;
الصفحة السابقة

الانتخابات الأمريكية تدخل مرحلة الاتهامات (٧) كلينتون تتحصن بالشباب والنساء والملونين وترامب يتمسك بالنصر الوهمي

انشأ بتاريخ: الإثنين، 05 أيلول/سبتمبر 2016

تأتي المرحلة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد شهرين, تسعى فيهما الحملة الانتخابية لمرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري للانتقال إلى جو الانتخابات الرئاسية العامة. وهو الأمر الذى لا يبدو هينا، كما بينت الأحداث في الأسابيع الأخيرة، حيث يسود تلك الانتخابات التركيز على شخصية المرشح وإلصاق التهم به عوضًا عن الالتفات إلى القضايا الهامة.

وفي الوقت الحالي تتمتع هيلاري كلينتون بزخم شعبي بدأ مع انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي، وأضحت تتصدر استطلاعات الرأي ؛ إلا أن فضيحة البريد الالكتروني التي لا تزال تتردد أصداؤها، والتساؤلات الدائرة حول مؤسسة كلينتون الخيرية، قد نالا من قوة تلك الشعبية. وقد تراجعت نسبها في بعض استطلاعات الرأي مع اقتراب  شهر سبتمبر، غير أنها في مجمل الأمر لا تزال في المقدمة.

أما عن المرشح الجمهوري دونالد ترامب، فبرغم استهلاكه لاثنين من المدراء خلال حملته الانتخابية، وتخفيفه لحدة لهجته، وإعادة توزيع موظفيه، إلا أنه لا يزال متراجعًا في استطلاعات الرأي. ومن الواضح أن مفتاح انتصاراته الأولى قد ضاع منه في تلك المرحلة التي يحاول فيها أن يكون مرشحًا للانتخابات العامة، حيث يتحتم عليه تناول مختلف القضايا والسياسات.

وتتشارك وسائل الإعلام مع حملة كلينتون في الغطرسة الانتخابية بعرضهم لنماذج انتخابية تقدم كلينتون على أنها الفائز المؤكد بالانتخابات في نوفمبر المقبل. و قد تفوقت كلينتون على ترامب بفارق عشر نقاط في استطلاع للرأي أجرته جامعة كوينيبياك في 25 أغسطس، حيث سجلت كلينتون نسبة 51% مقابل 41% لترامب. كل هذا بينما تقبع كلينتون تحت المجهر في قضية الرسائل الالكترونية، والصلة بين مؤسسة كلينتون الخيرية وبين عملها حينما كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية. وعلى سبيل المثال، قدمت صحيفة نيويورك تايمز نموذجًا انتخابيًا يتوقع أن فرصة كلينتون في الفوز بالرئاسة تبلغ 89%. ويشكل هذا التوجه خطرًا على كلينتون وحملتها وناخبيها، إذ من شأنه أن يخلق لديهم إحساسًا زائفًا بالأمان والرضا، الأمر الذي سيصب في مصلحة ترامب.

ومن الخطر الاستهانة بترامب في تلك المرحلة من الحملة الانتخابية. فالسباق نحو الرئاسة يزخر بحكايات قوية عن عودة المتقهقرين للتصدر من جديد، والتي ينبغي أن تتعلم منها حملة كلينتون ومؤيدوها أن يكونوا أكثر رصانة، وعدم اتخاذ أي أمر كقضية مسلم بها. فلطالما صور ترامب نفسه بوصفه "الرجل العائد". وكما  أشارت مجلة بوليتيكو : أن شعار ترامب هو " فن العودة من جديد".

وقد ضربت مجلة أون لاين مثالين لمرشحين تعرضوا في هذه المرحلة من الانتخابات الى الطمس من قبل الإعلام والنخبة السياسية ، ليعودوا مرة أخرى محققين فوزًا كبيرًا مذهلاً. الأول كان في عام 1948م، مع الرئيس الديمقراطي  المنتهية ولايته  هاري ترومان، والذي تنبأ له الجميع بالقيام بالتنحي خلال الانتخابات. وقد استهين به لدرجة أنه تم استقباله في واشنطون بعد نجاحه في الانتخابات بلافتة كبيرة كتبتها جريدة واشنطون بوست تقول" نحن نقر ونعترف بأخطائنا ومستعدون للتكفير عنها".

أما الحالة الثانية فتتمثل في خسارة الرئيس جيرالد فورد أمام جيمي كارتر رغم تفوقه عليه في استطلاعات الرأي. وكذلك فوز إبراهام لينكولن في مواجهة حملة الحزب الديمقراطي وقد وصل الأمر بإحدى صحف الحزب الديمقراطي حينها بأن تزعم بأن لينكولن "كان في واقع الأمر نتوءًا تمخضت عنه أصوله الأفريقية البعيدة "! ..هل يبدو لكم هذا الكلام مألوفًا؟

إلا أن ثمة أساس لحالة التفاؤل التي تسود الجانب الديمقراطي وحتى داخل النخبة السياسية ممن يفضلون كلينتون. ويبدو أنهم يرون أن الأوان قد فات أمام ترامب وحملته الانتخابية للتعافي، مشيرين الى حالة حملته ومسلكه كدليل على ذلك. فدائما ما تبدو حملته في حالة من الفوضى والتخبط، كما أن مسؤولي الحملة ممن قام باختيارهم يتساقطون واحدا تلو الآخر. وكذلك تم استبعاد مدير حملته الأول، السيد كوري ليفاندوفسكي، بسبب علاقته المضطربة مع موظفي الحملة ومع الصحافة ، وكما يبدو مع بعض أعضاء عائلة ترامب.

وكان من المفترض في مدير حملته الجديد، بول مانافورت، أن يقوم بفرض النظام على الحملة المضطربة والعمل على ألا يخرج السيد ترامب عن النص. غير أن  السيد ترامب وجد متعته في إطلاق لقب "منخفض الطاقة" عليه، وتحميله مسؤولية التقارير السلبية عن الحملة. وجاءت الضربة القاسمة عند اكتشاف تعاملات مانافورت التجارية مع حلفاء روسيا في أوكرانيا، واتهامه بحشد الدعم لهم داخل الولايات المتحدة وتورطه في قبض الملايين من المبالغ النقدية.

وقام ترامب بتعيين شخصية إعلامية محافظة ومثيرة للجدل على رأس حملته، وهو ستيفنك. بانون،رئيس مجلس إدارة الموقع الإخباري Breibart، والذي عُرِف عنه هجومه على الحزب الجمهوري بنفس الشراسة التي يهاجم بها كلينتون، بما يشير إلى استمرار ترامب في أسلوبه الهجومي. ذلك الأسلوب الذي كان موفقًا خلال الانتخابات التمهيدية، ولكنه قد يمثل له الآن تهديدًا باستعداء المزيد من جمهور الناخبين. لكنه اختار كذلك واحدة من  الخبراء المخضرمين في الحزب الجمهوري، وهي خبيرة استطلاعات الرأي، كيلي آن كونواي، لتصبح مديرة لحملته. وقد عملت لسنوات في مساعدة المرشحين المحافظين للفوز بالصوت النسائي، وترامب لديه مشكلة كبيرة مع الصوت النسائي.

كل هذه التحركات تشير إلى تأزم الأوضاع في الحملة، فالحملات السياسية لا تقوم بتغيير الأحصنة كل هذا العدد من المرات، ومع الاقتراب الشديد للانتخابات، إلا إذا كانت الحملة تواجه أزمة حقيقية. غير أن فريق ترامب يدفع بأن تصحيح المسار أمرًا جيدًا وأن فترة شهرين تعد بمثابة دهر في الحملات الانتخابية.

ولدى حملة كلينتون أيضًا مشاكلها الخاصة. فهناك أزمة الرسائل الالكترونية التي تأبى ان تنتهي مع ظهور مجموعة جديدة من الرسائل في كل منعطف من الطريق نحو الانتخابات العامة. وقد كشفت تلك الرسائل معلومات عن أسلوب عمل "مؤسسة كلينتون الخيرية" إبان شغل كلينتون لمنصب وزيرة الخارجية الأمريكية، والتبرعات التي قامت  بقبولها من جهات أجنبية. واستغلت حملة ترامب هذه المعلومات كدليل على استغلال النفوذ، متهمةَ كلينتون بالفساد. واستمر إلقاء الاتهامات حتى بعد إعلان الرئيس السابق بيل كلينتون استقالته من إدارة مؤسسة كلينتون في حال فوز هيلاري كلينتون بالرئاسة، والتوقف عن قبول أموال من جهات أجنبية أو من المؤسسات.

وتظهر الأرقام الواردة في الاستطلاعات إما تقاربًا شديدًا بين المرشحين أو تقدم كلينتون . وغلبت لغة الانقسام والسلبية أكثر فأكثر على الخطابات. وفي الواقع لقد أضحت شديدة السلبية والقبح لدرجة دفعت الناس إلى الذهاب بأن ما يرونه الآن هو الأسوأ على مدار تاريخ الحملات الانتخابية، فكلا الجانبين عاكف على توظيف الاتهامات التي قد تمكنه من الفوز بأصوات الناخبين في نوفمبر المقبل، لكنها سوف تغير من الحملات السياسية الأمريكية لسنوات قادمة.

فعلى الجانب الجمهوري يذهب المحللون إلى أنه حتى إذا خسر ترامب، فإن الحزب الجمهوري لن يبقى على حاله، وانه سوف ينتقل إلى القضايا التي تم طرحها على منبر ترامب لفترة طويلة بعد ذهابه. أما إذا فاز، فسيكون الأمر أسوأ.

وعلى الجانب الديمقراطي، فإن تأثير كلينتون على الحملة والاتجاه الذى تسلكه لاستيعاب جمهور الناخبين التقدميين المؤيد لساندرز، سيكون له آثاره الدائمة على الحزب.

لكن التغيير الأكبر يكمن في لغة الحملة وتأثير ذلك على ما يأتي من حملات في المستقبل. فنجد ترامب وقد نعت كلينتون "بالمتعصبة"، بينما تتهمه هي بتبني سياسات عنصرية ونشر التطرف في أمريكا، وقد وصفت أعماله ب" الشريرة"، وشنت هجومًا على ما دعته " تاريخ مثبت من التفرقة العنصرية في تعاملاته التجارية"، كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست. وأضافت أنه "يعزز الصور النمطية الضارة، مانحًا الضوء الأخضر لمؤيديه المفعمين بالكراهية". وقد أسقطت من حسابها إمكانية أن يتغير في يوم ما، قائلة " إن الحقيقة الثابتة هي أنه لا يوجد دونالد ترامب آخر...وهذا هو كل شيء".وذهب السيناتور تيم كين، نائب كلينتون في السباق الرئاسي الى أبعد من ذلك، من خلال إقران ترامب بمبادئ منظمات "كوكلوكسكلان"العنصرية.[1]

وربما تكون تلك الهجمات مؤثرة، أو ربما يكون جمهور الناخبين قد بدأ في التيقظ، حتى الجمهوريون منهم، إذ أظهر استطلاع جديد للرأي رغبة 62% من الجمهوريين في أن يقوم ترامب بتقديم إقراره الضريبي. كما أن استهانته الواضحة بشأن المرأة تلعب دورها في تراجع شعبيته، وقد سجل في الاستطلاعات الأخيرة نسبة 36% من أصوات الإناث، بينما حصدت كلينتون نسبة 60%. إلا أنه حقق تقدمًا طفيفًا في أصوات الذكور مسجلا 48% من أصواتهم مقابل 42% لصالح كلينتون. كذلك فهو المفضل من قبل الناخبين البيض، حيث حصل على 58% من أصواتهم، مقابل 35% لكلينتون. وتتقدم كلينتون بشكل أفضل مع الناخبين المستقلين، إذ حصلت على 46% من أصواتهم مقابل 41% لصالح ترامب. إلا أن الفجوة الهائلة تكمن في أصوات غير البيض، فقد أظهرت الاستطلاعات حصول كلينتون على 77% من أصوات غير البيض مقابل 15% فقط لصالح ترامب.

وتكمن أسوأ أرقام ترامب في مجتمع الأمريكيين الأفارقة الذين كان يتباهى من قبل بأنه سيحصد غالبية أصواته. وقد وجد استطلاع جامعة كوينيبياك  أن 90% من أصوات الناخبين السود قد ذهبت لصالح كلينتون، بينما حصل ترامب على 1% (فقط) من أصواتهم. بل في الواقع وجد استطلاع آخر للرأي تم في ولاية أوهايو أن النسبة التي حصل عليها ترامب من الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية هي صفر!

ولا تفتقر الاستراتيجية التي يطبقها ترامب للحصول على أصوات الأمريكيين الأفارقة إلى الذكاء فحسب، بل هي في نظر الكثيرين منهم استراتيجية مهينة، إذ خاطب ترامب مجتمع الأمريكيين السود لإقناعهم بالتصويت لصالحه قائلا " ماذا لديكم بحق الجحيم لتخسروه؟ وقال لهم في اجتماع حاشد تم في ولاية ميتشغان " إنكم تعيشون في فقر مدقع، ومدارسكم لا يرجى منها خير، ولا تملكون عملا، 58% من شبابكم عاطل عن العمل.. ماذا لديكم بحق الجحيم لتخسروه ؟ " ثم طلب منهم بعد ذلك أن يمنحوه فرصة, ثم ذهب إلى اتهام كلينتون بأنها ترغب في منح الوظائف إلى اللاجئين عوضًا عن توظيف الأمريكيين الأفارقة، واستطرد واصفًا إياهم "باللاجئين داخل بلادهم".

وعلى الجانب الآخر تتمتع كلينتون بعلاقة شديدة القوة مع المجتمع الأمريكي الأسود، وهي العلاقة التي تضرب بجذورها بعيدًا في تاريخ كلينتون منذ كانت طالبة وحتى فترة رئاسة بيل كلينتون. وبرغم استعانة حملة ترامب الآن بإعلانات تقتبس فيها وصفها للشباب الأمريكي ذو الأصول الأفريقية " بالضواري المفترسة"، إلا أن عملها مع المجتمع الأسود متأصل لدرجة لن تجعل لمثل هذه الاتهامات أثرًا يذكر.

ولا تقتصر مشاكل ترامب على المرأة وغير البيض، بل وتمتد أيضًا إلى الشباب. فوفقًا لاستطلاعات الرأي التي أجرتها صحيفة "USA Today" فإن " الشباب يفرون من ترامب" كما جاء في عنوانها الرئيسي. ووفقًا للجريدة فإن كلينتون تحشد الدعم من جيل الألفية، خاصة أولئك الذين أطلقوا ثورة بيرنيساندرز. وأضافت صحيفة " USA Today" أن ترامب " يتجه نحو تسجيل أسوأ أداء انتخابي بين الشباب في التاريخ الأميركي الحديث".

وحصلت كلينتون على دعم 56٪ من الناخبين الشباب في حين حصل ترامب على 20٪. وترى الصحيفة في ذلك تداعيات تتخطى انتخابات نوفمبر بمراحل. وأضافت أن ضعف موقف ترامب بين الناخبين الشباب وصل لدرجة "غير مسبوقة"، "إذ سجل نسبة أقل من نسبة 32% التي حصل عليها نيكسون بين الناخبين من الفئة العمرية 18-24 عامًا ، والتي  قامت منظمة Gullup باحتسابها في عام 1972. وهي الحقبة التي شهدت مظاهرات الشباب ضد حرب فيتنام".

واستطردت الصحيفة بأن شباب الحزب الجمهوري مثلهم مثل بقية الجمهوريين، ممزقين بين ترامب وولائهم لحزبهم، مقتبسة مقولة لأحد الجمهوريين الشباب " إذا كان هناك مسدس موجه الى رأسي ، فسأظل أقول ترامب. إنه أفضل من هيلاري." هذا بينما اتجه أنصار ساندر بأغلبية ساحقة لهيلاري حيث قرر 77٪منهم التصويت لصالحها،في حين قال 11٪ بأنهم سيصوتون لصالح ترامب.

واختتمت الصحيفة أنه في حال استمرار اتجاه أغلبية الشباب نحو دعم مرشح الحزب الديمقراطي " فسيكون الحزب الديمقراطي  قد حقق انتصارات مضاعفة بين الناخبين الشباب على مدار ثلاثة انتخابات متعاقبة، فضلًا الى أن المرة الأولى كانت منذ أصبحت مثل تلك البيانات متاحة بسهولة، وذلك في عام 1952م، ومن شأن ذلك أن يشكل على مدار السنوات القادمة الانتماء السياسي لأضخم جيل في تاريخ الولايات المتحدة."

ولكن مما يستدعي القلق من جانب ترامب هو ما اتضح في ا ستطلاع جامعة كوينيبيا كما أن 90٪ من الذين شملهم الاستطلاع ثابتين على قرارهم، بما يعني أن نتائج الانتخابات لن تكون مختلفة كثيرًا عن استطلاعات الرأي.

 قضية الهجرة: الفخ الذي وقع فيه ترامب

في محاولته الانتقال الى مرحلة الانتخابات العامة، عاد ترامب مرة أخرى الى قضية الهجرة، القضية الأساسية الناجحة في حملته، والتي أوصلته إلى الصفوف الأولى بين المرشحين للدخول في السباق الرئاسي ومكنته من الفوز بالترشيح.

وكانت مواقفه الأولى من الهجرة متحجرة قاسية، فقد أعلن أنه سيقوم ببناء جدار على الحدود الأمريكية مع المكسيك، ودعا إلى ترحيل 11 مليون مهاجر غير شرعي أو غير موثق،كما دعا إلى فرض حظر على قدوم المسلمين إلى هذا البلد، وقام باستعداء مجتمعات بأسرها بما يشمل ذوي الأصول اللاتينية، والمسلمين، بل وكل مجتمع من مجتمعات المهاجرين تقريبًا.

ولكن في النصف الثاني من أغسطس الحالي، ومع اقتراب الانتخابات، أصابت الصدمة مؤيدي ترامب المتعصبين ضد  المهاجرين، والذين كانوا السبب في ترشحه من البداية، نتيجة لرؤيتهم لمواقفه حول الهجرة وقد بدأت "تلين"، إذ صرح بأنه على استعداد "لتخفيف قوانين الهجرة" وأنه يود ا أن يعمل مع "المهاجرين غير الشرعيين وغير الموثقين من غير المجرمين ".وتحدث عن التحري الإيديولوجي للقادمين الجدد، ثم عاد ليقول لا ، وأنه لن يحيد عن وجهه نظر هبش أن الهجرة . وقال "لا مواطنة..دعوني اذهب إلى أبعد من ذلك .سيقومون بتسديد الضرائب ،سيتعين عليهم دفع الضرائب. لن يوجد عفو ..هكذا ..لن يوجد عفو.. ولكننا سنعمل معهم ".

وبعد اسبوع من إلقاءه لتلك الخطابات، وبعد محاولة مستشاريه تقديم تفسيرًا لمواقفه، لم يتمكن أحد في هذا البلد من فهم سياسته حول قضية الهجرة . وقد وعد بتقديم توضيح لذلك في خطاب ما . ولكن ما يفسر تحول ترامب ،هو أن استطلاعات الرأي أصبحت تُظهر على نحو متزايد رفض قطاع عريض من الأميركيين للعديد من وجهات نظر ترامب حول قضية الهجرة.

ووجد استطلاع جديد أجراه مركز بيو للأبحاث أن "  الغالبية العظمى ممن شملهم الاستطلاع قالوا بأنهم يعتقدون أن المهاجرين غير الموثقين يشغلون الوظائف التي لا يود المواطنون الأمريكيون العمل بها." وهم يؤمنون كذلك بأن هؤلاء المهاجرين " مثلهم مثل المواطنين الأمريكيين من حيث الأمانة والجدية في العمل، وليسوا بأكثر عرضة من المواطنين العاديين لارتكاب جرائم خطيرة".

وكان ذلك رفضًا لآراء ترامب حول قضية الهجرة، ولأنه يلقى اهتمامًا كبيرًا لاستطلاعات الرأي، حاول ترامب أن يختبر ردة فعل الناخبين، ليرى ما إذا كان في إمكانه البدء في تغيير آراءه لاجتذاب الجمهوريين المعتدلين والديمقراطيين العازفين عن كلينتون، وكذلك الناخبين المستقلين.

ولقد أقنع الاستطلاع ترامب بضرورة التغيير، فحتى مؤيدوه، نجد لدى بعضهم                                                "وجهات نظر ايجابية بخصوص المهاجرين غير الموثقين" فيما يخص بعض القضايا. فضلا عن أن غالبية الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع قد رفضوا "جدار ترامب". وجاء في الاستطلاع رفض 61% لبناء جدار على الحدود مع المكسيك، غير أن 63% من الجمهوريين والمستقلين الأكثر ميلاً إلى الحزب الجمهوري يوافقون عليه، بينما يعارضه 84% من الديمقراطيين. ويُظهر الاستطلاع أيضًا تراجع تقديم الدعم لبناء الجدار منذ أن جعله ترامب  من البداية حجر الزاوية لحملته الانتخابية. وبينما بلغت نسبة الدعم لبناء الجدار 38%، نجد ذلك الرقم وقد انخفض الى 36% في الاستطلاع الأخير.

وجاء في استطلاع آخر أجرته اللجنة الاستقصائية للانتخابات الأمريكية بمؤسسة راند RAND Corporation) )،  أنه بينما قام 48%  ممن شملهم الاستطلاع بتأييد بناء الجدار في ديسمبر – يناير، نجد أن نسبة التأييد لبناء الجدار قد انخفضت بين نفس المجموعة من الناس لتصل إلى 38% في يوليو-أغسطس.

 وحاول بيتر بينارت في مجلة المحيط الأطلسي ((The Atlantic أن يقدم تفسيرًا لموقف ترامب المحير من قضية الهجرة. ونصح قارئيه بأن " التركيز على مواقف ترامب المتقلبة لا يوصلك لشيء، وأن مشكلة ترامب الحقيقية لا تكمن في تغيير مواقفه حول قضية الهجرة، بل في محاولته صياغة موقف من الأساس." وأضاف بأن ترامب لم يقدم على الإطلاق في الانتخابات الأولية أي سياسة تتعلق بالهجرة، بل  " إن نجاحه قد اعتمد بدرجة كبيرة على قدرته على تجنب ذلك".

وتُعد ردة فعل مؤيدي ترامب على تخفيفه لحدة موقفه من قضية الهجرة مؤشرًا للصعوبات التي سيتعين على ترامب مواجهتها إذا ما حاول تغيير أسلوبه أو آراءه حول أي قضية من القضايا بهدف خلق شبكة أكبر من المؤيدين بين عامة الجمهور. فأنصاره من الأمريكان البيض يتوقعون منه الالتزام ببرنامجه الانتخابي الأول، غير أن ذلك لن يحسن من موقفه مع جمهور الناخبين بشكل عام، وينتقص من فرصته للفوز أمام كلينتون.

وربما يكون تراجع ترامب في الاستطلاعات الأخيرة قد أقنعه بضرورة تمسكه بالسياسات المتشددة التي ميزت حملته الانتخابية منذ البداية وكانت السبب في فوزه، والتي اتسمت بالشعبوية ومناهضة النظام الحاكم ، ومعاداة المهاجرين. ويعد اختيار هستي فنبانون ،رئيس مجلس إدارة الموقع الإخباري Breibart، مؤشرًا لما ستأتي به حملة ترامب والاتجاه الذي يعتزم المضي به خلال الشهرين الأخيرين من الانتخابات.

ويحمل شهر سبتمبر أحداثًا هامة في مسار الانتخابات، إذ يشهد عقد أول مناظرة بين كلينتون وترامب، مقدمًا للبلاد مقارنة ومفاضلة بين شخصية كل منهما وما ينتهجاه من سياسات وأساليب. فكلينتون التي تجزم دومًا بأن ترامب يفتقر إلى سمات الزعامة والطباع التي تمكنه من أداء مهام القائد الأعلى، ستعمد إلى إثبات وجهة نظرها بوضعه تحت الاختبار في هذه الصفات.

أما ترامب الذي طالما هاجم كلينتون زاعمًا أنها "غير أمينة" وغير جديرة بالثقة، فبالتأكيد سيوظف منبره في تعميق شكوك الجماهير حول أمانتها ومؤهلاتها كزعيم تجدر الثقة به.

ويتمثل التحدي الذي تواجهه كلينتون في قدرتها على الاستمساك بموقع الصدارة الذي حققته من خلال استطلاعات الرأي، والإبقاء على ترامب في خانة الدفاع، كما كان خلال الشهور الماضية.

أما تحدي ترامب فيتمثل في إقصاء كلينتون عن موقع الصدارة وأن يجعل شغلها الشاغل الدفاع عن نفسها ضد اتهاماته لها، وأن يعمل في الوقت ذاته على زيادة رقعة مؤيديه بين عامة الجمهور.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

[1]كوكلوكسكلان (بالإنجليزية: Ku Klux Klan) واختصار اتدعى أيضاKKK, هو اسم يطلق على عدد من المنظمات في الولايات المتحدة الأمريكية منها القديم ومنها من لايزال يعمل حتى اليوم. تؤمن هذه المنظمات بتفوق الجنس الأبيض ومعاداة السامية والعنصرية ومعاداة الكاثوليكية،. تعمد هذه المنظمات عمومًا لاستخدام العنف والإرهاب وممارسات تعذيبية كالحرق على الصليب لاضطهاد من يكرهونه ممثلا للأمريكيين الأفارقة وغيرهم.

كلمات دليلية