;
الصفحة السابقة

نجاح العلاقات يتطلب ترتيب الأولويات وفقًا للأهمية والإلحاح العلاقات العربية الهندية : تبادل المصالح وحدود الشراكة الاستراتيجية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 05 أيلول/سبتمبر 2016

يتردد في دوائر السياسة الهندية تعبيرات مثل "مودي يتجه غربًا"، و"الاتجاه غربًا"، و"ارتبط بالغرب"، وذلك للإشارة إلى ازدياد اهتمام الهند بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، وإعلاء شأن هذه العلاقات لتصبح في مرتبة علاقات الهند بدول جنوب شرق آسيا. فالمنطقة التي يسميها الغربيون ومراكز البحوث الأوروبية والأمريكية بالشرق الأوسط تعتبر من المنظور الجيوستراتيجي الهندي هي "غرب آسيا"، وهذا هو التعبير المتداول لمنطقتنا في الأدبيات السياسية الهندية وهو اسم الإدارة المعنية بها في وزارة الخارجية الهندية.

ويعود اهتمام الهند بالمنطقة العربية إلى مرحلة ما قبل استقلالها في 15 أغسطس 1947م، وهي مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار الإنجليزي، وإلى سياسات الهند المستقلة والأسس التي وضعها جواهر لآل نهرو أول رئيس وزراء لها، والتي تطورت واتخذت مناح متنوعة عبر العقود والسنوات، وصولاً إلى سياسة رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي والذي أعطى للعلاقات الهندية – وخصوصًا الخليجية زخمًا جديدًا، وهو ما تمثل في ازدياد وتيرة الزيارات الرسمية في السنوات الخمس الأخيرة بين الهند والمنطقة العربية، والتي تضمنت زيارة رئيس الوزراء الهندي ووزير الخارجية ووزير الدفاع إلى السعودية والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان ومصر وفلسطين، ومن الجانب الآخر سافر إلى الهند ولي العهد ووزير الدفاع السعودي، ورئيس مصر، وولي عهد الإمارات، وأمير قطر على سبيل المثال.

وترافق مع ذلك بلورة الأطر التنظيمية للعلاقات بين الطرفين ففي عام 2011م، تم توقيع إطار للتعاون الاقتصادي بين مجلس التعاون الخليجي والهند، وفي 2014م، استضافت الهند منتدى التعاون العربي الهندي ومؤتمر الشراكة الهندي العربي الرابع، والذي تم تنظيمه بالتعاون مع جامعة الدول العربية، وفي 2015م، انعقدت الدورة التاسعة من الحوار السياسي بين الهند ودول مجلس التعاون، وتم توقيع معاهدات للتعاون الدفاعي مع السعودية والإمارات وقطر وسلطنة عمان.   

شذرات من تاريخ العلاقات

تضرب العلاقات العربية الهندية بأعماقها في التاريخ الحديث. ويظهر ذلك من عدة جوانب.

فهناك من جانب أول، العلاقات المتميزة بين الهند وبلدان الخليج العربي من القرن الثامن عشر، فبسبب القرب الجغرافي وركوب البحر ازدهرت التجارة بين الطرفين، وأنشأ كبار تجار الخليج وكالات تجارية لهم في بومباي، واستوطنت جاليات هندية المنطقة طلبًا للرزق وفرص الحياة. وفي  مطلع القرن العشرين، كانت الروبية الهندية هي العملة المتداولة في أسواق كثير من مدن الخليج.. وكان كل ذلك قبل اكتشاف النفط.

وهناك من جانب ثان، رابطة النضال المشترك ضد الاستعمار والعمل من أجل تحقيق الاستقلال، ونشأت علاقات تواصل بين الحركة الوطنية في الهند بقيادة حزب المؤتمر والحركة الوطنية المصرية بقيادة حزب الوفد. وتابعت الصحافة المصرية حركة المقاومة السلمية الهندية التي قادها المهاتما غاندي، وعندما ألقت السلطات البريطانية القبض عليه يوم 25 يناير 1931 م، أسمت صحيفة الأهرام هذا اليوم: "يوم غاندي.. يوم الحرية.. يوم الهند"، ونشرت في 10 مارس من نفس العام مقالاً عن الصلة بين البلدين تحت عنوان: "الهند مصر. هل للمسألة الهندية تأثير على المسألة المصرية".

وتفجر هذا الشعور الشعبي تجاه غاندي في سبتمبر 1931م، عندما عبرت الباخرة راجوتانا التي كانت تقله قناة السويس وهو في طريقه إلى لندن لإجراء مباحثات مع السلطات الإنجليزية بشأن استقلال الهند. فخصصت كل الصحف المصرية أماكن بارزة في صفحاتها الأولى لتغطية هذا الحدث، وأرسل كل من مصطفى النحاس باشا زعيم الوفد والسيدة صفية زغلول – زوجة الزعيم سعد زغلول والتي أسميت بأم المصريين برقيتين تعبران عن مشاعر التحية والاحترام لهذا الزعيم الهندي العظيم، وقام وفد من قيادات الوفد بالصعود إلى السفينة للتعبير عن نفس المشاعر، وتكرر نفس الموقف عند مرور السفينة مرة ثانية في طريق عودتها إلى الهند في شهر ديسمبر من نفس العام.

ووصف المفكر الكبير عباس محمود العقاد غاندي بأنه "قديس الإنسانية"، وكتب أمير الشعراء أحمد شوقي: "بني مصر ارفعوا الغار وحيوا بطل الهند .. دعا الهندوس والإسلام للألفة والورد... سلام على حالب الشاه سلام غازل البرد.. سلام النيل ياغندي وهذا الزهر من عندي".

وهناك من جانب ثالث، التعاون العربي الهندي في السياسة الخارجية من الخمسينيات، والذي تضمن رفض الاستقطاب الدولي الذي أملته ظروف الحرب الباردة، واتخذ ذلك شكل امتناع الهند ومصر عن التصويت على قرار إرسال قوات دولية للتدخل في الحرب الكورية عام 1950م، باعتبارهما عضوان بمجلس الأمن، وذلك إدراكًا منهما أن هذا "التدخل الدولي" هو ستار يخفي حقيقة صراع الغرب ضد الشرق.

وازدهرت العلاقات بين الهند ومصر في مجال التعايش السلمي وسياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والتي كان من أبرز محطاتها انعقاد مؤتمر باندونج في 1955م، وإنشاء منظمة الشعوب الإفريقية الآسيوية، وصولاً إلى انعقاد أول مؤتمر لدول عدم الانحياز في القاهرة عام 1961م، ومع حقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وازدياد وطأة الصعوبات الاقتصادية والداخلية في مصر والهند، وتراجع حدة الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، تراجعت حركة عدم الانحياز واختلفت مواقف الدول المؤسسة لها وهي، مصر والهند ويوغسلافيا، وهكذا انحسرت الأسس التاريخية للعلاقات العربية الهندية، وظهرت مصالح جديدة للطرفين.

الرؤية الاستراتيجية وسمات السياسة الخارجية الهندية

تنظر النخبة السياسية الهندية لبلادها كقوة صاعدة وكأحد العوامل المؤثرة في تطوير النظام الدولي الراهن وإعادة تشكيله، فهي– بحق أحد أركان "الصعود الآسيوي" بل يمكن القول أنها الركن الثاني – بعد الصين – في هذه العملية التاريخية، فإذا كانت الصين هي مصنع العالم Factory of the world، فإن الهند هي مكتب العالم Office of the world بحكم تميزها في أنشطة البرمجيات وخدمات المعلومات.

ولهذه النظرة بذورها في مبادئ السياسة الخارجية الهندية من سنواتها الأولى في عهد نهرو والذي أشار إلى دور الهند المركزي في العالم كقوة أخلاقية ومعنوية تعمل ضد الحرب والعنف ومن أجل السلام. بل نجد إرهاصات لهذه الفكرة لدى غاندي الذي أعلى من مكانة الهند ودورها العالمي، وللدلالة على ذلك، نشير إلى التصريح الذي أدلى به إلى مراسل الأهرام أثناء مروره في  قناة السويس ونشرته الصحيفة في 7 سبتمبر 1931م، والذي أورد فيه "إن مصر تصل إلى حريتها سريعًا لو نالت الهند خلاصها الصحيح... إذ اعتقادي الثابت هو أن الهند لو كسبت حريتها بعدم العنف والصدق فإن أثر ذلك يكون عظيمًا للعالم بأثره وبكل تأكيد لكل أمم الشرق"، وتكشف هذه العبارة بجلاء عن اعتقاد غاندي في محورية دور الهند في السياسة العالمية، وانتقلت هذه الفكرة إلى مختلف الأحزاب السياسية في الهند.

 في هذا السياق، أشار رئيس الوزراء مانهوما سينج في عام 2004م، إلى أن التطورات الأكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين سيكون صعود آسيا والذي تلعب فيه الهند دورًا رئيسيًا. كما أن رئيس الوزراء مودي أشار في خطاب له في الولايات المتحدة إلى الدروس التي تعلمها من التجربة الأمريكية حتى تصبح الهند قوة عالمية. وركز في هذا الخطاب على أهمية العوامل الداخلية في تكوين القوة الخارجية للدولة، وأن التنمية الاقتصادية وازدياد الرفاه والحد من الفقر هي أسس لا غنى عنها لممارسة دور عالمي.

تنطلق هذه الرؤية من احترام عميق لدى النخبة السياسية لتاريخ الحضارة الهندية، ولأوضاعها الاجتماعية والثقافية المتميزة والتي تكسبها هوية وذاتية محددة، وتتمثل أهم عناصر السياسة الخارجية الهندية فيما يلي:

  1. الديمقراطية واحترام مبادئ التعددية والتسامح، فالهند مجتمع متعدد القوميات والأديان والطوائف – كما سيرد فيما بعد، ونجحت النخبة السياسية في بناء النظام السياسي الذي يحترم هذه التعددية ويصونها. لذلك فإن السياسة الخارجية الهندية تقوم على أساس التسامح والتنوع. ورغم الطابع الهرمي الهيراركي للعلاقات الاجتماعية بين الجماعات المكونة للهند، فإن ذلك لم ينتقل إلى المجال السياسي الذي يقوم على أساس المواطنة والحقوق والواجبات المتساوية لكل المواطنين.  
  2. احترام استقلال الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ورفض إسقاط نظم الحكم من خلال التدخل بواسطة الخارجي أيًا كان شكل نظام الحكم.
  3. القيم الآسيوية والاعتماد على الذات، وهي سمة تشترك فيها الهند مع عدد من الدول الآسيوية الأخرى، وهي القيم التي تحض على العمل الجاد والانضباط وأولوية مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد والتواضع وعدم التباهي بما تم إنجازه وعدم الإنفاق المظهري أو التفاخري، ويتمثل ذلك في سياسات التنمية المعتمدة على الذات وعدم التوسع في الاقتراض الخارجي، والعمل على تعظيم الاستفادة من الموارد الداخلية.
  4. عدم التدخل في الصراعات بين الدول أو في داخل الدولة الواحدة، ونبذ العنف في حل المشكلات الدولية والداخلية، وحث أطراف هذه الصراعات على تسوية الخلافات بينهما بطريقة سلمية ومن خلال العمل السياسي والدبلوماسي، ويدخل في ذلك إدانة الإرهاب في كافة أشكاله ومصادره.      
  5. الواقعية في إدارة العلاقات الخارجية والتركيز على ما يحقق المصالح الوطنية الهندية بعيدًا عن أي شعارات، وهو ما يفسر الغموض الذي تتسم به السياسة الهندية في بعض الأحيان وسعيها لإقامة علاقات طيبة مع الفرقاء المتصارعين.

وعلى سبيل المثال، فعندما نرصد المواقف الهندية تجاه الأزمة السورية فسوف نجد أن نيودلهي فتحت أبوابها لكل من فصائل المعارضة المدنية وللنظام الحاكم على حد سواء ومن ذلك زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم في يناير 2016م، حيث التقاه رئيس الوزراء مودي، وكان الموقف الهندي هو حث الأطراف على التوقف عن استخدام العنف والسعي للوصل إلى حل سياسي، ولعل أحد بواعث الهند في هذه النقطة هو تخوفها من انخراط عناصر جهادية من إقليم كشمير في القتال، واكتسابها لخبرات يمكن أن تستخدمها مستقبلاً في داخل الهند.

وسعت الهند إلى تطوير علاقاتها مع الدول العربية- وخصوصًا الخليجية في نفس الوقت التي حافظت فيه على علاقات مع إيران وإسرائيل وفقًا لما تتطلبه مصالحها وأمنها القومي، فهي تتعاون مع إسرائيل في مجال التكنولوجيا العسكرية والتصنيع الحربي وتطورت علاقاتها السياسية بشكل سريع وفقًا لهذه المصالح، فقد اعترفت الهند بإسرائيل عام 1950م، ولم يترتب على قرار الاعتراف إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بسبب تنامي العلاقات السياسية بين الهند ومصر وقتذاك، وتأخر إقامة هذه العلاقات حتى عام 1992م، وفي نفس هذا العام صوتت الهند لصالح إلغاء قرار الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، وهو نفس القرار الذي أيدته وصوتت لصالحه عام 1975م. كما تحفظت الهند على الفقرة رقم 6 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، وهي الفقرة التي تدعو إسرائيل إلى الانضمام لمعاهدة منع الانتشار النووي.

وتتطلع الهند إلى تنمية علاقتها الاقتصادية مع إيران خاصة بعد تنفيذ الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها في عام 2016م، وفي هذا السياق، قام رئيس الوزراء مودي بزيارة إلى طهران في مايو من نفس العام، كما وقعت الهند مع كل من إيران وأفغانستان اتفاقية لتطوير ميناء جابهار الذي يقع جنوب شرق إيران على المحيط الهندي، وذلك لتفعيل سبل الانتقال بين الدول الثلاث.   

مصادر القوة الهندية

يثور التساؤل حول عما إذا كانت هذه الرؤية الاستراتيجية الخاصة بمكانة الهند ودورها في العالم هي مجرد طموح طوباوي أم أنها تستند إلى أسس واقعية وإن كانت تحتاج إلى تطوير واستكمال. والحقيقة، أن هذا الطموح الهندي يستند إلى عدد من الأسس الموضوعية.

فمن حيث القدرات البشرية، بلغ عدد سكان الهند في عام 2015م، نحو 1.28 مليار نسمة أي أنها تمثل ثاني أكبر دولة في العالم بعد الصين. وأنتج نظام التعليم الهندي نخبة متميزة وعدد من أفضل الجامعات ومراكز البحوث العلمية والتطبيقية على مستوى العالم مما مكن الهند من الدخول في  عديد من مجالات التكنولوجيا المتقدمة.  

ومن حيث القدرات السياسية، فإن الهند تقدم نموذجًا فريدًا للديمقراطية التعددية الحزبية واستقرار النظام السياسي من عام الاستقلال عام 1947م، وحتى الآن، فخلافًا لما شهدته باكستان وبنجلادش من انقلابات عسكرية وعدم استقرار سياسي، فإن جميع القوى الفاعلة في الهند احترمت الدستور والقواعد التي وضعتها للفصل بين السلطات، وللعلاقة بين المستوى الاتحادي ومستوى الولايات، ولكيفية تداول السلطة، وعلى مدى هذه السنين نجحت الهند في اختبار الديمقراطية ونظمت عديد من الانتخابات البرلمانية وحدث تداول للسلطة بين حزب المؤتمر وأحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب بهاراتيا جاناتا وتوالى على منصب رئيس وزراء الهند خمس عشرة قيادة سياسية شغل بعضها المنصب أكثر من مرة[1]. كما نجحت الهند في اختبار التعايش والعمل المشترك بين الأحزاب رغم اختلاف توجهاتها، ومن ذلك مثلاً أنه في الفترة التي حصل فيها حزب المؤتمر على الأغلبية وشكل الوزارة على المستوى الاتحادي، فإن أحزبًا معارضة له حصلت على الأغلبية في بعض الولايات وشكلت حكوماتها المحلية، مثال، الحزب الشيوعي الهندي الذي حكم ولاية كيرلا.  

يزيد من القيمة الأخلاقية لهذا النظام ويزيد من قدرة الطابع التعددي للمجتمع الهندي الذي يتسم بتعدد القوميات والأديان والطوائف ويعترف الدستور بعدد 22 لغة، وإلى جانب هذه اللغات توجد 33 لغة محلية وحوالي ألف لهجة. وحرصت الأحزاب السياسية على تمثيل هذا التنوع ضمن قياداتها، فكان من القيادات التاريخية لحزب المؤتمر مولانا أبو الكلام آزاد والذي تقلد منصب الوزارة، كما تولى مسلمون منصبي رئيس الجمهورية ونائبه.

ومن حيث القدرات الاقتصادية، تحتل الهند المرتبة السابعة ضمن أكبر اقتصادات في العالم، والذي يتواصل نموه عامًا بعد عام، وبلغ معدل نمو الاقتصاد الهندي في العقد الأخير 6.5% ولم يشهد تراجعًا مماثلاً لما حدث في الصين خلال هذه الفترة، ويقدر صندوق النقد الدولي أن معدل النمو المحتمل للاقتصاد الهندي حتى عام 2030 م، هو 7.5%. وصحيح أن الهند واجهت أزمة اقتصادية في عام 2013م، ولكنها سرعان ما نجحت في تجاوزها.

 واعتمد النمو الاقتصادي الهندي على التقدم في  مجالات الصناعة والزراعة والخدمات والبحث العلمي، وخاصة مع نجاح الهند في خفض معدل النمو السكاني إلى 1.3% وترتب على ذلك انخفاض نسبة الفقر في الريف والحضر إلى متوسط 10%، وازداد انخراط الهند في التجارة الدولية فارتفع من 13% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 25% خلال الفترة 1993-2015م، كما زادت الاستثمارات الهندية في الخارج، وتميزت بصفة خاصة في مجال المعلومات والبرمجيات، والذي يسهم بشكل ملموس في الناتج المحلي الإجمالي وفي الصادرات الهندية إلى الخارج.

ومن حيث القدرات العسكرية، يركز مفهوم الأمن القومي الهندي على حرية التجارة الدولية وسلامة الممرات البحرية التي يمر بها النفط القادم لها وصادراتها المتجهة إلى أنحاء العالم، إضافة إلى اعتبارات التوازن العسكري مع كل من الصين وباكستان.

وركزت الهند على تطوير قدراتها العسكرية برًا وبحرًا وجوًا، وطورت قدراتها على استخدام القوة عن بعد Projection of power at distance، فعلى مستوى القوات البرية يصل عدد أفراد الجيش إلى 1.6 مليون جندي وضابط، وعلى مستوى القوات البحرية، طورت الهند وجود أسطولها في بحر العرب والمحيط الهندي، وامتلكت في عام 2013م، عدد ثلاثة حاملات للطائرات، وعلى مستوى القوات الجوية تمتلك الهند الطائرات القادرة على القتال على مسافات بعيدة، بما في ذلك طائرات الاستطلاع الإلكتروني والإنذار المبكر، وطائرات النقل متعددة المهام والتي يمكن استخدامها في أعمال الإغاثة الإنسانية في حالة الكوارث الطبيعية وعمليات حفظ السلام. كما حصلت الهند على قواعد وتسهيلات جوية في آسيا الوسطى ومدغشقر على الساحل الشرقي لإفريقيا.

ويظلل كل ما تقدم القدرة النووية الهندية، ووفقًا لمؤشرات القوة الشاملة والجاهزية العسكرية، فإن الهند تحتل المركز الرابع في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين.

إن هذا العرض الموجز لمصادر القوة الصلبة والناعمة للهند من جوانبها البشرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية تكشف عن الأساس الموضوعي للقوة الهندية الصاعدة في العالم.

المصالح المشتركة والمتبادلة

هناك عدد من دوائر المصالح المشتركة بين الدول العربية والهند، فكما يحتاج العرب إلى إقامة علاقات إيجابية مع الهند، فإنها بدورها تحتاج إلى دعم مماثل من الدول العربية، وتمثل المنطقة العربية أهمية مزدوجة بالنسبة للهند: أهمية ترتبط برؤية الهند لدورها المتصاعد في العالم، وموقع "غرب آسيا" في هذه الرؤية، وأهمية تتعلق بالمصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية المشتركة والمتبادلة بين الطرفين، وخصوصًا مع دول الخليج العربي، ويمكن تحديد أهم هذه الدوائر فيما يلي:  

  1. دائرة المصالح الاقتصادية، وهي الدائرة التي تحتل الأولوية بحكم ارتباطها بعملية التنمية لدى الطرفين والتي تتضمن في ثناياها عدة مصالح. منها النفط الذي يمثل مصلحة مشتركة بين الطرفين، فالهند هي رابع أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد بصفة رئيسية على نفط الخليج والشرق الأوسط بما يقارب ثلثي استهلاكها، وتعتبر السعودية المصدر الأول من النفط لها، ومن التصريحات الدالة ما أشار إليه وزير النفط الهندي في مارس 2016م، من أن الهند تجري مباحثات حول فكرة "النفط في مقابل الغذاء"، ومنها العلاقات التجارية، إذ تمثل منطقة الخليج رابع أكبر شريك تجاري للهند ورابع أكبر سوق للصادرات الهندية بعد اليابان والصين وكوريا الجنوبية، وزادت قيمة التبادل التجاري بين الطرفين من 55.5 مليار دولار في عام 2000/2001م، إلى 158.1 مليار دولار عام 2012/2013م، أي بزيادة 200% في إحدى عشر عامًا، وتعتبر دولة الإمارات الشريك التجاري الثالث مع الهند بعد الصين والولايات المتحدة. ومنها الاستثمار، وهي مصلحة متبادلة فالهند تسعى لتوسيع فرص استثماراتها في الدول العربية عمومًا وتتطلع إلى مزيد من الاستثمار الخليجي فيها، ويدخل في هذا المجال احتياج العرب إلى التكنولوجيا الهندية المتقدمة في عديد من المجالات، ومن الأرجح أن تكون هذه التكنولوجيا أقل تكلفة من الناحية المالية وبشروط أفضل عن نظرائها الغربية.   
  2. دائرة الجاليات الهندية في منطقة الخليج، يعتبر الهنود أحد المكونات الأساسية في أغلب دول الخليج، ويصل عددهم إلى سبعة ملايين نسمة تصل تحويلاتهم المالية إلى الهند إلى 40 مليار دولار سنويًا، وحقق بعضهم نجاحات اقتصادية وثروات كبيرة في الخليج مما جعل مجلة فوربس الأمريكية تشير في عددها الصادر في مايو 2016م، إلى قادة الأعمال الهنود في العالم العربي وإلى أثرياء الهنود في منطقة الخليج. لذلك، تهتم الهند بحقوق العمال الهنود في دول الخليج.    
  3. دائرة الحفاظ على الاستقرار السياسي، يسعى الطرفان إلى مواجهة مصادر عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، وخصوصًا في المنطقة العربية، وتهتم الهند بهذا الموضوع في ضوء خشيتها من انتشار الأفكار المتطرفة ليس فقط في باكستان وكشمير، ولكن أيضًا في صفوف مسلمي الهند الذين يصل عددهم إلى 150 مليون. كذلك في ضوء تراجع الالتزامات الأمريكية تجاه المنطقة العربية والشرق الأوسط مما يمكن أن يوجد "فراغ نفوذ" سوف تسعى دول أخرى لشغله، وتتطلع الهند إلى الحصول على نصيب لها بوسائل سياسية ودبلوماسية وبأدوات اقتصادية وتجارية.
  4. دائرة الدعم السياسي، فرغم تراجع حركة عدم الانحياز كقوة مؤثرة في العلاقات الدولية إلا أنه ما زال لها دور ككتلة تصويتية في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، ومازالت الهند تحظى بصوت مسموع وسط مجموعات دول الجنوب أو العالم الثالث، وفي هذه الدائرة توجد أكثر من مفارقة فالهند تدرك عمق الصلات بين أغلب الدول العربية وباكستان، ومع ذلك فإنها لا تعتبر هذا الوضع عقبة أمام تطوير علاقاتها، وربما تأمل في أن تطوير هذه العلاقات سوف يوجد من المصالح المشتركة مما يجعل بعض الدول العربية أكثر تفهمًا  لوجهة النظر الهندية أو على الأقل ترغب في عدم استحواذ باكستان على العرب. كذلك فإن الهند تتطلع إلى تطوير علاقاتها مع الدول العربية في نفس الوقت الذي تحافظ فيه على علاقات مماثلة مع إيران، والأرجح أنها لن تقبل من الدول العربية أو إيران أن يفرضوا عليها شروطًا بشأن علاقتها بالطرف الآخر.   
  5. دائرة الأمن، فهناك تهديدات مشتركة لأمن الطرفين، لعل أبرزها أحداث القرصنة البحرية التي تراجعت في عامي 2015-2016م، وأنشطة الإرهاب التي تمثل مصدرًا عالميًا للتهديد لا يمكن لأي دولة أن تتصور أنها بمنأى عنه، وبالنسبة للدول العربية لا يحتاج الموضوع إلى تبيان فقد أصبحت المنطقة مصدرًا لتصدير الأنشطة الإرهابية على مستوى العالم، وفي مايو 2016 حذر تنظيم داعش الهند من هجمات إرهابية متوقعة. من جانبها تخشى الهند من تأثر الجماعات المتطرفة في باكستان وكشمير بأفكار داعش، وممارساتها وتخشى من انتقال هذه الأعمال من نشوب أو حدوث هذه الأعمال على أراضيها.

بماذا نخرج من هذا التحليل؟ إن إدارة العلاقات الخارجية للدولة أو لمجموعة من الدول هي أشبه بقيادة سفينة في بحر هائج يسوده الاضطراب وتلاطم الأمواج، فمع سرعة إيقاع الأحداث، وتداخل القضايا والأدوار والمواقف، فإن على المسؤولين عن إدارة هذه العلاقات أن يتعرفوا جيدًا على المصالح التي يسعون لصونها وحمايتها وأن يرتبوا هذه المصالح وفقًا لأولويات الأهمية والإلحاح، وأن يقترب أو يبتعد عن الأطراف الدولية الأخرى بقدر ما تتطلبه هذه المصالح، فهناك الكثير من الوشائج التي تربطنا بالهند، وهناك أيضًا اختلافات في التوجه والسلوك بحكم اختلاف المصالح العليا الهندية عن المصالح العليا العربية. ولكن الأمر  ليس خيارًا بين الأبيض والأسود، فهناك مجالات واسعة للتعاون والتقارب بل والشراكة الاستراتيجية في بعض المجالات، وهناك موضوعات أخرى يظل الاختلاف قائمًا فيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

[1]- وهم جواهر لال نهرو (1947 -1964)، وجوزاريلال ناندا (1964- 1964)، ولال باهادور شاستري (1964- 1966)، وأنديرا غاندي (1966 -1977)، ومورارجي ديساي (1977- 1979)، وشودري شاران سينج (1979- 1980)، وأنديرا غاندي (1980- 1984)، وراجيف غاندي (1984 -1989)، وفيشواناث براتاب سينج (1989 -1990)، وشاندرا شيخار (1990 -1991)، وناراسيما راو (1991 -1996)، وأتال بيهاري فاجبايي (1996 -1996)، وديفي جودا (1996 -1997)، وإندر كومار جوجرال (1997- 1998)، وأتال بيهاري فاجبايي (1998 -2004)، ومانموهان سينغ (2004 -2014)، وناريندرا مودي (2014 – الآن).   

كلمات دليلية