;
الصفحة السابقة

إيران تستميل المذاهب لمواجهة السلفية ومؤتمر جروزني لعزل المملكة لغط النظام الإيراني بتدويل الحرمين .. مطلب توسعي أم دليل وهن النظام

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 04 تشرين1/أكتوير 2016

نجح حج عام 2016م, ليؤكد مرة تلو الأخرى وللعالم أجمع, قدرة وجاهزية السلطات السعودية في إدارة وتنظيم موسم الحج وكافة الشعائر الدينية في أرض الحرمين الشريفين, انطلاقًا من مسؤوليتها الدينية في خدمة حجاج بيت الله الحرام بكفاءة واقتدار لتحظى وكل عام بثقة وتقدير دول وشعوب العالم الإسلامي, لجهود ومساعي البذل والعطاء من أجل الإسلام والمسلمين التي تبذلها حكومة المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز, وشعبها المعطاء في حسن تنظيم شعيرة الحج, واستقبال ورعاية ضيوف الرحمن, وتأمين سلامتهم وتعزيز إدارة حركة الحشود , وآلاف من الموظفين الحكوميين وأفراد الأمن والكوادر الطبية المؤهلة لتأمين سلامة الحجاج .

 نجح حجالعام 2016م, ليبرهن للعالم الإسلامي, زيف وكذب الاتهامات والادعاءات الإيرانية الباطلة, للتشكيك في قدرة السعودية على تخطيط وإدارة وتنظيم شعيرة الحج ويكشف حجم الموازنات الضخمة المخصصة لعمليات التوسعة والبناء والتشييد والتعمير والتطوير على أرض الحرمين الشريفين، مما يفند الحملات الإيرانية المغرضة, ومحاولاتها اليائسة المضللة تجاه المملكة، وتعريف العالم بأهداف وغايات النظام الإيراني في محاولة زعزعة الأمن والاستقرار بالمنطقة، دون أدنى اعتبار للمواثيق الإنسانية والمبادئ الدولية والحرمات الدينية.

نجح حج العام 2016م, ليقدم دليلًا عمليًا للمتسبب الحقيقي في حوادث الاختناق والتدافع في موسم  2015م، وما قبلها, وتورط أفراد الحرس الثوري المندس بين الحجاج لتنفيذ مهامهم التخريبية, التي لم تعد خافية على المحللين والمراقبين الدوليين , إذ مع قدوم موسم حج كل عام، تتصاعد تحذيرات إقليمية ودولية بشأن تهديدات إيرانية محتملة ينفذها النظام الإيراني، ووكلاؤه، ومرتزقته في المنطقة, لتعكير أمن وصفو شعيرة الحج, فسجل إيران الأسود, منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، حافل بنشر الفتن والاضطرابات في دول المنطقة .

وبالتزامن مع انطلاق موسم حج العام 2016م, خرج مرشد إيران " علي خامنئي " بدعوة رسمية, لانتزاع إدارة شؤون الحج من يد المملكة،  وتعويضها بإدارة إسلامية للمناسك المقدسة، في بيان رسمي، نشرته وكالات الأنباء الإيرانية الرسمية طهران - الريان برس وكالات - 5 سبتمبر 2016م, وبحسب بيان بثته وكالة تسنيم الإيرانية   وجه " خامنئي "نداء إلى حجاج بيت الله الحرام, مطالبًا المسلمين بالتفكير جديًا في إدارة الحرمين الشريفين, وأعزت أصوات الإيرانية مطلبها بالحوادث الأخيرة التي وقعت خلال موسم حج 2015م، ما اعتبرته دليل فشل السعودية في إدارة وتنظيم واحد من أهم الشعائر الدينية على الإطلاق لدى المسلمين .

ويأتي بيان " خامنئي "ليتوج سلسلةً طويلةً من المطالب المماثلة التي أطلقتها شخصيات إيرانية عديدة منذ السنة الماضية، للمطالبة بتدويل الحج، وهذه المطالبات ليست الأولى من نوعها، فقد طالبت إيران بإجراء مُماثل عدة مرات، جاء أبرزها في عام 1987م، لرفع يد السعودية عن شؤون الحرمين في مكة والمدينة، انتهاءً بالمطالبة بفصل مكة والمدينة جغرافيًا وسياسيًا عن السعودية نفسها, في خطوة جديدة تكشف تمسك طهران بمواقفها العدائية تجاه السعودية بشكل خاص,  كما عمدت إيران منذ سبعينات القرن الماضي علي التلويح بتدويل الحرمين الشريفين, كورقة ضغط علي النظام السعودي من حين لآخر، والذي دومًا ما ينشط في أوقات تضطرب فيها العلاقات, ويفقد النظام الإيراني مصداقيته وقوته .

ويأتي العنت الإيراني في موسم حج هذا العام، ومحاولة افتعال أزمة جديدة, بعد  رفضه التوقيع على الاتفاقية المنظمة لشؤون الحج, المقدمة من قبل المملكة، جراء مطالبته بشروط تعجيزية, حالت دون التوقيع على محضر الاتفاق الخاص بترتيبات الحجاج الإيرانيين ، إذ تصر طهران على إقامة مراسم تحمل شعارات سياسية، وهو ما يصعب أمن وسلامة إدارة حشود الحجيج القادمين من أكثر من (78)دولة, الأمر الذي قُوبل بالرفض من جانب السلطات السعودية التي وافقت على غالبية المطالب التي تقدمت بها إيران باستثناء الأمور المخالفة لمناسك الحج [1].

المفارقة أن هذا الرفض الإيراني, يأتي بالرغم من التسهيلات الإدارية والدبلوماسية التي قدمتها الحكومة السعودية بما فيها إصدار التأشيرات بشكل إلكتروني من داخل إيران بموجب آلية متفق عليها, مع مناصفة نقل الحجاج بين الخطوط السعودية ونظيرتها الإيرانية, فضلًا عن الموافقة على تمثيل دبلوماسي عبر السفارة السويسرية في السعودية, لرعاية مصالح الحجاج الإيرانيين, إلا أن سقف المطالب الإيرانية لم يعد يقف عند الإجراءات التنظيمية فحسب, مما يؤشر أن أداء مناسك الحج لم يكن المطلب الحقيقي أسوة بباقي حجاج العالم الإسلامي, إذ يصر النظام الإيراني على المطالبة بحقوق غير مشروعة بقصد تسيس فريضة الحج .

وبقراءة تحليلية لحيثيات اللغط الإيراني من منظور تكاملي, وفحص كافة الثوابت والمحددات التي تحكم السياسة الخارجية, والسجلٌ الأسود الإيراني في انتهاك الحرمات المقدسة في مواسم الحج, وغيرها من العوامل التي وضعت النظام الإيراني في نزاعات وصراعات إقليمية ودولية معقدة, وتسببت له بالكثير من الأزمات المزمنة يمكننا تعرف الإستراتيجيات الكامنة لحقيقة المطالب الإيرانية كما سيتضح تاليًا .

حقيقة المطالب الإيرانية لتدويل الإشراف على الحرمين

مؤكد أن استراتيجية طهران في تأزيم مواسم الحج بشكل ممنهج, وتوظيفها سياسيًا وإعلاميًا, لم تعد ذات الاستراتيجية السابقة التي تستهدف سلب السعودية مكانتها الدينية وقدرة التأثير على أكثر من مليار ونصف مليار مسلم في العالم فحسب, بل ذهب الهدف الإيراني إلى ما هو أعمق من تلك الحوادث التي تتخذها ذريعة, للنيل من مكانة المملكة الدينية،  فإيران دولة ذات أطماع فارسية مجوسية, ارتبطت مؤخرًا ارتباطًا وثيقًا بمخطط دولي آخذ في التشكل, للإخلال بتوازن القوى في المنطقة العربية , وجدت فيه إيران الفرصة المناسبة لتحقيق أطماعها التالية :

  1. إحياء مشروع الإمبراطورية الفارسية لحكم العالم الإسلامي

 

تأتي الرؤية العقائدية من أهم محددات السياسة الخارجية الإيرانية, حيث شكل الإسلام البنية الأيديولوجية الفوقية لإيران ما بعد الثورة، خاصة بصورته الشيعية التي تقوم على وضعه ونشره كهدف رئيسي, معتبرة نفسها قائدة العالم الإسلامي, ومنوط بها الدفاع عنه، كما نص الدستور على إيجاد حكومة تمهد السبيل, لإنشاء أمة عالمية واحدة, والتي لن تتأتى إلا مع استمرار الثورة الإيرانية, وإن تقلص مشروع تصدير الثورة مؤخرًا لعوامل دولية وأخرى إقليمية, بسبب التحولات والمتغيرات الجيوسياسية المتسارعة, وكذا عوامل داخليةبسبب تدهور الوضع الاقتصادي, وعجزه عن الوفاء بمتطلبات المشروع, وفقد القدرة علي الحشد الداخلي بسبب الخلافات بين " ولاية الفقيه " ممثلة بالمرشد الأعلى ومستشارية من المتشددين و "  حكومة روحاني "ومستشارية الإصلاحيين علي نحو يجعل تنفيذه في الوقت الراهن مجازفة سياسية غير محسوبة .

لذا, سعت إيران إلى إنفاذ استراتيجية الهيمنة الإقليمية, كمشروع أولي لقيادة العالم الإسلامي, وحتى يتسنى لها ذلك كان من الضروري البدء بإحداث التغيير العقائدي والثقافي في فكر وقناعات المجتمع العربي والإسلامي, طبقًا للإيديولوجية الفارسية بهدف التأثير في المعادلة الإقليمية, للمزيد من اتساع النفوذ والهيمنة دون الحاجة إلى الأدوات المعتادة للسيطرة والنفوذ, وثنائية " المال والإعلام "التي لا تمتلكها أساسًا في ظل افتقارها اقتصاديًا مع نظام العقوبات المفروض عليها, والذي ما زال قائمًا بسبب انتهاك بنود الاتفاقية النووية, فضلًا عن افتقار وكلائها وممن يرتبط بها أيديولوجيا  وتُعول عليهم في تصدير أفكارها الثورية في المنطقة.

ومن هذه المنطلقات, كان ومازال موسم الحج من كل عام, يمثل الركيزة الأساسية المثلى في السياسة الخارجية الإيرانية , كقوة ناعمة, واسعة الانتشار , محدودة الكلفة لإحداث التأثير العقائدي والصراع الطائفي بين جموع المسلمين, بما يخدم أجندتها السياسية والثورية, عبر ثلاث محددات رئيسة  :

         أ‌-         إسقاط المرجعية الدينية لعلماء السنة, وتحديدًا المؤسسة الدينية في المملكة والتشكيك في معتقدها الديني, باعتبارها المرجعية الأكثر تأثيرًا من الناحية الروحية في الأوساط الإسلامية، حيث دأب المسؤولون الإيرانيون ورجال الدين على مهاجمة النهج الديني ضمن الحملة الإيرانية التي تستهدف المملكة  ومحاولة إظهارها بأنها ليست من الإسلام, وأن معتقدها الديني يمثل أكبر الأخطار المحدقة بالعالم الإسلامي والبشرية على حد تعبيرهم, مع مطالبة العالم الإسلامي بتكثيف مواجهة هذا النهج, ليس عبر القوة العسكرية والسياسية فحسب, وإنما بالتأثير على جموع المسلمين , وبحسب موقع CNN العربية وجه نائب رئيس مجلس خبراء القيادة الإيرانية " محمود الهاشمي الشاهرودي " انتقادات حادة للسعودية، والطعن في كفاءتها لتولي إدارة الحرمين, بقصد فرض تفسـير إيران الطائفي الضيق المسـيّس, لإسقاط المرجعية الدينية السنية للمملكة .

       ب‌-       نشر التشيع أثناء موسم الحج, باعتباره الأداة الأهم في اختراق المجتمعات الإسلامية, إذ تطمح إيران إلى محاولة التأثير مذهبيًا وسياسيًا في مناسك الحج بممارساتها وعقائدها الدينية غير الصحيحة, متحدية في ذلك كافة الإجراءات السعودية المنظمة لصفو وأمن الحجاج, مع تصعيد وافتعال المشكلات من كل عام, واستثمار أدنى الأخطاء والاتجار السياسي والإعلامي بها, لاتهام السعودية بالتقصير , وعدم القدرة على إدارة وتنظيم ورعاية الحج, بما يسهل لها المطالبة- بتدويل الحج والإشراف على الحرمين الشريفين-عبر مشاركة إسلامية تشمل في الغالب إيران, مع تحويل ذلك المطلب إلى موضوع جدل عالمي بقصد التأثير على مسلمين العالم, لإفقاد السعودية التأثير السياسي في العالم الإسلامي, الذي تحاول منافستها فيه, والذي اكتسبته من وجود الحرمين الشريفين على أراضيها, وتحريض المسلمين ضدها، بصفتها الدولة المُضيفة والمُنظمة للشعائر [2].

       ت‌-       الطموح الإيراني بمواصلة تصدير الفكر الثوري الإسلامي وفقًا لنظرية

" ولاية الفقيه " التي تعتبر المنطلق الأساسي للاستراتيجية الإيرانية في بناء الإمبراطورية الفارسية, عبر استثمار وتوظيف كافة المناسبات والمحافل الدينية , للترويج لمزاعمها باعتبارها أفضل نظم الحكم في العالم الإسلامي  ولذلك فإن استهداف السعودية, والنيل من مكانتها الدينية تحديدًا أثناء مواسم الحج التي تستقطب أنظار العالم أجمع, يمثل هدفًا استراتيجيًا في حد ذاته باعتبارها الدولة الأكثر تأثيرًا من الناحية الروحية في الأوساط الإسلامية  بالإضافة لما تمتلكه من سياسات معتدلة, ومقومات مالية, في مواجهة إيران التي تطرح نفسها زعيمة العالم الإسلامي الشيعي, كما أن موسم الحج يعتبر فرصة سانحة لإلهام جموع الحجاج باستنساخ ثورات مشابهة في دولهم  خصوصًا أن المناخ المذهبي الذي يسود المنطقة, لم يعد في صالح إيران ليس باعتبارها أقلية شيعية فحسب مقابل العالم السني الكبير , وإنما بسبب انكشاف مشروعها الإمبراطوري, وحروبها بالوكالة التي دمرت كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن, للتوسع ضمن المدى الحيوي الجيوسياسي في الصراع حول زعامة العالم الإسلامي، ونفوذ " الولي الفقيه "الذي كان للمملكة جهود بارزة في دحره وإفشاله, مما دفعها لإظهار عدائها السافر للسعودية في صراع البقاء الذي تعيشه إيران منذ أكثر من عقدين .

ولإدراك إيران صعوبة تنظيم الفعاليات السياسية التي تخدم أجندتها أثناء حج هذا العام تراجعت عن إرسال حجاجها، كما سعت في الوقت ذاته إلى تحميل السعودية مسؤولية سد الطريق على الحجاج الإيرانيين، على الرغم من انكشاف مزاعمها مع استقبال المملكة حجاج إيرانيين, وصلوا مكة عن طريق دول أوروبية [3].

 

  1. الانفتاح على العالم الإسلامي للتحرر من العزلة الدولية

لما كانت دولة إيران تاريخيًا وإيديولوجيًا وديمغرافيًا, منعزلة إقليميًا ودوليًا باعتبارها الدولة الوحيدة في المنطقة التي يغلب على سكانها التشيع والتحدث بالفارسية, كما أنها مصنفة دوليًا كدولة مثيرة للريبة والشكوك بصفتها داعمة للإرهاب, والتفافها على المعاهدات والقوانين الدولية, لذا فهي تعاني من وحدة استراتيجية, ومحرومة تقريبًا من تحالفات ذات معنى وقوة كبيرة مؤثرة ورابحة إقليميًا ودوليًا, الأمر الذي انعكس على مسار سياستها الخارجية, للخروج من حالة العزلة المفروضة عليها في محاولة لكسب النفوذ والزعامة داخل المنطقة وآسيا الوسطى, وكسر الوحدة الهائلة التي تعاني منها إما بقوتها العسكرية, أو من خلال ميليشياتها المتعددة, كتدخلها السافر في سوريا إلى جانب العراق واليمن, مع استهداف خاص للمملكة العربية السعودية والبحرين .

ولتحقيق تلك السياسة, لم تجد إيران مناص من إثارة مسألة تدويل إدارة الحرمين الشريفين, وإن كان بمزاعم باطلة, وتزييف للحقائق والأحداث, بقصد كسب دعم العالم الإسلامي قدر المستطاع, سعيًا نحو إفقاد السعودية مكانتها الدينية التي ترى فيها إيران قدرة على التأثير الروحي على أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم, وهو ما يتعارض عمليًا مع مخططات " نظام الملالي "الإيراني الذي يسعى إلى تصدير فكر الثورة الإسلامية وولاية الفقيه، ومن ثم الاستحواذ على القدرة التأثيرية التي تنافسها بها السعودية, من خلال إظهار إيران بصفة المدافع عن المسلمين ضد أعداء الأمة, عبر إثارة بعض من القضايا الجدلية التي تبدو في ظاهرها معاداة للغرب, والبراءة من المشركين, والمتاجرة بالصراع العربي/ الإسرائيلي حول القضية الفلسطينية, وقضايا الأقليات الأخرى في العالم الإسلامي , وهي قضايا  وإن كانت إيران تقدم فيها دعمًا شكليًا لأغراض دعائية , وإنما تتداولها كل عام بقصد إحراج السعودية, وتثبيت فكرة مظلومية الشيعة لدى الحجيج, كحاضنة مناسبة للتبشير بالمذهب الصفوي, واستقطاب وتجنيد جماعات النفوذ التابعة له في العالم الإسلامي للتغلغل الآمن في دولهم, بما يحقق لها الزعامة السياسية على العالم الإسلامي .

وفي ذات السياق, عمد النظام الإيراني على استمالة المذاهب الأخرى لمواجهة السلفية السعودية, كما حدث في مؤتمر أهل السنة والجماعة الذي عقد في العاصمة الشيشانية " جروزني "الذي شارك فيه عدد من دعاة الصوفية، ورجال الأزهر, ومحاولة عزل المملكة عن العالم الإسلامي بالتشكيك في نهجها الديني , والزعم أنه ليس من الإسلام في شيء, فضلًا عن عدم إدراج المؤسسات الدينية السعودية ضمن المؤسسات التعليمية للعالم الإسلامي .

  1. انقاذ النظام الإيراني من حالة الوهن والتداعي السياسي والاقتصادي

تأتي المقاطعة الإيرانية لحج لهذا العام في وقت بلغت الخلافات الإيرانية الداخلية ذروتها بين مؤسستي " ولاية الفقيه " و" الرئاسة "حول إدارة الشؤون الداخلية والخارجية, والمعضلات الاقتصادية والتنموية, حيث يجد النظام نفسه عاجزًا عن بلورة إجماع وطني أو إقليمي أو دولي حول سياسته الخارجية, للتكيف والاندماج في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد, الأمر الذي دفع المرشد الأعلى " خامنئي "للظهور بموقف عدائي هجومي غير مسبوق, لانتزاع إدارة شؤون الحج, متهمًا الحكومة السعودية بسد الطريق أمام الحجاج الإيرانيين, وعلى الرغم من أن مقاطعة الحج كانت بتوجيهات من المرشد الأعلى, إلا أنه نأى بنفسه عن ذلك، في محاولة للضغط على حكومة الرئيس " حسن روحاني "وإحراجه, حيث يدرك المرشد الأعلى أن ممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية على السعودية, لتمرير الأجندة الإيرانية الخاصة بموسم الحج, ستقابل بالرفض, ومن ثم ستعزف طهران عن إرسال مواطنيها لأداء فريضة الحج، مما سيصعد من السخط الشعبي لدى التيارات الراديكالية والمحافظة بأطيافها المختلفة في إيران, التي لن تتوانى عن  توجيه اللوم للحكومة والإصلاحيين[4]  لفشلهم في التنسيق مع الجانب السعودي, وهو ما يقوض الزخم المؤيد للإصلاحيين منذ انتهاج " روحاني "سياسة الانفتاح تجاه الغرب, وتسوية الملف النووي خصوصًا مع حرمان إيران من امتلاك التقنية النووية غير السلمية والدخول لمنطقة  " الحصانة النووية " كقوة مؤثرة إقليميًا ودوليًا.

وعلى الصعيد الاقتصادي والمصرفي, تؤشر المعطيات المتوافرة, تداعي ووهن الاقتصاد الإيراني بفعل القيود الدولية, حيث لا يلوح في الأفق أي انفراج سياسي أو اقتصادي, يسمح باستمرار وصمود النظام الإيراني أمام التحولات والمتغيرات الدولية  وبدأت تتجرع إيران انعكاسات التسوية النووية, التي لم تقدم لإيران الكثير لإنعاش اقتصاده المتردي, لا سيما مع تصاعد وتيرة العقوبات الأمريكية ما بعد الاتفاق النووي التي تؤكدها تصريح خبير نظام الملالي " فوأد ايزدي "أن هناك ( 75 )مشروعًا ضد إيران في الكونغرس الأمريكي, تم التصويت على بعضها, تثير مخاوف إيران من  تداعيات الاتفاق النووي, وبحسب ما جاء في تقرير - وكالة فارس للأنباء -المحسوبة على قوات الحرس الإيراني, أكدت استمرار استياء الولايات المتحدة من إيران باعتبارها دولة داعمة للإرهاب, كما أن التوافق النووي بين إيران والدول المعنية بات ملحقًا ومرتبطًا بالأمم المتحدة, مما يعني أن إخلال إيران ببنود الاتفاق النووي  سيدفع الأمم المتحدة, لتكثيف الضغوط وبرنامج العقوبات المفروضة عليها ,في حين أن عدم وفاء أمريكا بالتزاماتها من التسوية النووية, لن يترتب عليها شيء  لتمتعها بحق الفيتو [5] .

وفي ذات السياق, صرح " عباس عراقجي "وكيل وزير الخارجية - وعضو فريق المفاوضين النوويين الإيرانيين - بحقيقة عدم إلغاء العقوبات الدولية المفروضة على إيران, مؤكدًا أن إلغاء العقوبات على خلفية التسوية النووية في العام 2015م، تمت على الورق, مما يؤشر لحقيقة تداعي وافتقار النظام إيراني, الذي بدأ يعاني مؤخرًا من الآثار والتداعيات العملية لاستمرار برنامج العقوبات الدولية, رغم تخليه عن برنامجه النووي غير السلمي, وأفقده الثقل في أي مفاوضات مستقبلية .

 

  1. محاولة استثمار النظام الإيراني المخطط الدولي لفدرلة دول المنطقة

 استهدف المشروع الغربي لإعادة تقسيم وفدرلة الشرق الأوسط الكبير, طبقًا للمخطط الذي وضعه " رالف بيترز "الضابط المتقاعد في الاستخبارات العسكرية الأمريكية ونشر في مجلة القوات المسلحة الأمريكية في يونيو 2006م، وضع كل من مكة والمدينة المنورة تحت وصاية مجلس يترأسه بالتناوب أحد ممثلي الحركات والمدارس الإسلامية الرئيسية على نحو يماثل " فاتيكان إسلامي أعلى "وهو ما يتوافق عمليًا مع رغبة إيران التي تدعو لتدويل إدارة الحرمين أو وضعها تحت إشراف منظمة المؤتمر الإسلامي .

ولما كانت المملكة العربية السعودية الدولة الأكثر استقرارًا وأمنًا في المنطقة  بسياساتها الداخلية والخارجية المعتدلة, وتماسك جبهتها الداخلية, تعمد النظام الإيراني في حج هذا العام, الدعوة لتدويل إدارة الحرمين الشريفين بسيناريو ضمني مفتعل, لإدراجه في مخططات الأطماع الغربية في المنطقة, والكشف عن مدخل مناسب, لتبرير مشاريع الحل السياسي الغربي, للمشاكل والصراعات المتراكمة, والذي قد يتطور إلى المغامرة بطرح خيار الدولة العرقية والطائفية, كنظام إقليمي جديد بديل لـ " سايكس – بيكو " إذا ما استمرت إيران في إشعال فتيل الفتن الطائفية, والهيمنة والسطوة عن طريق عسكرة شعوب بعض دول المنطقة , وفرض مليشيات مسلحة داخلها ، لانزلاق المنطقة إلى صراعات أكثر حدة .

ولتحقيق تلك المطامع, دأب المجهود الإيراني الممنهج باستثمار الأحداث العارضة التي تقع في موسم الحج, لإفقاد السعودية مكانتها الدينية التي ترى فيها إيران قدرة تأثيرية , تتيح لها التأثير الروحي على أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم وهو ما يتعارض عمليًا مع مخططات " نظام الملالي "الإيراني الذي يسعى إلى تصدير فكر الثورة الإسلامية وولاية الفقيه ، ومن ثم الاستحواذ على القدرة التأثيرية التي تنافسها بها السعودية, من خلال إظهار إيران بصفة المدافع عن المسلمين ضد أعداء الأمة, مع إثارة بعض القضايا الجدلية التي تبدو في ظاهرها معاداة للغرب والبراءة من المشركين, كالمتاجرة بالصراع العربي / الإسرائيلي حول القضية الفلسطينية وقضايا الأقليات الأخرى في العالم الإسلامي , وهي قضايا  وإن كانت إيران تقدم فيها دعمًا شكليًا لأغراض دعائية, وإنما تتداولها كل عام بقصد إحراج السعودية , وتثبيت فكرة مظلومية الشيعة لدى الحجيج, كحاضنة مناسبة للتبشير بالمذهب الصفوي  واستقطاب وتجنيد جماعات النفوذ التابعة له في العالم الإسلامي, للتغلغل الآمن في دولهم , بما يحقق لها الزعامة السياسية على العالم الإسلامي .

وعمد النظام الإيراني على استمالة المذاهب الأخرى لمواجهة السلفية السعودية كما حدث في مؤتمر أهل السنة والجماعة الذي عقد في العاصمة الشيشانية " جروزني "الذي شارك فيه عدد من دعاة الصوفية، ورجال الأزهر , ومحاولة عزل المملكة عن العالم الإسلامي بالتشكيك في نهجها الديني, والزعم أنه ليس من الإسلام في شيء  فضلًا عن عدم إدراج المؤسسات الدينية السعودية ضمن المؤسسات التعليمية للعالم الإسلامي .

مستقبل الهيمنة الإيرانية على العالم العربي والإسلامي

قياسًا على تاريخ إيران الاستفزازي, من المتوقع أن تستمر في نهجها القائم على نسج الأكاذيب وتزييف الحقائق, التي باتت سمة لسياستها الخارجية, على أمل القبول بها كشريك فاعل إقليميًا ودوليًا, مما يستوجب رفع التدابير المضادة للتصدي للألاعيب الإيرانية, وكشف مخططاتها في تمزيق دول المنطقة, والهيمنة الدينية على العالم الإسلامي, وإن كانت المعطيات الجيوسياسية والدينية والديمغرافية للمنطقة العربية لا تسير في صالح المخططات الإيرانية .

فعلى الصعيد العقائدي، إذا كان الشيعة الموالين لإيران قادرين على الحفاظ على النفوذ في - العراق - سوريا - لبنان - بدعم إيراني، فإنهم لن يستطيعوا المنافسة على نطاق أوسع، لأن حوالي (90)بالمائة من العرب هم من المسلمين السنة، وسيتحالفون حتمًا مع السعودية  على الصعيد السياسي, إن لعب إيران دور الشرطي أو الوصي الإقليمي أمر غير منطقي, ولا يمكن تحقيقه طبقًا لمنطق الغلبة, إن كان إيرانيًا أو فارسيًا أو مذهبيًا لا يمكن تمريره في منطقة محكومة بتوازناتها وأهميتها الجيوسياسية والاقتصادية، وفي عالم عربي له مصالحه وتاريخه ومنظومة قيمه, ودوره القيادي في العالم الإسلامي وفي حال تقاطع مصالح إيران مع دول سنية , أو استمالتها بشكل أو بآخر لا تخلو الاستراتيجية السعودية من القدرة على إحداث التوازن المرغوب, فتمويل لبنان قد توقف بالكامل تقريبًا بسبب موقفها من تنظيم حزب الله الإرهابي, كما ساعد النفط السعودي المهيمن دوليًا في إقناع إيران وروسيا بدفع نظام " الأسد "مجبرًا إلى طاولة المفاوضات [6]  .

وعلى الصعيد العسكري, أسهمت سياسة إيران التوسعية في المحيط العربي, المتخذة من الولاية السياسية المباشرة باسم الدين ذريعة للهيمنة والسطوة عن طريق عسكرة شعوب بعض دول المنطقة, وفرض مليشيات مسلحة داخلها، مع ربط استقرار هذه الدول بقبول الدور الإقليمي لإيران, كتدويل أزمة العراق وسوريا واليمن , أسهمت في انكشاف النظام الإيراني سياسيًا وعقائديًا, وطبيعة وحقيقة أهدافه الأمنية والعسكرية  لاسيما بعد انهيار أدوات الحماية اللازمة لوكلائها وميلشياتها المقاتلة في تلك الدول  والتي تم بناءها طوال ما يقرب من أربعة عقود, وببذل الكثير من المال والدعاية السياسية والدينية، حيث أضحت هذه التكتلات والأحزاب في مواجهة مصيرية تمامًا مع تحالفات دولية, وقوى جهادية راديكالية عنيفة, مما جعلها في خضم صراع آخر بخلاف ما رسمت له الإدارة الإيرانية من توجهات وأهداف خاصةً, فضلًا عن الإطاحة بالمشروع النووي وغيره من الإمكانات الإيرانية الأخرى الواحد تلو الآخر .

وعلى الصعيد الاقتصادي, وبفعل العقوبات الغربية المفروضة على إيران حتى الآن بسبب انتهاكاتها المستمرة للتسوية النووية, لا يزال الاقتصاد الإيراني يعاني من شلل في عدة مجالات خاصة المعاملات المصرفية, وبحسب خبراء دوليين, فإن تعافي الاقتصاد الإيراني سيكون بطيئًا، بسبب تراجع النفط وهو المحرك الأساسي للاقتصاد كما أن رفع العقوبات لن يكون مباشرة بل سيكون تدريجيًا, وأن المشوار في بدايته  خصوصًا مع استخدام المملكة أسعار النفط كسلاح ضد إيران وحليفتها روسيا, والتحكم بالحصة السوقية في العالم في ظل تراجع مخزون الولايات المتحدة, وارتفاع كلفة استخراج النفط الصخري [7] ، وباحتياطات لا حدود لها من النفط القابل للاستخراج بثمن ميسر ، مما يمكن المملكة من إغراق أو خنق السوق بحسب الحاجة , لكبح جماح إيران وروسيا وكلاهما بحاجة إلى ارتفاع أسعار النفط , للحفاظ على النمو الاقتصادي.

وتُأتي خطة ولي ولي العهد السعودي الاقتصادية الجديدة - رؤية 2030 - التي كشف عنها في شهر مايو/ أيار الماضي، جبهة أخرى في الحرب الاقتصادية , لتبرهن أن المملكة بمنأى عن الضغوط الاقتصادية الداخلية التي تعاني منها إيران, لاعتماد التحول السعودي للتنويع الاقتصادي, وتوخي إنشاء صندوق ثروة سيادية ضخم من شأنه التخفيف من تأثير انخفاض إيرادات النفط على المدى المتوسط والبعيد .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

 

[1]http://almdarnews.net  09/05/2016   

[2] " الخليج العربي : 29 ذو القعدة 1437 -1 سبتمبر 2016  ".

[3]http://www.latimes.com/world/la-fg-iran-saudi-hajj-20160907-snap-story.html#nt=oft01a-1la

[4]   http://arabic.sputniknews.com/arab_world/20160419/1018415124.html

[5]Copyright People's Mujahidin Organization of Iran18 – 8 2016  

[6]  روبرت هارفي : حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت 2016 .

[7]http://www.wsj.com/articles/oil-futures-extend-gains-in-asia-trading-1473313590

كلمات دليلية