;
الصفحة السابقة

اليابان تتغير ببطء لتصبح فاعلاً سياسيًا وذلك يستغرق وقتًا طويلاً الخليج واليابان: طوكيو تجد مصالحها في الاقتصاد قبل ما سواه

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 04 تشرين1/أكتوير 2016

في أغسطس 2015م، وبمناسبة مرور سبعين عامًا على نهاية الحرب العالمية الثانية، ألقى رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي خطابًا قويًا مفعمًا بالمعاني المؤثرة والأفكار الموحية، وكان من أهم الأفكار التي تناولها أن على العالم أن يطوي صفحة تذكير اليابان واليابانيين بالتجاوزات والأخطاء التي ارتكبتها الحكومة اليابانية، وخصوصًا الجيش الياباني أثناء الحرب وخلال الحكم الاستعماري الياباني لأقاليم من الدول الآسيوية. وأشار آبي إلى أنه على مر السنين، فقد قدمت اليابان مجموعة من الاعتذارات المؤكدة والثابتة، وأنه لا يجوز أن تعيش الأجيال القادمة محكومة بتراث الماضي أو أسرى ذكرياته، وأن تشعر بالندم لما قام به أجدادهم من عقود مضت. وسعى آبي من خلال هذا الخطاب إلى تحرير الشباب الياباني من عقدة الذنب والشعور به على أمور ليس لهم شأن بها أو مسؤولية عنها، وأن من حقهم العيش في سلام مع أنفسهم والغير خصوصًا في ضوء الثمن السياسي والعسكري والنفسي الذي دفعته اليابان بعد هزيمتها في الحرب.

ولعل هذا الخطاب يمثل نقطة مهمة في تطور اليابان في السنوات القادمة، ولعله أيضًا تتويج للتطورات التي شهدتها الدولة خلال السنوات الخمسة الأخيرة 2011-2016م، والتي اتسمت بأمرين: أولهما، تعافي الاقتصاد من مرحلة الركود وتباطؤ النمو  وابتداء مرحلة جديدة من التحديث الصناعي والتجديد التكنولوجي والتنافسية على الصعيد الدولي. وثانيهما، تنامي الشعور السياسي بضرورة استكمال اليابان لعناصر قوتها الشاملة، وبالذات في المجال العسكري، فتم إعادة تفسير المادة التاسعة من الدستور والتي كان فهمها السائد أنها تمنع اليابان الحق في امتلاك جيش، ونصت على أن الشعب الياباني قد "تخلى إلى الأبد عن الحرب كحق سيادي للدولة، وعن القيام بأية أعمال عدوانية أو تهديد بواسطة العنف كوسيلة لحل النزاعات الدولية"، وأن مهمة قوات الدفاع الذاتي، وهذا هو الاسم القانوني للجيش الياباني هي الدفاع عن البلاد ولا يجوز له العمل أو الوجود خارجها.

وتدريجيًا حدث التغير، فوافق البرلمان على المشاركة في قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، فكانت المشاركة في كمبوديا في تسعينيات القرن الماضي، وظهرت القوات اليابانية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي لها عام 2003م، وتبنت الحكومة سياسة دفاعية ووثيقة جديدة للأمن القومي في 2013م، تعكس المفهوم المتطور لهذه المادة.

وباختصار، فإن البيئة السياسية والاستراتيجية للسياسة اليابانية تتغير وتتطور بفعل مزيج من العوامل الداخلية والخارجية، وذلك لكي تصبح اليابان دولة طبيعية أو دولة عادية شأنها في ذلك شأن الدول الكبرى الأخرى، فتتعاون وتتنافس وتتحالف حسب مصالحها، وأن تتجاوز القيود السياسية والنفسية التي فرضت عليها عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.

 ويشير الباحثون اليابانيون بشكل أوضح عن المعاني التي عبر عنها رئيس الوزراء آبي، فيشير بعضهم إلى أنه من الضروري وضع نهاية للابتزاز الأخلاقي لليابان، وأنه ليس على شعبها أن يظل يدفع الثمن إلى ما لا نهاية، ويقارن بعضهم الآخر بين وضع كل من اليابان وألمانيا، وأنه رغم الفظائع التي ارتكبها النظام النازي في أوروبا فأنه تم تجاوزها.

محطات في تاريخ العلاقات العربية – اليابانية

يتردد كثيرًا في الكتابات الصحفية والإعلامية أن العلاقات بين العرب واليابانيين ترتبط أساسًا بظهور النفط والمصالح الاقتصادية المتعلقة به. والحقيقة غير ذلك، فإن هناك جذور تاريخية أبعد لهذه العلاقات تعود إلى ستينيات القرن التاسع عشر. وأشير بإيجاز إلى ثلاث محطات.

المحطة الأولى كانت في عام 1862م، عندما وصلت إلى ميناء السويس سفينة حملت مجموعة من اليابانيين، وكانت مصر وقتها تحت حكم الخديوي محمد سعيد باشا، وعُرفت هذه المجموعة فيما بعد باسم "بعثة الساموراى". ويشير تعبير الساموراى إلى أفراد النخبة المحاربة، والتي كانت أيضًا الأكثر تعليمًا وقتذاك. وكانت هذه البعثة مكلفة من الأمبراطور بالسفر إلى مصر وعدد من الدول الأوربية للنظر في أمورها وبحث أسباب تقدمها لكي تستفيد اليابان من دروسها. وضمت البعثة يوكواتشى فوكورازا أحد رواد الإصلاح في بلاده والذي دون مشاهداته في مصر في كتابه الذي أصدره عن أعمال البعثة، وسجل انبهاره بالقطار الذي حمل البعثة من السويس إلى القاهرة، وذكر أنه كان سريعًا ونظيفًا. ويرجع هذا الانبهار إلى أن القطار كوسيلة للمواصلات لم تكن معروفة في اليابان وقتذاك. وفي القاهرة زارت البعثة منطقة الأهرامات الأثرية، ووصف فوكورازا شوارع القاهرة وميادينها وأسواقها والازدهار التجاري بها، وسجل إعجابه بنظافة الحمامات العامة وحسن إدارتها وارتفاع تكلفة استخدامها مما يشير إلى تحسن مستوى معيشة وأحوال المصريين، وكذلك أبدى إعجابه بخدمة التلغراف التي لم تكن قد دخلت اليابان بعد.

وبعد بدء عملية التحديث الكبرى في اليابان في 1866م، والتي تعرف باسم "استعادة الميجيThe Maji restoration" في عصر الامبراطور موتسوهيتو (1867- 1912م)، تعددت البعثات اليابانية إلى مصر لدراسة أوضاعها المختلفة وخصوصًا النظام القانوني والقضائي.

والمحطة الثانية في بداية القرن العشرين عندما انتصرت اليابان على روسيا 1905م، وكان لانتصار اليابان الآسيوية على روسيا الأوربية صداه الواسع بين المثقفين والسياسيين العرب. من أمثلة ذلك قيام مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية في مصر بتحية اليابان في كتاب له باسم "الشمس المشرقة" في نفس العام، أورد فيه مظاهر التقدم في اليابان، وعرض لدستورها ونظامها السياسي، وأشار إلى أن ركائز هذه النهضة تتمثل في الوحدة الوطنية والثقة بالذات والإيمان بالقدرة على التقدم. ومن أمثلته أيضًا قصيدتي أحمد شوقي أمير الشعراء وحافظ إبراهيم شاعر النيل بهذه المناسبة.

أما المحطة الثالثة فتشير إلى زيارات مسلمي اليابان إلى الأماكن المقدسة لأداء فريضة الحج وقيام بعضهم بتسجيل مشاهداته في كتب باللغة اليابانية، والتي عرض لها الباحث السعودي عبد الله بن حمد الحقيل في دراسة له. كان من أوائل ذلك زيارة تاكشي  سوزوكي الذي عُرف باسم نور صالح، ومؤلفه بعنوان "رحلة ياباني في مكة" الذي أشار فيه إلى لقائه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل  سعود، وسجل المؤلف أن الملك رحب به ترحيبًا خاصًا، وطلب منه الوقوف بجواره وهو يصافح رؤساء بعثات الحج من البلاد الأخرى، وانبهر سوزوكي بشخص الملك، ووصفه بأنه "رجل لا يُقهر"، وأن "النصر حليفه على جميع المسارات".

وهناك رحلة عمر ميتسو ياماوكا– من مدينة هيروشيما – والذي زار مكة عام 1909م،  وأصدر كتابًا في 1912م، بعنوان "رحلة عبر الجزيرة العربية"، ثم رحلة الحاج عمر تناكا عام 1924م، والذي كان محاضرًا في معهد الثقافات الشرقية بطوكيو، والذي أكد على ضرورة تنمية العلاقات بين اليابان والعرب، وخصوصًا بين اليابان وجزيرة العرب، ووضع تناكا أمله في شخص الملك عبد العزيز لأنه نجح في توحيد شبه الجزيرة العربية، ووضع الأساس لدولة قوية، وتلى ذلك رحلة أيبجور تاكون في 1939م.

 ولا شك أن ما تقدم هو قليل من كثير، وهناك العديد من التفاعلات العربية اليابانية قبل ظهور النفط.

مصالح متبادلة وعلاقات متنامية:

مما لا شك فيه أن النفط يمثل عصب العلاقات بين الدول الخليجية واليابان، فهو موتور التعاون الاقتصادي بين الجانبين، ومحور المصالح المشتركة بينهما، فهناك علاقات متنامية بين الطرفين في مجال التجارة أساسًا، وكذلك في مجالي الاستثمار ونقل التكنولوجيا، وإدراك متبادل بأهمية كل طرف للآخر مما دفع بعض المسؤولين إلى طرح اقتراح إنشاء منطقة تجارة حرة بين اليابان ودول الخليج.

وتعبر الزيارات المتبادلة بين الطرفين على مستوى الوزراء  والقيادات الأعلى عن هذه الأهمية. كان من أولها زيارة الشيخ جابر الأحمد وزير المالية الكويتي لليابان في 1965م، وزيارة ولى عهد اليابان إلى الكويت في 1995م، وزيارة أمير الكويت لليابان في العام نفسه. وربما يعتبر الشيخ صباح الجابر أمير الكويت أكثر من قام بزيارات لليابان، فقد زارها في أعوام 1964 و1968 و1971 و1984 و1998م. وبالنسبة للثلاث سنوات الأخيرة، فقد زار ولى العهد السعودي آنذاك خادم الحرمين الشريفين  سلمان بن عبد العزيز طوكيو في 2014م، بمناسبة مرور نصف قرن على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبعدها بعامين، زار رئيس وزراء الكويت اليابان.

ومن الجانب الياباني، زار رئيس الوزراء الياباني السعودية في 2013م، التي وقع خلالها عددًا من الاتفاقيات لدعم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. كما زار الكويت بمناسبة مرور 55 سنة على بدء التبادل التجاري بينهما. وفي 2015م، شهدت طوكيو احتفالية باسم "أيام مجلس التعاون الخليجي في اليابان".

ولا يحتاج المرء إلى توضيح أهمية العلاقات والمصالح المتبادلة مع اليابان، فاليابان التي يربو عدد سكانها على 127 مليون نسمة هي الدولة الدائنة الأولى في العالم، والدولة الثانية في امتلاك الأصول المالية، والدولة الثالثة عالميًا من حيث إجمالي الناتج المحلي وحجم التجارة الدولية. وتحتل اليابان المرتبة السادسة في تقرير التنافسية العالمية 2015/2016م، وتشغل إحدى شركاتها لصناعة السيارات وهى شركة تويوتا المرتبة الأولى في العالم، ومن أصل 500 شركة كبرى سجلها Fortune Globalفي 2016م، فأنه يوجد 52 شركة مقرها في اليابان.

ونظرًا لأن اليابان ليست دولة منتجة للنفط، فإنها تعتمد اعتمادًا كاملاً على استيراده من الخارج بحيث لا يكون من المبالغة القول بأنها تدين بالفضل للنفط في نهضتها الصناعية والاقتصادية الراهنة، وخصوصًا نفط الخليج. فاليابان تستورد حوالي 80% من وارداتها النفطية من الدول الخليجية العربية، وزاد هذا الاعتماد بعد كارثة مفاعل فوكوشيما، وتتوزع هذه النسبة بدرجات مختلفة، فتشارك فيها السعودية بنسبة 34% تليها الإمارات بنسبة 24% فقطر بنسبة 11% والكويت بنسبة 7%. وإضافة إلى ذلك تستورد اليابان النفط أيضًا من روسيا بنسبة 8% وماليزيا بنسبة 5% ومن عدد من الدول الأخرى.

وبالنسبة للغاز الطبيعي المُسال، تمثل قطر الدولة الثانية في سد احتياجات اليابان بنسبة 18%، والإمارات الدولة الرابعة بنسبة 6%، وسلطنة عمان المرتبة الخامسة بنسبة 4%، وذلك إضافة إلى استراليا التي تحتل المرتبة الأولى بنسبة 21%، وماليزيا التي تحتل المرتبة الثالثة بنسبة 17%.

وترتب على ذلك ازدياد التجارة بين الطرفين، فبلغت الصادرات اليابانية إلى دول مجلس التعاون في 2014م، قيمة 24.9 مليار دولار بينما بلغت وارداتها 139.8 مليار دولار، وذلك وفقًا لاحصاءات وزارة التجارة الخارجية اليابانية "جيترو"، مما يوضح اختلال الميزان التجاري لصالح الدول الخليجية بسبب الاعتماد الياباني على نفط الخليج. وتعتبر السيارات هي المكون الرئيسي في صادرات اليابان إلى دول مجلس التعاون بنسبة 60%، يعقبها الآلات بنسبة 14% والحديد والصلب بنسبة 6.5%. وتتمثل الواردات اليابانية أساسًا في النفط الخام والغاز الطبيعي المُسال والنفط الخفيف، وهى ما تقارب 90% من الواردات.

وبصفة عامة، تحتل السعودية المرتبة الثالثة بين الدول المصدرة لليابان إذ تمثل صادراتها نسبة 6.7% من إجمالي الواردات اليابانية بعد الصين بنسبة 18.8% والولايات المتحدة بنسبة 10.8%، بينما تمثل الصادرات السعودية إلى اليابان نسبة 15% من إجمالي صادراتها. كما تمثل نسبة وارداتها من اليابان نسبة 8% إلى إجمالي وارداتها.

أما دولة الإمارات، فقد احتلت مرتبة الشريك التجاري السابع مع اليابان عام 2012م، ووقع البلدان اتفاقيات لتنمية الاستثمار والتجارة أعطت للمستثمرين اليابانيين حق التملك الكامل في المناطق الحرة مما أدى إلى زيادة الاستثمار الياباني في صناعات إعادة تصدير السيارات

من التجارة إلى السياسة:

العلاقة بين التجارة والسياسة هي علاقة وثيقة ولا يمكن الفصل بينهما، فمع أن التجارة هي نشاط اقتصادي في جوهره يقوم على تبادل المنافع بين طرفين أو أكثر، فإن هذه الأطراف عادة ما تسعى لحماية مصالحها بغطاء سياسي ودبلوماسي. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كثير ما قامت الدول الأوربية ببسط نفوذها العسكري والسياسي لحماية مصالح تجارية قائمة، وتاريخ شركة الهند الشرقية هو أكبر دليل على ذلك.

وبالنسبة للعلاقات الخليجية اليابانية، فإن لدى الطرفين مصلحة "سياسية" في استمرار وتطوير العلاقات الاقتصادية. فمن جانب اليابان فأنها حريصة على تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدول الخليجية المصدرة للنفط ومواجهة التهديدات الموجهة لها. كما أن لها مصلحة في سلامة الممرات البحرية لضمان استمرار تدفق النفط. ومن الواضح أن اليابان قد تركت مهمة أمن الخليج وسلامة الممرات البحرية للولايات المتحدة التي تعتبر الفاعل الرئيسي في هذا المجال. ومع ذلك، فقد قامت اليابان ببعض الإجراءات مثل القرار بحظر شراء النفط من الكويت في فترة الغزو العراقي لها، ومشاركتها الرمزية بقوات في العراق إضافة إلى مساعداتها الإغاثية في سوريا وفلسطين مع الحرص على عدم التورط في الخلافات السياسية المتعلقة بنزاعات المنطقة. ومن الناحية الأخرى، فإن الدول الخليجية تدرك أن اليابان لا تمتلك القدرة على ممارسة دور في تحقيق أمن الخليج. لذلك، مازال الاهتمام الخليجي باليابان له طابع اقتصادي وتكنولوجي في المقام الأول.

لكن هناك قضية تتعلق بالسياسة اليابانية تجاه إيران، فتاريخيًا نشأت علاقات تعاون تجاري واقتصادي بين البلدين، وبلغت نسبة الواردات اليابانية من نفط إيران 16% من إجمالي احتياجاتها في2003م، كما كان للشركات اليابانية وجود محسوس في الأسواق الإيرانية. ونتيجة لفرض العقوبات الاقتصادية على إيران تراجعت العلاقات بين البلدين بحيث لم تتعد واردات النفط الإيراني نسبة 5% من احتياجات اليابان في 2015م. 

وأوجد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى في 2015م، فرصة لتطوير العلاقات بين البلدين، فتم عقد اجتماع بين رئيس الوزراء الياباني والرئيس الإيراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2015م. وفي فبراير 2016م، قام وزير الشؤون الاقتصادية والمالية الإيراني على طيب نيا بزيارة طوكيو، وتم توقيع اتفاقية لتشجيع الاستثمار بين البلدين. ومن الأرجح أن الشركات اليابانية تتطلع للحصول على نصيب من السوق الإيرانية في مجال إعادة تأهيل صناعة النفط والمجالات الأخرى.

تصبح المشكلة كيف توفق اليابان بين هدف تحقيق الاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج وضمان إمدادات النفط، وهدف تقاربها مع إيران التي تتبع سياسات تحريضية من شأنها إيجاد عناصر لعدم الاستقرار في المنطقة؟ وإلى مدى يمكن إقناع اليابان باستخدام نفوذها الاقتصادي لوقف هذه السياسات التحريضية؟

ثم أن اليابان، وهى تستعيد عافيتها التجارية والتصديرية على المستوى العالمي، تدخل في علاقات تنافسية مع الصين، والتي تتسم بالاضطراب بسبب النزاع على عدد من الجزر ورفض الصين لزيادة القدرات العسكرية اليابانية في الوقت الذي تنمو فيه العلاقات الاقتصادية بينهما. وجدير بالذكر أن الصين كانت أول دولة قامت بشجب خطاب رئيس الوزراء الياباني آبي الذي ألقاه في 2015م، والذي أشرت إليه في مقدمة المقال.

 كما أن علاقات اليابان مع روسيا يختلط فيها التعاون والتنافس، فهي تستورد الغاز الطبيعي منها، في نفس الوقت الذي يستمر فيه الخلاف بين البلدين بشأن الجزر المتنازع عليها. وفي هذا السياق، اجتمع بوتين مع رئيس الوزراء الياباني في نوفمبر 2014م، لبحث هذه القضايا، واستمر الحوار بين البلدين حتى عام 2016م.

أما بالنسبة للعلاقات مع الولايات المتحدة، فهي أيضًا في طور التغير الهادئ والتدريجي، فالولايات المتحدة كانت الطرف الأكبر في التحالف الدولي الذي ألحق الهزيمة باليابان في الحرب العالمية الثانية، وألقت طائراتها عليها قنبلتين ذريتين في هيروشيما وناجازاكي عام 1945م، أعلنت الحكومة اليابانية بعدها الاستسلام . واستمر الاحتلال الأمريكي الكامل لها، وتولى الجنرال ماك أرثر حكم الدولة وإعادة تنظيمها بما يتناسب مع الواقع الجديد، وقامت الإدارة الأمريكية بإعداد مسودة الدستور الياباني في 1946م، ومراجعة مضمون الكتب المدرسية وتعديل القوانين المتعلقة بالأحزاب والنقابات، وكل ذلك بما يحول دون عودة النزعات الامبراطورية التوسعية. ومازال يوجد في اليابان ما يزيد على مائة قاعدة عسكرية أمريكية أبرزها تلك الموجودة في أوكيناوا.

 وبينما استمرت اليابان في موقع التابع من الناحية العسكرية والأمنية خلال العقود السبعة الأخيرة نمت قدراتها الاقتصادية بشكل متسارع ومنافس للاقتصاد الأمريكي على مستوى العالم، وأهلها لشغل المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي بعد الولايات المتحدة حتى سنين قليلة مضت حين أزاحتها الصين إلى المرتبة الثالثة، وزادت المصالح التجارية اليابانية عبر أنحاء المعمورة، وتكوّنت نخبة سياسية وثقافية جديدة تؤمن بالنظام الديمقراطي وبالحقوق والحريات العامة أسوة بالدول الغربية.

ومع اضطراد هذه التغيرات نمى الشعور في اليابان بضرورة أن تتحول – كما ذكرنا سلفًا – إلى دولة عادية أو طبيعية. ومع أن هذا التوجه يمتلك قدرًا كبيرًا من الشرعية، إلا أنه توجد عقبات ومشاكل مثل المشاعر الشعبية المعادية لليابان في الدول التي خضعت لاستعمارها، ومنها اعتبارات التوازن الاستراتيجي بين الصين واليابان، ومنها مدى استعداد الرأي العام الياباني لتخصيص نسب أكبر من الموازنة العامة للإنفاق العسكري أو مدى قبوله لفكرة مشاركة قواته في معارك خارج حدوده يكون فيها قتلى وجرحى.

والخلاصة أن هناك مفارقة كبيرة بين الدعوات لتطوير العلاقات الخليجية اليابانية من مجرد علاقات تجارية إلى شراكة أعمق، وبين حقيقة الموقف الياباني الذي يجد مصالحه في هذه المرحلة في استمرار غلبة الاعتبارات الاقتصادية على ما سواها. ومن الأرجح أن اليابان تمر بمرحلة تغير بطيئ صوب أن تكون فاعلاً سياسيًا ولكن ذلك سوف يستغرق وقتًا طويلاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة

كلمات دليلية