انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 112 تقرير خاصدور طوكيو في المنطقة بين المصالح والضغوط الأمريكية رؤية اليابان لحل القضية الفلسطينية تعتمد على ثلاثة مبادئ

دور طوكيو في المنطقة بين المصالح والضغوط الأمريكية رؤية اليابان لحل القضية الفلسطينية تعتمد على ثلاثة مبادئ

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 04 تشرين1/أكتوير 2016

 

 يبدو للوهلة الأولى لكل من يتابع بشكل دقيق الموقف الياباني من القضية الفلسطينية أن اليابان لا تلعب دورًا سياسيًا بارزًا في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة والقضية الفلسطينية بصفة خاصة نظرًا لتركيزها على الجانب الاقتصادي فقط باعتباره الأولوية الأولى لها وللدول التي تتعامل معها, إلا أن الواقع يؤكد أن هذه المقولة يجانبها الصواب تمامًا حيث أن الدور الياباني في المنطقة وفى الموضوع الفلسطيني يعد دورًا مميزًا ويتسم بالفاعلية الواضحة والنشاط المتواصل .

 ولعل المرحلة الأولى من السياسة اليابانية تجاه المنطقة وهى المرحلة التي بدأت في أوائل الخمسينات لم تشهد تبلور أية أدوار يابانية محددة تجاه هذه المنطقة, بل شهدت علاقات يابانية مقننة مع الجانب الإسرائيلي وهذا الأمر يجد تفسيره في أن إسرائيل كانت حريصة بعد إعلان قيامها عام 1948م، أن تتجه إلى القارة الآسيوية وكانت اليابان من أهم هذه الدول (وكذلك الهند) طبقًا للمخططات الإسرائيلية حيث أسرعت إسرائيل إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية مع اليابان منذ عام 1952م، وأدى ذلك إلى بدء تعاون واضح بين الدولتين في مجالات متعددة سياسية واقتصادية وعسكرية .

 وقد أدى تنامي العلاقات اليابانية / الإسرائيلية إلى اتخاذ اليابان مواقف مختلفة تراوحت بين تأييد إسرائيل في مراحل معينة على حساب الجانب العربي وانتهاج سياسة الحياد في مراحل أخرى, واستمر الأمر على هذا النحو حتى بدأ نوع من التغيير في السياسة اليابانية في بداية الستينات بعد حدوث تطور إيجابي إلى حد ما في العلاقات اليابانية / العربية في المجال الاقتصادي, وقد بدأت آثار هذا التغيير المبدئي في أعقاب حرب 1967م، حيث طالبت اليابان بضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل الخامس من يونيو وعدم جواز احتلال الأراضي بالقوة, إلا أننا نلاحظ هنا أن اليابان طالبت بأن تكون إسرائيل في حدود آمنة معترف بها وهو ما عكس حرصها على استمرار علاقاتها الجيدة مع إسرائيل .

 جاءت حرب أكتوبر 1973م، لتدشن مرحلة التغيير الحقيقي في السياسة اليابانية تجاه منطقة الشرق الأوسط وذلك في أعقاب تفاقم أزمة الطاقة في العالم في أعقاب القرار السعودي التاريخي بخفض ثم حظر تصدير البترول إلى بعض الدول التي دعمت إسرائيل في الحرب, وهنا أدركت اليابان أن عليها إدخال تعديلات جوهرية على سياساتها في المنطقة وتحديداً تجاه الصراع العربي / الإسرائيلي بل عليها أن تكون أكثر انخراطًا في قضايا المنطقة وألا تنتهج أية سياسات منحازة لإسرائيل خاصة مع وضوح مشروعية الحقوق العربية والفلسطينية ووجود تأييد من جانب المجتمع الدولي والأمم المتحدة لهذه الحقوق .

 وارتباطًا بهذه المواقف السابقة من المهم أن نتعرض إلى بعض المحددات المحيطة بمواقف اليابان تجاه قضايا المنطقة وأهمها ما يلي :

   التجربة القاسية التي تعرضت لها اليابان خلال الحرب العالمية الثانية ( إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما ونجازاكي في نهاية الحرب وإلحاق هزيمة بدول المحور التي كانت اليابان إحداها ) وإدراكها أنه يجب أن تعيد بلورة سياستها في إطار النظام العالمي الجديد الذي أفرزته الحرب حتى لا تتعرض اليابان إلى أية تجارب أخرى تؤثر على مستقبل وكيان الدولة .

    ظهور الولايات المتحدة كأحد قطبي السياسة الدولية لفترة طويلة ثم انفرادها بأن تكون وحدها هي القوة الأعظم في المجتمع الدولي وبالتالي حرصت كافة دول العالم على التقرب منها من خلال إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل باعتبار أن ذلك كان يعد الشرط الغير معلن لدعم علاقات أية دولة مع واشنطن .

   تميز اليابان كإحدى القوى الاقتصادية المؤثرة في العالم وما يقتضيه ذلك من إقامة علاقات طيبة مع الدول العربية ولاسيما دول الخليج مما يضمن لليابان استمرار تدفق البترول إليها من ناحية وما يوفره لها المجتمع العربي من سوق استهلاكية كبيرة لتصدير منتجاتها المختلفة إليه بالإضافة إلى فتح مجالات للاستثمار مع هذه الدول .

   قناعة اليابان بأن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفى لإعطاء الثقل المطلوب لدولة بحجمها الاقتصادي مما استلزم الأمر أن يكون لها دور سياسي حتى يعطي تحركها في المنطقة الثقل المطلوب الذي تهدف إليه .

 وقد حرصت اليابان على أن تحدد رؤيتها لتسوية الصراع العربي / الإسرائيلي من خلال التأكيد على المبادئ التالية :

    ضرورة انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية التي احتلتها في حرب عام 1967م، مع ضرورة تطبيق مقررات الشرعية الدولية الممثلة في الأمم المتحدة وتنفيذ كافة القرارات التي أصدرتها لتسوية هذه الأزمة .

    حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف .

   تأييد مبدأ حل الدولتين والذي يطالب بإقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام وأمن واستقرار بجوار دولة إسرائيل .

وقد أدى انخراط اليابان في العملية السياسية في الشرق الأوسط إلى قيامها بتعيين مبعوث خاص لها للسلام في المنطقة حيث يقوم هذا المبعوث بجهود واضحة وينفذ العديد من اللقاءات والزيارات لكافة الدول المباشرة والمعنية بما فيها مناطق السلطة الفلسطينية ( رام الله تحديدًا ) ويلتقي مع كبار مسؤولي هذه الدول, كما يقوم بنقل مواقف الأطراف إلى دولته حتى يكون تحركها مستندًا على أسس واضحة وواقعية , وفى الجانب المقابل يقوم المبعوث الياباني بنقل توجهات حكومته إلى مختلف الأطراف التي يلتقيها, ومن الواضح أن دور هذا المبعوث يتسم بالنشاط والتحرك المقبول والمرحب به من ومع الجميع .

 وبالتوازي مع التحركات السياسية اليابانية التي هدفت إلى دعم وضعيتها تجاه القوى الإقليمية والدولية كان لليابان مواقف وأدوار ذات أهمية كبيرة وقد تمثل ذلك في الدعم الاقتصادي الهادف لدعم انطلاق العملية السياسية والحفاظ عليها , وقد بدا هذا الدور واضحًا جليًا منذ عقد مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر 1991م، واتفاقات أوسلو التي تم توقيعها بين إسرائيل والفلسطينيين وهنا نؤكد على الدور الذي قامت به اليابان في دعم السلطة الفلسطينية ماديًا منذ نشأتها عام 1993م، وحتى الآن وتقديمها المساعدات والمنح المختلفة وإقامة المشروعات الاقتصادية التي من شأنها رفع المستوى الاقتصادي للسكان الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة , وتشير الإحصائيات المتوافرة إلى أن اليابان قدمت للسلطة الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن مساعدات بلغت أكثر  من مليار دولار  .

وفى نفس الإطار اتخذت السياسة اليابانية مسارًا إيجابيًا في المشاركة في التطورات المختلفة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين وهو ما يمكن إيضاحه على النحو التالي :

   ** إحجام اليابان عن استيراد البترول من الكويت بعد الاحتلال العراقي لها عام 1990م، رغم احتياج اليابان الشديد له .

   ** تقديم الدعم الكامل للحكومة العراقية الحالية في كافة المجالات الممكنة بما يساعد على تحقيق الاستقرار في العراق .

   ** المشاركة في مؤتمري إعادة إعمار قطاع غزة الذين عقدا في مصر عامي 2009 و2014م، والموافقة على تقديم منح مالية كبيرة بالمشاركة مع مجموعة الدول الأخرى في هذا الشأن .

   ** دعم اليابان للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية وكذا دعم كافة الاتفاقات التي تم الوصول إليها لتحقيق هذا الهدف وعلى سبيل المثال اتفاق جنيف / 1 واتفاق جنيف / 2 وأية اتفاقات من شأنها إنهاء هذه القضية سلميًا .

   ** الدعم الياباني الكامل للموقف السعودي من أجل استعادة الشرعية في اليمن وإعلان دعم كل من عاصفة الحزم واستعادة الأمل .

   ** التوافق مع كافة التوجهات التي ترى أهمية تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها منطقة استراتيجية تؤثر الأحداث الجارية فيها على المصالح الدولية .

 كما لم تكن اليابان بتاريخها وخبراتها الكبيرة بعيدة عن المشاركة في أخطر القضايا التي تواجه ليس منطقة الشرق الأوسط فقط ولكن العالم كله وأقصد بها قضية الإرهاب فأسرعت تمد جسور التعاون والتنسيق مع كافة الدول التي تعانى من الإرهاب أو تلك الدول المستهدفة من الإرهابيين, وشاركت في معظم المؤتمرات التي خصصت لبحث هذا الموضوع وتحديد الوسائل الكفيلة بالقضاء على ظاهرة الإرهاب أو تحجيمها على الأقل, خاصة وأن اليابان هي إحدى تلك الدول التي عانت من هذه الظاهرة في فترات مختلفة بغض النظر عن طبيعة الأسباب المرتبطة بظهورها في دولة مثل اليابان .

 ومن الضروري ونحن نعالج السياسة اليابانية في المنطقة أن نتعرض إلى العلاقات الاقتصادية بين اليابان والدول العربية بصفة عامة ودول مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة حيث أن هذا الجانب يعد أحد العوامل الرئيسية التي يجب استثمارها لدعم العلاقات اليابانية / العربية من ناحية ودعم الموقف الياباني لصالح القضية الفلسطينية من ناحية أخرى, وفى هذا المجال من المهم أن نشير إلى بعض الإحصائيات المرتبطة بهذا الأمر :

   ** توفر منطقة الخليج لليابان حوالي 86% من احتياجاتها من مصادر الطاقة بمختلف أنواعها وهى بذلك تمثل نسبة مرتفعة للغاية .

   ** بلغ حجم التبادل التجاري بين اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي عام 2001 46 مليار دولار , ثم وصل عام 2012م،  إلى حوالي 150 مليار دولار منها 55 مليار دولار مع المملكة العربية السعودية و48 مليار دولار مع دولة الإمارات العربية المتحدة ثم ارتفع هذا الحجم إلي حوالي 180  مليار دولار عام  2015م .

   ** هناك اتفاق بين اليابان وكل من دولتي السعودية والإمارات على تنمية الموارد البشرية في هاتين الدولتين لتدريب أكثر من عشرين ألف متدرب على أيدي خبراء من هيأة التعاون الدولي اليابانية ( الجايكا ) .

   ** إن دولة الإمارات العربية المتحدة تعد أكبر شريك تجارى مع اليابان بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي تليها المملكة العربية السعودية ثم قطر ثم الكويت.

   ** تستورد اليابان حوالي 30% من مجموع احتياجاتها من الغاز المسال من  دول الخليج .

وارتباطًا بنفس هذا الموضوع من المهم أيضًا أن نحدد جانبًا من طبيعة العلاقات  الاقتصادية بين اليابان والمملكة العربية السعودية, وفى هذا الشأن نشير إلى ما يلي :

   ** أن اليابان تستورد حوالي ثلث احتياجاتها من النفط الخام من السعودية وبالتالي  تعتبر السعودية هي أهم مورد في العالم  لليابان في هذا المجال .

   ** بلغت إجمالي قيمة الصادرات اليابانية إلى السعودية عام 2014م، حوالي 10 مليار دولار في حين بلغت قيمة الصادرات السعودية إلى اليابان في نفس العام حوالي 42 مليار دولار .

   ** أن اليابان  تعتبر هي الدولة الرابعة في العالم من حيث حجم الاستثمارات الأجنبية  في السعودية بعد كل من الولايات  المتحدة وبريطانيا وفرنسا .

كما  يبدو من الأهمية الإشارة إلى جانب جديد في العلاقة العسكرية بين الجانبين الياباني والخليجي للتأكيد على مدى التطور الإيجابي في العلاقات اليابانية / العربية, فقد تم توقيع مذكرة تفاهم مؤخرًا (2016م) في المجال الدفاعي بين وزارتي الدفاع في كل من اليابان والسعودية ( يقصد به التعاون في مجال  المعدات الدفاعية ) وكان قد سبقها توقيع اتفاق مماثل مع مملكة البحرين عام                2012م, ومن الممكن أن يكون هذا  التعاون فاتحة جديدة نحو تعاون أكبر في المراحل القادمة مع دول عربية أخرى  .

وبالرغم من العلاقات الجيدة بين كل من الجانبين الياباني والإسرائيلي في مراحل سابقة (الخمسينيات والستينيات) إلا أن الجانب العربي نجح في تطوير علاقاته مع اليابان بصورة مضطردة بعد حرب أكتوبر 1973م، حتى وصلت العلاقات الاقتصادية إلى مرحلة مميزة للغاية تؤكدها الأرقام والإحصائيات لاسيما مع دول مجلس التعاون الخليجي, ومن الواضح أن هذه العلاقة سوف تأخذ منحى أكثر تطورًا في المراحل القادمة, هذا في مقابل  التوجه الياباني الواضح لعدم اقتصار العلاقة على الجانب الاقتصادي بل العمل على أن يكون لليابان دور سياسي مؤثر يتفاعل ويتعامل مع كافة القضايا التي تشهدها المنطقة سواء التطورات  الأخيرة في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن أو القضية المحورية في المنطقة  والمقصود بها القضية الفلسطينية .

ومن المهم أن نؤكد هنا أن تطور العلاقات / اليابانية العربية لا يعني أنها  ستكون على حساب العلاقات اليابانية / الإسرائيلية وهو الأمر الذي  يجب أخذه في  الاعتبار  في ضوء العوامل التالية : -

      ** أن اليابان حريصة على أن تكون سياساتها متوازنة وأن تكون قنوات اتصالها مفتوحة مع جميع الأطراف حتى تستطيع التحرك مع كل القوى الإقليمية والدولية دون قيود على هذا التحرك .

   ** أن إسرائيل سوف تحرص من جانبها على أن تطور علاقاتها مع اليابان  خاصة في المجالات  التي تبتعد إلى حد كبير عن  طبيعة أولويات العلاقات العربية / اليابانية ولاسيما بالنسبة للجانبين العسكري والأمني (معدات دفاعية وأمنية لمواجهة أية عمليات إرهابية متوقعة ) .

   ** حرص اليابان على ألا  تثير حفيظة أو اعتراض الولايات المتحدة في إطار علاقاتها (أي اليابان) مع إسرائيل وبالتالي فهي حريصة على ألا تلجأ إلى اتخاذ أية إجراءات مؤثرة ضد إسرائيل قد لا ترضى عنها الولايات المتحدة وبالتالي تتأثر العلاقات اليابانية / الأمريكية سلبًا .

   ** سوف تظل اليابان متمسكة بمواقفها التي تعكس رؤيتها بالنسبة لعملية السلام في الشرق الوسط دون تطوير ملموس عن وضعيتها الحالية إدراكًا منها أن الولايات المتحدة هي التي تمتلك مفاتيح تحريك عملية السلام في ضوء علاقاتها المميزة مع إسرائيل وباعتبارها الدولة الوحيدة في  العالم التي يمكن لها أن تضغط على إسرائيل إذا ما توافرت لها الإرادة اللازمة لممارسة هذا الضغط .

*** وفى ضوء ما سبق فمما لا شك فيه أن اليابان تتحرك بشكل قوى لدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في ضوء ما تمتلكه من قوة سياسية ( نسبية ) عززتها قوتها الاقتصادية ولكن يظل هذا الدور مرهونا بالموقف الإسرائيلي المتشدد ومدى رغبته في تقديم التنازلات المطلوبة من أجل تحريك العملية السلمية وهو الأمر الذي لا توجد له أية ملامح أو مقدمات حتى الآن, ومن المهم أن تستمر الدول العربية والدول الخليجية بصفة خاصة في دعم علاقاتها الاقتصادية مع اليابان وهو الأمر الذي يسير بخطوات ناجحة ومثمرة أملاً في أن يتم ترجمة الدور الاقتصادي ليتناسب مع الدور السياسي عندما تكون الظروف الإقليمية والدولية مناسبة وتتيح لليابان أن تلعب الدور الحيوي الذي يتمشى مع قوتها الاقتصادية .

---------------------

رئيس قسم الدراسات الإسرائيلية والفلسطينية بالمجلس المصري للعلاقات الخارجية

كلمات دليلية

الشركات المعلنة