ترى: لماذا نجحت صيغة الدولة القومية الحديثة في أوربا، وفشلت في المنطقة العربية، وإقليم الشرق الأوسط، بصورة عامة. سؤال أثار الكثير من الجدل في أدبيات السياسة والتاريخ والجغرافيا، طوال المائة سنة الماضية. العنصر الأساسي هنا، وكما أراه، يكمن في منشأ الدولة القومية في أوربا، على سبيل المثال، مقابل تلك العوامل التي تمخضت عن قيام صيغة الدولة القومية، في المنطقة... العالم العربي، على وجه الخصوص.

في أوربا، احتاج الأمر لخمسة قرون من المخاض الداخلي الذاتي العنيف في المجتمعات الأوربية، منذ عصر النهضة منتصف القرن السادس عشر، حتى بداية القرن العشرين، لتتشكل لدينا النسخة المتكاملة لصيغة الدولة القومية في المجتمعات الأوربية داخلياً، لتلتفت - بعد ذلك - تلك الدول الحديثة لتأكيد سيادتها الإقليمية بتسوية خلافاتها الحدودية في سلسلة من الحروب الإقليمية، التي كانت أخطرها وأكثرها حسمًا الحرب الكونية الأولى. حتى أن بعضها، لم تتحدد خطوط حدودها الإقليمية، بصورة نهائية وحاسمة، إلا عقب الحرب الكونية الثانية (١٩٣٩ – ١٩٤٥م)... بل وبعضها، في حالة ألمانيا، على سبيل المثال، احتاج الأمر لما يقرب من نصف قرن، بعد ذلك.. وفي حالة روسيا، وفنلندا ودول البلطيق، وبعض دول أوربا الوسطى في البلقان وشمال شرق المتوسط، كما هو في الدول التي كانت أعضاء في الاتحاد اليوغسلافي، وتلك التي فُرض عليها الاحتلال السوفيتي في وسط أوربا، مثل جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا، حيث تطورت صيغة الدولة القومية الحديثة، في هذه المجموعة من الدول الأوربية، في العقد الأخير من القرن العشرين. أخذت حركة التاريخ في تلك المجتمعات الأوربية،  زمنا طويلاً، يحسب بالقرون وليس بالسنين، حتى نتجت لدينا، في النهاية، نماذج مستقرة لصيغة الدولة القومية الحديثة، لتواصل مسيرة التاريخ تقدمها لتسير، مجتمعات تلك الدول، نحو استشراف إمكانات واحتمالات ما بعد الدولة القومية الحديثة، في بناء كيانات إقليمية عملاقة، مثل الاتحاد الأوربي. 

 

أما في العالم العربي، وفي منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، كانت صيغة الدولة القومية الحديثة، ليست نتاجًا لحراك سياسي واجتماعي وإنساني داخلي عنيف، يعكس إرادة وطنية حقيقية للانتقال من مرحلة ما قبل الدولة القومية الحديثة، إليها. كانت صيغة الدولة القومية الحديثة، في كثير من دول المنطقة، حتى تلك التي تتجذر فيها قيم ومؤسسات الدولة عميقاً في التاريخ، مثل العراق ومصر، كانت نتاج لتدخل خارجي، لم يراع سوى مصالحه الاستعمارية، ولا يهمه نجاح النموذج واستقراره. لقد فرحت الكثير من شعوب المنطقة باستقلالها (السياسي) من المستعمر الأوربي، وكأن هويتها الوطنية حصلت عليها من ذلك الطرف الأجنبي، وليس نتاجًا لخيار وطني حقيقي انعكس في حراك سياسي واجتماعي داخلي عنيف ومكلف، نتجت عنه صيغة لدولة قومية حديثة قادرة على البقاء والاستمرار. صحيح أن بعض تلك الدول حصلت على استقلالها نتيجة لكفاح عنيف ومكلف مع المستعمر، أريقت في سبيله الكثير من الدماء الوطنية الزكية، إلا أن التجربة أثبتت بعد ذلك، أن ذلك لم يكن كافيًا لوحده لإنجاح نموذج الدولة القومية الحديثة، في كثير من المجتمعات العربية، والكثير من دول المنطقة، بصفة عامة. 

 

منهجيًا، أيضًا: هناك اختلاف كبير بين التجربة الأوروبية، في ظهور نموذج الدولة القومية الحديثة بها، وتجارب دول ومجتمعات المنطقة، يشبه إلى حدٍ كبير ذلك الاختلاف المنهجي بين الماركسية واللينينية. ماركس كان يرى أن الثورة الاشتراكية لن تنجح إلا في المجتمع الرأسمالي المتقدم، حيث تصل الرأسمالية لذروة توحشها في معاملة العمال "البروليتاريا"، الذين هم أداة الانتقال الرئيسية (الثورية) من المرحلة الرأسمالية، إلى المرحلة الاشتراكية.. ومن ثم إلى مرحلة المجتمع الشيوعي، حيث تزول الدولة تمامًا، بقيمها ومؤسساتها. فلاديمير لينين (١٨٧٠ -١٩٢٤م)، من الناحية الأخرى، انطلق منهجيًا وعمليًا من البداية الخطأ، محاولاً الانتقال من المجتمع الاقطاعي إلى المرحلة الاشتراكية، دون المرور بالمرحلة الرأسمالية! لذا أداة التحول عند لينين اعتمدت على كوادر الحزب الشيوعي (النخبة) ولم تعتمد على الجماهير "البروليتاريا" وكانت النتيجة، تأكيد سلطة الدولة، وليس العمل على زوالها، لذا انهارت الدولة فجأة في نموذج لينين في تطبيق النظرية الماركسية، رغم طول عمرها النسبي وعنفوان بنائها السياسي والتنظيمي، بينما لم تتح الفرصة لنموذج ماركس لا في التحول العنيف، ولا في التحول السلمي الذي لم يستبعده في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة في أطروحاته الأخيرة لنظرية التحول إلى المرحلة الاشتراكية، أصلاً. 

 

العرب، إذًا كانت انطلاقتهم، خطأ منذ البداية، باعتمادهم على المتغير الخارجي، بصفة أساسية، لرسم طريقهم العصري للمستقبل، بعيدًا عن تراثهم التاريخي، وتنكرًا لحقائق الجغرافيا والتاريخ، في مجتمعاتهم. ثم أن العرب، كما سبق وذكرنا: لم يدفعوا ثمنًا باهظًا، في تحقيق التحول.. ولا أيضًا، أمضوا الوقت الكافي لتحقيق التحول من مرحلة ما قبل الدولة القومية الحديثة، إلى الإعلان عن قيامها، في مجتمعاتهم. 

 

كما أن العرب، بداية القرن العشرين، عندما ظهرت إرهاصات الدولة القومية الحديثة في مجتمعاتهم، كانوا أسرى لتراثهم التاريخي الطويل (مفهوم الأمة)، اعتقادًا منهم أنهم يمكنهم تجاوز مرحلة الدولة القومية الحديثة، والتطلع إلى آفاق إقليمية أرحب، اعتمادًا على مشتركات ثقافية وتراثية ولغوية، ليس بينها رابط سياسي أو اقتصادي يدعم انطلاقتها، ويدفع تكلفة التحول. كان هاجسهم، في البداية فكرة الوحدة في الدولة العربية الكبرى، التي أرادها شريف مكة.. ووعده بها الإنجليز، نظير تحالفه معهم ضد الدولة العثمانية المسلمة! مشروع جرى إفشاله من قبل من وعد به (بريطانيا العظمى)، الحليف الدولي الذي اعتمد عليه شريف مكة لإقامة مملكته الموحدة، في العالم العربي، شرق السويس. هاجس الوحدة هذا عند العرب، كان يلازمهم، حتى بعد فشل مشروع الوحدة الكبرى، وظهور تآمر الإنجليز مع الفرنسيين (اتفاقية سايكس بيكو)، كما سبق ورأينا، في تدشين مشروع الدولة القومية الحديثة في مجتمعات الدول العربية السبع المؤسسة للجامعة العربية. 

 

العرب، إذًا: لم يكن لهم يد في خيار نموذج الدولة القومية الحديثة في مجتمعاتهم.. وكانوا، في نفس الوقت مسكونين بفكرة الوحدة بين مجتمعاتهم، كما يجسدها مفهوم الأمة. بعد مائة عام من الثورة العربية الكبرى، وظهور إرهاصات إقامة الدولة القومية الحديثة في المجتمعات العربية، وبعد سبعة عقود من تجارب الوحدة والتكامل الإقليمي الفاشلة، بين نماذج مسخ للدولة القومية الحديثة في العالم العربي، يجد العرب، أنفسهم اليوم، بعيدين عن مسار حركة التاريخ.. وهم على مشارف مأساة تاريخية وجودية أخرى، تبدو وكأنها استعادة لوقائع تاريخية، بينما هي في حقيقة الأمر، مأساة جديدة يمر بها العرب، في محاكاة لتجربة ظهور الدولة القومية الحديثة في مجتمعاتهم، من مائة عام مضت. 

 

إرهاصات الهيمنة الكونية الأمريكية

  • اليوم تتكرر ظروف مرحلة ما قبل الحرب الكونية الأولى، وما تمخضت عنه من نظام دولي جديد، كانت تتسيده بريطانيا وفرنسا، بينما الولايات المتحدة التي صنعت ملحمة انتصار الحلفاء في تلك الحرب، رجعت لتنكفئ في داخلها، في عزلة دولية مثل ما يصنع الدب في بياته الشتوي، مكتفية بمجالها الحيوي في حديقتها الخلفية (أمريكا الوسطى والجنوبية). إلا أن غياب الولايات عن مسرح السياسة الدولية التقليدي في العالم القديم، لم يكن طويلاً... وكأن مسيرة التاريخ ادخرت الولايات المتحدة لإحداث التوازن في الأنظمة الدولية الحديثة، التي تجعل من نموذج الدول القومية الحديثة، أساسًا لعضويتها.

لقد تطلب الأمر، هذه المرة، أن تطال شرارة الحرب الكونية الثانية (١٩٣٩ -١٩٤٥م)، أراضي الولايات المتحدة، بفعل الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر في هاواي، وتدمير الأسطول الأمريكي الراسي هناك ( ٧ ديسمبر ١٩٤١م)، وكانت الحرب في أوربا وشرق الباسيفيك مضى عليها ٢٦ شهرًا! من يومها والولايات المتحدة انخرطت في مسرح السياسة الدولية متخليةً -رغمًا عنها وللأبد -عن استراتيجية العزلة، التي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية، منذ قيامها بإعلان وثيقة الاستقلال (٤ يوليو ١٧٧٦م). 

 

كما كان للولايات المتحدة دورًا حاسمًا في إنهاء الحرب الكونية الأولى والمساهمة في تشكيل نظام عصبة الأمم، كان للولايات المتحدة دورًا أكثر حسمًا في إنهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أنها في هذه المرة لم تقوى على العودة لسياسة العزلة التقليدية، كما كان الأمر عقب الحرب الكونية الأولى. لقد شعرت الولايات المتحدة، ربما لأول مرة في تاريخها، أن أمنها القومي يتجاوز حدود مجالها الحيوي الإقليمي في العالم الجديد، ليطال أيضًا نطاق العالم، بأسره، قديمه وجديده. لقد وعت الولايات المتحدة درس تخليها عن مسؤوليتها الكونية بتشبهها بسياسة العزلة، حتى طرق الخطر الاستراتيجي على أمنها القومي أبواب حصونها المنيعة، شرق الأطلسي وغرب الباسفيكي.

 

بداية الحرب الكونية الثانية تحدت الغواصات الألمانية السيادة البريطانية على الأطلسي، بل أن الغواصات الألمانية، في بداية الحرب، وصلت إلى قرب السواحل الأمريكية على امتداد ساحلها الشرقي على المحيط الأطلسي، نزولاً حتى نهاية الشريط الساحلي للمحيط الأطلسي جنوبًا، على مشارف القارة المتجمدة الجنوبية. لقد اقترب النازيون، ليس فقط من السواحل الأمريكية غرب الأطلسي، بل تحدوا الهيمنة الأمريكية في عمق حديقتها الخلفية التقليدية في أمريكا الجنوبية. هذا بالضبط ما دفع الأمريكيين للتفكير جديًا في تقييم سياسة العزلة والابتعاد عن مشاكل العالم القديم، وليس كما قيل حبًا في الدفاع عن الأنظمة الديمقراطية في أوربا، في مواجهة الفاشية والنازية.

 

مثل ما كانت الولايات المتحدة مكشوفة استراتيجيًا، شرقًا، بالنشاط العسكري البحري الألماني المكثف، الذي كان عماده سلاح الغواصات، على طول وعمق المحيط الأطلسي.. كانت أكثر انكشافًا، غربًا، على طول الساحل الشرقي للمحيط الهادي، في مقابل قوة إمبراطورية تقليدية توسعية، قادمة من غرب الباسفيكي (اليابان)، كما سبق ورأينا. فلم يكن من خيار أمام إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت (١٨٨٢ – ١٩٤٥م) بعد مضي أكثر من سنتين على بداية الحرب الكونية الثانية، إلا وتواجه هذا الحصار الاستراتيجي عليها، التي لم تنفع الموانع الطبيعية المتمثّلة في آلاف الأميال من المياه الشاسعة العميقة، التي تفصل البر الأمريكي شرقًا وغربًا عن مسرح السياسة الدولية التقليدي في العالم القديم. بعبارة أخرى: بداية العقد الخامس من القرن العشرين، لم تعد العزلة خيارًا استراتيجيًا للولايات المتحدة... لا واشنطن أضحت تستطيع ترك العالم القديم، وتجاهل مشاكله، كما أنها لم تعد تقوى على مقاومة تبصر حقيقة أن أمنها القومي يمتد إلى العالم بأسره، قديمه وجديده، وإن لم تتبلور لديها بعد، فكرة الهيمنة الكونية، ولم تتوفر لديها أيضًا الإرادة الماضية، لدفع تكلفة هذه الهيمنة الكونية، التي لم تسع إليها والمفروضة عليها.

 

نظام عالمي أمريكي جديد، ولكن!؟

 

  • أسست الولايات المتحدة لدورها الكوني الجديد، مؤسساتيًا واستراتيجيًا. قبل نهاية الحرب الكونية الثانية رتبت واشنطن لنظام دولي جديد، يؤسس لقيادتها للعالم سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا. جرى إنشاء الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو (٢٥ ابريل - ٢٦ يونيو ١٩٤٥ )، وقبل ذلك بعام تقريبًا، وُقِعت في برتون وودز في ولاية نيو هامشير الأمريكية اتفاقية النظام الاقتصادي الدولي الجديد ( ١ - ٢٢ يوليو ١٩٤٤م)، الذي أنهى قاعدة نظام الذهب في المعاملات التجارية والمالية الدولية، واستبداله بإعلان سيادة الدولار كعملة دولية تحكم حركة التجارة العالمية، في مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية. بهذين التطورين الرئيسيين على مستوى حركة وقيم النظام الدولي، جرى بصورة شبه رسمية، تنصيب الولايات المتحدة على قمة هرم المسؤولية المباشرة على أمن واستقرار العالم، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. 

ليس فقط على المستوى السياسي والاقتصادي جرى تدشين العهد الأمريكي الجديد لسيادة العالم، بل كان فوق ذلك مظلة استراتيجية غير تقليدية تفردت بها الولايات المتحدة، ولو لفترة قصيرة بعد الحرب، عن طريق احتكار الرادع النووي، الذي أنهت به الولايات المتحدة الحرب ضد اليابان على جبهة الباسفيكي (أغسطس ١٩٩٤٥م). بهذا التطور الثلاثي المؤسساتي والاقتصادي والاستراتيجي، جرى تنصيب الولايات المتحدة لقيادة العالم، بعد الحرب العالمية الثانية. 

 

لكن هذه الزعامة الأمريكية للعالم، لم تكن لتفرض على العالم، دون تحدٍ لإرادتها، يعكس الصورة الحقيقة للعالم، بعد الحرب الكونية الثانية. التحدي الرئيس لهذه الزعامة الكونية الأمريكية للعالم، جاء من منافس جديد، هو الآخر، بعيدًا عن القوى العالمية التقليدية (الاتحاد السوفيتي). سرعان ما تمكن الروس (السوفييت) من تفجير قنبلتهم الذرية (٢٩ أغسطس ١٩٤٩م)، بعد أربع سنوات من إلقاء الولايات المتحدة الأمريكية أول قنبلة نووية على اليابان. كما أن السوفييت لم يكونوا أقل من الأمريكيين طموحًا، في التعبير عن تطلعاتهم التوسعية، والمنافسة على الهيمنة الكونية. بنهاية الحرب الكونية الثانية كان السوفييت يسيطرون على نصف أوربا الشرقي، وتوسعوا شمالاً بضم دول البلطيق وفرض الوصاية على فنلندا، وكانوا قد سبقوا الحلفاء ودخلوا عاصمة الرايخ الثالث (برلين). وكان السوفييت، بقوتهم الاستراتيجية التقليدية يهددون باكتساح أوربا كلها، عقب الحرب مباشرةً وهم كانوا قادرين على ذلك، لولا المظلة النووية الأمريكية، التي حَجّمت التوسع السوفييتي على جبهة أوربا الغربية. 

 

بنهاية العقد الخامس من القرن العشرين تشكل لدينا ما يبدو أنه عالم أكثر استقرارًا، وإن كان أحَد استقطابًا. عالم تحكمه الأيدلوجية.. ويتحكم في استقراره نظام صارم غير تقليدي للقوى، يقوم أساسًا على معادلة توازن الرعب النووي، بديلاً عن نظام توازن القوى التقليدي، الذي كان لهشاشته وعدم استقراره اندلاع حربين كونيتين، في أقل من ثلاثة عقود راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر. 

 

أهم ما تمخض عنه نظام الأمم المتحدة، وضع استراتيجي جديد يقوم على الردع غير التقليدي المتبادل، الذي يعكس استقطابًا أيدلوجيًا يتقاسم العالم بين دولتين عظيمتين، لكلٍ منهما طموحاتها التوسعية.. ولكلٍ منهما نظرتها الخاصة في إدارة العالم وتقاسم الهيمنة على مقدراته. 

 

هذه القطبية الثنائية فيما يخص منطقتنا، لم تتأثر كثيرًا، حتى بعد انهيار أحد أركانها (الاتحاد السوفييتي)، نهاية العقد التاسع من القرن العشرين. وإن كانت قصة النفوذ الكوني، على مسرح السياسة الدولية التقليدي في أوربا، قد حُسِمَت بانتصار الرأسمالية، وانهيار منظومة المعسكر الاشتراكي، التي كان يتزعمه الاتحاد السوفيتي، بسقوط الأخير... إلا أن المعركة لم تحسم بعد، بين الروس والأمريكيين، في أهم نقطة ساخنة في نظام الحرب الباردة (منطقة الشرق الأوسط).

 

مأساة جديدة تتكشف

  • هل ما يحدث في المنطقة، هذه الأيام، يعيد إلى الأذهان ما تطور بها، خلال قرن من الزمان. هل هناك من تشابه، في عملية تشكيل نموذج الدولة القومية في المنطقة، وما يتطور، هذا الأيام من إعادة رسم خريطتها من جديد. إذا كانت شعوب المنطقة، كما سبق ورأينا، لم يكن لها يد في تحديد مصير كياناتها السياسية وتطور صيغة الدولة القومية الحديثة في مجتمعاتها، ما هو الدور الذي تلعبه هذه الشعوب، اليوم في تقرير مصيرها، إذا كان لها أي دور. ما هي الأطراف الخارجية التي تتصارع على المنطقة، هذه الأيام، وما هو الشبه بينها، وبين تلك التي رسمت مصير المنطقة، خلال المئة سنة الماضية. 

مازلنا هنا ملتزمين بالمنهجية التقدمية لحركة التاريخ، التي قال بها ماركس، ورفض من خلالها فرضية تكرار الأحداث التاريخية، وعودة عجلة التاريخ إلى الوراء. لكن ماركس نفسه لم يستبعد، حدوث المأساة، إذا ما تشابهت الأحداث التاريخية، وحادت حركة التاريخ عن جادة مسيرتها الخيرة، في شيوع السلام وسيادة الحرية، ربما استكمالاً لاستعادة حركة التاريخ لمسارها الصحيح، من جديد. 

 

الأمريكيون لا يخفون تمسكهم بنظرية "الفوضى الخلاقة".. ولا يتورعون عن رسم خرائط تعكس "سيناريوهات" لأشكال مختلفة لتحقيق هذه الفوضى، بأقل قدر من التكلفة عليها، ودون ما حاجة لتدخلهم المباشر، إلا عن طريق إحداث الفراغ المتعمد في بؤر ومراكز القوة الحقيقية في بعض نقاط المنطقة الحصينة، مثل ما أحدثوه في العراق.. أو عن طريق التدخل غير المباشر لاستعادة مناطق نفوذ كادت تفلت من زمامهم،.. كما حاولوا مؤخرًا مع تركيا.. أو من خلال استنزاف لقدرات محتملة لقوىً إقليمية تراكمت لديها الثروة وعظم نفوذها وسمّعَ حضورها الإقليمي والدولي، وحان وقت الالتفات إليها ومراجعة أسس العلاقة معها، مثل ما هو حادث في منطقة الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص.

 

الروس، أيضًا، لهم قولٌ فيما يحدث في المنطقة، ومستقبل ما يحل بها. الروس يبدون أكثر استفزازًا وتهورًا، بل وخطورةً، في إظهار دورهم في إعادة تشكيل خريطة المنطقة. إلى حدٍ كبير ما يقوم به الروس من دورٍ هذه الأيام في إحداث التغيير في شكل المنطقة، قد لا يختلف كثيرًا عن ذلك الدور، الذي قام به الفرنسيون، عقب الحرب الكونية الأولى، وقد لا تكون مصادفة تاريخية أو جغرافية، إن المنطقة التي يتحرك فيها الأمريكيون هذه الأيام هي نفس المنطقة التي كان يتحرك فيها الإنجليز، بينما -في المقابل -المنطقة التي يتحرك فيها الروس، هي نفس المنطقة التي كان يعبث بها الفرنسيون!

 

الدخول من بوابة الحرب على الإرهاب!

  • ترى هل هي مصادفة تاريخية أن يتأكد تورط الولايات المتحدة في المنطقة، مثل ذلك الذي دفعها للتخلي عن عزلتها والانخراط بفاعلية في مجال السياسة الدولية، عشية اندلاع الحرب الكونية الثانية. هل هي مصادفة أن تتأكد فرضية أن الأمن القومي للولايات المتحدة، يقتضي الخروج من عزلتها والتخلي عن تحصيناتها الطبيعية في عمقها الاستراتيجي الداخلي والإقليمي، في العالم الجديد، لمواجهة التحديات على أمنها القومي بعيدًا عن أراضيها، في مجاهل محيط السياسة الدولية بعواصفه الهادرة وأمواجه المتلاطمة، في عمق تاريخ ووعورة تضاريس و"فلوكرية ديمغرافية" العالم القديم.

بعبارة أخرى: هل هناك من وجه للتشابه بين هجوم اليابان على الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر، الذي تسبب في دخولها الحرب العالمية الثانية، وتخليها للأبد عن عزلتها التقليدية وتقوقعها في محيط مجالها الحيوي في الأمريكتَين.. وبين هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، من حيث التأكيد على أن الخطر على أمن الولايات المتحدة يكمن خارج حدودها الإقليمية، اتقاءً لاحتمال اضطرارها لمواجهة هذا الخطر داخل أراضيها. الولايات المتحدة لها سابقة في هذا الشأن، عندما بنت استراتيجياتها الدفاعية في نظام الحرب الباردة، على مستويين شامل ومحدود. الأول (الشامل): كان يتعلق باستراتيجيات الردع المتبادل مع الاتحاد السوفيتي. أما المستوى الثاني (المحدود): فقد كان يتعلق، بحروبها التقليدية المحدودة لمواجهة المد الشيوعي، كما حدث في حربي كوريا وفيتنام، على سبيل المثال.

 

الروس، أيضًا، أصيبوا، مثل الأمريكيين بـ "فوبيا" الإرهاب. حملة روسيا العسكرية والعنيفة في سوريا، هذه الأيام، تستند إلى حجة قديمة جديدة، لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يجادل بها الأمريكيون، تقوم على استراتيجية هجومية وقائية معًا لمواجهة العدو على أرضه، قبل أن يصل إليك ويقاتلك على أرضك. هذا، بالطبع لا يستبعد، اتخاذ كلٌ من الروس والأمريكيون لذريعة محاربة الإرهاب لتحقيق أهداف غير دفاعية، تخفي وراءها طموحات توسعية، أو تعكس عقدًا تاريخية، لها طابع ثقافي وحضاري، تمتد جذوره الوجدانية عميقًا في ضمير الشعوب. لكن، على أي حال: يلتقي الجانبان في منطقة الشرق الأوسط، هذه الأيام، ليس بفعل تضاد خلافتهما الأيدلوجية، كما كان الحال في مرحلة الحرب الباردة... بل بفعل تفاهمٍ متنامٍ بينهما، لاقتسام إرث قديم لهما في هذه المنطقة، لكن هذه المرة بذريعة مواجهة عدو مشترك لهما "الإرهاب".

 

التكامل عوضًا عن الصراع

 

الملفت، في السلوك الروسي الأمريكي، في إدارة أطماعهم في المنطقة، بحجة محاربة الإرهاب، أنه وإن بدا وكأنه خالٍ من البعد الأيدلوجي، والاستقطاب الحاد، كما كان الحال، أثناء نظام الحرب الباردة، إلا أنه أيضًا: يحاذر من احتمالية الاشتباك المباشر، في تناغم ثنائي وكأن كل طرف اتفق على نصيبه من الكعكة، قبل الشروع في طبخها، ومن ثٓمّ تقطيعها، قبل التهامها.  

 

الروس لم يخفوا، منذ البداية دعمهم للأسد، حتى لو أدى ذلك لإبادة الشعب السوري عن بكرة أبيه. بينما الأمريكيون يطالبون بخروج الأسد، إلا أنهم يصرون على ضرورة التمسك بنظام الأسد، حفاظًا، حسب زعمهم، على مؤسسات "الدولة"، وتفاديًا لخلق فراغ "سياسي ومؤسساتي" في سوريا، في الوقت الذي ساهموا فيه بعنف لخلق مثل هذا الفراغ في العراق، قبل ١٣ سنة، عن طريق الفعل العنيف والممنهج لتقويض المجتمع والدولة في العراق، في حملة غزوهم للعراق ( ٢٠٠٣م)!؟

 

بينما، من الناحية الأخرى، يتدخل الروس بضراوة وعنف بصورة مباشرة، وتحت ظل ”شرعية" نظام الدولة الهشة في سوريا، التي تُعد نموذجًا للدولة القومية، التي كانت صنيعة للقوى الخارجية، شأنها شأن الكثير من دول المنطقة، وليست نتاجًا حقيقيًا ولا تعبيرًا صادقًا عن ممارسة شعوبها لحق تقرير المصير، في الوقت الذي نجد فيه الأمريكيين ينخرطون على استحياء في إيجاد موطئ قدم لهم، حيث التواجد الروسي العنيف من سوريا، وبالتحديد، حيث تتركز العناصر غير العربية، في شمال شرق سوريا. يأمل الأمريكيون، بتبنيهم للقضية الكردية، استقطاع أجزاء من العراق وسوريا، وربما تركيا وإيران، لإقامة دولة كردية، تكون بمثابة قاعدة استراتيجية لتواجدهم في المنطقة، بعيدًا عن العرب والفرس والأتراك، استغلال لحلم الأكراد في بناء دولة قومية لهم، تكون - من وجهة نظر الأمريكيين - بمثابة الحاجز لاحتواء تمدد الروس تجاه المياه الدافئة في شرق المتوسط، حتى مع السماح للروس، بالاحتفاظ بجيوب لهم في الهلال الخصيب، تحديدًا في سوريا ولبنان.

 

ما يفعله الأمريكيون، في منطقة جنوب الأناضول، نزولاً إلى حوض الهلال الخصيب هو تمامًا، نفس السيناريو الذي فعله الإنجليز مع الفرنسيين، قبل مائة سنة، عندما حوصر الوجود الفرنسي، في الهلال الخصيب، من قبل التواجد الإنجليزي في العراق وشرق الأردن شرقًا، وفلسطين ولاحقًا إسرائيل جنوبًا، وتركيا شمالاً. بينما حظي التواجد الإنجليزي شرق السويس بتواصل جغرافي، يمتد من مصر، مرورًا بفلسطين وشرق الأردن إلى العراق، مع لسان بري ممتد بطول الساحل الغربي للخليج العربي، مرورًا بالسواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، وحتى خليج عدن، على مشارف باب المندب. 

 

المتضرر الرئيس، من هذا التواجد الأمريكي في المنطقة، الذي يحاول أن يرث نفوذ البريطانيين في منطقة الهلال الخصيب وجنوب الأناضول، هم العرب السنة. إقامة دولة كردية في شمال العراق وشمال شرق سوريا، إنما يعتمد أساسًا، على تصفية الوجود العربي (السني) في شمال العراق، خاصة منطقة الموصل وكركوك، بالامتداد غرباً على طول الشريط المحاذي للحدود التركية السورية، بما فيها منطقة حلب وحتى شرق اللاذقية، حتى يلتقي مع التمدد الشيعي من جنوب العراق، مرورًا بأراضي العرب السنة في الأنبار وغرب العراق، إلى قلب حوض الهلال الخصيب وتتجه غربًا، حتى سواحل سوريا ولبنان، شرق البحر المتوسط. 

 

ما يجعل السيناريو الأمريكي الروسي أكثر مأساوية من ذلك الذي تطور من مائة سنة بموجب اتفاقية سايكس بيكو ( البريطانية الفرنسية )، إن تلك الاتفاقية السرية، رغم نواقصها السياسية وعوامل عدم الاستقرار المتجذرة فيها، إلا أنها راعت - وإن كان من ناحية الشكل وبصورة غير متعمدة - معايير الدولة القومية الحديثة، باهتمامها بترسيم حدود نفوذ الدولتين الاستعماريتين تضاريسياً، دون التدخل في تشكيل ديمغرافية الدول التي أنشأتها، وبالتالي احتفظت بالتعددية السكانية لتلك الدول الجديدة بما يتعلق بالخلفية الدينية والعرقية والطائفية والثقافية لسكانها. أما مشاريع إعادة رسم خريطة المنطقة، التي يريد أن يتقاسمها الروس والأمريكان في منطقة جنوب الأناضول وحوض الهلال الخصيب والعراق، فهي تقوم أساسًا على إعادة توزيع السكان في مناطق نفوذ الدولتين على أسس عرقية ودينية ومذهبية وطائفية ولغوية، مما يترتب على ذلك خلق كيانات سياسية، ليس لها من مواصفات الدولة القومية الحديثة نصيب، نتيجة لافتقارها لأدنى معايير التعددية الوطنية، التي تعتبر من أهم مواصفات الدولة القومية الحديثة. 

 

باختصار: ما يحدث من تنسيق علني بين الولايات المتحدة وروسيا، بقيادة وزيرا خارجية البلدين جون كيري وسيرجيو لابروف، لا يختلف عن ما جاء في اتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا العظمى وفرنسا، من مائة سنة مضت، عدا كون الأولى علنية، والثانية سرية... بالإضافة إلى أن مشروع كيري ـ لافروف الجديد لإعادة تقسيم المنطقة بإقامة "دولاً" هي في واقع الأمر، كيانات وليست دولاً، بمعناها القومي، لا تراعي فقط حق شعوبها في العيش معًا بسلام وحرية وكرامة، باحترام تعددية سكانها الدينية والطائفية والمذهبية واللغوية والثقافية، بل تؤسس لهذه الكيانات "أشباه الدول" الجديدة على أسس عرقية ومذهبية ودينية، وليست على أسس وطنية قومية جامعة. إن مشروع كيري ـ لافروف الجديد، يشكل انتكاسة تاريخية تتجسد فيها المأساة، التي تحدث عنها ماركس، في كل مرة تحدث انتكاسة رجعية لحركة التاريخ، وكأنها تتقهقر إلى الوراء، بدلاً من أن تتقدم إلى الأمام. 

 

يبدو أن قطار مسيرة التاريخ، لم يضل فقط طريقه للمنطقة... بل أن هذا القطار، لم تقام له محطات في المنطقة، بعد.. وبالتالي: ليس مجدولاً أن يمر بها، ربما لأجيال طويلة قادمة.

كلمات دليلية