;
الصفحة السابقة

الوفاق في البحرين.. حتمية تاريخية وضرورة مستقبلية

انشأ بتاريخ: الخميس، 01 أيلول/سبتمبر 2011
cheyr-img

أحداث العنف التي شهدتها مملكة البحرين والتي اندلعت في الرابع عشر من فبراير من العام الجاري ثم هدأت ولم تستمر طويلاً كما توقع البعض أسوة بما حدث في مصر وتونس أو ما يحدث في سوريا، ليبيا، واليمن، كشفت عن عدة حقائق مهمة منها أن الشعب البحريني مدرك للمخاطر المحدقة بوطنه وبالمنطقة، وأن الحس الوطني لديه يعي المسؤولية تجاه مستقبل الوطن، كما يؤكد أن القيادة في البحرين لديها رؤية واضحة للتعامل مع الشعب تنطلق من إدراك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، ومعرفتها الدقيقة بالاحتياجات الحقيقية للشعب البحريني، وأنها تحتكم للقانون والدستور في تعاملها مع الشعب، وتنهج لغة الحوار، ولا تعتمد فقط على الحلول الأمنية، وهي تستقي هذا النهج من خبراتها المتراكمة في التعامل مع شعبها حيث إن أسرة آل خليفة تحكم مملكة البحرين منذ عام 1783م، ولذلك فهي جزء أصيل من نسيج شعب ومجتمع البحرين وتعيش همومه وأفراحه دون مزايدة من أحد على مواقفها تجاه شعبها.

طرفا المعادلة في البحرين يعرفان أسباب المشكلة حتى وإن لم تكن الظروف مواتية تماماً لحلها بشكل جذري حالياً خاصة في جانبها الاقتصادي، وماعدا ذلك فبقية المعضلات قابلة للحل بالحوار الذي يصاحبه حُسن النوايا ووضع مصلحة البحرين نصب أعين الجميع.

تظل مشكلة التدخل الخارجي هي العقبة الكؤود التي تعكر صفو السلم والأمن الأهلي في البحرين، وحل هذه المعضلة يكمن في رفع الأيدي الخارجية عن البحرين وترك الشعب البحريني يتعامل مع قضاياه وتحدياته من منظور وطني بعيداً عن الاستقطاب والهيمنة الإقليمية التي لن تجدي ولن تحقق مكاسب سوى سكب المزيد من الزيت على النار في حال استمرارها، ومن ثم يجب أن يسود العقل والحكمة سلوكيات دول المنطقة خصوصاً من لها مصالح في زيادة التوتر في هذه الدولة الخليجية، العربية، المسلمة، والمسالمة.

فالتدخل الخارجي لدولة مثل إيران في الشؤون الداخلية يجبر الأطراف الأخرى على التدخل المضاد، لمنع الدول ذات الطموحات غير الشرعية من جني ثمار تدخلها. وضمن هذا المبدأ قامت دولة البحرين بطلب المساعدة من شقيقاتها من دول مجلس التعاون بناء على بنود اتفاقية الدفاع المشترك التي تفرض على الدول الأعضاء الاستجابة لطلب المعونة العسكرية أو الأمنية التي تقدم من أي دولة طرف في الاتفاقية.

الوفاق الإقليمي حول أمن واستقرار منطقة الخليج عامة وفي البحرين خاصة ليس مستحيلاً حتى وإن بدا صعباً (بين دول الخليج وإيران)، لأنه ببساطة يصب في  مصلحة الجميع، حيث يوجد بين دول الجوار العديد من عوامل التقارب التي تفوق بكثير عوامل التباعد، ويتمثل  ذلك في التواصل الجغرافي، العلاقات الاقتصادية، والبعد الديني، والعلاقات التاريخية الموغلة في القدم، إضافة إلى التحديات الخارجية والدولية التي تهدد المنطقة ما يجعل دولها تتقارب وتتلاحم لا أن تتنافس وتتصارع، خصوصاً أن أبناء المنطقة على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم تعايشوا لأكثر من ألفي عام دون خلافات كبرى، ولم يحاول أي طرف إقصاء الآخر، فحتمية البقاء توجب حُسن الجوار وتقبل كل طرف للآخر والتعايش معه، ولكن عندما ظهرت النعرات القومية والمذهبية طفت على السطح خلافات لم تكن معروفة لأبناء المنطقة طوال الحقب التاريخية الماضية.

الثوابت تقول إن مملكة البحرين دولة خليجية عربية مسلمة وفقاً لدستورها، ولما ارتضاه شعبها في الاستفتاء التاريخي الذي تم خلال الفترة التي واكبت استقلالها من براثن الاستعمار البريطاني، وإن هذا الشعب الذي انحاز إلى عروبة البحرين هو نفسه الذي يعيش على ترابها الآن، وهو الذي سيدافع عنها في حالة وجود أي خطر يهدد سلامتها واستقرارها، وهو الذي سيواجه المستقبل بما فيه من تحديات اقتصادية كبيرة، فهو يعيش على مساحة صغيرة ذات موارد محدودة ، إن لم تكن شحيحة في كثير من الأحوال، وهذا يتطلب منه المحافظة على مكتسباته، ويبحث عن المزايا التنافسية التي تؤهل بلاده لأن تنهض اقتصادياً بما يناسب مقوماتها ومزاياها النسبية، خاصة أنها دولة غير نفطية وتقع في منطقة تضم مخزوناً هائلاً من النفط  والغاز، وهذا الموقع يمثل ميزة مهمة جداً إذا ما تم استثماره وهذا ما حدث بالفعل حيث أصبحت مملكة البحرين وجهة لكبريات البنوك في العالم، كما يمكن أن تسير البحرين على خطى سنغافورة وتكون من أهم الموانئ في المنطقة وقبلة للترانزيت والتجارة الإقليمية والدولية.

هذه المزايا قابلة لأن تتحول إلى مكتسبات حقيقية وفي فترة زمنية ليست طويلة ، شريطة ألا تتأثر بالمتغيرات السلبية وبالنعرات المذهبية المقيتة التي تدمر كل ما تحقق وتعطل كل ما يمكن أن يتحقق .

على جميع أهل البحرين حكومة وأفراداً وجماعات أن يلتفوا حول مائدة الحوار، إعمالاً للغة التفاهم، وبحث قضاياهم بلهجتهم وفي ديارهم وأن يقدموا درء المفاسد على جلب المصالح وفقاً للقاعدة الفقهية المعروفة، وألا يتأثروا بمن يريد أن يسكب الزيت على النار ففي العادة لا تحرق النار إلا أصابع من يمسكها فقط ، وعلى جماعات الاحتشاد السياسي أن تستفيد من دروس فشل الاحتكام إلى الشارع في إدارة شؤون الدولة ـ وهذا ما حدث في بلدان كثيرة ـ فالدولة تُدار بالحكمة ووفقاً لخطط واضحة، وفي إطار هياكل تخضع للقانون والدستور ضمن منظومة إقليمية ودولية، بما يحمي أمنها الوطني، ويدعم استقرارها، ويحافظ على مكتسباتها.

وأن يعي الجميع خطورة المساس بالوحدة الوطنية وتمزيق النسيج الواحد، وأن يتذكروا أنهم يدينون بدين واحد، ويشتركون بمصير واحد،  الأمر الذي يستوجب عليهم أن يكونوا على قلب رجل واحد.

على الحكومة البحرينية أن تحافظ على نهج الحوار الوطني الجاد بمشاركة جميع  أطياف المجتمع من أجل بحث مستقبل الجميع، وعدم اللجوء إلى الخيار الأمني  كحل منفرد لأي أزمة داخلية قد تنشب بين أفراد الشعب الواحد.

وإيران مطالبة بأن تدرك أن إحياء الطائفية خط أحمر، وتجاوزه سوف يكون خطراً على الجميع وهي في المقدمة، وأن العيش في سلام يفيد الجميع وهي منهم وأن الدين الإسلامي الحنيف يدعونا للتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

كلمات دليلية
84 د. عبدالعزيز بن عثمان بن صقر