;
الصفحة السابقة

الإعلام العربي .. وعقدة شاعر القبيلة

انشأ بتاريخ: الأحد، 05 آذار/مارس 2017

عند التعامل مع ملف الإعلام العربي، نجد هناك حالة تذمر من دور هذا الإعلام سواء للتأثير السلبي على العلاقات العربية ـ العربية، وإضعاف العمل العربي المشترك، أو في داخل الدولة تجاه إعلامها المحلي، وهناك الكثير من الدراسات التي تناولت قضايا الإعلام العربي ودوره وتأثيره في الفترة الأخيرة وخلصت إلى ضعف الإعلام المحلي والعربي الجماعي وتشرذمه، خاصة بعد انتشار الفضائيات الخاصة، ولا سيما بعد نشوب ما يسمى بثورات الربيع العربي حيث تبوأ الإعلام مكانة وتأثير كبيرين على مجريات الأوضاع السياسية، مستفيدًا من البث الفضائي غير المحدود، وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي، أي توفر وسائل إعلامية رخيصة الثمن، واسعة الانتشار، وعابرة للحدود والثقافات، ومتخطية حاجز اللغات والقوميات والعرقيات، مع ضعف قبضة الحكومات، ما جعل الإعلام الجديد يقود ثورات ويغير أنظمة حاكمة.

  وحمل الإعلام الجديد سمات لم تكن معروفة من قبل منها سرعة البث أو الإبلاغ عن الحدث فور وقوعه، وظهور ما يسمى بالإعلام التفاعلي ومشاركة متلقي الرسالة الإعلامية في الحدث الإعلامي، أو صناعته في كثير من الأحيان، الأمر الذي فتح الباب واسعًا أمام بث الشائعات، كما سمح بتسلل جهات داخلية وخارجية لها مصالح وأجندات للتأثير على الرأي العام العربي وتوجيهه وتحريكه، متجاوزة سلطات الدول في إدارة الإعلام كما كان متعارف عليه من قبل.

ويبدو أن الجرعات الإعلامية في زمن العولمة والقرية الكونية، كانت أكبر من الاستعداد لها في الكثير من الدول العربية، حيث لم تستطع هذه الدول التعامل معها باحترافية، وهذا ما ينطبق على أجهزة العمل العربي المشترك رغم أقدميتها وخبرتها، بل لعب الإعلام العربي دورًا عكس المطلوب منه وزادت سلبيته خاصة بعد مرحلة الانفلات الذي ضرب الساحة الإعلامية كنتيجة لما حدث في السنوات الست الأخيرة في الكثير من الدول العربية، وكذلك جسد واقع التحولات في المجتمعات العربية التي طرأت مؤخرًا.

الإعلام العربي يعاني من عدة أمراض من بينها: حالة الانكفاء على الداخل، والتخندق في موقع شاعر القبيلة والدفاع عن حزبه أو طائفته أو حكومته، ضعف التدريب، السطحية في التناول والنقد، عدم التخصص، والهجوم غير المبرر في لحظات الاختلاف السياسي بين الدول والحكومات ما يجعله إعلام (هبات موسمية) تناول العموميات على حساب التخصص  والمهنية والموضوعية لاسيما فيما يخص العلاقات الدولية والإقليمية وقضايا الأمن القومي والإقليمي، وكذلك تحول الإعلامي إلى دور الخطيب أو الواعظ، في حين أن الإعلام رسالة لها مسؤوليات منها المسؤولية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، إضافة إلى دوره في الإخبار والتثقيف وغير ذلك. لكن أصبحت وسائل الإعلام مسيسة وغير منفصلة عن جهات التمويل أو الأيدلوجية ولو على حساب المهنة، حيث يعاني الإعلام العربي من سطوة رأس المال على المهنية.

ورغم وجود أجهزة مسؤولة عن الإعلام العربي الجماعي لكن يبدو أنها لا تعمل، وإن كانت تعمل فليس لها قدرة على ترجمة قراراتها، ومنها مثلاً  مجلس وزراء الإعلام العرب، وجامعة الدول العربية التي يحتل مسؤولية الإشراف على قطاع الإعلام بها من يشغل وظيفة أمين عام مساعد لشؤون الإعلام، لكن لم نسمع أي تحرك لمعالجة سلبيات الإعلام أو تنفيذ المطالبات القديمة المتجددة مثل ميثاق الشرف الإعلامي العربي، أو تنظيم عمل الفضائيات العربية وكذلك  وضع حد للإعلام الذي يتعامل مع القضايا العربية وفقًا لـ (هبات موسمية)، أو بمنطق شاعر القبيلة في المديح والهجاء بدون رؤية، أو الحفاظ على  الحد الأدنى من المصلحة العربية العليا، ولذلك كم تسبب إعلامي يجلس خلف الشاشة، أو يكتب جملتين على مواقع التواصل الاجتماعي  في زيادة الخلافات العربية أو صناعتها، أو في قطيعة بين دولتين.

أصبح الإعلام العربي أداة للفرقة بين الشعوب العربية، وفقد أهم مهامه، وكذلك فقدت الدول العربية أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها شعوب أخرى بكل احترافية،  ولتصحيح هذا الوضع الخاطئ، لابد من إرادة عربية لتوحيد الكلمة والارتقاء بمفهوم الإعلام، و إعادة النظر في السياسات الإعلامية المحلية والعربية الجماعية، وإقرار ميثاق الشرف الإعلامي العربي، وتفعيل دور المؤسسات الإعلامية المشتركة وإعادة إحيائها ووضع أطر جديدة  للعمل الإعلامي العربي المشترك وفقًا للمتغيرات، وتغيير النهج القائم من أجل بناء رأي عام ناضج لخدمة قضايا الأمة، وإيجاد قدرة على إدارات الأزمات وفقًا لرؤية تخدم القضايا العربية الهامة أمام الهجوم الإعلامي المنظم ضد العرب وقضاياهم ووضعهم في خانة الاتهام.   

كلمات دليلية