;
الصفحة السابقة

كوريا الجنوبية لا تسعى لدور عالمي يتخطى اهتماماتها الإقليمية العلاقات العربية ــ الكورية: الأبعاد السياسية والاقتصادية واستشراف المستقبل

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 02 تشرين2/نوفمبر 2016

لكل دولة رموز وشواهد تشير إلى تاريخها أو حاضرها، وتميزها عن الدول الأخرى. هذه الرموز قد تكون مادية مثل الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية وأهرامات الجيزة في مصر وبرج إيفل في فرنسا وميدان بيكاديللي في لندن، وقد تكون أشخاص مثل جورج واشنطن أو إبراهام لنكولن في الولايات المتحدة وكونراد أديناور في ألمانيا وبينج في الصين.

 وفي حالة كوريا الجنوبية -واسمها الرسمي هو جمهورية كوريا – هو من الناحية المادية ملايين السيارات المنتجة فيها، والتي انتشرت في أرجاء المعمورة ونافست صناعات السيارات الأقدم عهدًا، وذلك لجودتها ورخص أسعارها. وعلى سبيل المثال، ففي عام 2015م، كان هناك ما يزيد على 1.2مليون سيارة كورية تجوب شوارع الأردن وطرقاته. أما أبرز رموزها البشرية فهو السيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة الذي قضى عشرة أعوام في هذا الموقع الدبلوماسي الدولي الرفيع كشف فيها عن قدرات مهنية وأخلاقية عالية، فسعى دائمًا أن يكون معبرًا عن الضمير العالمي دون أن يؤدي ذلك إلى اصطدامه مع الدول الكبرى أو المؤثرة مما قد يهدد أداء المنظمة الدولية.

النموذج الكوري:

تقدم كوريا الجنوبية نموذجًا فريدًا في العلاقة بين التنمية الاقتصادية والتنمية السياسية. ففي المجال الاقتصادي استطاعت في ثلاثة عقود 1960-1990م، أن تنطلق من مصاف الدول النامية إلى مجموعة الدول الصناعية الجديدة، وأن تصبح أحد النمور الآسيوية، وأن تشغل المرتبة الثالث عشرة ضمن قائمة أكبر اقتصادات في العالم والمرتبة السادسة على قائمة الدول المصنعة للسيارات.

تحقق هذا الإنجاز الاقتصادي من خلال تجربة تنموية جديرة بالدراسة والاعتبار. اتسمت هذه الخبرة بالجمع بين اقتصاد السوق وتدخل الدولة، فتم إدارة الاقتصاد وفقًا لقواعد المنافسة والسوق الحرة شأنها في ذلك شأن الاقتصادات الرأسمالية الأخرى، ولكنها اتسمت في ذات الوقت بدور تدخلي للدولة في تشجيع وتوجيه الاستثمارات الخاصة نحو قطاعات اقتصادية أو مناطق جغرافية بعينها من خلال مجموعة من الحوافز. وعندما تراخى القطاع الخاص عن الدخول في مشروعات اقتصادية في مجالات حيوية لنمو الاقتصاد، تدخلت الدولة لإقامة هذه المشروعات ثم نقل ملكيتها إلى القطاع الخاص.

 واتسمت الخبرة التنموية الكورية بالتوزيع المتكافئ للاستثمارات في مختلف مناطق الدولة وأقاليمها، فقد وضعت نصب عينيها هدف القضاء على الفقر في الريف والحضر وخلق التوازن بين الزراعة والصناعة وكذلك بالتأكيد على مبدأ المساواة في الفرص الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وإذا أخذنا النظام التعليمي كمثال، فوفقاً للدستور، فإن التعليم الأساسي الذي يمتد لتسع سنوات هو إلزامي ومجاني لجميع المواطنين. أما بخصوص الملكية الزراعية، فقد حدد القانون الحد الأقصى لها بما يماثل عشرون فدانًا. ولم تدخر كوريا أية وسيلة من أجل تعبئة الموارد الوطنية وتوظيفها من أجل التنمية بما في ذلك الجيش. فتم إنشاء "فرق العمل" من المجندين وذلك للإسراع بإنجاز المشروعات الضرورية كبناء السدود والكباري ورصف الطرق وإقامة المدارس.

وهكذا فإن النموذج التنموي الكوري استهدف أحدث طفرة صناعية ترتكز على إحياء الروح الوطنية وتحقيق المساواة والعدالة، والحد من اختلالات توزيع الثروات، والاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية واعطائها الأولوية على الحقوق السياسية في المرحلة الأولى من التنمية، وأن التنمية الاقتصادية السريعة هي أساس الديمقراطية التمثيلية.

وتبرز المفارقة عندما نقارن بين هذا الإنجاز الاقتصادي الضخم وما تحقق على مستوى التنمية السياسية، فقد مرت كوريا بظروف جد متقلبة من تاريخ حصولها على الاستقلال في 1948م، وتعرضت لسلسلة من الانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي. ففي أعقاب الاستقلال صدر الدستور الذي أقام نظامًا رئاسيًا يقوم على تعدد الأحزاب والانتخابات الدورية. في الواقع، مارس الرئيس سلطات واسعة واتسم نظام الحكم بالسلطوية وضعف الأحزاب السياسية وشيوع مظاهر الفساد والانقسام الاجتماعي مما أدى إلى نشوب المظاهرات بشكل دوري وازدياد مطالب الإصلاح السياسي. كما أدت إلى حدوث انقلابين عسكريين وانفراد العسكريين بالسلطة لفترات والنضال الشعبي من أجل عودة النظام المدني.

كان أول رئيس للجمهورية هو سيجمن ري الذي حكم لمدة اثنتى عشرة سنة واضطر للاستقالة تحت ضغوط المظاهرات الطلابية في 1960م، وفي العام التالي قام الجيش بانقلاب تحت قيادة بارك تشونج هي الذي برر الانقلاب بأنه تحرك حاسم من جانب الجيش لإنقاذ البلاد من مخاطر الفوضى والتفكك الداخلي من ناحية، والخطر الشيوعي الخارجي من ناحية أخرى. وتم إعلان دستور جديد عام 1972م، واستمر بارك في الحكم حتى اغتياله عام 1979م.

وشهدت مرحلة الحكم العسكري في عهد تشونج طفرة في عملية التنمية الاقتصادية، فقد اعتقد أن الاقتصاد هو أساس البناء الاجتماعي والاستقرار السياسي، وأن المهمة الرئيسية للدولة هي الإسراع بمعدلات التنمية الاقتصادية ورفع مستوى معيشة المواطنين وتوفير الخدمات العامة لهم، وأفصح تشونج صراحة عن اعتقاده بأن نظم الديمقراطية التمثيلية المطبقة في الدول الغربية لا تلائم الأوضاع الكورية وقتذاك، وأن تطبيقها المبكر في البلاد أدى إلى اضطراب الأمور وتدهور أحوال المواطنين، وإن ما تحتاجه كوريا في هذه الظروف هو الديمقراطية الإدارية ورفع كفاءة الجهاز الإداري في تنفيذ السياسات العامة على المستوى المحلى، و في محاربة الفساد وربط بين النمو الاقتصادي وإحياء روح الوطنية الكورية بحيث يتم تعبئة جهود التنمية على أساس حب الوطن والرغبة في رفعته وازدهاره، وأن التعليم هو الأداة الرئيسية لرفع قدرات عموم الناس، وتأهيلهم للأعمال الفنية والتخصصية، واعتبر تشونج أن المساواة وتكافؤ الفرص والتقاسم في عوائد التنمية وتوزيعها على أكبر عدد من المواطنين هو ضمان استمرارها وركيزة قيام الديمقراطية.

وفي نفس عام اغتيال تشونج حدث الانقلاب العسكري التالي، واستمر العسكريون في الحكم، وفي عام 1980م، نشبت مظاهرات جماهيرية واجهتها الحكومة في البداية بالقمع وإعلان الأحكام العرفية. ولكن مع استمرار حالة عدم الاستقرار، أعلن الجيش في 1987م، انسحابه من الحياة السياسية، ودعا إلى انتخابات عامة. وتحت ضغوط هذه الأزمة السياسية، قام الحزب الحاكم وهو حزب العدالة الديمقراطية بالاندماج مع حزبين آخرين من المعارضة، وهما حزب التوحيد الديمقراطي والحزب الديمقراطي الجمهوري، وفاز هذا التحالف بالانتخابات. وفي انتخابات 1992م، اُنتخب كيم يونج سام الذي يعتبر أول رئيس مدني للجمهورية الكورية بعد خمسة وأربعين عامًا من الاستقلال، وتلاها انتخابات 1997م، التي اتسمت كذلك بالنزاهة والشفافية، وأطلق الكوريون على الحكومة التي أسفرت عنها "حكومة الشعب". ومن هذا الوقت، استمرت العملية الديمقراطية، وانعقدت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل دوري ومنتظم.

السياسة الكورية والقضايا العربية

منذ استقلالها كانت كوريا جزءًا من التحالف الغربي المعادي للشيوعية إبان مرحلة الحرب الباردة. وجاءت الحرب الكورية وانقسام الدولة ما بين كوريا الشمالية الموالية لموسكو وكوريا الجنوبية الموالية لواشنطن. كانت السمة الأولى للسياسة الخارجية الكورية هي التحالف العسكري والسياسي مع الولايات المتحدة، والذي بمقتضاه أصبح للأخيرة وجود عسكري مستمر حتى الآن على الأراضي الكورية. ومع تبلور القوة الاقتصادية لكوريا وانتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي في حقبة التسعينيات من القرن العشرين ازداد اهتمام سيئول بإقامة علاقات إقليمية متوازنة وسلمية مع اليابان والصين وغيرها من دول المنطقة، ودافعت عن مبادئ حرية التجارة العالمية والانتقال الحر للسلع والخدمات في ظل العولمة، وسعت إلى تحسين العلاقات مع كوريا الشمالية من خلال برنامج لم شمل الأسر، وتهدئة التوتر على الحدود بين البلدين، والاستعداد لتطبيق إجراءات لبناء الثقة مع بيونج يانج. كما برز الاهتمام بأخطار الإرهاب في الخطاب السياسي الكوري في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والذي اعتبر أن انتشار التنظيمات والأنشطة الإرهابية يمثل خطرًا يهدد كل دول العالم واعتبر أن الاختلافات الدينية والطائفية والمذهبية هي السبب الرئيسي لهذا الانتشار خصوصًا عندما يتم تسييسها واستخدامها لتحقيق أهداف سياسية.

وفي هذا السياق، تنامت المصالح الاقتصادية الكورية مع الدول العربية، ومعها ازداد الاهتمام السياسي بقضايا المنطقة، واتسم دومًا بالحيطة والحذر وعدم التورط في النزاعات الداخلية، وأن تكون الأداة الأساسية للدور هي المعونات الإغاثية والإنسانية. ومن مظاهر الاهتمام الكوري بالمنطقة تنظيمها لأـول مرة لمؤتمر دولي حول قضاياها في مارس 2016م، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي شارك فيه عدد كبير من الخبراء والباحثين والمسؤولين من الولايات المتحدة وأوروبا وإيران وبعض الدول العربية.

وعبّر النائب الأول لوزير الخارجية الكورية جو تيه-يونغ عن أهمية انعقاد هذا المؤتمر بقوله "إن القضايا الراهنة في الشرق الأوسط تؤثر على العالم بأسره بما في ذلك شبه الجزيرة الكورية وشمال شرق آسيا، وإن الحكمة التي يمكن استنتاجها منها تتضمن حلولًا لقضايا الشرق الأوسط ستكون درسًا لكوريا الجنوبية للتعامل مع القضايا المتعلقة بشبه الجزيرة الكورية وشمال شرق آسيا".

وإذا بدأنا بموقف كوريا الجنوبية تجاه الحرب المستمرة في سوريا، فقد اتسم بالدعوة إلى إنهاء القتال والتوقف عن قتل المدنيين وتدمير المنازل والمنشآت الأساسية من مدارس ومستشفيات وغيرها، وأن يتم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن الوصول إلى حل سلمي من خلال المباحثات. واستنكر الخطاب السياسي الكوري الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وضرورة المساعدة الإنسانية والإغاثية لتحسين أحول النازحين واللاجئين ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق المعونة الإنسانية فحتى عام 2014م، تعهدت كوريا بتقديم خمسة وأربعون مليون دولار كمساعدات إنسانية. ويمكن تقييم هذه المساعدة في ضوء مقارنتها مع مساعدات دول أخرى لنفس الغرض فقد ساهمت اليابان بمبلغ 135 مليون دولار والنرويج بمبلغ 55 مليون دولار. كما اهتمت كوريا بدعم جهود الإعداد لإعادة الإعمار في سوريا بعد الحرب. فاستضافت الجولة الثالثة للفريق المسؤول عن إعداد خطط وبرامج الانتعاش الاقتصادي في سوريا في ديسمبر عام 2013م، في العاصمة الكورية، وتعهدت الحكومة بتقديم خبراتها في مجال التنمية الاقتصادية في عملية إعادة البناء والإعمار والتنسيق بين الدول المانحة في هذا الشأن.

وبالنسبة للوضع في العراق، فقد انضمت كوريا الجنوبية إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش بهدف إضعاف قدراته العسكرية والاقتصادية وإجباره على الانسحاب من الأراضي التي استولى عليها في سوريا والعراق، وقدمت قوة عسكرية رمزية كدليل على هذه المشاركة. وفى عام 2015م، ارسلت عددًا اضافيًا لدعم هذه القوة. كما حرصت على التعاون مع الحكومة العراقية وتقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين المتضررين من العميات العسكرية. وقدمت الدعم الاستخباراتي للولايات المتحدة لمكافحة الأنشطة الإرهابية، وساعد ذلك في كشف محاولة الإعداد لعملية استهدفت المنشآت التابعة للقوات الجوية الأمريكية داخل كوريا.

أما بخصوص القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، فقد حدث تغير نسبي في موقف كوريا الجنوبية وأصبحت أكثر حذرًا وتحفظًا بشأن القرارات المؤيدة للشعب الفلسطيني، ومن مظاهر هذا التغير امتناعها عن التصويت على العديد من القرارات التي تخص فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنها على سبيل المثال القرار بشأن إرسال بعثة دولية لتقصي الحقائق إثر العدوان الإسرائيلي على غزة في 2008-2009م، معتبرة أن حماس قد أخطأت بعملياتها التي استفذت إسرائيل وأن ما اقترفته إسرائيل من جرائم ضد الفلسطينيين مبرر من باب الرد, و إن كانت كوريا الجنوبية قد حرصت على استمرار تقديم مساعدات اقتصادية للسلطة الوطنية الفلسطينية. كما تؤيد كوريا قرارات الأمم المتحدة بشأن إعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

في هذا السياق فمن الجدير بالملاحظة أن تنامي العلاقات الكورية العربية وزيادة المصالح المتبادلة بين الطرفين سار في خط متواز مع علاقات كوريا الجنوبية بكل من إيران وإسرائيل.

فبالنسبة للعلاقات بين كوريا الجنوبية وإيران، فقد حكمتها ثلاثة محددات: أولها، التزام كوريا الجنوبية بتطبيق قرارات العقوبات الاقتصادية التي أصدرتها الأمم المتحدة وطلبت من جميع أعضاء المنظمة الالتزام بها وأثار ذلك بالطبع غضب إيران حيث كانت كوريا واحدة من أكبر أربعة مشترين للنفط الإيراني بعد الصين والهند واليابان. وثانيها، الموقف الكوري تجاه المشروع النووي الإيراني فقد أدانت كوريا أي تطور يؤدي إلى امتلاك إيران للسلاح النووي ويشجع على انتشار الأسلحة النووية في العالم وكان ذلك، اتساقًا مع موقفها تجاه امتلاك كوريا الشمالية لهذا النوع من الأسلحة، وأعلنت كوريا عن موقفها هذا في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأمم المتحدة. ودعم من هذا التوجه الكوري العلاقات الوثيقة بين طهران وبيونج يانج والتعاون السياسي والعسكري والعلمي بينهما. وثالثها تطلع الشركات الكورية إلى الاستفادة من الفرص التجارية والاستثمارية المتاحة في إيران، ولذلك ففي أعقاب الاتفاق المرحلي بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا مع ايران، والمعروف باسم (خطة العمل المشترك) في يناير عام 2014م، سعت كوريا لتحسين علاقاتها مع إيران وتخفيف التوتر معها وفي هذا السياق زار وفد كوري برئاسة السيد كانج تشونج هي رئيس الجمعية الوطنية الكورية (البرلمان) ايران في 26يناير 2014م، وكانت زيارة هذا الوفد البرلماني الكوري هي الزيارة الخامسة التي تقوم بها وفود كورية إلى إيران ، ثم افتتاح خط بحرى منتظم بين كوريا وإيران لخدمة التجارة الكورية مع دول المنطقة ويعكس هذا الاهتمام رغبة الشركات الكورية في إعادة دخول السوق الايرانية واستعادة نصيبها فيها.

وبالنسبة للعلاقات مع إسرائيل، فإنها تتسم بالعمق والتنوع في المجالات الاقتصادية والعسكرية وهو ما يفسر تغير موقف كوريا الذي أشرنا إليه سلفًا تجاه القضية الفلسطينية فكوريا الجنوبية التي ساندت قضايا الفلسطينيين وحقوقهم في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ودعت إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967م، بما في ذلك القدس الشرقية غيرت كثير من مواقفها بعد توقيع اتفاقية أوسلو.

مصالح متبادلة وعلاقات متطورة:

مع تزايد الوزن الاقتصادي لكوريا الجنوبية في العالم، تطورت العلاقات العربية الكورية، والتي كان من أبرز مظاهرها تبادل الزيارات الرسمية بين الطرفين. فقد شهدت هذه الزيارات تزايدًا خلال العشرة سنوات الأخيرة(2006-2016م). فبالنسبة للجانب الكوري، ففي عام 2006 قام الرئيس الكوري روه مو هيون بزيارة كل من الإمارات ومصر، وفي الإمارات سعى الرئيس الكوري الى تعميق التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة المتجددة والنظيفة. وفى مصر سعى إلى تطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات وخصوصًا في مجال التعليم الفني. وكان قد سبقه زيارة رئيس الوزراء لي هاي تشان إلى دول مجلس التعاون الخليجي والتي شملت السعودية و الكويت والإمارات وقطر وسلطنة عُمان في عام 2005م.

وفي عام 2009م، قام الرئيس الكوري لى ميونج باك بزيارة الإمارات، وخلال هذه الزيارة جرى توقيع عقد اتفاق خاص بتحالف الشركة الكورية للطاقة الكهربائية (كيبكو) بقيمة 20.4 مليار دولار لإنشاء أربع محطات نووية للاستخدامات السلمية.

وفي عام 2012، كرر الرئيس الكوري لى ميونج باك زيارته إلى المنطقة، فقام بزيارة السعودية و الإمارات وقطر، اضافة إلى تركيا.

وفي نوفمبر 2014م، قام رئيس الوزراء يونج هونج وون بزيارة لمصر، وفي أعقابها بأربعة شهور قامت الرئيسة "بارك كون -هيه" في مارس 2015م، بزيارة أربع دولة خليجية، وهي السعودية والإمارات وقطر والكويت.

وعلى الطرف الآخر، قام عدد من قادة الدول العربية بزيارة كوريا، ففي عام 2012م، قام كل من ملك الأردن وولي العهد البحريني بزيارة إلى كوريا الجنوبية. وأعقبها في 2014م، زيارة أمير قطر. وفى مارس 2016م، قام الرئيس المصري بزيارة هدفت إلى تعزيز التعاون بين البلدين وتشجيع الاستثمارات الكوريّة في مصرو مكافحة الإرهاب. وفى مايو قام رئيس مجلس الوزراء الكويتي بزيارة ورافقه فيها وفد من وزراء التعليم والإسكان والمالية والنفط، بالإضافة إلى رجال أعمال كويتيين.

وعلى مستوى وزراء الخارجية، قام وزير الخارجية الكوري يون بيونج سيه سول، في ديسمبر 2014م، بجولة لدول المنطقة شملت الأردن وإسرائيل وفلسطين السعودية لمناقشة سبل المساعدة في حل القضايا الأمنية في المنطقة. وعلى الجانب العربي قام كل من وزيري خارجية الإمارات ومصر بزيارة كوريا عام 2013م، وكرر وزير الخارجية المصري زيارته في نوفمبر 2015م. كما شهدت كوريا الجنوبية ودول المنطقة عشرات الزيارات المتبادلة لوزراء الطاقة، والمالية، والصحة، والتعليم، والتجارة، والبيئة، إضافة إلى وفود رجال الأعمال وفي الاتجاه نفسه، تنامت العلاقات التجارية والاقتصادية بين كوريا الجنوبية والدول العربية عمومًا والدول الخليجية خصوصًا. وتعتمد كوريا الجنوبية في سد احتياجاتها من الطاقة على الدول العربية بنسبة 86% من النفط و54% من الغاز وفى مقابل ذلك تصدر إلى الأسواق العربية السيارات والآلات الصناعية والكيماويات والأدوات والأجهزة الكهربائية إضافة إلى العمالة الفنية المتخصصة في دول الخليج وتعتبر السعودية والإمارات أكبر الشركاء التجاريين لكوريا يليهما الكويت وقطر.

بالنسبة للسعودية فقط نمت علاقاتها مع كوريا بشكل مطرد ولم تقتصر هذه العلاقات على الجوانب الاقتصادية وإنما شملت مجالات أخرى فأرسلت السعودية على سبيل المثال بعثات طلابية للدراسة في الجامعات الكورية وتم إقامة منتدى حوار الشباب السعودي-الكوري وتم دعوة كوريا "كضيف شرف" في مهرجان الجنادرية في 2014م. وازداد التعاون بين الإمارات و كوريا تحت شعار "نحو شراكة استراتيجية كاملة" وينظم البلدان من عام 2003 دورات الملتقى الكوري الشرق أوسطي لمناقشة القضايا التي تهم الطرفيين. وإلى جانب السلع الصناعية المتعددة التي تصدرها كوريا والمشروعات العمرانية والفاعلات النووية التي تقوم الشركات الكورية بإقامتها تقدم كوريا خبرتها في مجال الطاقة المتجددة وحماية البيئة، وتدريب الكوادر البشرية واقتصاد المعرفة.

آفاق تطور العلاقات:

في المنظور الأوسع للعلاقات العربية أو الخليجية مع الدول الأخرى تبقى كوريا الجنوبية رغم أهميتها وضرورة تطوير العلاقات معها لا تشغل مكانًا متميزًا مقارنة بالدول الكبرى الأخرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند وألمانيا وفرنسا،  وتبقى دولة لا تسعى للقيام بدور عالمي يتخطى حدود اهتماماتها الإقليمية في شبة الجزيرة الكورية في شرق وجنوب آسيا فلا يوجد في سياستها الخارجية أو خطط وبرامج تطوير قواتها المسلحة ما يشير إلى رغبتها في القيام بدور أكبر في منطقة الشرق الأوسط سواء فيما يتعلق بحماية حرية التجارة البحرية أو تسوية النزاعات الاقليمية وذلك لاعتمادها على تحالفها مع الولايات المتحدة. واقتصر إسهامها على تقديم المساعدات الإغاثية والإنسانية في حدود معينة. ومع ذلك سوف يظل مهمًا الاستفادة من الخبرات الصناعية والتكنولوجية الكورية وتنمية العلاقات التجارية معها في المجالات التي تتسم الصناعات الكورية فيها بميزة تنافسية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

كلمات دليلية