;
الصفحة السابقة

التأثير على الرأي العام الأمريكي تجاه السعودية يتطلب جهدًا ووقتًا الإعلام السعودي لم ينجح في تغيير الصورة السلبية عن المملكة في أمريكا

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 07 حزيران/يونيو 2017

منذ بداية العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية عام 1933م، ظلت السعودية واحدة من أقوى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم، وظل الأمر على هذا الحال حتى مع حدوث خلافات حول أحداث تاريخية مختلفة وحول بعض السياسات وعلى الرغم من تباين الإداراتالأمريكية. وقد كانت زيارة دونالد ترامب إلى المملكةإلى حدٍ كبير نموذجًا لهذا التعارض الواضح، فالسعودية لم تتغاضى وحسب عن تصريحات ترامب الاستفزازية عن الإسلام وتعليقاته السلبية عن المملكة التي صدرت عنه قبل وأثناء حملته الرئاسية، بل تحولت زيارته للسعودية إلى احتفال بـ"العلاقة المميزة" التي بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية حيث تغاضت الأخيرة عن تصريحات الرئيس ترامب باعتبارها مجرد تصريحات دعائية قبل الانتخابات، وقد توّجت الزيارة بالاتفاق على صفقة أسلحة بمليارات الدولارات. فالأمر يبدو وكأن تلك العلاقة التي تجمع بين البلدين على المستوى الرسمي لا يمكن لها أن تنفصم. حيث أن المملكة هي شريك للولايات المتحدة، وتقوم بدور مهم لمكافحة التطرف وتثبيت السلم والأمن الدوليين، إلا أن غالبية الرأي العام الأمريكي تجاه المملكة لا تزال سلبية بعض الشيء وغير منصفة. فوفقًًا لاستطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث بنهاية عام 2013م، والذي يجمع معلومات عن رأي الشعب الأمريكي بخصوص حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين، أظهر 27% فقط من الأمريكيين موقفًا إيجابيًا تجاه المملكة، وهي النسبة الأقل من موقفهم تجاه روسيا والصين، وهي دول لم تجمعها بالولايات المتحدة علاقات ودية على مر التاريخ. وقد أظهر الاستطلاع أيضًا أن 57% لديهم آراء سلبية تجاه السعودية، بينما كانت النسبة المتبقية من نصيب غير المهتمين.

ومن الواضح أن السعودية – مع علاقتها الجيدة بالولايات المتحدة على مستوى الحكومات – لن تحقق أو تضمن أن تسود الصورة الإيجابية عن المملكة عند الوعي الأمريكي على نطاق واسع. فمثلاً كانت الاستعدادت التي أجريت من أجل زيارة ترمب إلى المملكة جزءًا من جهد ملموس للغاية للحفاظ على شراكة راسخة بالفعل، والذي أفضى إلى نتائج أكثر واقعية في صورة صفقة تجارية واضحة المعالم. غير أن تقييم الرأي العام ليس بالأمر الذي يخضع للقياس بهذه السهولة، كما أن التغيرات في آراء ووجهات نظر المواطنين العاديين لا تحدث بنفس السرعة التي يتم بها إبرام صفقة تجارية بين القيادة التنفيدية لكلا البلدين. ولكن ما هي الأسباب الحقيقية لهذا الموقف السلبي؟ وإذا كانت السعودية فعلاً تريد "إعادة تشكيل" صورتها عند الشعب الأمريكي، فهل هو أمر ممكن أو حتى يستحق هذا العناء؟

واحدة من الصعوبات الرئيسية التي يتعين حلها عند تناول التصور السلبي لدى العامة هو تحديد ماهية هذا التصور ومصدره. وفي الولايات المتحدة يحمل الأمر تحديًا أكبر في وقت يسوده الاستقطاب السياسي، وأيضًا لأن المجتمع الأمريكي شديد التباين في ذاته من حيث الخلفيات الدينية والثقافية، ومن حيث التوجهات المحافظة أو الليبرالية وما إلى ذلك. فيمكن لشرائح متنوعة من المجتمع الأمريكي أن تتبنى وجهات نظر سلبية تجاه المملكة لأسباب مختلفة. فضلاً عن أن نظرة الفرد الشخصية تجاه قضية معينة تتشكل ذاتيًا من خلال التصورات المسبقة أو خبرة شخصية مباشرة. وبما أن المواطن الأمريكي العادي لم يسافر غالبًا إلى المملكة العربية السعودية ولم يتعامل مباشرة مع السعوديين أنفسهم، فيمكن القول بأن نظرته ستتشكل إلى حد كبير من طريقة تصوير الإعلام للمملكة، والذي ينصب، عند إذاعة أخبار عن السعودية، على قصص , عن انتهاكات حقوق الإنسان خاصةً حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية، واتهامات للمملكة بأنها راعية للإرهاب.

ومن ناحية أخرى، بعد سنوات من انتقاد مزاعم ولاية الرجل على المرأة في السعودية، وحتى بعد تخفيف السعودية للقيود في نظام ولاية الرجل في بداية مايو الماضي، وبدلاً من أن يشيد الإعلام الأمريكي بقرار الحكومة السعودية، كان هناك احتجاجًا في الإعلام بعدم كفاية هذه الخطوة. إن الانتقادات التي توجه إلى السعودية هي انتقادات يمكن أن تكون مشروعة أو غير مشروعة مثلها مثل أي دولة أخرى، ولكن الفكرة هي أن التغطية الإعلامية للسعودية تكاد تكون سلبية بالكامل، ولذلك، فليس من المستغرب أن يتبنى معظم الأمريكيين نظرة سلبية تجاه المملكة. إن فهم مدى عمق تلك النظرة السلبية يتجلى في ذلك الازدواج بين عدم وجود إعلام محايد وصعوبة الذهاب نسبيا إلى السعودية بالنسبة لمعظم الأمريكيين. فلو كان في إمكان الأمريكيين السفر إلى السعودية بمثل السهولة التي يسافرون بها إلى الإمارات أو قطر مثلا، لاستطاعوا تكوين رأيهم الشخصي تجاه المملكة استنادًا إلى خبراتهم المباشرة، عوضًا عن تلقيها من أفواه الآخرين. فصحيح أن السفر إلى المملكة سيظل حصرًا على من لديهم الإمكانية لذلك، ولكن مثل هذا التغيير قد يؤدي على الأقل إلى بعض التطورات الإيجابية.

لقد أدركت حكومة الولايات المتحدة بالفعل أهمية العلاقة فيما بين المواطنين أو أفراد الشعبين عندما يتعلق الأمر بتحسين صورة الولايات المتحدة داخل المجتمع السعودي. وهو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الولايات المتحدة في تشجيع العديد من الشباب السعودي لاستكمال دراستهم الجامعية والدراسات العليا في الجامعات الأمريكية. فوفقًا لوكالة الأنباء السعودية، الولايات المتحدة هي الدولة التي يوجد بها أكبر عدد من المبتعثين السعوديين على مستوى العالم، والبالغ عددهم 125,000 طالب. وحيث أنه من غير المرجح تمامًا أن يلجأ الكثير من الأمريكيين للدراسة في المملكة، إلا أنه من غير المستبعد ظهور عدد كبير من برامج التبادل الطلابي في السعودية. وقد أفادت مؤخرًا الجمعية الأمريكية للغات الحديثة أن اللغة العربية هي أسرع اللغات انتشارًا في مجال دراسة اللغات الأجنبية في الولايات المتحدة إلى حد كبير، بينما كشف مركز بيو للأبحاث العام الماضي أن اللغة العربية هي أسرع اللغات المنطوقة انتشارًا في الولايات المتحدة. ولذلك فلا يوجد مبرر لأن تفوت السعودية فرص الاستفادة من الطلب المتزايد على برامج دراسة اللغة العربية بالخارج، خاصةً أن الكثير من البرامج في المناطق المعروفة تاريخيًا مثل مصر والأردن وسوريا قد تم إغلاقها أو فقدت طلاب كان من المحتمل توافدهم بسبب من المخاوف الأمنية في تلك المناطق. إن السماح للأمريكيين برؤية المملكة ومعايشتها بأنفسهم يمكن أن يفضي إلى تحسين صورة المملكة بالخارج، تمامًا مثلما فعلت الولايات المتحدة بتوظيف برامج التبادل الطلابي الممولة من وزارة الخارجية لتحسين صورتها وتعزيزًا للقيم الديموقراطية.

غير أنه من الضروري أيضًا توخي الواقعية بخصوص إمكانية تحسين الرأي العام تجاه السعودية داخل الولايات المتحدة. فسيظل الواقع أن هناك خوف قائم ومتجذر من الإسلام (أو ظاهرة الإسلاموفوبيا) عند الكثير من الأمريكيين، وهو الخوف الذي يشكل نظرتهم عن المملكة ذاتها، فكون المملكة العربية السعودية حاضنة الحرمين الشريفين، ستبقى المملكة رمزًا للدين الإسلامي أو على الأقل ممثلا له. ولذلك، وبصرف النظر عن جهود المملكة في تحسين صورتها، فإن هؤلاء الذين يكنون بالفعل كراهية للإسلام سيكون لديهم بالتبعية نفس الكراهية تجاه السعودية، ومن الصعب معالجة ذلك مالم تتحسن النظرة العامة تجاه الإسلام أيضًا. فطبقًا لاستطلاع رأي آخر أجراه مركز بيو للأبحاث في 2017م، أن 48% من الأمريكيين فقط يتبنون موقفًا إيجابيًا عن الإسلام، غير أن هذه النسبة زادت 8% في السنوات الثلاثة الأخيرة. واستنادًا إلى نسبة 27% من الأمريكيين المذكورة آنفا، ممن يتبنون وجهة نظر إيجابية تجاه الإسلام، فيبدو أنه ربما يكون هناك أمريكيون لديهم آراء إيجابية عن الإسلام ولكن سلبية عن السعودية أكثر من العكس.

وإذا كانت السعودية ترغب بالفعل في تحسين الرأي العام تجاهها بالخارج خاصةً في الولايات المتحدة، فستحتاج المملكة إلى أن تدرك أنه لا يمكن تحقيق ذلك من خلال التركيز على المنهج المتجه من القمة الى القاعدة في العلاقات الدبلوماسية رفيعة المستوى. فعلى الرغم من الأهمية الفعلية لمواقف القيادة التنفيذية في الولايات المتحدة، فإن ذلك لن يغير من آراء الملايين من الأمريكيين في شيء، علاوة على أن القيادة الأمريكية ستستمر في التغير، ولذلك فإن الاعتماد على زعيم واحد أو حكومة واحدة لتغيير الرأي العام الأمريكي هو أمر من المستبعد حدوثه. فدونالد ترامب نفسه لديه واحدة من أقل معدلات القبول وأكثرها انقسامًا سياسيًا على نحوٍ أكبر، وذلك مقارنةً بغيره من الرؤساء القريبين بالعهد، وفي مراحل مشابهة في السنة الأولى من الرئاسة، وهذا وفقًا لدراسة أجراها مركز بيو للأبحاث في فبراير 2017م، ولذلك فإن توفير الدعم الكامل لترمب لن يؤدي بالضرورة إلى ردود فعل إيجابية من الأمريكيين على النحو الذي تتطلع إليه المملكة. وكما يتضح من "قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب" (جاستا) الصادر مؤخرًا من الكونجرس، والذي سمح بمباشرة دعوى قضائية من قِبل هؤلاء الذين يقتنعون بأن السعودية مسؤولة جزئيًا عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، حيث يزعمون أيضا أن السعودية كانت تدعم القاعدة، فالضغط الشعبي يتوافق في النهاية مع المشرعين في الولايات المتحدة. ويمكن لمبادرات مثل مبادرة المركز العالمي لمكافحة الإرهاب التي انطلقت مؤخرًا أن تؤدي إلى قبول قصير المدى من الشعب الأمريكي حول هذا الشأن، ولكن مالم يترتب عن هذه المبادرة نتائج فعلية، فلسوف يستغل الإعلام ذلك لتوجيه المزيد من الانتقادات نحو المملكة. وعليه، فمن الضروري الآن أن تركز السعودية على الدبلوماسية على مستوى المواطنين حتى لا يحتكر الإعلام قدرته على التأثير على الرأي العام الأمريكي تجاه المملكة، وذلك مثلما حاولت الولايات المتحدة أن تفعل مع المواطنين السعوديين استكمالاً لتدابير دبلوماسية قائمة بالفعل. إن التغير في الرأي العام لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها، فهو يأتي بالتدريج، ولذلك فإن الاستفادة من الدبلوماسية على مستوى المواطنين أو الشعوب هو المفتاح نحو علاقات مستقبلية ناجحة بين البلدين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحثة أمريكية في العلاقات الدولية ـ مستشار لدى الناتو

http://www.pewforum.org/2017/02/15/americans-express-increasingly-warm-feelings-toward-religious-groups/

http://www.arabnews.com/node/939256/saudi-arabia

http://monitor.icef.com/2014/12/arabic-language-studies-booming-us/

http://www.cnsnews.com/news/article/jeannette-richard/pew-study-arabic-fastest-growing-language-us

http://www.people-press.org/2017/04/17/public-dissatisfaction-with-washington-weighs-on-the-gop/

http://www.pewresearch.org/fact-tank/2013/12/30/which-countries-americans-like-and-dont/

كلمات دليلية