;
الصفحة السابقة

المملكة السوق الأول لفرنسا والشريك الاستراتيجي في الشرق الأوسط السياسة الفرنسية: شراكة استراتيجية مع السعودية تقوم على ثوابت ومصالح متبادلة

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 07 حزيران/يونيو 2017

لازال الخليج العربي يمثل الجزء الأساس من الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط مع وجود أدوار لكل من بريطانيا، فرنسا، روسيا، الهند، والصين في هذه المنطقة، والتي تبقى ضمن الرؤى بعيدة النظر في الاستراتيجية الأمريكية ترصدها وتتابع تحركاتها بشكل يبقي لها تفوقها على المدى البعيد ويحافظ على مصالحها ونفوذها. وعاشت دول الخليج العربي بعد مرحلة الاستقلال عام 1971م، بتكوينات جديدة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية انعكست في المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية بعد أن شهد النظام الدولي تحولات مهمة إثر انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية وبروز الهيمنة الأمريكية في السياسة الدولية، وأزمةغزو النظام العراقي السابق للكويت عام 1990م، والحرب على العراق عام1991م، وفرض المزيد من النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج العربي، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق في /أبريل 2003 م، وتداعياته على المنطقة، وتبعها بسنوات اندلاع الثورات الشعبية في المنطقة  العربية بمسمى(الربيع العربي) والذي مازالت رياحه تهب على هذا البلد العربي وذاك(1).

من جهة ثانية، تمثل فرنسا دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي وموروث حضاري وتاريخي ليس في أوربا فحسب بل في العالم، مما يجعل العلاقات معها تكتسب أهمية كبيرة من قبل الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. ولقد شهدت العلاقات السعودية- الفرنسية خاصة خلال العقدين الأخيرين تطورًا ملحوظًا، وصلت إلى درجة الشراكة الاستراتيجية بحسب وصف السياسيين والمراقبين تركت أثارها على الصعيدين العربي والإقليمي في ظل تحول رؤية صانعي القرار في البلدين إلى ضرورة وصولها إلى أبعد مستويات الشراكة.في هذه الدراسة نعالج السياسة الفرنسية في منطقة الخليج العربي مع التركيز على المصالح والسياسات مع المملكة العربية السعودية (كدراسة حالة) في ضوء المكانة الكبيرة والمهمة التي تحتلها المملكة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط سياسيًا، استراتيجيًا، اقتصاديًا، استثماريًا بالنسبة للدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا.

أولاً: السياسة الفرنسية تجاه الخليج العربي

يعود الوجود الفرنسي في الخليج العربي إلى الثورة الفرنسية عام 1789م، ثم تطورت التجارة الفرنسية البحرية والخارجية في المنطقة في عهد نابليون بونابرت مطلع القرن التاسع عشر، ولكنها تراجعت مع التقدم البريطاني في الخليج العربي على حساب فرنسا إذ سيطر النفوذ البريطاني على منطقة الشرق ومنها منطقة الخليج العربي منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر ، واستمر تراجع الوجود الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى واستمر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية نتيجة عدة عوامل أهمها تعاظم الدور البريطاني، وظهور التيار القومي ونشوب الثورات العربية، وإعلان الاستقلال العربي في عدة دول عربية في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين(2).وكانت السياسة الفرنسية في عهد الرئيس شارل ديغول (1959-1969م) تدور ضمن المشروع الأوروبي الذي رأى أن استقلال فرنسا لن يأتي إلا بوحدة أوربا وتحقيق أمنها، ثم إن أمن أوربا هو أمن البحر المتوسط الذي كان يمثل قاعدة المثلث القاري، وسعى ديغول إلى توحيده فركزت فرنسا سياستها على أمن وسلام الشرق الأوسط خلال حقبة الحرب الباردة، وتقريب وجهات نظر بين القوتين العظميين، وعدم هيمنة أي منهما على منطقة الشرق الأوسط ومنها الخليج العربي(3).

واتبعت الإدارة الفرنسية بعد عام 1967م، سياسة(الاستمرارية) في الشرق الأوسط، رغم التناوب على السلطة وتغيير الرؤساء والحكومات الفرنسية في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. وفي عهد الرئيس فرانسوا ميتران(1981-1995م) قام بأول زيارة له بعد توليه الرئاسة إلى دول الخليج العربي في 26 أيلول 1981م، وكانت إلى المملكة العربية السعودية تحديدًا، والهدف منها طمأنة القادة السعوديين والخليجيين أن فرنسا في ظل الحكم الاشتراكي لاتختلف علاقاتها بدول الخليج العربي عما كانت عليه في العهد الديغولي، ولتأمين وصول النفط الخليجي إلى فرنسا دون أية عقبات وبأسعار معتدلة(4).

واستمرت هذه السياسة بخطوطها العامة في عهد خلفه الرئيس الفرنسي جاك شيراك (1995-2007م).لذلك فإن اهتمام فرنسا باستقلاليتها يعتبر أساس السياسة الخارجية منذ عهد الجنرال ديغول، واستطاعت أن تحظى بنفوذ لها في الشرق الأوسط، وهي ثالث قوة عسكرية عالميًا، ورابع قوة اقتصادية، وهي ترأس (منظمة الفرانكفونية العالمية)، وتفضل الحوار بين الحضارات والاحترام المتبادل. أما سياستها تجاه الدول العربية والخليجية خاصة فإنها تقوم على أساس الصداقة والمصالح الإستراتيجية في المجالات السياسية والاقتصادية والنفطية والاستثمارية، وتطوير التعاون العلمي والثقافي، وتعمل باريس على حل مشكلة الشرق الأوسط بين فلسطين وإسرائيل في إطار خيار السلام وتطبيع العلاقات مع دول المنطقة، والحفاظ على سلامة الدول العربية في أراضيها وسيادتها (5).

ثانيًا: العلاقات السياسية

عملت فرنسا جاهدة لتعزيز علاقاتها مع دول الخليج العربي من خلال الدبلوماسية وافتتاح القنصليات وأقامت علاقات غير رسمية مع السعودية قبل الحرب العالمية الثانية، وأرسل الرئيس شارل ديغول مبعوثًا خاصًا إلى مؤسس السعودية آنذاك الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود(1902-1953م)،وتطورت العلاقات بعدها على أساس أن سياسة فرنسا تعتمد الحوار السياسي والشراكة الاقتصادية والالتزام بالتعهدات في المجال الأمني،وازدادت مع زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز(1964-1975م) إلى فرنسا في عام 1967م، ولقائه التاريخي مع الجنرال ديغول،ثم زيارته الأخرى إلى باريس عام 1973م، في عهد الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو، وتبعتها زيارة الملك خالد بن عبد العزيز(1975-1982م) إلى فرنسا في عام 1978 م، ثم زارها ثانية عام 1981م، في حين قام الملك فهد بن عبد العزيز(1982-2005م) بزيارات أكثر من مرة إلى باريس أربعة منها عندما كان وليا للعهد ثم عندما أصبح ملكًا زارها عام 1984م، وعمل الملك عبدالله بن عبد العزيز(2005-2015م) بزيارات عدة إلى فرنسا الأولى 1981 ثم تبتعها الأعوام 1985 ، 1998 ، 2006م،  والزيارة الأخيرة وصفت تاريخية استقبله الرئيس شيراك بطريقة تميزت بالحفاوة الواضحة. في حين زار الرئيس شيراك الرياض لتقديم التعازي بوفاة الملك فهد إلى جانب الزيارات الأخرى التي أجراها في الأعوام،1996،2001 ،2006م. ومنذ التوقيع على أول عقد عسكري بين باريس والرياض عام 1982م، استمرت الصفقات العسكرية الفرنسية لصالح المملكة العربية السعودية، وتدريب الضباط السعوديين وخاصة سلاح البحرية الملكي، وازدادت العلاقة في تدريب القوات الخاصة السعودية وجاءت الزيارتين للرئيس جاك شيراك عامي 1996 ثم 2006م، لتعزيز التعاون العسكري الثنائي ومحاربة الإرهاب والتعاون بين الأجهزة الاستخبارية. وفي أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991م، لم تشهد مواقف فرنسا تغييرًا ملحوظًا تجاه المملكة على الرغم من الأزمة التي حصلت في منطقة الخليج العربي وتأثيراتها على المنطقة ومنها المملكة العربية السعودية وعلاقاتها التي تطورت مع الولايات المتحدة، وتأثير ذلك على الدول الكبرى المنافسة ومنها فرنسا التي وجدت إن مصالحها تكمن في التقارب مع السعودية بدلاً من أن تخسر نفوذها في منطقة الخليج العربي أمام الهيمنة الأمريكية (6).

بعد أحداث سبتمبر 2001م، والهجوم الذي قام به تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة، أصبح هناك وضع حرج ؛ أما السعودية لكون غالبية المهاجمين هم من الجنسية السعودية، فجاءت مبادرة الرئيس الفرنسي جاك شيراك في زيارة الرياض وسبقه وزير الخارجية هوبير فيدرين بوساطة بين واشنطن والرياض، وإجراء حوار للتعاون بينهما لمكافحة الإرهاب ومساهمة المملكة فيها، وفسر ارتياح الرياض من هذه الخطوة في مكافأتها لفرنسا من خلال منحها عقدًا نفطيًا أبرم بين شركتي توتال وارامكو. لقد كانت زيارات شيراك إلى المملكة العربية السعودية فرصة لتوقيع البلدين اتفاقية شراكة استراتيجية لتقوية مكانة فرنسا في المنطقة العربية والتي شملت الشراكة في المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، ثم تطورت أكثر بعد زيارة شيراك في اذار2006 إلى الرياض لدعم الخطوات الإصلاحية للملك عبد الله بن عبد العزيز في إطار الحوار الوطني ورفض ربط الإسلام بالإرهاب وتوجيه الاتهامات في الغرب إلى السعودية (7).

ويفسر هذا الاهتمام الفرنسي بالتعاون مع المملكة إلى رغبة متبادلة من الأخيرة التي تعمل لبناء قوتها العسكرية والتسليحية،وفرنسا الدولة المهمة في هذا المجال والشريك الأول للمملكة في القارة الأوربية. وقد زار الرئيس نيكولاي ساركوزي السعودية في أكتوبر 2009م،والتي وصفت بأنها زيارة مهمة لتعزيز الروابط بين البلدين،وسعت فرنسا إلى إبرام اتفاق في المجال النووي المدني وبيع فرقاطات وطائرات عسكرية إلى المملكة وتطلعت أيضًا إلى الفوز بعقود في مجالات الطاقة والمياه والتسلح والصرف الصحي، فضلاً عن الحوار في القضايا الإقليمية وفي مقدمتها استئناف عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، ووصف الملك عبد الله العلاقات بين فرنسا والمملكة بأنها وثيقة وعميقة ومتميزة وقائمة على شراكة متجددة لاسيما إن 40%من الاستثمارات الفرنسية توجد في المملكة، وهناك تعاون عسكري وثيق بين البلدين. وتأتي هذه الزيارة الثالثة للرئيس ساركوزي بعد زيارتين الأولى في حزيران2007م، والثانية نوفمبر 2008م(8).

ووقعت فرنسا مع السعودية اتفاقية للتعاون في المجال السلمي للطاقة النووية وفي الاستخدامات السلمية في الطاقة الكهربائية وتحلية المياه وتأهيل الموارد البشرية وتبادل الخبرات في المجال النووي في الزراعة والبيولوجي والطب وعلوم الأرض والأبحاث التطبيقية، وتشكل الاتفاقية بنظر المراقبين تحولاً جديدًا في الشراكة والتعاون الاستراتيجي بين البلدين لاسيما أن فرنسا دولة رائدة في المجال النووي (9).

ثم عقدت بعد سنوات في مدينة جدة  قمة سعودية- فرنسية  استقبل خلالها الملك عبدالله بن عبد العزيز الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لبحث مجالات التعاون الثنائية وقضايا الشرق الأوسط إذ أكد الرئيس الفرنسي إلى أن المملكة العربية السعودية شريك استراتيجي لفرنسا فهي الشريك الثالث للسعودية في مجال الأمن والدفاع، وأشاد الرئيس هولاند بسياسة الانفتاح التي يتبعها الملك عبد الله، وعلاقات الصداقة بين البلدين بمناسبة استقباله لرجال أعمال فرنسيين وسعوديين في منتدى الأعمال الأول السعودي-الفرنسي الذي عقد في باريس في أبريل 2013م، وأكد أن النجاح الاقتصادي الواضح للمملكة وبأنها البلد العربي الوحيد العضو في مجموعة العشرين وحرصها على استقرار أسعار النفط وأن فرنسا تستثمر 15 مليار دولار في المملكة وتأكيده على استمرار الاستثمار مع الثقة بالسعودية لاسيما أن فرنسا الثالثة على صعيد الاستثمارات الصناعية في العالم والأولى في أوربا في هذا القطاع. ودعا هولاند رجال الأعمال السعوديين إلى الاستثمار في فرنسا في كافة القطاعات الصناعية والخدمات والمالية والعقارات (10).

وأكد آنذاك وزير التجارة والصناعة السعودي توفيق الربيعة أن التجارة البينية بين فرنسا والمملكة العربية السعودية ارتفعت إلى 44 مليار ريال عام 2012م، وتعد فرنسا ثامن أكبر دولة مصدرة للمملكة، وأشار الوزير إلى إن بلاده أكبر جاذب للاستثمارات الأجنبية في المنطقة وترغب في علاقات تجارية واستثمارية أكبر مع الدول المتقدمة. وقام وزير النهوض بالإنتاج الفرنسي ارنو مونتبور بزيارتين إلى الرياض في يناير 2013 م، ثم مارس 2013 م، ثم تبعته زيارة وزير الدفاع جان ايف لودريان للرياض في 27 يناير 2013م، واعقبتها زيارة الرئيس فرانسوا هولاند أيضًا في النصف الثاني 2013م، والتي تأتي في مجملها في إطار الزيارات المتبادلة والعلاقات المتينة والمتطورة بين البلدين.(11) في حين قام ولي العهد(آنذاك) الملك سلمان بن عبدالعزيز بزيارة باريس في 4 سبتمبر 2014م، والتقى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وأبديا ارتياحهما لتطور العلاقات بين البلدين وآفاقها المستقبلية والشراكة الاستراتيجية بينهما ولاسيما التعاون العسكري والتسليحي والأمني.

ويفسر الاهتمام الفرنسي بالتعاون مع السعودية في هذه المرحلة إلى رغبة متبادلة من الرياض التي تعمل لبناء قوتها العسكرية والتسليحية، ومن جهة أخرى فرنسا الدولة الأوربية القوية في هذا المجال والشريك الأول للرياض في أوربا. ويبدو أن الثابت في السياسة السعودية هو تحالفها مع الولايات المتحدة واستخدام علاقاتها مع الدول الأخرى كمثال فرنسا كعامل لتوسيع الشراكات. ثم أن النفوذ الإيراني في المنطقة يشكل قلقًا وإعادة حسابات للسعودية ونقطة تلاقي مع فرنسا التي ترفض البرنامج النووي الإيراني لذلك تسعى باريس إلى تواجد عسكري دائم في منطقة الخليج العربي لاسيما في قاعدتها التي شيدتها في أبوظبي، واستمرار التعاون مع المملكة العربية السعودية وبقية الدول الخليجية(12).

ثالثًا: الجانب الاقتصادي والاستثماري

في المجال الاقتصادي والاستثماري برزت التوجهات الفرنسية واضحة نحو التعاون مع المملكة العربية السعودية وخاصة في السنوات الأخيرة في مشاريع ضخمة في القطاع العام والقطاع الخاص. وتضاعف التعاون الاقتصادي في السنوات الخمس الأخيرة وبلغ عام 2012م، إلى 8,7 مليار يورو وهي الدولة الثانية بين شركاء فرنسا في الشرق الأوسط بعد تركيا وبلع حجم الصادرات الفرنسية إلى المملكة 3,2 مليار يورو عام 2012م، والسابعة فرنسا بين الموردين للسعودية، وهناك فرص أمام فرنسا في مجالات النفط والخدمات النفطية والنقل بالسكك الحديدية والقطارات السريعة والطاقة النووية للأغراض السلمية والمملكة المورد الأساس للنفط بالنسبة إلى فرنسا بينما الصادرات الفرنسية متنوعة إلى السعودية من الصناعات الكهربائية والغذائية وتتصدر المملكة قائمة عملاء فرنسا في قطاع الدفاع وأحد مشتري الأسلحة في العالم.في حين فرنسا ثالث أكبر الدول المستثمرة في المملكة ويقدر مخزون الاستثمارات الفرنسية حوالي 15,3 مليار دولار أمريكي في نهاية عام 2011م، في مجالات الطاقة والمياه والكهرباء والنقل، وثلث محطات توليد الكهرباء السعودية تأتي من شركات فرنسية والعمل جارٍ في مجالات الطاقة النووية والشمسية علمًا أن السعودية أول دولة وقعت مع فرنسا للتعاون في المجال النووي، والشركات الفرنسية في أولوياتها التوطين للتقنية والتدريب والتأهيل في المملكة. وتقديم تسهيلات مشجعة للسعوديين السائحين ورجال الأعمال بتسهيل الحصول على تأشيرات الدخول إلى فرنسا (13).

في ميزان التجارة بين فرنسا والسعودية نلاحظ أنه يميل لصالح الأخيرة للأعوام بين( 2003-م2008)، لكنه اتجه إلى الانخفاض عام 200م،  وسجل عجزًا في الرصيد السعودي يقدر بحوالي2789 مليون ريال بنسبة 11% من قيمة التبادل التجاري بين البلدين عام 2009م، ونلاحظ أن واردات السعودية من فرنسا حققت انخفاضًا بلغ معدله6% عن قيمتها في العام السابق له، وانخفضت صادرات المملكة إلى فرنسا بمعدل 38%عن العام السابق .أما أهم الصادرات من المملكة إلى فرنسا في عام 2009 م، فهي زيوت نفط خام ومنتجاتها 19472مليون ريال، أما الواردات فهي أنابيب خطوط لنقل الزيوت ودواجن مجمدة وسيارات مدرعة عسكرية وقطع غيار للطائرات وأدوية بلغت قيمتها 2978مليون ريال.في حين حجم الاستثمارات بين البلدين فهي 14 مشروعًا مشتركًا بالأنشطة الصناعية وغير الصناعية،وتبلغ حصة الشريك الفرنسي نسبة 44,99% في المجال الصناعي المشترك بينما حصة الشريك السعودي 52% والباقي حصص مساهمين أجانب.أما المجال غير الصناعي نسبة الشريك الفرنسي35,26%بينما حصة الشريك السعودي62,22% والبقية حصص مساهمين أجانب.(14)

وأوضح سفير فرنسا في الرياض برتران بزانسونو أن المملكة تعتبر السوق الأول لفرنسا في الشرق الأوسط والشريك الاستراتيجي الرئيس لفرنسا في المنطقة، وأشار إلى أن الصادرات الفرنسية إلى المملكة بلغت 3,2مليار يورو عام 2012م، وشملت مواد كالمعدات الميكانيكية والإلكترونية والكهربائية والأغذية والمواد الزراعية ومستحضرات التجميل والمنتجات الكيماوية والمنتجات المعدنية والأدوية والطائرات والأقمار الصناعية. وأكد السفير أن في المملكة أكثر من 70 شركة فرنسية تضم مالا يقل عن 20000 شخص، وأوضح أن هناك مجالات واسعة للتعاون في عدة مجالات كالطاقة النووية والمتجددة  والصحة والنقل والمناطق الحضرية والسكن وغيرها (15).

في حين أشار بيير سيمون رئيس هيأة تنمية الاستثمارات الأجنبية في باريس وضواحيها عن رغبة حكومته في الشراكة مع رؤوس الأموال السعودية في أكبر مشروع في العالم ببناء 70 ألف وحدة سكنية سنوية برأسمال يقدر 93مليار يورو، وسينتهي العمل به في عام 2025م، وسيخلق فرص استثمارية كبيرة. في حين تتركز الاستثمارات السعودية على قطاعي الترفيه والفنادق والعقارات، وتبلغ الاستثمارات السعودية في فرنسا عام 2013 نحو701مليون دولار بينما تبلغ الاستثمارات الفرنسية في المملكة العربية السعودية نحو1و2مليار دولار استثمرها الفرنسيون في 67 مشروعًا مع شركاء سعوديين (16).

من جانب آخر ، هناك تعاون عسكري بين فرنسا والسعودية منذ سنوات طويلة باعتماد الرياض على التسليح والمعدات والخبرات العسكرية الفرنسية ومن أبرز محطاتها المناورات العسكرية المشتركة بين البلدين التي جرت في أكتوبر 2012م، في جزيرة كورسيكا الفرنسية التي حملت اسم(نمر2) وهي أول مرة يشارك فيها الجيش السعودي في مناورات في القارة الأوربية، وشارك في المناورات ألف رجل بينهم 350 سعوديًا .(17) ويوجد أكثر من 80 شركة فرنسية في الأسواق السعودية تقوم بتوظيف 27 الف موظف، وعقد أول منتدى لغرف الأعمال السعودي-الفرنسي في باريس في نيسان2013م، بمشاركة 500 رجل أعمال سعودي وفرنسي،ثم عقد المنتدى الثاني في عام 2015م، عرض فيه الفرص الاستثمارية والمشروعات المشتركة والبيئة الاستثمارية في فرنسا والتعاون المشترك في كافة المجالات، وأشار السفير الفرنسي في الرياض فيليب غسمان إلى أن فرنسا تحتل المركز الثالث بين الاستثمارات الأجنبية في المملكة العربية السعودية ووصلت إلى 15 مليار دولار ، في حين أكد مجلس الأعمال السعودي أن عقد منتدى فرص الأعمال السعودي-الفرنسي من أبرز أجندات المجلس مع الزيارات المتبادلة والاستفادة من الخبرات الفرنسية في السعودية بالأعمال الاقتصادية والاستثمارية.(18)

ويعتبر الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز رئيس مجلس إدارة شركة المملكة القابضة الرجل الأكبر استثمارًا في فرنسا فهو يملك فندق جورج الخامس فورسيزونز وهو أفضل مدينة فندقية في العالم والأفضل في أوروبا خلال 11 عامًا على التوالي ضمن الفنادق الأوربية، ويملك فندق لورويال مونسيو ومجمع يورو ديزني باريس الذي أنقذته الشركة القابضة من الإفلاس، وسيتي جروب وتمويل إنشاء مركز الفنون الاسلامية بمتحف اللوفر وقدره 20 مليون دولار في عام 2005م، ووقع الرئيس هولاند مع الأمير الوليد طلال في قصر الاليزيه الرئاسي في باريس في حزيران عام 2014م، بين شركة المملكة القابضة مع  CDCIC   مذكرة تفاهم لإنشاء إدارة استثمارية تدار بشكل مشترك من قبل الطرفين لتطوير مشاريع سعودية بمشاركة شركات فرنسية تكنولوجية. ومنح الأمير الوليد طلال وسام الشرف الفرنسي برتبة قائد في حفل رسمي في قصر الاليزيه من قبل الرئيس جاك شيراك آنذاك وهو أعلى وسام فرنسي نظرًا لجهوده في تعزيز العلاقات بين البلدين في مجالات الاقتصاد والأعمال والثقافة(19)، فضلاً عن منحه أوسمة فرنسية أخرى لجهوده الاستثمارية والثقافية في فرنسا.

رابعًا: الجانب العلمي والثقافي.

هناك تعاون كبير بين الجامعات السعودية والفرنسية إذ ارتفع عدد الطلاب السعوديين الدارسين في فرنسا من 100 طالب عام 2008 إلى 1400 طالب في عام 2013م، ويتوقع إن يرتفع العدد إلى 4000 طالب خلال السنتين القادمتين. ويتمثل التعاون العلمي في التعليم الجامعي والمهني والصحي وتحسين الحوكمة وسيادة القانون، ويدرس العديد من الطلبة السعوديين في فرنسا في إطار برنامج الملك عبد الله للمنح الدراسية الذي يمول ابتعاث 130 ألف طالب سعودي إلى الخارج. وتسعى فرنسا إلى أن يكون البعد الثقافي والمعرفي في نظرة فرنسا نحو المملكة العربية السعودية هو السائد في السنوات القادمة، ونظمت مجموعة الصداقة الفرنسية السعودية الخليجية ومعهد استراتيجيات التنمية الثقافية الفرنسي ندوة دعت إلى إنشاء مركز ثقافي فرنسي-سعودي ورابطة عالمية تعنى بالقيم الإنسانية المشتركة.

ومن الخطوات المهمةالتعاون المعرفي والثقافي بين المملكة العربية السعودية وفرنسا ما أشار إليه باتريس باولي مدير شمال إفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية إلى افتتاح معرض كبير في متحف اللوفر بعنوان (طرق المملكة وآثارها وتاريخها) في صيف عام 2010م، عرضت فيه قطع أثرية وفنية نادرة تم العثور عليها في المملكة من خلال التعاون المشترك الفرنسي-السعودي في الآثار وصيانته. وتبعتها زيارة وزير الثقافة الفرنسي فريدريك ميتران إلى الرياض للمشاركة في مهرجان الجنادرية بأن تكون فرنسا ضيف الشرف فيه عام 2010م.

     خاتمة.

تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تحديات في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، ويبقى الرخاء الاقتصادي في الدول هذه عاملاً رئيسًا في الاستقرار الداخلي كونه يقوي من لحمة المجتمع ويساعد على تقوية المناعة تجاه التحديات التي تواجه المنطقة العربية، وبنفس الوقت فهو باعث خارجي هام يشد باتجاه تفعيل علاقات الدول هذه مع القوى الكبرى ومن أهمها فرنسا، ويساعد الاستقرار السياسي والمالي والإمكانات البشرية والجيوستراتيجية والإرث التاريخي والديني للسعودية في أن تكون في صدارة دول مجلس التعاون الخليجي.

وعلى هذا الأساس تعتمد السعودية على حلفائها من القوى الكبرى الولايات المتحدة أولا ودائما وفرنسا وبريطانيا من أجل الحفاظ على أمنها واستقرارها، وتعمل بشكل كبير في السنوات الأخيرة على التعاون والتنسيق مع فرنسا بالدرجة الأولى من خلال عقد الاتفاقيات في زيادة قدرتها العسكرية والحفاظ على علاقاتها السياسية والاقتصادية. والعلاقات السياسية بين السعودية وفرنسا تقوم على التوازن واحترام السيادة، والمصالح المشتركة، والتفاهم والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية،أما من الناحية الاقتصادية فهي علاقات متنامية , الأكبر على المستوى الخليجي وتحتاج المزيد لتصل إلى مستوى طموح السياسة الفرنسية بأن تكون بحجم  تعاملها المتقدم مع الدول الأوربية. وعسكريا تتميز العلاقات بتطور ملحوظ أمنيًا ونوويًا وتسليحًا . أما ثقافيًا وعلميًا هناك تطلعات مشتركة للمزيد من الخطوات بتعليم اللغة الفرنسية والبعثات وتبادل الطلبة والتعاون الثقافي واللغوي مع فرنسا، والاتفاقيات المتبادلة بالآثار والسياحة والفنون والثقافة. إن الاستقرار في المملكة العربية السعودية ومكانتها العربية والإقليمية والدولية، والرغبة الفرنسية للمزيد من التعاون أدى إلى تحول العلاقات إلى النمو المتزايد، فمصلحة فرنسا في منطقة الخليج العربي أنها أساسًا تبحث عن النفط والغاز والاستثمارات والنفوذ الاستراتيجي في هذه المنطقة الحيوية من العالم. أما السعودية فهي الأخرى تبحث عن الخبرات العالمية المتقدمة والعلاقات السياسية المتكافئة والتعاون في القضايا الإقليمية والدولية مع الدول الكبرى وفي مقدمتها صديقتها التاريخية فرنسا. وبذلك فإن عيون السياسة الفرنسية المهتمة بمنطقة الخليج العربي عامة تصب اهتمامها على العلاقات مع السعودية نظرًا لمكانتها الكبيرة في هذه المنطقة فضلاً عن إمكانياتها النفطية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية، ومشاريعها وخططها العلمية والثقافية والبشرية والخدمية التي تحتاج إلى خبرات أجنبية متقدمة وخاصة الخبرات الفرنسية المعروفة بالتميز في هذه المجالات.

وبالتأكيد ستشهد السنوات القادمة المزيد من التعاون الفرنسي-السعودي في ظل رغبة الطرفين في تطويرها وتعزيزها على كافة الصعد لاسيما إذا ما أدركنا طبيعة السياسة السعودية منذ تأسيس المملكة في تنوع الحلفاء الغربيين وعدم الاقتصار على التحالف مع الولايات المتحدة فحسب وهذا الذي يفسر رغبة صانع القرار السعودي في التعاون مع فرنسا في ظل ما يوصف بالشراكة الاستراتيجية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس قسم الدراسات الإقليمية والدولية/مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية/جامعة بغداد

 

 

الهوامش

(1)فريدريك ويري، "مملكة  عربية سعودية جديدة؟" في: Carnegie Middle East  Center,22,5,2013

(2)باسكال بونيفاس،"السياسة الفرنسية في الخليج:الفرص والتحديات والانعكاسات"،في:المصالح الدولية في منطقة الخليج،ط1،أبوظبي:مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية،2006،ص56؛ للمزيد من التفاصيل:

عبد الأمير محمد أمين،التنافس في الخليج العربي في القرن الثامن عشر،بغداد:مطبعة أسعد،1966؛صالح محمد العابد،موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي1789-1810،بغداد:مطبعة العاني،1979.

(3)بوقنطار الحسان، السياسة الخارجية الفرنسية إزاء الوطن العربي منذ عام 1947،سلسلة أطروحات الدكتوراه(9)،ط1،(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1987)،ص 40.

(4) الحسان، المرجع السابق،ص238؛علي محافظة، فرنسا والوحدة العربية1945-2000،مواقف الدول الكبرى من الوحدة العربية(5)،ط1،(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية،،2008)،ص 20-21؛عن السياسة الفرانكفونية في الدول العربية راجع:Etat de a

Francophone dans le monde, Donnees, 1999-2000, Paris,le Documentetion,francaise,2001.

(5)شارل سان برو، السياسة الفرنسية تجاه العالم العربي، سلسلة محاضرات الإمارات رقم(70)، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية،2003،ص ص 13-25.انظر:الإشارات المهمة والترابط بين الحركات الإسلامية في الخليج العربي وامتداتها في دولة الإمارات العربية في:

Par Stephane La croix,Les Islamistes Saoudinens,Une insurrection Manquee,Precne Qrienif Paris, Presses Universities de France,2010.

(6)مجموعة باحثين، فرنسا والخليج العربي،ط1،مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية،أبوظبي،2008،ص ص15،3،60،62’92؛جريدة عكاظ،الرياض،20-7-2006

(7) أحمد جابر ،"العلاقات السعودية-الفرنسية معالم الخيارات والضرورة"، جريدة الحياة،لندن27/8/2014.

( 8)انظر:قناة فرانس24 ،18/11/2009.

( 9)جريدة الشرق الأوسط،لندن،22/2/2011.

( 10)جريدة الشرق الأوسط،لندن،5/11/2012؛جريدة الشرق الأوسط،14/4/2013.

(11) www.diplomatie.gov.fr-afrique-du-nord-moyen-orient.جريدة أخبار الخليج،المنامة،15/4/2013.

(12) انظر لمزيد من التفاصيل: فيصل المجفل، العلاقات الفرنسية-السعودية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت ،2014.

(13)جريدة الرياض،10نيسان2013.

(14)الغرفة التجارية الصناعية بالرياض، تطور العلاقات التجارية والاستثمارية بين المملكة العربية السعودية وفرنسا بين 2003-2009،الرياض،كانون الأول2010.

(15)جريدة الشرق الأوسط،لندن،26/3/2013.

(16)جريدة الشرق الأوسط،الرياض،26/3/2013.

(17 )قناة فرانس 24،11/10/2012

(18) انظر: مجلس الغرف السعوديةwww.csc.org.sa-arabic-news

(19)www.kingdom.com.sa-prince-alwaleed-recevies-french-ministerofforeign

 www.diplomatie.gov.fr0afrique-du-nord-moyen-orient.(20)

 

 

 

 

 

كلمات دليلية