انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 116 وقفةترامب .. بين الشعبوية والسياسة

ترامب .. بين الشعبوية والسياسة

انشأ بتاريخ: الإثنين، 06 شباط/فبراير 2017

فور دخول الرئيس الأمريكي الجديد ترامب بوابة البيت الأبيض، أخذ يترجم وعوده الانتخابية إلى قرارات واجبة النفاذ، لذلك جاءت هذه القرارات متسرعة وغير مدروسة وغير قابلة للتطبيق، وهي في مجملها تمثل رغبة الرئيس الأمريكي وطموحه دون استشارة أركان إدارته، ما جعلها تواجه اعتراضًا من الشعب الأمريكي، ورفضًا من حلفاء الولايات المتحدة في الخارج، وترتب على ذلك تراجع ترامب بالفعل عن بعض هذه القرارات بعد قليل من توقيعها، من بين ذلك التأشيرات بعد 90 يومًا.

هذه القرارات جاءت انطلاقًا من شعار (أمريكا أولاً) الذي رفعه ترامب خلال حملته الانتخابية خاصة ما أسماه (الراكب المجاني) أو عدم تحمل واشنطن نفقات أو تبعات مالية تجاه الخارج، مع رغبته في تحقيق مكاسب أكبر للداخل الأمريكي، وتأمين الولايات المتحدة من أخطار الإرهاب بطرق مختلفة ومنها على سبيل المثال بناء جدار عازل مع المكسيك على نفقة الأخيرة وبتكلفة 8 مليارات دولار، وإن كانت هذه التوجهات وجدت رفضًا ومظاهرات احتجاج في الولايات الأمريكية في حالة غير مسبوقة، لكنها قد تجد قبولاً جزئيًا في الشارع الأمريكي كرد فعل على فشل إدارة أوباما في كثير من الملفات، منها المماطلة في القضاء على الإرهاب، وتعرض أمريكا كقوى عظمى إلى الإهانة و الانتقاص من هيبتها، والعلاقة الغامضة مع روسيا  التي لا ترضي الشارع الأمريكي، وكذلك التقارب غير المفهوم مع إيران التي كانت من أكبر أعداء واشنطن على الأقل في العلن، مما جعل الرأي العام الأمريكي يرفض ما فعله أوباما تجاه طهران خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، كل ذلك وغيره جعل ترامب يتخذ قرارات سريعة على طريقته كرجل أعمال يتخذ قراراته داخل شركاته وتكليف موظفيه بتنفيذها رغبة منه في دغدغة الرأي العام الأمريكي وتحقيق شعبية.

شعار (أمريكا أولاً) لا يحقق الزعامة لأمريكا ولا يجعلها القوى العظمى أو الدولة الأغنى في العالم، بل يفتح الباب لدول أخرى للقفز إلى قمرة القيادة عبر تحالفات جديدة، خاصة أن عناصر القوة والثراء لم تعد حكرًا على الولايات المتحدة، إضافة إلى أن أمريكا لم تصل إلى كونها القوى العظمى إلا بعد الخروج من عزلتها وانخراطها في الشأن العالمي وخاضت حروبًا من أجل ذلك، كما شاركت في تحالفات لتثبيت نفوذها العالمي، وكونت صداقات استفادت منها في إسقاط عدوها اللدود الاتحاد السوفيتي. وزيادة حجم صادراتها، وقيمة التبادل التجاري مع الأطراف الدولية خاصة الدول العربية التي فتحت أسواقها للمنتجات الأمريكية من أسلحة وغير ذلك، فقد بلغ إجمالي قيمة الصادرات الأمريكية السلعية إلى الأسواق العالمية عام 2015م، أكثر من 1.5 تريليون دولار.  

وكانت قد استطاعت أمريكا فور أن حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها أن تشكل تحالفات جديدة ملأت الفراغ في كثير من بقاع العالم لمحاصرة المد الشيوعي، وحافظت على تأمين إمدادات النفط، وارتفعت قيمة صادراتها وحققت نموًا كبيرًا ما جعل اقتصادها الأول في العالم، ثم زادت العلاقات العربية ـ الأمريكية رسوخًا، ففي منطقة الخليج العربي تواجدت أمريكا لملء الفراغ الذي خلفته بريطانيا منذ بداية عام 1971م، حيث يوجد تحالف وشراكة استراتيجية بين الجانبين، وتجلى هذا التحالف في تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991م، وكذلك في اعتماد دول مجلس التعاون على التسليح الأمريكي ووجود قوات أمريكية في مياه الخليج وغير ذلك من مظاهر التعاون الأمني والعسكري، وفي النواحي التجارية بلغ حجم التبادل التجاري السلعي غير النفطي بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2015م، حوالي 37 مليار دولار ويمثل التعاون الخليجي ـ الأمريكي نموذجًا موثوقًا به كونه يقوم على تفاهم ومصالح مشتركة.

ولذلك فلن يستمر ترامب في انتهاج سياسة رجل الأعمال أحادي التفكير في الربح والخسارة بمعزل عن السياسة والظروف المحيطة والفوائد المباشرة وغير المباشرة للولايات المتحدة، بل سيعود إلى دولاب السياسة الخارجية الأمريكية، وبالفعل بعد فترة قصيرة جدًا صدرت توضيحات حول إعادة النظر في قرار منع دخول رعايا 7 دول عربية وإسلامية بعد ثلاثة شهور من توقيع هذا القرار، كما أنه قبل أن ينتهي شهر يناير الماضي وتحديدًا بعد 9 أيام فقط من تولي ترامب مهامه اتصل بزعماء دول مجلس التعاون الخليجي خاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة للتنسيق حول محاربة الإرهاب ، كما أجرى اتصالات مع سوريا واليمن من أجل هذا الشأن، وهذه مؤشرات تدل على أن ترامب سوف يعود إلى السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية، ولن يستطيع فرض إرادته الشخصية على العالم، أو أن يسبح ضد التيار في وقت تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى أصدقاء موثق بهم في الحرب ضد الإرهاب، وإلى شركاء اقتصاديين لدعم الاقتصاد الأمريكي.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة