;
الصفحة السابقة

انفصال كردستان يتوقف على قدرة القيادة المركزية في إدارة الدولة بقرار داخلي

انشأ بتاريخ: الأحد، 22 تشرين1/أكتوير 2017

اتجهت الجهود الكردية لإقامة دولة كردستان العراق إلى إعلان تنظيم استفتاء يبين رأي الكرد بشأن تقرير مصيرهم، وهو ما تم يوم 25 سبتمبر 2017م، هذا المسعى لا يمثل المحاولة الأولى، فقد سبقته محاولة في يناير 2005م، (وكانت نتائجه 98.8% لصالح الانفصال)، ثم اتجهت القوى الكردية إلى التهديد بالاستفتاء للتعبير عن رغبتها بالانفصال في خضم تطور المشكلات في العلاقة بين الحكومتين الاتحادية والإقليمية في عامي 2013- 2014م، إلا أن ما منع الإقليم من اللجوء إلى الاستفتاء هو ظهور وتمدد تنظيم داعش، ثم تسلم حيدر العبادي رئاسة مجلس الوزراء، ومع تداعيات استمرار المشكلات بين بغداد وأربيل أعلن مسعود البرزاني أن الاستفتاء سينظم في أكتوبر 2016م، إلا أنه عاد وأكد أنه سينفذ بعد استعادة مدينة الموصل من تنظيم داعش، واتخذ قرار الاستفتاء في أعقاب اجتماع البرزاني مع القوى الممثلة ببرلمان الإقليم في 7 يونيو 2017م، بعد سلسة إجراءات اتبعتها الحكومة الاتحادية ضد الإقليم ومنها قرار إيقاف تمويله من الموازنة الاتحادية في يناير 2017م، اعقبها ضغط الحكومة الاتحادية على دول العالم لرفض محاولة تصدير الإقليم لنفطه في مايو 2017م، وغيرها.

وبالاستفتاء، عبرت القيادات الكردية عن طموحها بإنشاء وطن قومي للكرد، إلا أنه تصادم مع توجهات إقليمية تعارض أي توجه لتفكيك وحدة العراق الإقليمية طالما أنه يهدد سلامة ووحدة أراضي كل من تركيا وإيران.

في هذه الورقة سنناقش هذا الموضوع عبر أربع نقاط، وهي:

 

أولاً-الدولة في المنظور الكردي

 

يستوطن الكرد المناطق الجبلية (كردستان) منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وأكثر الأطروحات قبولا ترجعهم كاثنية للالتقاء مع الفرس، واعتنقوا الاعتقادات التي سادت في الشرق الأوسط، هذه الجماعة لم تستطع أن تشكل لها كيان سياسي مستقل عبر تاريخها إنما تفاعلت واندمجت مع الكيانات الإقليمية التي ظهرت تاريخيًا، ومنها: الدولة الآشورية، والعربية-الإسلامية، والعثمانية، وبعد الحرب العالمية الأولى توزعت مناطق استيطانهم بين عدة دول.

وخلال التاريخ الحديث كان الكرد أكثر ارتباطًا بالعامل الديني، وكانوا جزءًا أساسيًا من كيان الدولة العثمانية، ولم يتمردوا على هذه الدولة إلا في أوقات متأخرة وفي حالات محدودة لا تتعلق برغبات لتأسيس دولة كردية إنما بالتقاطع الاقطاعي والقبلي بشأن حجم مشاركة الكرد في الجيش والضرائب العثمانية.

وبعد ظهور دول العراق وسوريا وتركيا الحديثة، القائمة على أسس قومية، أخذت طموحات الكرد القومية بالظهور، وكانت هناك محاولات كردية لتأسيس دولة، منها محاولات محمود الحفيد في العراق، إلا أن تلك المحاولات جرى إحباطها بجهد بريطاني-عراقي-تركي، ثم دخلت إيران على الخط في ميثاق سعد آباد 1937م.

وخلال أربعينيات القرن الماضي، استعادت محاولات الكرد لتأسيس كيان سياسي دوافعها بتأسيس دولة مها آباد شمال غرب إيران عام 1946م، وبتنظيم النشاط السياسي والعسكري في كردستان العراق، إلا أن تلك المحاولات فشلت وانسحبت القيادات الكردية إلى الاتحاد السوفيتي، ولم تعود للعراق إلا عام 1959م، وبعد مرحلة قصيرة من الوفاق مع الدولة العراقية اتجه الكرد إلى استغلال الانخراط الأمريكي بمعارضة الدولة العراقية وأعلنوا تمردهم المسلح وهدفهم في الحصول على الحكم الذاتي، وهو ما حصلوا عليه عام 1971م، إلا أنهم عادوا وتمردوا على الدولة العراقية بدعم إيراني- سوفيتي- سوري- ليبي حتى 1989م، عندما استخدم العراق العنف لإخضاع مناطقهم للسيطرة، التي انتهت عام 1991م، بتدخل أمريكي- بريطاني- فرنسي، اشتركت فيه تركيا وإيران، وتم فرض منطقة حماية ساعدت على تأسيس كردستان لإقليمها الفدرالي.

ويدرك الكرد أنهم أمام محاولة انفصال وليس أمام مسعى استقلال، فالاستقلال يأتي جراء إخراج قوة محتلة، أما الانفصال فيأتي من محاولة الخروج من دولة لم يعد ملائمًا استمرار الارتباط بها. إن حلم الدولة الكردية طرح بقوة عام 2003م، بانهيار الدولة العراقية السابقة، إلا أن القيادات الكردية أدركت أن البيئة الإقليمية غير ملائمة للانفصال، مع ذلك فإن تلك القيادات سارت في طريق التمهيد للانفصال عندما أسهمت بإضعاف الرابط الدستوري والسياسي لاستمرار الدولة العراقية، وفصلت كردستان عمليًا عن العراق، وأخذت تقوي مؤسسات كيان دولة كردية فيها تمهيدًا لأي مسعى يمكن أن يتخذوه مستقبلاً.

 

 

ثانيًا-استفتاء انفصال كردستان العراق بين المصالح العراقية والإقليمية والدولية

أخذت العلاقة بين الحكومتين الاتحادية والاقليمية تتدهور بسرعة بعد عام 2010م، بسبب الاختلاف على:

-حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية.

-الاستثمار النفطي في كردستان.

-إدارة المناطق المتنازع عليها.

-البيشمركة، وغيرها من القضايا.

ورغم جرعات التسوية الوقتية لتلك المشكلات إلا أنها كانت تتفاقم، وكان دافع قوى في التحالف الوطني (الشيعي) في استمرار العلاقة مع القوى الكردستانية تتمثل في عدم حجب الثقة عن حكومة نوري المالكي مقابل تغاضي الحكومة الاتحادية عن توسع الإقليم على حساب المناطق السنية، والسكوت المتقابل عن أعمال الفساد وإثراء المسؤولين لدى الطرفين على حساب موارد الدولة العراقية، إلا أن الخلاف بين الحكومة الاتحادية والإقليم وصل إلى مراحل خطيرة جدًا عامي 2013- 2014م، بعد أن استوعب الإقليم أغلب القيادات السنية بعد استهدافها من قبل قوى سياسية شيعية، وهددت القوى الكردية باللجوء إلى الاستفتاء لتقرير مصير الإقليم، وهو ما تزامن مع تمدد تنظيم داعش في المناطق السنية من العراق (وهي مناطق لم تسمح قوى في التحالف الوطني بوجود قوى قادرة على تنظيمها أو امتلاكها سلاح لتكون قادرة على الدفاع عن نفسها بوجه الإرهاب)، وهو ما مثل فرصة كبيرة لأن يتمدد الإقليم إلى مساحة تقدر بنحو 40% إضافية من حجم الإقليم، أو ما مجموعه 45% من مدن محافظات: نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، وحاولت الولايات المتحدة وتركيا وإيران التدخل لتسوية المشكلة بين الحكومة الاتحادية والإقليم إلا أن الحلول كانت وقتية غير متماسكة، ولا توجد رغبة حقيقية بالتمسك بها، لهذا انهارت كل اتفاقات الطرفين في مستهل عام 2017م، وهو ما دفع قيادات الكرد إلى التصريح في فبراير أنهم نفذوا المادة 140 من الدستور الاتحادي بشأن المناطق التي طالبوا بضمها إلى الإقليم وصنفت كمناطق متنازع عليها، واعلنوا أنهم سيتجهون إلى تنظيم استفتاء يبين رأي السكان المحليين بشأن رغبتهم في الانفصال عن العراق.

الواضح، أن طموح الانفصال الكردي يفيد باستقطاع ثلاث محافظات عن العراق وهي: دهوك وأربيل والسليمانية، حجم الوجود الكردي فيها نحو 90% من حجم السكان، واستقطاع أجزاء من محافظات نينوى وكركوك وديالى يمثل الكرد في المناطق المستقطعة بين 50- 60% من حجم سكان تلك المناطق، هذا الاتجاه يفيد بتأسيس كيان دولة يجاور المتبقي من العراق ويجاور تركيا إيران وسوريا، وله قدرة نفطية كبيرة (احتياطي كردستان يبلغ نحو 46 مليار برميل، واحتياطي المناطق المتنازع عليها يبلغ نحو 30 مليار برميل) واحتياطي غازي ما زال غير محدد بدقة.

وإذا ما تتبعنا مقدار التقاء أو تعارض انفصال الكرد مع المصالح الكردية والعراقية والإقليمية والدولية سنجد أن السياسات الكردية تسببت بإرباك واضح في السياسات العراقية منذ 1961م، وتحمل العراق بسببها خسائر كبيرة، إن أغلب القيادات الكردية تؤيد الانفصال وإنشاء وطن قومي، وتجد من مصلحتها النظرية تأسيس دولة، إلا أن واقع البيئة الإقليمية يجعل كيانهم السياسي تحت رحمة البيئة الخارجية وليس الطموحات الكردية.

أما مصالح العراق من بقاء أو انفصال الإقليم، الواضح أن القيادات السياسية في العراق تفتقر للقدرة على إدارة دولة، وبسببه أصبح بقاء العراق مرتبطًا بإرادة البيئة الخارجية وليس الداخلية، فالفشل في إدارة الدولة قاد إلى نتيجة: أن بعض القوى السياسية متفاعلة ضمنًا مع مشاريع إقليمية ومحلية ضيقة لإعادة صياغة مناطق العراق اثنيًا ومذهبيًا تمهيدًا لتفكيكه، أو في أقل تقدير سرقة منظمة لمقدرات البلد أو ربما تنفيذ مشاريع لإدخال الشرق الأوسط بمشكلات مذهبية وفوضى، ولهذا أظهرت التزامات تشكيل الحكومة الاتحادية عام 2010م، أن قوى سياسية في التحالف الوطني لم تكن حريصة على استمرار ارتباط محافظات نينوى وكركوك وديالى ببغداد، وأنها استجابت عمليًا لمطالب الكرد بالسيطرة على ما عده الكرد مناطق متنازع عليها، مقابل دعم تشكيل حكومة اتحادية بالتركيبة التي ظهرت عليها، وتكرر الأمر نفسه عام 2014-2015م، في تشكيل حكومة ومواجهة تمدد الإرهاب بالسماح للكرد بالتمدد المناطقي، واليوم تجد الحكومة العراقية أن انفصال الإقليم يمكن أن يقرأ بأكثر من طريقة: فهو يمكن أن يخلص العراق من مشكلة مستعصية استنزفت موارد مهمة على مدى قرن، إلا أنه يخلق مشكلة متعلقة بخضوع أمن العراق المائي لكردستان (75% منها تمر عبر كردستان)، كما أن تركيا وإيران لن تقبلا بهذا التطور تحت أي ضمانات على المدى القريب لأنه يهدد وحدتهما الإقليمية بسبب وجود أقلية كردية فيهما مجاورة لإقليم كردستان العراق.

واستثناء الرفض المشترك للبلدين، فإن كلاً منهما يعد الداعم الأكبر بعد الولايات المتحدة وإسرائيل لتمرد الإقليم على الحكومة العراقية، فهما تعاملا معه منذ 1991م، ككيان منفصل عمليًا، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، لهذا عندما أعلن الإقليم الاستفتاء كانت خطوات تركيا وإيران محدودة لأنه من الصعب اعتماد تدخل عسكري مباشر أو فرض مقاطعة شاملة للإقليم لأن مصالح الدولتان في الإقليم ستتضرر أكثر من تضرر العراق.

أما إسرائيل فإنها ظهرت كطرف داعم لتمرد الكرد على العراق بعد 1967م، ثم تصاعد دعمها بعد 1991م، واليوم تمثل أكبر طرف خارجي داعم للانفصال، وأسبابه أن إسرائيل تصنف العراق كعدو، وأفضل طريقة للتعامل معه هي بإنهاء الدولة العراقية، وانفصال الكرد سيضمن وجود دولة لا داعم لها على المدى المتوسط إلا الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمكن استخدامها إلى الضد من العراق وتركيا وإيران في آن واحد.

ويبقى الموقف المهم هو الموقف الأمريكي، فالولايات المتحدة دولة كبرى لها مراكز عدة لصناعة القرار، وكل مركز يتأثر بعوامل ضغط ومصالح متنوعة، وإذا كانت بعض تلك المراكز مع تفكيك العراق، ومنح الكرد دولة، وهي المراكز الأكثر تأثيرًا في السياسة الأمريكية في العراق خلال المدة 2003-200م، فإن الولايات المتحدة اليوم تحدث مراجعة لسياساتها في العراق، وهي تدرك أن المصالح البعيدة المدى تستلزم إنضاج فكرة الدولة الكردية لأنها ستكون مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من ارتباطها بالبيئة الإقليمية.

وتدرك بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا أن مصالحهم هي مع وجود دولة كردية، إلا أنهم يقدرون حجم المشكلة الإقليمية في العراق وسوريا، وأن أي تصعيد يمكن أن يتسبب بحرب إقليمية لا يمكن السيطرة عليها. ولهذا، وجدنا أن كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ومعها الأمم المتحدة حاورت الحكومتين الاتحادية والإقليمية على ثنائية وضمانات دولية: تأجيل الاستفتاء أو تجميد النظر بنتائجه مقابل إطلاق حوار هادف لتسوية المشكلات بينهما خلال مدة محددة، وهذا ما يخفي خلفه ضمنًا أن تلك القوى ستعترف بالانفصال إن فشلت الحكومتان في تسوية المشكلات العالقة.

 

ثالثًا-إمكانية تأسيس دولة كردية

 

يعيش الكرد بشكل متباين الكثافة على مناطق شمال وشمال شرق العراق، وسبق أن اعترفت الحكومة العراقية عام 1971م، بأن محافظات كردستان هي مناطق حكم ذاتي، وفي عام 1991م، تفاوضت القوى الكردية على ضم كركوك ومدن جمجمال وكفري وخانقين وغيرها إلى مناطق الحكم الذاتي، وبعد 2003م، استطاع الكرد ضم عدد منها، ثم توسعوا في 2014م، وضموا مدنًا أخرى لسلطة الإقليم.

 

إن تتبع هذا الأمر يفيد:

1-هدف الكرد هو ضم أكبر قدر ممكن من الأراضي العربية للإقليم حتى يمكن المساومة عليها لاحقًا، مستغلين محاربة قوى سياسية شيعة للوجود السني في العراق، وهذه الأراضي الجديدة يمكن أن يتنازل عنها الكرد مقابل سقف تنازلات واسعة ومنه إمكانية ضم الحقول النفطية في نينوى وكركوك وصلاح الدين للإقليم.

2-كان هدف الكرد ضم بعض المدن ذات الكثافة الكردية، وطالبوا بتطبيق المادة 140 من الدستور الاتحادي (التطبيع والإحصاء والاستفتاء)، إلا أن الحكومة الاتحادية لم تنفذ تلك المادة، مما خلق مشكلة كبيرة لأن تلك المادة تتحدث عن سقف زمني قصير لتنفيذها، وهو مالم يتحقق.

3-لقد نجح الكرد في تأسيس بناء كيان دولة، فبعد 1991م، وأسسوا مؤسسات محدودة سياسية وتنفيذية وتشريعية وقضائية، وأقاموا علاقات مع عدة دول، ومنها تركيا وإيران وبعض الدول العربية، أما بعد 2003م، فعزز الكرد مؤسساتهم وعلاقاتهم الدولية استنادًا للدستور العراقي، ولم يعد يربطهم بالعراق سوى رابط ضعيف جدًا: العلم الجامع والعملة والتمثيل في الأمم المتحدة، أما ما عدى ذلك فإن الإقليم منفصل عمليًا، فأغلب الأجيال الشابة لا تعرف اللغة العربية، وفي أغلب مؤسساته لا يرفع العلم العراقي، بل أخذ الإقليم يقيم استثمارات ويمارس سياسة تصدير منعزلة عن الدولة العراقية، ومنه سياسة الطاقة.

إن التتبع التاريخي لسياسات القوى الكردية يفيد أن تلك القوى اتجهت إلى إحداث نقلة مهمة، فمن الانخراط الواسع في البلاط العثماني، إلى دعوة (قصيرة) لتأسيس كيان قومي بعد الحرب العالمية الأولى، ثم إلى المطالبة بالإدارة المحلية في منتصف القرن الماضي، اعقبها المطالبة بالحكم الذاتي، ثم إلى إقامة إقليم فدرالي عام 1992م، ثم المطالبة بإقامة إقليم كونفدرالي في مستهل العقد الثاني من هذا القرن، ثم صار الحديث عن تأسيس كيان دولة هو الطاغي على حديث أبرز قيادات الكرد في أعقاب أزمة عامي 2013- 2014م، بين الحكومتين الاتحادية والإقليمية.

إن تأسيس كيان الدولة يحتاج إلى إمكانات وإرادة داخلية وقبول خارجي صريح أو ضمني، وما يتعلق بالإمكانات فالكرد أقاموا مؤسساتهم، ولديهم موارد، وحجم ايراداتهم من التجارة والجمارك والضرائب وإيرادات تصدير النفط تفوق حجم حصتهم في الموازنة الاتحادية (17%)، بنسبة قدرت ب (100 مليون دولار/يوم عام 2016م).

أما بشأن الإرادة الكردية لدعم هدف الانفصال، فإنه محل اتفاق كردي داخلي، ومن يعارضه قوى صغيرة، ومنهم: الكرد الفيلية (جماعة اثنية، شيعية، أغلب أفرادها يتواجدون في إيران، وفي العراق تقريبا 80 ألف شخص يستوطنون شرق محافظتي ديالى والكوت)، ثم يأتي بعدهم التركمان (ويعيش منهم ما يزيد على 150 ألف داخل الإقليم، وداخل العراق نحو 1.6 مليون شخص).

أما بخصوص الدعم الخارجي، فهو متحقق ضمنًا من الدعم الأمريكي-الإسرائيلي، وتبقى نقطة مهمة تتعلق بأن الولايات المتحدة مدركة أن العراق حاليًا محسوب عليها، وأن دعمها للكرد السوريين يرجع إلى إدراكها أن سوريا محسوبة على روسيا، وهذه النقطة كانت حاضرة في تفكير القيادات الكردية عند إعلان وتنفيذ الاستفتاء، فهم يرون أن العالم الغربي يدعم كرد سوريا، ودعم كرد العراق وسمح بتسليحهم بمعزل عن الحكومة الاتحادية عام 2014م، وما بعده، وهم يرون أن خيار الدولة الكردية يصب في مصلحة الغرب كما في مصلحة الكرد.

ويلاحظ أن تركيا وإيران لا يرغبان بإقامة دولة كردية إلا أنهما معنيان بعدم تعزيز قوة العراق إلى مستوى يكون قادر على منافستها، كما أن لهما مصالح كبيرة في كردستان العراق لا يمكن أن تعرضها للخنق.

وتبقى هناك نقطة مهمة تتمثل في إمكانية اتحاد مواقف العراقيين من انفصال الإقليم، ويلاحظ:

1-ما يتعلق بالتحالف الوطني (شيعي)، فإنه منقسم إلى معسكرين، يتمثل الأول بتيار يميني مدعوم من إيران، وموقف هؤلاء مرتبط برفض إيران للانفصال، أما التيار الثاني فهو براغماتي، ورفضهم للانفصال مرتبط بتمكن الشيعة من الاستيلاء على حكم العراق، وهؤلاء يطالبون بتصحيح مسار العمل السياسي وتقليل سلبيات الإدارة الحكومية، وهم لا يرغبون برؤية تفكك العراق تتم خلال حكم الشيعة.

2-أما ما يتعلق باتحاد القوى (سنية)، فإنه يعاني من انقسام حاد في مواقفه، فالبعض لا يعطي رأي بشان الانفصال ويركز على رفض استمرار تأثير التيارات القريبة من إيران في السياسة العراقية بكونه السبب لتفكك البلد، ويعزز من اتجاههم أن مصالحهم موجودة في كردستان وهم يستذكرون سياسات قوى شيعية في التعرض غير المسؤول للمناطق السنية بعد 2003م، وهناك قلة ترى أن ظهور دولة كردية سيعزز من فرص ظهور إقليم سني في ظل فشل التحالف الوطني في إدارة العراق بصيغة وطنية جامعة، أما البعض الآخر (خاصة قوى قبلية في المناطق المتنازع عليها) فإنهم يرون أن الانضمام إلى دولة كردية في هذه المرحلة أفضل من الاستمرار بدولة عراقية يؤثر عليها تيارات مقربة من إيران، وإنها يمكن أن تنفصل لاحقًا وتنضم لدولة سنية إن حصل تفكيك للعراق، أما القوى الأخرى في الاتحاد فترى أن ظهور كيان كردي سيكون على حساب مناطق الوجود السني في محافظات: نينوى وكركوك وديالى، ولهذا هم يضعون هدفًا أكبر وهو التأكيد على وحدة العراق لحين تجاوز هذه المرحلة وتأكيد الوجود السني كهوية وتيار سياسي قبل الشروع بعملية تفكيك العراق.

3-أما التيار المدني، فهو تيار ضعيف، وأهم قياداته هم التيار الشيوعي، التي ترتبط بعلاقات تاريخية جيدة مع الكرد، ومن ثم لا يتوقع أن يعارض قيام دولة كردية.

ولهذا، وجدنا ان استجابة الحكومة العراقية للاستفتاء كانت بسيطة، تمثلت بتعليق: عضوية النواب الكرد في البرلمان الاتحادي، وبعض التعاملات المالية مع الإقليم، والطيران المدني الدولي لمطارات الإقليم، وإجراء مناورات عسكرية مع تركيا وإيران كل على حدا بالقرب من الإقليم، ونشر قوات عسكرية وأخرى من الحشد الشعبي في أجزاء من مدينة كركوك، ومحاولات للسيطرة على المنافذ الحدودية للإقليم، ويبقى الموقف الحكومي معتمد على الموقف الإقليمي أكثر من اعتماده على الجهد الوطني.

 

رابعًا- توقعات العلاقة بين كردستان العراق والبيئة الإقليمية بعد الاستفتاء

 

اتجهت كل من تركيا وإيران في شهر سبتمبر 2017م، إلى تنسيق مواقفهم من استفتاء الانفصال، واتجهوا لاتخاذ خطوات منها: الغلق التدريجي للمنافذ الحدودية بما يضمن عدم التعرض لمصالح الدولتين في كردستان مع ممارسة تأثير في سياسة حكومة الإقليم، وتقديم دعم محدود للحكومة الاتحادية لاستعادة التوازن في العلاقة مع الإقليم، واللجوء إلى إجراء مناورات على مقربة من حدود الإقليم، وعقد اجتماع قمة في طهران في أكتوبر حددوا فيه هدفين:

1-رفض إقامة دولة كردية.

2-ورفض إقامة إقليم فدرالي لكرد سوريا.

مع إدراك الدولتان أن العراق واقع ضمن نقطة توازنات حرجة تؤثر فيه عدة دول، وهذا الأمر خفف من قوة الموقف الكردي وجعله يتراجع أمام سعي الحكومة الاتحادية لفرض حضورها في بعض المناطق المتنازع عليها، وقبول دعوات للحوار مع بغداد.

إن ما استقر عليه هو: أن الظروف والمتغيرات هي من سيحدد احتمالات تدخل تركيا وإيران في الإقليم، فكل من الدولتين حذرة في تماسها معه، إلا أنها لن تتدخل بشكل مباشر في هذه المرحلة.

والواضح، أن البرزاني جاد في مسعى الانفصال، لكنه يدرك أن الظروف الإقليمية لا تسمح بذلك، فالهدف الذي يشغله ليس إدارة الإقليم فهو يمكن أن يعالج بالتوريث ضمن عائلته لأسباب اقتصادية وقبلية كردية وأخرى متعلقة بارتباطات خارجية للعوائل الكردية المؤثرة في الإقليم، إلا أنه يرى ثلاث مسائل:

الأولى-أن العراق لم يعد خيار ملائم لاستمرار الكرد ضمنه

والثانية-أن البيئة الدولية يمكنها أن تقبل انفصال الكرد إذا ما أصرت قيادات الكرد على إعلان دولتهم، كما أن بعض الدول مثل إسرائيل ترى مصالحها في دعم تأسيس دولة كردية

والثالثة-أن تأسيس دولة كردية في هذا العهد سيبقى حدثًا تاريخيًا يخلد عائلة البرزاني.

وفي كل الأحوال أصبحت كردستان العراق أمام خيارات مصيرية محددة وهي:

-إما الاستمرار ضمن الدولة العراقية، وهذا الخيار يضعف باستمرار بمرور الزمن، والبيئة الإقليمية تتقبل وتتفهم هذا الضعف، فبدأت تتفاعل مع كردستان وتتعاون معها ككيان له خصوصية

-أو الاتجاه للكونفدرالية، وهذا الخيار مطروح التحول إليه لإنهاء جزء من مشكلات العراق، إلا أنه يتطلب تعديل الدستور الاتحادي، وسيكون خطوة نحو الانفصال لاحقًا.

-أو إعلان الانفصال، وهذا الخيار يتوقع أن يتحقق خلال المستقبل المتوسط في أبعد تقدير.

وفي كل الأحوال فإن كردستان ما بعد الاستفتاء سيكون لها علاقات مختلفة مع البيئة المجاورة، فالحكومة الاتحادية تسعى لمحاربة الإرهاب وفرض حضورها عراقيًا، واستعادة الإقليم ضمن كيان الدولة، وضعفها يكمن في القوى السياسية التي تتعرض لهيبة ووجود الدولة: ماليًا وأمنيًا وسياسيًا وثقافيًا، لهذا وجدنا أن الحكومة الاتحادية لم تستطع أن تتخذ إلا إجراءات محدودة مما تم وصفه، لأنها تدرك أن مركز ثقل الإجراءات ومصالح الإقليم لا يتعلق بالحكومة العراقية إنما بمصالح وإجراءات كل من تركيا وإيران، فكل منهما إن أغلق حدوده عندها لن يكون بوسع الإقليم الانفصال.

الا أن الواضح أن الكرد أسسوا لكيان دولة، والعراق متجه تدريجيا للتفكك، وهذا الأمر تقبلته تركيا وإيران منذ مدة، وستتقبله بشكل أكبر على المدى المتوسط في أبعد الحدود، فهما أمام خيارات ضيقة:

1-إما التدخل المباشر في كردستان العراق، وهذا الأمر سيقود إلى فوضى إقليمية أوسع من المتحققة في هذه المرحلة.

2-أو حصار الإقليم، وعندها ستتضرر مصالح الدولتين في الإقليم.

3-أو قبول متدرج بتحول الإقليم إلى دولة، وهو ما يتطلب ضمانات بعدم تعرض الإقليم للوحدة الإقليمية للدولتين مستقبلاً.

ونرى، من خلال استقراء المعطيات المتاحة، أن الخيار الأخير هو الأكثر رجوحًا من غيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أستاذ السياسة الدولية ـ كلية العلوم السياسية ـ جامعة النهرين

 

كلمات دليلية