;
الصفحة السابقة

دول مجلس التعاون .. تحديات الداخل ومتغيرات الخارج

انشأ بتاريخ: الإثنين، 05 كانون1/ديسمبر 2016

عند الحديث عن دول مجلس التعاون الخليجي خلال 2016م، فإننا نتحدث عن عزيمة وعمل، ونتجاوز طرح الأزمات والتحديات، حيث وقفت دولنا على حقيقة المخاطر والمهددات، ورسمت ملامح المستقبل عبر رؤى واستراتيجيات بشكل فردي لكل دولة أو في إطار العمل الجماعي الخليجي تحت مظلة مجلس التعاون، وفقًا لخطط جادة وواقعية وطموحة.

دول مجلس التعاون أيقنت على الصعيد الاقتصادي، أن عصر رفاهية النفط لم يعد قائمًا وربما لن يعود، لذلك خططت لمرحلة جديدة تعتمد على البدائل لتنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الاقتصادية وفقًا للمزايا النسبية وما تمتلكه من مقومات وموارد ومن أهمها الموارد البشرية التي تصنع التنمية، فالعنصر البشري هو رأس المال الحقيقي والدائم لأي أمة من الأمم، وهو ركيزة التنمية ومحورها وهو المستهدف في المقام الأول، وحتى إذا كانت المرحلة المقبلة ليست كسابقتها من الرفاهية، إلا أن المواطن الخليجي سوف يستفيد من مرحلة ما بعد النفط لكونه سوف ينخرط في العمل والإنتاج الممتد المفعول لخدمة الأجيال القادمة، والتحول إلى الإنتاج المتنوع الذي يعد الركيزة الحقيقة للاقتصاد الحديث الذي يستطيع الاستمرار والمنافسة على طريقة اقتصادات الدول الناشئة، خاصة دول جنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية، التي حققت قفزات اقتصادية جبارة بالاعتماد على توظيف البحث العلمي لخدمة الإنتاج رغم شح وندرة الموارد الطبيعية في الكثير من هذه الدول، لكنها حددت التوجهات والأهداف، ثم وظفت الطاقات والخبرات، وحشدت الإمكانيات لتحقيق هذه الأهداف. الاستثمار في بناء الإنسان المفكر المنتج والخلاق يعد أكبر التحديات التي تواجهها أي دولة في العالم، والناجحون هم من استطاعوا التغلب على صعوبات هذه المهمة، بغض النظر عن حجم ثروات الدولة الطبيعية أو المادية أو المالية.

ودول مجلس التعاون بلورت الكثير من الرؤى وخرجت بتصورات واضحة للمستقبل حتى لا تكون هناك مفاجآت اقتصادية في مسيرتها التنموية وحتى تستمر عجلة الإنتاج في الدوران، ومن بين ذلك برنامج التحول الوطني 2020، ورؤية 2030 في المملكة العربية السعودية، وسبق ذلك رؤى مماثلة لقطر والبحرين وأبو ظبي والكويت جميعها تخطط لعام 2030م، وأطلقت سلطنة عمان الرؤية المستقبلية "عمان 2040".

على المستوى الجماعي، ظهرت بادرة مهمة في تطوير العمل الاقتصادي الخليجي وتفعيل اتفاقياته، وتجسد ذلك في اجتماع هيأة الشؤون الاقتصادية والتنموية الخليجية بالرياض في العاشر من نوفمبر الماضي بتمثيل رفيع المستوى من أصحاب السمو والمعالي الوزراء المختصين وبرئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ابن عبد العزيز ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بالمملكة، وصدر عن اجتماع الهيأة خمس توصيات مهمة ولعل أبرزها: وضع جميع القرارات الاقتصادية التي سبق اتخاذها ولم تنفذ أو نفذت بشكل جزئي موضع التنفيذ الكامل والسريع واعتماد الآليات اللازمة لذلك، وهذا معناه ميلاد فجر جديد في تنفيذ القرارات الاقتصادية الخليجية الجماعية.

إضافة إلى ذلك فإن دول مجلس التعاون تبذل جهودًا مضنية لاستقرار أسعار النفط في الأسواق الدولية سواء بالتنسيق مع الدول المنتجة للنفط داخل منظمة أوبك أو خارجها بما يدعم مصالح الدول المنتجة أو المستهلكة للنفط في إطار التزامها بتحقيق المعادلة التقليدية التي تضطلع بها لاستخدام النفط في التنمية.

على صعيد الدفاع الخليجي، عقد مجلس الدفاع الخليجي المشترك اجتماعه الأخير بالرياض في الخامس عشر من نوفمبر الماضي وبحث قضايا دفاعية مهمة ما يؤكد اهتمام دول المجلس بالنواحي العسكرية والدفاعية لتعزيز الأمن الإقليمي وتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة التي يحيط بها التوتر والصراع، وركز مجلس الدفاع على تعزيز الهوية الوطنية الخليجية من خلال المسارات العسكرية، وبناء شراكة استراتيجية قوية ومنظومة دفاعية فاعلة ومنظومة اتصالات آمنة، مع إنشاء أكاديمية خليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية. وهذه الإجراءات الدفاعية الخليجية تؤكد على عدة مفاهيم منها: تطوير المنظومة الخليجية لتعزيز الأمن الخليجي المشترك بجهد خليجي ذاتي لتحقيق التوازن الاستراتيجي القائم على العلوم العسكرية الحديثة والبحث العلمي إضافة إلى التسليح المتطور والمتكامل ما يوجد منظومة دفاعية متكاملة وفاعلة تحقق الاستقرار الإقليمي.

على المستوى السياسي، شهدت دول مجلس التعاون زيارات متبادلة لقادة دول المجلس وكبار المسؤولين بالتوازي مع التنسيق السياسي تجاه القضايا الإقليمية والدولية ولعل التنسيق والتعاون الخليجي حيال الأزمات في اليمن وسوريا وغيرها خير برهان على تقارب السياسة الخليجية الخارجية والتي تبدو على نحو متطابق الأمر الذي يبشر بالوحدة الخليجية الكاملة في المستقبل المنظور، كما أن دول المجلس لا تتبع سياسة خارجية جامدة أو مقولبة، بل مرنة ومتحركة لمواكبة المتغيرات الدولية والإقليمية ووضع سيناريوهات مناسبة للتعامل مع هذه المتغيرات وفقًا للأولويات والمصالح ومدى تأثير التحديات والمهددات، وبالفعل نجحت دول الخليج العربية في تلجيم السياسة الإيرانية وعدم السماح بدور إيراني في المنطقة على حساب الدور الخليجي خاصة في اليمن حيث تحاول إيران البحث عن دور عبر ذراعها العسكري ميليشيات الحوثي كما تفعل عبر أذرعها العسكرية في العراق وسوريا و استخدام ميليشيات الحشد الشعبي، وما يُسمي بمليشيات حزب الله.

وتستبشر دول مجلس التعاون بانعقاد القمة الخليجية المقبلة يومي 7ـ 8 ديسمبر الجاري في مملكة البحرين للخروج بقرارات مهمة تواكب الأحداث وتتعامل مع القضايا المطروحة على الساحة الإقليمية والدولية وانعكاسها على دول المجلس بما في ذلك التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل رئاسة رونالد ترامب اعتبارًا من يوم 20 يناير المقبل.

في عالم يلفه غموض التطورات وتسارع الأحداث وسقوط الثوابت، يظل على دول مجلس التعاون الخليجي الاستمرار في التعامل مع المستقبل بعين تنظر إلى التحديات الداخلية وتلبية الاحتياجات المتنامية، وأخرى تنظر إلى المتغيرات الدولية والإقليمية ومواجهتها، على أن يكون ذلك بتنويع مصادر الدخل، والاعتماد على الذات، وتوسيع التحالفات في ظل عالم متغير يشهد صعود تكتلات جديدة، وأفول تحالفات قديمة، وظهور تحولات عديدة وسياسات غير ثابتة ومنطقة متحركة تموج بالكثيرمن المشاكل والتدخلات الخارجية، وفي قناعتنا أن دول مجلس التعاون لن تقف مكتوفة الأيدي أو جامدة تنتظر المفاجآت.

كلمات دليلية