انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاص محاور العمل: 4 حلول مقترحة للاستقرار المالي في دول الخليج

محاور العمل: 4 حلول مقترحة للاستقرار المالي في دول الخليج

انشأ بتاريخ: الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

على مدى عقد ونصف العقد الماضي تمتعت الدول المصدرة للنفط بفائض مالي كبير، وحققت اقتصاداتها معدلات نمو متوسطة، بلغت 5 % في دول  مجلس التعاون الخليجي، وقاد التوسع في الإنفاق الحكومي النمو في القطاعات غير النفطية، وتوفرت لدى البنوك سيولة كافية من الودائع بسبب فوائض القطاع العام ودعم الائتمان المقدم للقطاع الخاص، حتى جاء منتصف عام 2014م، وانخفض سعر النفط بنسبة 70 %، وتحولت الفوائض المالية  الناجمة عن الصادرات البترولية إلى عجز مالي كبير، وتعرض الوضع المالي والاقتصادي لصدمة لم يتم التحسب لها بشكل عملي على أرض الواقع، فانخفض الإنفاق الحكومي، وتراجعت معدلات النشاط الاقتصادي الخاص في القطاعات غير البترولية.

ولم تكن أزمة الألفية الثالثة هي الأولى في أزمات منطقة الخليج مع أسعار النفط، وفوائض إيرادات النفط، وقضايا النمو الاقتصادي، والعجز المالي، فقد مرت دول المجلس بفترات رواج اقتصادي بسبب ارتفاع أسعار النفط تلتها فترات ركود، كما شهدت أسعار النفط على مدى العقود الأربعة الماضية، منذ الطفرة النفطية الأولى عام 1973م، تقلبات سريعة في الأسعار.

وصار الهبوط في أسعار النفط مصحوبًا بتأثير عميق على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي مما دفع المراقبين خصوصًا بعد تبعات الانخفاض الحاد في الأسعار منتصف الثمانينات وما تلاها من آثار على اقتصاديات هذه الدول، إلى القول أن دول التعاون ستكون حذرة تجاه الارتفاعات المستقبلية في أسعار النفط، وقلقة تجاه أي انخفاض مستقبلي في الأسعار والفوائض.

لكن السنوات مرت، وخطط التنمية المتتالية التي وضع في صدارة أهدافها، تنويع هيكل الاقتصاد الوطني، وتقليل ارتكاز البنيان الاقتصادي على القطاع النفطي، وتنويع مصادر الدخل، لم تؤت ثمارها، بل أدت سياسات دول مجلس التعاون في التعامل مع الطفرة النفطية الأخيرة، إلى تفاقم الخلل الإنتاجي المتمثل في تواصل الارتفاع المفرط في مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من تنويع مصادر الدخل، إضافة إلى القيود الأخرى على الطاقة الاستيعابية لاقتصاد دول المجلس، ومحدودية حجم السكان، واستمرار تبعية أنشطة القطاع الخاص للإنفاق الحكومي، وتركز أنشطته في قطاعات التوزيع والنقل والتجارة، والمال.

ورغم تكرار تلك الأزمات إلا أن الأمل في عودة الأسعار للارتفاع، وتزايد الفوائض، كان دائما يغطي على التباطؤ في تحقيق الأهداف التنموية، لكن الأزمة الأخيرة طالت، فضلاً عن استمرارها رغم حالة عدم الاستقرار، بل واندلاع حروب داخل المنطقة كانت كفيلة في الماضي بإشعال نار الأسعار وصعودها، وبناءً عليه أصبحت دول مجلس التعاون في مواجهة عجز متفاقم في الميزانية بسبب انخفاض أسعار النفط وبالتالي انخفاض الإيرادات النفطية، كما تضررت هذه الدول اقتصاديًا مع وجود صراعات في المنطقة.

من ناحية أخرى فإن انخفاض أسعار النفط الحالية، سوف تستمر، لفترة طويلة، بسبب التوسع في إنتاج النفط خارج أوبك، ونجاح الجهود في كثير من الدول المتقدمة في تحسين كفاءة استخراج البترول، وخفض تكلفة الإنتاج، بالإضافة إلى الترشيد في استخدام الطاقة الذ­ي قادته وكالة الطاقة الدولية عبر استراتيجيتها، وتحول سوق النفط إلى سوق مستهلكين، وهو ما يتوقع معه أن تمر دول مجلس التعاون بسنوات ركود اقتصادي كتلك السنوات التي تلت انخفاض أسعار النفط في حقبة الثمانينات، وربما أشد.

خطورة الوضع الحالي

تكمن خطورة الوضع المالي الحالي في  طبيعة أسباب هبوط الأسعار العالمية للنفط، والتوقعات بعدم عودتها لسابق عهدها، رغم الصراعات التي تشهدها المنطقة، وغيرها من مناطق العالم، ويمكن إجمال العوامل التي ساعدت على ذلك في انكماش الاستهلاك العالمي، مع مصاعب تواجه تخفيض إنتاج أوبك، بسبب العجز المالي، وعدم التفاؤل بعودة الأسعار للارتفاع ، فضلا عن دخول منتجين غير شرعيين مثل داعش في سوريا والعراق، والميليشيات في ليبيا، وغيرها من الجماعات، وعودة إيران إلى السوق العالمية بعد تخفيف العقوبات المفروضة عليها، وأصبح لديها قدرة أكبر على بيع نفطها في الخارج.

كما كان لطفرة النفط الصخري دور واضح فيما يشهد العالم من تراجع للطلب العالمي على النفط، خاصة ما تشهده أمريكا فيما يطلق عليه طفرة النفط الصخري، وهو ما مكن الأمريكيين من الاعتماد على إنتاجهم المحلي بشكل أكبر والاستغناء عن النفط المستورد من الخارج، ما أدى إلى تراجع الطلب العالمي على النفط، باعتبارها أكبر مستهلك للنفط في العالم.

آثار تراجع أسعار النفط

تختلف الآثار المترتبة على انخفاض أسعار النفط اختلافًا كبيرًا من بلد لآخر، بحسب الأهمية النسبية التي يشكلها النفط في الاقتصادات الوطنية، ومع تشابه اقتصادات دول الخليج، بشكل كبير، وارتكاز البنيان الاقتصادي على قطاع النفط، والدور الرئيسي الذي يقوم به الإنفاق الحكومي في تحريك النشاط الاقتصادي، فإنه يمكن القول أن دول مجلس التعاون الخليجي ستواجه نفس الآثار وتعاني من نفس التداعيات، خاصة ما يتعلق منها بالنمو الاقتصادي، لكنه قد يكون نقمة للبلدان المنتجة.

ومما يزيد من تبعات وتداعيات انخفاض أسعار النفط، أن معظم دول مجلس التعاون تتبع سياسة تثبيت سعر الصرف من خلال ربط عملتها الوطنية إما بالدولار الأمريكي كما في حالة السعودية والإمارات وإما بسلة من العملات الأجنبية كما في حالة الكويت، مما يعرضها إلى هبوط أكبر في الإيرادات بالعملات المحلية جراء هبوط أسعار النفط.

مستقبل غامض

ونظرًا لعدم وجود أدلة محددة على مستقبل أسعار النفط، مستقبل النفط في الأعوام العشرة المقبلة، يصبح التخطيط للتحول الاقتصادي مسألة حتمية، حتى تتجنب الدول النفطية المزيد من المشاكل الاقتصادية، ذلك أن هناك مؤشرات على اكتشافات جديدة موجودة لدى الغرب خاصة الغاز الصخري، الذي سيؤدي إلى تراجع أسعار الغاز والنفط، وبالتالي سيطول أمد العجز المالي، إذا لم توضع خطط بديلة للتنوع في البنيان الاقتصادي، في الجيلين المتوسط والبعيد.

من جهة أخرى، توقع البنك الدولي والمؤسسات الدولية، أن يكون هناك انخفاض خلال الأعوام العشرة المقبلة للغاز الطبيعي بنسبة 20 إلى 25%، ويؤكد توقع البنك الدولي أن هناك تكنولوجيا جديدة، وأن الطاقة الصخرية ليست موجودة حصرياً في الولايات المتحدة، إنما أيضاً في الصين، وفي العديد من دول العالم، وفي أوروبا، لكن دولاً أخرى تمنع استخراج هذه الطاقة باعتبارها مضرة للبيئة، ومن المحتمل مع اشتداد الصراع السياسي خاصة مع روسيا أن يتم الاعتماد على هذه الطاقة.

وعلى هذا الأساس تراجع الاستهلاك العالمي نتيجة البيانات الاقتصادية السيئة لأوروبا واليابان، والأسباب الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا، وتراجع النمو في الصين، وغطت الضبابية الصورة المستقبلية للاقتصاد العالمي. ولهذا خفض العديد من المنظمات والوكالات الدولية، مثل أوبك ووكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة توقعاتها بخصوص نمو الطلب العالمي على النفط خلال العامين المقبلين، إذ تؤكد البيانات الاقتصادية لكبار المستهلكين مثل الصين واليابان والولايات المتحدة، استمرارية التباطؤ الاقتصادي أطول من المتوقع.

ولعل لهذه المعلومات تأثير مهم على حركة أسعار النفط، خلال الأعوام المقبلة، ولا شك أن الانخفاض الكبير في سعر النفط سيؤدي إلى مؤشرات عجز متفاوتة، نتيجة الالتزامات الضخمة التي تعهدت بها الدول الخليجية، خلال خططها التنموية للسنوات السابقة.

أخيرًا يمكن القول إنه وفي ضوء كل المتغيرات التي تحيط بسوق النفط العالمية، أصبح توقع اتجاه أسعار النفط العالمية ليس بالأمر اليسير، لتأثرها بعوامل من الصعوبة توقعها، ومنها ما يتصل بالصراعات الدولية والمشاكل الداخلية في بعض الدول النفطية مثل ليبيا ونيجيريا والعراق. وعليه ستبقى الأسعار المستقبلية للنفط رهينة قدرة العالم على تلبية نمو الطلب العالمي عليه.

التوقعات المستقبلية

من المتوقع انتعاش أسعار النفط والتي تبلغ 40 دولارًا في الوقت الحاضر إلى حوالي 50 دولارًا للبرميل بحلول نهاية العقد الحالي، حيث أن هذه التنبؤات قد لا تكون صحيحة نظرًا لضعف المؤشرات في الأسواق العالمية، فهناك مرونة مفاجئة للنفط الصخري الأمريكي ومن المتوقع أيضًا أن تعزز إيران صادراتها، وهذه المؤشرات تشير إلى صعوبة انتعاش أسعار النفط في المستقبل المنظور.

من المتوقع أن يشكل متوسط العجز التراكمي لمجموعة دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 7 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021م، حتى بعد البدء في برامج الإصلاح التي أعلن عنها، لتصل إلى ما يقارب 900 مليار دولار خلال الفترة ما بين 2016 إلى 2021م. ومن المتوقع أن يصل إجمالي الدين الحكومي إلى نحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021م،وعلى المدى المتوسط، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تستمر الدول المصدرة للنفط بتقليص الاستثمارات العامة، بالإضافة إلى تقييد مصروفات القطاع العام المتمثلة بالرواتب وخفض الدعم، ومن جانب الإيرادات، فإنه مالم يحدث انتعاش في أسعار النفط لتتجاوز 50 دولارًا للبرميل بحلول نهاية العقد الحالي، كي تساعد في تخفيف العجز المتوقع، فإن على دول المنطقة البحث في وسائل تمويل جديدة، من خلال مؤسسات التمويل المصرفية، والمالية غير المصرفية.

وكما كان متوقعا مع هذا التراجع في الفوائض النفطية،من المتوقع أن تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تباطؤا في معدلات النمو الاقتصادي، بسبب انخفاض انكماش سياستها المالية، وتراجع أنشطة القطاع الخاص وضيق السيولة في النظام المصرفي.

في ظل توجه الصين لتغيير عقودها الآجلة للنفط، ليكون باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأمريكي، مع ربط اليوان بأسعار الذهب العالمية، في بداية 2018م، حيث يتوقع أن يكون لها انعكاسات قوية على أسعار النفط حيث يمكن أن تؤدي هذه الخطوة إلى حدوث رواج في سوق النفط العالمية، من خارج دول منظمة أوبك، إذ جرت العادة أن يتم شراء عقود النفط بالدولار الأمريكي، حيث ستتيح العقود الصينية الجديدة لمن لا يرغب في البيع باليوان الصيني قبض الثمن آجلا ذهبًا من بورصة شنغهاي للذهب، أو غيرها، مثل بورصة بودابست. 

ومن المتوقع أن تحدث هذه الخطوة تغييرًا جذريا في النظام الاقتصادي العالمي، وستؤثر في انخفاض جاذبية الدولار نسبيًا، كعملة أو كوعاء استثماري، ما يضغط على الفوائد المصرفية صعودًا وزيادة تكلفة الاقتراض في أمريكا، وهذا يمكن أن تكون له بعض العواقب الإيجابية على معدلات النمو الاقتصادي الأمريكي على المدى البعيد.

الآثار على الاقتصاد الكلي

ما من شك أن تراجع أسعار النفط، في اقتصادات تعتمد بشكل رئيسي على إيرادات النفط والغاز، كمحرك أساسي للنشاط الاقتصادي، سوف يؤدي إلى تراجع المؤشرات الاقتصادية الكلية، وفي طليعتها، الإنفاق الحكومي، والاستثمارات العامةـ، والاستثمار الكلي، والنمو الاقتصادي بالتالي كمحصلة لكل هذه العوامل.

 ولا يحتاج الأمر إلى جهد علمي كبير للربط بين مدخلات النمو الأساسية في الاقتصادات الخليجية، وبين مخرجاتها من الناتج المحلي الإجمالي، فالأدلة العملية المشاهدة، تؤكد تلك العلاقة السببية المباشرة، خاصة وان المدخلات من التقنيات، والابتكارات، ورأس المال البشري، لا تزال ذات دور محدود في دوال النمو الاقتصادي بالدول الخليجية.

بالإضافة إلى ذلك هناك تطورات سلبية أخرى يمكن أن تعوق  نمو اقتصادات دول الخليج  المصدرة للنفط، خاصة ما يحدث في ليبيا والعراق واليمن وسوريا من صراعات ونزاعات داخلية، وانعكاساتها على دول الجوار الخليجية، ومن ناحية أخرى نلاحظ أن ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، وتطبيق السياسات النقدية  التقييدية، له تداعيات سلبية على المنطقة عمومًا، وأيضًا تباطؤ النمو الاقتصادي بالصين، بما لها من ارتباطات تجارية مع دول الخليج، كمستورد رئيسي للنفط الغاز من دول المنطقة، مما يؤثر سلبًا على حصيلة الصادرات النفطية، ومعدلات الاستثمار بالتالي.

ولعل من أهم تداعيات انخفاض أسعار النفط أيضًا ارتفاع نسب الدين العام وتزايد اللجوء إلى السحب من الوفورات المالية المتراكمة لدى بعض الدول المصدرة للنفط، فالدول التي لديها مجال للاقتراض ووفورات مالية يمكنها تحمل اصلاحات مالية أكثر، ولكن بشكل عام كل الدول تحتاج لوضع برامج للإصلاح المالي، نظرًا لتوقع استمرار انخفاض لانخفاض الإيرادات نتيجة تدهور أسعار النفط.

كما أثر الانخفاض الحاد والمستمر في أسعار النفط بشكل سلبي على توقعات النمو، وأصبحت الحاجة إلى تنويع هيكل الاقتصاد الوطني بعيدًا عن قطاع النفط، وتنويع مصادر الدخل، والبحث عن دافع ومحرك للنمو الاقتصادي، أكثر أهمية، حيث من المتوقع أن يتراجع متوسط  معدل النمو نمو في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما سيكون له تداعيات هامة على مستويات التشغيل، في الوقت الذي تمر به دول المنطقة بفترة الزخم السكاني ((Momentum، تحت تأثير الحقبة  البترولية الأولى في النصف الثاني من السبعينات، والحقبة الثانية في الثمانينات، وما شهدته من ارتفاع كبير في معدل المواليد، الذين صاروا اليوم في سن الشباب والخصوبة العالية.

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة فإن 8.3 مليون شخص سوف يدخلون سوق العمل في هذه المنطقة بحلول عام 2021م، و في ضوء الضغوط المالية التي تعاني منها دول المنطقة، فإن القطاع الحكومي الذي أصبح متخمًا بالعمالة الوطنية، ولم يعد قادرًا على استيعاب جميع الداخلين الجدد إلى سوق العمل، مالم يتم التوسع في أنشطة إنتاجية أخرى يقودها القطاع الخاص، ودخوله إلى العمل في مجال الصناعات التحويلية، عالية التقنية، مرتفعة الأجر، بما يساعد على استيعاب خريجي الجامعات من المواطنين الذين يتوقعون عملا عالي الإنتاجية مرتفع الدخل، خاصة مع ما  تشير إليه دراسات صندوق النقد الدولي من أن معدل البطالة قد يزيد الى 3.1 مليون شخص بحلول عام 2021م.

هل بالإمكان التعامل مع الموقف؟؟ وما هي محاور العمل المطلوبة؟

التعامل مع الموقف المالي الحالي، واستهداف تنويع البنيان الاقتصادي في دول مجلس التعاون بعيدًا عن النفط يتطلب العمل على عدد من المحاور:

أولا: البحث عن محرك للنشاط الاقتصادي بعيدًا عن دور الحكومة والإنفاق العام

ظل الإنفاق الحكومي، والاستهلاك العام والخاص، أهم محركات النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون خلال العقود الخمسة المنصرمة، فمع بدايات السنوات المالية، يترقب الأفراد، ومنشآت الأعمال إعلان الموازنة العامة، واعتمادات الإنفاق الحكومي على وجه الخصوص، بشقيه، الاستهلاكي، وما ينطوي عليه من زيادات في الأجور والتشغيل في الحكومة، والاستثماري، وما يتضمنه من مشروعات حكومية، في كافة المجالات من بنية أساسية، وتنمية اجتماعية، في الصحة والتعليم، تفتح مجالات عمل للقطاع الخاص.

وفي ظل الأوضاع المالية الحالية يتطلب الأمر البحث عن محرك للنشاط الاقتصادي ممثلا في دافع الربح لدي قطاعات الأعمال الخاصة، والعناية برواد الأعمال، وإحداث المزيد من التطورات في بيئة الأعمال، وتقديم حوافز أقوى لقوة العمل الوطنية، للعمل في أنشطة القطاع الخاص، عن طريق تقليل الفارق بين أجور العاملين في القطاع الحكومي والقطاع الخاص، والتوسع في إنشاء مشروعات عالية التقنية ذات الإنتاجية المرتفعة، عالية الأجر.

ثانيًا: توفير مصادر تمويل للموازنة العامة للدولة بعيدًا عن النفط وعوائده

أعلنت دول مجلس التعاون عن إجراءات إصلاحية مالية، معظمها قصيرة الأجل، حيث أعلن بعضها عن ضغط المصروفات العامة، وعن فرض رسوم على الخدمات الحكومية، وإدخال ضريبة القيمة المضافة، وتحرير أسعار السلع المدعومة وتخفيض الدعم السلعي.

ورغم أنه لا توجد خطط معلنة لفرض ضرائب على الدخل الشخصي، أو إصلاح ضريبة الشركات، في الوقت الحالي، إلا أن كثيرًا من دول المنطقة عمومًا بما فيها دول مجلس التعاون، قد طبقت سياسات إصلاحية مالية، تتضمن إصلاحات جوهرية في أسعار الطاقة، شملت أسعار الوقود والمياه والكهرباء.

يأتي في صدارة الخيارات المطروحة للتعامل مع الأزمة، أن معظم دول مجلس التعاون تمتلك احتياطات مالية قوية وهو ما يقلل من أثر صدمة انخفاض سعر النفط، ويعطيها مزيدًا من المرونة في إدخال الإصلاحات المالية المطلوبة، من خلال السحب من تلك الاحتياطات وتوفير جانب كبير من مصادر تمويل الإنفاق العام، ووفقًا لتقديرات معهد صناديق الثروة السيادية، فإن  الصناديق السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن توفر مصادر تمويل آمنة، تغطي العجز المتوقع خلال السنوات الخمس المقبلة، سواء في الدول التي تملك أرصدة كبيرة (الكويت، قطر، والإمارات )، أو التي تمتلك أرصدة أقل (البحرين وسلطنة عمان والسعودية).

ومع حيازة الحكومة لكثير من أصول الشركات فإن اللجوء إلى خيار  الخصخصة،  يمكن أن يعزز الموقف المالي، للموازنات العامة، من خلال طرح أسهم هذه الشركات في الأسواق المالية المحلية والعالمية، وهو توجه يزيد من فرص رفع الكفاءة الإنتاجية وتعزيز نمو دور القطاع الخاص، بجانب توفير مصادر مرحلية لتمويل الانفاق العام، ثم إدخال ضريبة الشركات كأحد مصادر الإيرادات العامة الدائمة.

كذلك يبقى هناك الملاذ الأخير وهو اللجوء للتمويل بالعجز، والاقتراض العام، من خلال طرح سندات حكومية، وبيعها في الأسواق العالمية والمحلية، خاصة وأن نسبة الدين العام الحكومي في دول مجلس التعاون لا تزال منخفضة كثيرًا عن المستويات العالمية التي قد تصل في بعض الدول إلى 100% من الناتج المحلي  الإجمالي.

وهنا يمكن للقطاع المالي أن يقوم بدور هام كوسيط مالي سواء من خلال الأسواق المالية، أو الوسطاء الماليون كالبنوك، أو المؤسسات المالية غير المصرفية، كشركات التأمين، أو صناديق الاستثمار والادخار، خاصة مع توافر فرص تقديم خدمات مالية متطورة، وطرح أوراق مالية إسلامية، مثل الصكوك والتوريق.

ثالثًا: التحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة

ويتمثل المحور الثالث في اعتماد المعرفة، ورأس المال البشري Human Capital، كأهم مدخلات دوال الإنتاج وعمليات التنمية، حيث تمثل الابتكارات، وقوة العمل المتعلمة والماهرة أهم متطلبات التحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة، ويرتكز هذا العنصر على الاهتمام بالبحث العلمي، والابتكارات، وتطوير نظم التعليم والتدريب، والتعليم الابتدائي والمتوسط والتدريب المهني، والتعليم العالي والتعلم مدى الحياة.

يمثل المفهوم التقليدي لرأس المال الإنتاجي الثابت أي الأصول الملموسة مثل المباني غير السكنية والآلات والمعدات، مفهومًا ضيقًا للأصول الثابتة المنتجة، حيث أن الإنفاق الرأسمالي يجب أن يشمل أي مصروفات تزيد من الناتج والدخل المستقبلي. فالاستثمار في البحث والتطوير على سبيل المثال يزيد من رصيد رأس المال الإنتاجي مثله في ذلك مثل رأس المال البشري؛ وبالتالي يمكن اعتبار رأس المال البشري ومخرجات البحث والتطوير (الابتكارات والتقنية) مكونات أساسية في رأس المال غير الملموس.

          ومن هنا فإن تحول الاقتصادات الوطنية  في دول مجلس التعاون من مرحلة الصناعات التحويلية التقليدية إلى اقتصادات قائمة على المعرفة، يجعلها تعتمد أكثر على الاستثمار في رأس المال البشري والمعرفة، وغيرها من مكونات رأس المال غير المادي .

رابعًا: تطوير دور الجامعات في البحث العلمي، والابتكار وإنتاج التقنيات الحديثة، بجانب المراكز البحثية المتخصصة، الحكومية، والخاصة التي تنشئها قطاعات الأعمال

يرتكز دور الجامعات في زيادة فرص التشغيل، ومعالجة مشاكل البطالة، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، على أهمية الابتكارات الجامعية في النمو الاقتصادي، حيث تؤكد نظرية النمو الداخلية على أن الابتكارات أصبحت أهم مدخلات دالة الإنتاج، ومن ثم أهم محرك لدفع معدل النمو الاقتصادي. ولما كانت الجامعات بدول مجلس التعاون، تشكل أهم مصدر للبحث والتطوير، وإنتاج المعرفة والابتكارات، ونشر التقنية وتطبيقها، في ظل صغر حجم مؤسسات القطاع الخاص حتى الأن، فإنه يمكن القول أن الابتكارات الجامعية تشكل أداة هامة لدفع عملية النمو الاقتصادي، وزيادة مستوى التشغيل بدول المنطقة.

وترجع أهمية دور الابتكارات الجامعية في خلق فرص عمل، ودفع معدلات النمو الاقتصادي، إلى أن سعي الحكومات لخلق وظائف للمواطنين، أو ما يعرف بعمليات التوطين بالقطاع الخاص، قد اصطدمت دائما بأن معظم وظائف القطاع الخاص الحالية، والتي تشغلها عمالة أجنبية، تتسم بانخفاض مستوي الإنتاجية ومن ثم تدني مستوى الأجر، فضلاً عن عدم تناسب ظروف العمل بمعظم منشآت القطاع الخاص الصغيرة، وبالتالي فإن إنتاج الابتكارات الجامعية، ونقلها للأعمال، وإقامة شركات التقنية الجامعية، أو منح تراخيص التقنية وبراءات الاختراع، توفر بطبيعتها فرص عمل عالية الإنتاجية، وعالية الأجر بالتبعية، بما يتغلب على معضلة عزوف المواطنين عن العمل بالقطاع الخاص التقليدي بصورته الحالية.

لذلك فإن المسألة ليست مجرد خلق فرص عمل، بل الأهم جودة فرص العمل سواء من حيث الإنتاجية، ومن ثم الأجر، أو من حيث ظروف العمل، وبيئته، والتي تمثل عوامل جذب أساسية للمواطنين، خاصة خريجي الجامعات المزودين بقدر كاف من المعارف الحديثة، ويطمحون للعمل في مؤسسات أعمال تعمل في إطار رسمي، ومن ثم يتمتع العاملون بها بمزايا التأمين الصحي، والضمان الاجتماعي، فضلاً عن ارتفاع الأجر والانتاجية.

. ويؤكد ذلك أن الابتكارات الجامعية توفر مدخلا أساسيًا في دالة الإنتاج والنمو الاقتصادي، لما تتسم به المعرفة والابتكارات من تجدد واستمرارية، ومن ثم لا تمر بمرحلة تناقص الغلة، كما هو الحال بالنسبة لمدخلات العمل ورأس المال التقليدية، ويكون مصحوبًا بخلق مزيد من فرص العمل، وتحقيق هدف التشغيل لقوة العمل المعرفية.

من ناحية أخرى، فإن الاهتمام بعملية نقل ونشر المعرفة والابتكارات من الجامعات إلى المنشآت تحفز على إقامة حدائق العلوم، وقد بدأ إنشاء حدائق العلوم في الولايات المتحدة في الخمسينات من القرن الماضي، ومن أمثلتها حدائق ستانفورد للبحث وحدائق البحث الثلاثية في شمال كارولينا، وظهرت حدائق المعرفة في أوروبا في أواخر الستينات، وتساعد هذه الحدائق في توظيف خريجي الجامعات، كما أن تجمع المنشآت في مناطق الحدائق، يقود إلى مزيد من نشر المعرفة بين المنشآت المشاركة ومن ثم يزيد من فرص العمل والتشغيل.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة