;
الصفحة السابقة

الحل في دولة اتحادية تتسع للجميع وتقود لعضوية مجلس التعاون اليمن واستراتيجية أمن الخليج: مصلحة اليمنيين مع دول الخليج وليس مع إيران

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 29 آب/أغسطس 2017

يشكل الموقع الجغرافي للجمهورية اليمنية أحد أهم مرتكزات استراتيجية الأمن للجزيرة العربية والخليج والمنطقة بشكل عام من وجهة نظر واضعي الخطط الاستراتيجية.

فاليمن يقع على ممرات مائية في البحر الأحمر، والبحر العربي، وامتدادًا إلى المحيط الهندي، وبمساحة طولية تتجاوز 2400 كيلو متر. وما يترتب على هذه السواحل الطويلة على البحر من أعباء استراتيجية وأمنية لاعتبارات كثيرة تضع منطقة الجزيرة العربية والخليج كهدف للتسلل والتهريب بأشكاله المختلفة (المخدرات، الأسلحة، والبشر) الأمر الذي يدعو تلك الدول النظر إلى حدود أمنها القومي الممتد على طول الساحل اليمني على أنه البوابة التي يمكن استغلالها من أية قوى خارجية للتأثير على أمنها واستقرارها. ولم يكن قرار قمة مسقط في ديسمبر 2001م، لدول مجلس التعاون للخليج العربية لتأهيل شامل لليمن بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية واندماج اليمن في اقتصاديات دول مجلس التعاون، إلا تعبيرًا عن تلك النظرة الاستراتيجية لأمن دول الخليج، لكن هذا القرار لم يتم ترجمته إلى برامج عملية على كافة المستويات، لأسباب كثيرة، بعضها متعلق بدول المجلس، وأخرى مرتبطة بالأوضاع اليمنية الداخلية.

ولم تكن تلك الرؤية الاستراتيجية هي العامل الوحيد للاهتمام بالأوضاع في اليمن، بل امتدت إلى ما هو أبعد من ذلك بعد تأسيس نظام (ولاية الفقيه وتصدير الثورة) في إيران، وسعي طهران للسيطرة على تلك الممرات المائية على امتداد السواحل اليمنية، وما يترتب على ذلك من تهديد للملاحة الدولية في هذه المنطقة، فهو الطريق البحري لعبور ناقلات النفط من الخليج أيضًا، وتمر عبره من 45-50 % من التجارة العالمية تقريبًا، ويعتبر باب المندب مصب الممرات العالمية حيث يتدفق عبره نصف تجارة العالم، ويشكل مع مضيق هرمز ما نسبته 85% من حجم تجارة النفط العالمية.

ولم يكن الانقلاب على الدولة اليمنية في 21 سبتمبر 2014م، بدعم إيراني، إلا تأكيدًا على ذلك البعد الاستراتيجي لموقع اليمن وتأثيره على أمن دول الخليج ومحيطها ضمن خطط إيران الخميني في التوسع والهيمنة لتحقيق أهداف استراتيجية إيرانية محضة لا تأخذ مطلقًا بعين الاعتبار المصالح الوطنية للشعب اليمني المرتبطة بمصالح مشتركة مع دول وشعوب منطقة الجزيرة والخليج عبر تاريخ طويل من القواسم المشتركة في الجوار والثقافة والقيم الاجتماعية، وقبل ذلك المصالح الاقتصادية.

ولم يكن ذلك الانقلاب والسيطرة الإيرانية على صنعاء وصولاً إلى باب المندب وعدن إلا نتيجة لنشاط إيراني متعدد الأوجه بدأ في عام 1983م، من خلال تأسيس "اتحاد الشباب"، ثم "الشباب المؤمن" أو ما بات يعرف بالحركة الحوثية فيما بعد، ثم (أنصار الله)، وبالتزامن مع عودة حسن نصر الله من إيران إلى لبنان وتأسيس حزب الله اللبناني، ولا فرق بين "حزب الله" و"أنصار الله" فالأهداف واحدة.

من المؤكد أن هناك ارتباط وثيق بين التطورات الداخلية في اليمن وبين الأمن القومي الخليجي، ولا يمكن الفصل بينهما. فبعد سيطرة التحالف الانقلابي المدعوم من إيران، وإعلان أحد قادتها أن صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التي تسيطر عليها إيران، بالإضافة إلى قيام الانقلابيين بإجراء المناورات بالأسلحة المتطورة على الحدود اليمنية - السعودية في مارس 2015م، ناهيك عن الحملة الإعلامية ضد دول الخليج، كل ذلك ترتب عليه قيام التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية كرد فعل طبيعي على اختطاف الدولة اليمنية بكل مقدراتها وتهديد الأمن القومي ليس لدول الخليج فحسب وإنما للأمن القومي العربي، واستجابة لذلك التهديد فقد انضمت دول عربية وبعض الدول الإسلامية إلى ذلك التحالف تأكيدًا على ذلك الارتباط بين أمن الخليج والتطورات الداخلية في اليمن.

وقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك انطلاق عاصفة الحزم وعودة الأمل بناءً على طلب الحكومة اليمنية الشرعية ممثلة برئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي، كما قدمت دول التحالف دعمًا كاملاً لمقاومة ذلك الانقلاب الذي رفضه اليمنيون.

إن النتائج الكارثية التي ترتبت على تطورات الانقلاب وتداعياته، أدت إلى حرب شاملة عمَت كل مناطق اليمن، ودمرت كل مقدرات الشعب اليمني ونسيجه الاجتماعي ووحدته الوطنية، وترتب على ذلك انتشار وظهور وتطور أشكال مختلفة من الجماعات المتطرفة والإرهابية والجماعات المسلحة والخارجة عن القانون.

فالتطرف الذي مارسه الحوثيون أدى إلى انتشار وتطور التطرف بأشكاله المختلفة كما أن انهيار المؤسسات الحكومية ترتب عليه تدهور شامل للخدمات الأساسية وانتشار الأمراض والفقر إلى حد المجاعة في بعض المناطق، ناهيك عن استحواذ الانقلابيين على الاحتياطات النقدية والموارد المحلية وتسخيرها لما يسمى بالمجهود الحربي، وانتشار الفساد بشكل غير مسبوق من قبل المشرفين الحوثيين على مؤسسات الدولة المختطفة، وما أطلق عليهم من قبل الحوثيين "اللجان الثورية".

إن انهيار الوضع الأمني والمؤسسات المدنية الأخرى المركزية والمحلية يتطلب البدء الفوري في تفعيل المؤسسات الأمنية والسلطة المحلية في المحافظات، خاصة تلك التي تم تحريرها من قبضة المليشيات الانقلابية تمهيدًا لتطوير هذا الدور على مستوى الأقاليم والمركز، ذلك هو الوسيلة الممكنة الآن لاستعادة دور مؤسسات الدولة وتفعيل عملها بإسناد فاعل من دول التحالف وبالذات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

إن أمام اليمنيين والنخب السياسية بصورة خاصة فرصة للتفكير في تقدير مصالح اليمن الوطنية والمصالح المشتركة مع دول الخليج، فليس هناك مصالح مشتركة مع إيران، فمصلحة اليمنيين مع جيرانهم مثلما هي مصلحة دول الخليج مع اليمن، ويمكن صياغة هذه العلاقة في إطار تفاهم يمني خليجي يقوم على المصالح المشتركة؛ فدول الخليج تبحث عن الأمن، واليمن اليوم في حاجة ماسة إلى الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار، ما عدا ذلك فهو متروك لليمنيين من شكل النظام السياسي إلى غير ذلك من القضايا التي تحتاج إلى مصالحة وطنية شاملة تنطلق من مخرجات الحوار الوطني،  والمبادرة الخليجية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وعلى وجه الخصوص القرار 2216، والحفاظ على الهوية اليمنية من خلال إقامة الدولة الاتحادية التي تضمن للجميع العدالة والمساواة وعلاقة حسن الجوار مع دول الخليج تؤسس لشراكة مع تلك الدول قد تقود اليمن إلى العضوية الكاملة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فقد آن الأوان الخروج من الكارثة الناتجة عن ارتهان اليمن ومصالحه الوطنية لإيران، وغياب الرؤية لمصالح اليمن واليمنيين.

إن مسؤولية النخب السياسية اليمنية - بكل أطيافها وتوجهاتها- الحفاظ على ما تبقى من القواسم المشتركة بين اليمنيين، وإن الطريق لذلك هو اعتراف جميع الأطراف بأن الإقصاء واحتكار السلطة هو الذي أدى إلى فشل بناء الدولة الوطنية، وعدم تحقيق العدالة والمساواة لكل اليمنيين، وإن الخروج من هذا الصراع لن يتم إلا بالشراكة والتوافق بين كل المكونات السياسية والاجتماعية، والانطلاق من هذين المفهومين إلى بناء الدولة الاتحادية بعيدًا عن الإقصاء والتفرد بالسلطة بدعاوى سياسية أو دينية أو طائفية أو مناطقية، وتأسيس علاقة استراتيجية مع دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تقوم على أساس المصالح المشتركة في الأمن والتنمية وحسن الجوار.

فهل آن الأوان لإزالة آثار ذلك الانقلاب وما ترتب عليه، وانطلاق عجلة إعادة الإعمار والتنمية، وتعزيز الأمن والاستقرار في اليمن ومنطقة الخليج؟!

إن ذلك كله بيد اليمنيين، وبدعم ومساندة من دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

كلمات دليلية