انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاص التواجد الأجنبي في البحر الأحمر: زيادة المهددات والصراع المسلح قادم

التواجد الأجنبي في البحر الأحمر: زيادة المهددات والصراع المسلح قادم

انشأ بتاريخ: الخميس، 15 شباط/فبراير 2018

يحتل البحر الأحمر أهمية خاصة في الاستراتيجيات العسكرية والسياسية الدولية باعتباره من أهم الممرات البحرية في العالم، والذى يربط بين القارات الكبرى الثلاث (آسيا – وإفريقيا – وأوروبا)، ويتحكم في جزء كبير من التجارة الدولية، ومنها تجارة النفط، ولعب هذا الممر المائي الاستراتيجي أدوارًا حيوية خلال الحروب العربية الإسرائيلية في القرن العشرين، لذلك حظي باهتمام كبير من قبل القوى الدولية والإقليمية، وعبر فترات زمنية مختلفة استغلت هذه القوى الأحداث التي تشهدها دول البحر الأحمر في ترسيخ تواجدها الذى اتخذ أشكالًا متنوعة، فتدهور الأوضاع الأمنية في الصومال منذ عام 1991م، وتصاعد عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية منذ عام 2008م فتحت الطريق أمام حضور واسع للقوى الدولية وبعض القوى الإقليمية .

وخلال السنوات الأخيرة ومع تدهور الأوضاع الأمنية في العالم العربي، واشتعال الحرب في اليمن منذ عام 2015م، وما تبعها من تحركات إقليمية للنفوذ إلى الجانب الإفريقي للبحر الأحمر والسيطرة على مواقع في دوله للاستجابة للتداعيات المختلفة التي تطرحها هذه الحرب، شهد إقليم البحر الأحمر الذي يمثل إقليمًا فرعيًا للشرق الأوسط سباقًا محمومًا بين القوى الدولية والٌإقليمية للنفوذ والتواجد في إقليم البحر الأحمر، حيث تركزت هذه المساعي الخارجية على الجانب الإفريقي من البحر الأحمر.

وطرح هذا السباق العديد من التساؤلات حول المخاطر والفرص التي يطرحها التواجد الأجنبي في هذه المرحلة الزمنية شديدة التعقيد على الجانب الإفريقي للبحر الأحمر، ويسعى التقرير الحالي إلى محاولة البحث في الأهداف والمصالح التي تعمل القوى الخارجية على تحقيقها من خلال النفوذ والاستحواذ على مواقع في الدول الإفريقية المطلة على البحر الأحمر، وهل هذه الأهداف والمصالح ترتبط بالتهديدات الأمنية التي تطرحها الصراعات وعوامل عدم الاستقرار السائدة على جانبي البحر الأحمر وخاصة في العالم العربي، أما أن هناك أهداف أخرى ومخططات ترسمها القوى الدولية وبعض القوى الإقليمية سوف تفصح عنه التطورات المستقبلية، وكذلك انعكاسات هذا التواجد الأجنبي الكثيف على البحر الأحمر، الاستقرار والأمن في دوله، وكذلك مستقبل هذا التواجد الأجنبي.

أولاً – أهداف التواجد العسكري في البحر الأحمر

على الرغم من الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر إلا أن أهداف القوى الخارجية من التواجد ضمن منظومته الأمنية والسياسية، توقفت على العديد من العوامل التي اختلفت عبر مراحل زمنية وكان من أهمها التنافس الدولي بين القوى الكبرى وكذلك التطورات التي تشهدها دول البحر الأحمر، والصراع بين القوى الإقليمية المختلفة وكذلك التهديدات التي تطرحها البيئة الدولية والإقليمية.

فحسابات القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة في إقليم البحر الأحمر تعكس المصالح الأمريكية التي ارتبطت في مرحلة الحرب البادرة بمنع الاتحاد السوفيتي (السابق) والقوى الماركسية من السيطرة على دول القارة الإفريقية حيث كانت هذه الدول مسرحًا للصراع بين القطبين الدوليين، بالإضافة إلى هدف آخر يحتل أهمية خاصة للولايات المتحدة يتعلق بالالتزام الأمريكي الدائم بحماية الأمن الإسرائيلي، ولكن مع انتهاء الحرب الباردة ومع سقوط الأنظمة الماركسية في دول البحر الأحمر (إثيوبيا – جنوب اليمن)، ارتبطت الأهداف الأمريكية بعوامل أخرى، فإلى جانب حماية الأمن الإسرائيلي، أصبح الاستقرار في دول البحر الأحمر ومدى قابلية هذه الدول للتحول نحو الراديكالية (وخاصة القوى الإسلامية الراديكالية) يمثل العامل الأهم المؤثر على المصالح الأمريكية في هذا الإقليم، وخاصة في أعقاب الهجمات الإرهابية على سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998م، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وتبنت الولايات المتحدة مقولات أن العدو البديل للشيوعية هو الإسلام وأن الخطر القادم للعالم هو "الخطر الأخضر" .

فعندما صعد النظام الإسلامي إلى الحكم في السودان في التسعينيات مع قيام الإسلاميين بدور في مصر والأردن، وظهور تنظيم القاعدة في اليمن والسعودية، وما تبعها من بروز مؤشرات لوصول الإسلاميين للسلطة في الصومال في عام 2006م، شعرت الولايات المتحدة بكارثة وخاصة في ظل احتمالات تعاون النظام الإسلامي في السودان مع نظرائه في المنطقة من الأنظمة الإسلامية الأخرى. وعلى الرغم من تراجع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا فإن الإرهاب ينمو على نحو متسارع في القرن الإفريقي، فأول عملية قامت بها القاعدة ضد الأهداف الأمريكية في البحر الأحمر كانت في عام 2000م، تلتها عمليات متلاحقة في الصومال، وكينيا، وأوغندا، وينتقل الإرهابيون والأسلحة وكذلك الأيديولوجيات عبر جانبي البحر الأحمر.

وفيما يتعلق بأمن إسرائيل، وفى حين أن هذه الدولة وقعت اتفاقيات سلام مع مصر والأردن إلا أن علاقاتها بالعالم العربي ظلت عدائية وقائمة على عدم الثقة، كما أدى دخول إسرائيل في مفاوضات مع سوريا وفلسطين في عهد حكومة نتنياهو (1996-1999، ومنذ عام 2009م) إلى زيادة الضغوط على الولايات المتحدة في علاقاتها مع حلفائها العرب بما في ذلك مصر والأردن والسعودية، وقامت الولايات المتحدة عام 2002م، بتشييد أكبر قاعدة عسكرية لها في إفريقيا، وذلك في "معسكر ليمونييه" بدولة جيبوتي، حيث يتمركز فيها نحو أربعة آلاف جندي أمريكي ([i]).

وبالنسبة للدول الأوروبية والتي يعد تواجدها ضئيل في الإقليم، فإن البحر الأحمر هو الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله نفط الخليج العربي وإيران إلى الأسواق العالمية في أوروبا، وتحتاج أوروبا إلى نقل حوالي60% من احتياجاتها للطاقة عبر البحر الأحمر وأيضًا نقل حوالي 25% من احتياجات الولايات المتحدة الأمريكية من النفط العربي. كما أنه أحد الممرات الرئيسية للملاحة والتجارة الدولية بين أوروبا وآسيا، ويعد البحر الأحمر أحد الطرق التجارية الرئيسية للصادرات والواردات الألمانية فما يقرب من 16 % من الصادرات الألمانية تذهب إلى آسيا، و20 % من وارداتها تأتى عبر البحر الأحمر، وتقدر نسبة السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر سنويًا بأكثر من عشرين ألف سفينة، وتحتفظ فرنسا لنفسها بقاعدة عسكرية منذ العهد الاستعماري في جيبوتي، حيث يوجد فيها نحو ألفي جندي فرنسي ([ii]).

ومع تصاعد عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية منذ عام 2008م، مما كان له تداعياته على حركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر وخليج عدن؛ فخلال عام 2008م، وحده، وقع 111 هجومًا، منها 42 عملية اختطاف ناجحة. اتجه الاتحاد الأوروبي لإنشاء قوة بحرية في عام 2008م، مع تفويض لتأمين الشحنات الإنسانية لبرنامج الأغذية العالمي لشعب الصومال وكذلك تأمين ممر للسفن التجارية التي تمر عبر خليج عدن. وأرسلت دول أخرى مثل روسيا وكوريا الجنوبية والصين وإيران سفنًا لتأمين طرق التجارة.

كما تعمل روسيا خلال السنوات الأخيرة للحصول عن موطئ قدم لها في إقليم البحر الأحمر، فخلال شهر مارس 2017م، أعرب قائد القيادة الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم) عن قلق واشنطن من سعي روسيا إلى ضمان وجود عسكري لها في جيبوتي عبر القاعدة الصينية، وأن الولايات المتحدة لم تواجه حتى الآن وضعًا توجد فيه على مقربة منها قاعدة لمنافس متساو، مؤكدًا أن هذا الأمر يثير لدى الولايات المتحدة قلقًا عملياتيًا جديًا، لكونه يتعارض مع سرية العمليات الأمريكية، وأكد أن ممثلي وزارة الدفاع الأمريكية أبلغوا حكومة جيبوتي بقلقهم هذا. وعرض الرئيس السوداني عمر البشير خلال زيارته لروسيا في نوفمبر 2017م، على الرئيس الروسي بوتين فكرة إنشاء قاعدة عسكرية روسية في السودان ([iii]).

ولم يتوقف الاهتمام بالبحر الأحمر على الدول الغربية فقط بل امتد ليشمل الدول البعيدة التي تسعى إلى تأكيد مكانتها الدولية، وفى مقدمة هذه الدول الصين وكذلك اليابان، وقد اتجهت الصين لبناء قاعدة عسكرية في جيبوتي افتتحتها في أغسطس 2017م، مما يعد تحولاً كبيرًا في سياسة الصين الخارجية وكذلك سياستها في القارة الإفريقية والتي تتضمن جوانب اقتصادية وتبتعد عن الشؤون السياسية والأمنية للدول الإفريقية. في الوقت الذي عززت اليابان من علاقاتها مع الدول العربية لتأمين وارداتها من النفط العربي وخاصة النفط السعودي، ومنذ عام 2011م، تتمركز فرقة تابعة لقوات الدفاع اليابانية في قاعدة بجيبوتي حيث تصل أعداد القوات اليابانية إلى 400 عنصر ([iv]).

أما القوى الإقليمية، فقد تنوعت أهدافها في إقليم البحر الأحمر، وتوقفت هذه الأهداف على مجموعة من التطورات، فقد تجاهل العالم العربي لسنوات طويلة الاهتمام بإقليم البحر الأحمر مما فتح الطريق أمام نمو لأدوار القوى غير العربية في هذا الإقليم، ولكن تطورات السنوات الأخيرة فرضت على الدول العربية وخاصة دول الخليج العربي التواجد المكثف في إقليم البحر الأحمر، فمع تصاعد أزمة الغذاء في عام 2008م، واتجاه دول الخليج للاستثمار الزراعي في دول شرق إفريقيا وخاصة السودان وإثيوبيا، وتصاعد الاهتمام الخليجي بهذا الإقليم مع تطورات الحرب في اليمن، وعقد المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لعدد من الاتفاقيات مع الدول الإفريقية المطلة على البحر الأحمر، حيث قامت دولة الإمارات ببناء قاعدة عسكرية لها في ميناء عصب الإريتري، وكشفت وكالة “بلومبيرج” الأمريكية أن إريتريا تلقت مساعدات عسكرية من الإمارات العربية المتحدة خلال العام الماضي، مما يشكل انتهاكًا للحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة عليها منذ 2009م، بعد اتهامها بدعم حركة الشباب المجاهدين في الصومال. ونقلت عن محققين تابعين للأمم المتحدة أن 13 من طلاب القوات الجوية والبحرية الإريترية تلقوا تدريبًا في معاهد عسكرية إماراتية، وتلقى سبعة آخرون تدريبات في معاهد هندسية بين عامي 2012 ـ 2015م، كما وقعت الإمارات في عام 2016م، اتفاقًا مع "أرض الصومال" بلغت قيمته 442 مليون دولار لتطوير ميناء بربرة على ساحل خليج عدن، ووافق برلمان أرض الصومال في فبراير 2017م، على إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في مدينة بربرة، ووقعت المملكة العربية السعودية اتفاقًا مع جيبوتي يسمح لها ببناء قاعدة عسكرية على أراضي هذه الدولة ([v]).

كما قامت مصر في يناير 2017م، بإنشاء قيادة الأسطول الجنوبي، وذلك خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى محافظة البحر الأحمر، حيث جاءت التحركات المصرية في سياق إدراك خطورة الأوضاع في البحر الأحمر؛ حيث تحولت المنطقة إلى ساحة للتنافس الدولي، مما يحمل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، إذ أن تلك المنطقة تشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ومن يتحكم بها، يتحكم ولا شك بحركة الملاحة في القناة ([vi]).

وقد أدركت القوى الإقليمية غير العربية مبكرًا الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، والدور الذي يقوم به هذا الممر المائي الحيوي سواء في أوقات الحرب أو السلم، حيث اتجهت العديد من الدول غير العربية في الشرق الأوسط نحو البحث عن مراكز لها على السواحل المطلة على البحر الأحمر، واختلفت كثافة الحضور الإقليمي غير العربي في هذا الإقليم وفقًا لقدرات كل دولة، وكذلك التطورات السياسية والأمنية على جانبي البحر الأحمر.  

وفى مقدمة الدول غير العربية التي سعت إلى ترسيخ حضورها في المواقع الاستراتيجية في البحر الأحمر، إسرائيل ، فعلى الرغم أنها تطل بسواحلها على هذا الممر المائي إلا أنها أدركت   بعد حرب أكتوبر عام 1973م، عقب إغلاق مصر الملاحة أمام السفن الإسرائيلية لفرض حصار اقتصادي، أهمية إيجاد بديل لحل مشكلة الملاحة في البحر الأحمر بالتغلغل في المنطقة للحصول على قواعد عسكرية، وبدأت مساعيها بالاتفاق مع إريتريا على الاستيلاء على جزيرة دهلك، التي تعد أكبر جزر البحر الأحمر وأهم المنافذ البحرية في العالم وأقامت أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، وتتخذ إسرائيل من الجزيرة مركزا لها للرصد والمراقبة في البحر الأحمر لمراقبة المملكة العربية السعودية واليمن والسودان وحركة ناقلات النفط، كما أنها تعد أيضًا محطة لتشغيل الغواصات الإسرائيلية المزودة بالصواريخ النووية، التي تقوم بمراقبة حركة الملاحة عند مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر، وكانت روسيا تتخذ الجزيرة كقاعدة للسيطرة على البحر الأحمر قبل خروجها منها في بداية التسعينيات . واستمرت إسرائيل في إقامة القواعد العسكرية فأصبح عددها أربع وازدادت الأطماع الإسرائيلية في المنطقة، كما حصلت إسرائيل أيضًا على جزيرتي سنتيان وديميرا المشرفتين على مضيق باب المندب الاستراتيجي، وقامت بإرسال خبراء عسكريين وأسلحة إلى إريتريا لتدريب الجيش الإريتري، وقد استخدمت إريتريا زوارق حربية إسرائيلية ودعمًا لوجيستيًا كبيرًا من تلك القاعدة البحرية أثناء احتلالها لجزيرة حنيش اليمنية عام 1996 م.

وقد سمحت إثيوبيا لإسرائيل قبل استقلال إريتريا ببناء قواعد عسكرية في الجزء الغربي من إريتريا، وأهمها قاعدتا رواجبات و مكهلاوي على حدود السودان، كما سمحت لها ببناء قاعدة جوية في جزيرة حالب وجزيرة فاطمة ([vii]).

وفى إطار محاولتها الوصول إلى الممرات المائية الدولية وخاصة في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها نتيجة لبرنامجها النووي، عملت إيران على توطيد علاقاتها بدول شرق إفريقيا، وكانت الزيارة التي قام بها المسؤولون الإيرانيون خاصة منذ عهد الرئيس محمد خاتمي و تطورت هذه العلاقات في عهد الرئيس أحمدي نجاد، حيث تمكنت إيران من النفوذ إلى الساحل الإفريقي على البحر الأحمر عبر الاعتماد على الأدوات الثقافية والاقتصادية، فعملت على بناء المراكز الثقافية الإيرانية في دول الإقليم وخاصة السودان، إلا أن التطورات في اليمن واشتعال الحرب ضد الحوثيين الذين تدعمهم الدولة الإيرانية في مارس 2015م، أدى إلى قطع العديد من دول البحر الأحمر الإفريقية لعلاقاتها مع طهران، وتفضيلها للتحالف مع المملكة العربية السعودية والإمارات في حربهما في اليمن .      

وخلال شهر مارس 2009م، ذكرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن "إيران تمكنت من بناء قاعدة عسكرية بحرية بالقرب من ميناء عصب الإريتري، في قطاع صحراوي منعزل في (شمال) إرتيريا، بالقرب من الحدود مع جيبوتي"، مضيفة أن طهران "نقلت إلى القاعدة بواسطة السفن والغواصات، جنودًا ومعدات عسكرية وصواريخ باليستية بعيدة المدى"، ومشيرة إلى أن "الإيرانيين يستخدمون طائرات صغيرة من دون طيار، لحماية القاعدة"([viii]).

وقد أدرك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أهمية الوجود التركي في هذا الإقليم الحيوي، فقام بزيارات متعددة إلى دول شرق إفريقيا، ومن بينها زيارته إلى إثيوبيا وجيبوتي والصومال في عام 2015م،وكذلك زيارة أخرى قام بها في يونيو 2016 م، شملت كينيا وأوغندا والصومال، حيث أنشأت تركيا قاعدة عسكرية في الصومال، وتقوم من خلال هذه القاعدة بتدريب نحو أحد عشر ألف جندي صومالي. كما عقدت مؤخرًا اتفاقًا مع السودان لإدارة جزيرة سواكن السودانية القريبة من الحدود المصرية والإريترية والسعودية واليمن في موقع فريد في ظل دعم تركيا للتوجهات الإسلامية وتزايد ترابطها مع الحكومة السودانية التي يسيطر عليها الإخوان المسلمون وكذلك الحكومة الصومالية، مما يزيد من الحضور التركي والقطري في هذا الإقليم، وكذلك تركيا لديها قاعدة عسكرية في قطر.

ثانيًا-انعكاسات التواجد الأجنبي في البحر الأحمر على الأمن الإقليمي

يشهد إقليم البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة سباقًا محمومًا من القوى الدولية والإقليمية لاستثمار مقومات هذا الإقليم الخاصة في تدعيم قوة العديد من الفاعلين، وفى إطار مبادرات متنوعة بعضها يركز على التنمية وكثير منها يرتبط بالجوانب العسكرية والأمنية، يتطلب الأمر البحث عن نتائج هذا السباق على الأمن الإقليمي، والداخلي لدول البحر الأحمر وخاصة على السواحل الإفريقية.

فأهمية البحر الأحمر تتصاعد في إطار كونه يمثل إقليمًا فرعيًا من إقليم الشرق الأوسط المضطرب، كما يقع هذا الإقليم في قلب قوس عدم الاستقرار الدولي، وتطرح التطورات التي تشهدها الدول المطلة على البحر الأحمر والتي تنعكس على تحالفاتها الخارجية وخاصة مع القوى التي تسعى إلى ترسيخ نفوذها في البحر الأحمر، أبعادًا متغايرة للأمن في هذا الإقليم، بل وتلقى بتأثيراتها على الأمن الدولي، ويمكن توضيح هذه الأبعاد فيما يلي:

1-   تنافس الأجندات الإقليمية

فقد انتقلت دول البحر الأحمر على الجانب الإفريقي عبر محاور إقليمية متنوعة، كما حرصت على تنويع شركائها الإقليميين، فقد تطورت علاقات هذه الدول مع إيران مما فتح المجال واسعًا أمام تصاعد النفوذ الإيراني في الإقليم، إلا أن هذه الدول تحولت من التحالف مع إيران إلى التحالف مع المملكة العربية السعودية، بعد اندلاع الحرب اليمنية، واشترك بعضها في التحالف الدولي الذي تقوده السعودية في هذه الحرب.

وخلال الأزمة القطرية، والتي شهدت تقاربًا بين قطر وإيران لم تسير دول البحر الأحمر الإفريقية على النهج ذاته، من التحالف مع المملكة السعودية والإمارات بل تبنت بعض دول الإقليم موقفًا محايدًا. وأدى الانتقال الذي تقوم به هذه الدول عبر المحاور الإقليمية، إلى التصعيد من احتمالات التصادم بين الأجندات الإقليمية في البحر الأحمر. وخاصة في ظل نقص التنسيق بين القوى الإقليمية المختلفة في الإقليم، بل وعدم الاتفاق بين الدول الإفريقية حول قائمة الحلفاء والأعداء، فكل دولة تتحرك بعيدًا عن العمل الجماعي.

فقد تحول إقليم البحر الأحمر وخاصة على الجانب الإفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية:

فمن ناحية، يقوض التواجد التركي في الصومال والسودان المصالح المصرية والإماراتية والسعودية في الإقليم، وخاصة في ظل الدعم والتقارب بين تركيا وقطر والذي يخفف من الضغوط التي تفرضها عليها اللجنة الرباعية لمكافحة الإرهاب. وهناك احتمال لإعادة المواءمة بين تركيا وقطر وإيران للتغلب على خلافاتهم حول سوريا وتشكيل شراكة ثلاثية تقوم على معارضة مشتركة للأجندات الإقليمية للمملكة السعودية ودولة الإمارات في شرق إفريقيا، وهذه التوازنات ستنعكس على الحرب في اليمن حيث تدعم إيران وقطر الحوثيين وستستفيد قطر من وجود حليف إقليمي لها قريب على الجانب الآخر للبحر الأحمر(تركيا).

ومن ناحية أخرى، يبدو أن السودان في هذه المرحلة يسعى إلى تنويع شركائه الإقليميين، فبعد أن قطع علاقاته بإيران وتحالف مع المملكة العربية السعودية وشارك في الحرب في اليمن، عرض في شهر نوفمبر 2017م، على الرئيس الروسي بوتين في سوتشي بناء قاعدة روسية على السواحل السودانية، وقام مؤخرًا بتقديم جزيرة سواكن لتكون تحت إدارة تركيا، فالسودان يحاول الحصول على عوائد بديلة عن العجز في الإيرادات الذى نتج عن انفصال جنوب السودان عام 2011م، وفى المقابل يساعد السودان تركيا وروسيا على الانخراط في البيئة الأمنية للبحر الأحمر، وبمرور الوقت قد تتحول تركيا وروسيا إلى فاعلين عسكريين سائدين في إقليم البحر الأحمر، وقد يحدث بينهما تنسيق في التحركات مشابه لما نراه في الأزمة السورية ([ix]).      

2-   تصاعد التوترات في دول البحر الأحمر

يبدو للوهلة الأولى أن دول البحر الأحمر الإفريقية سوف تستفيد من بناء القواعد العسكرية على اراضيها في تلبية احتياجاتها الملحة، إلا أن هذه القواعد قد تؤدي على مدى ليس ببعيد إلى زعزعة الاستقرار في شرق إفريقيا ككل، وبما يمكن أن ينعكس على الأمن العربي وكذلك الأمن الدولي.

فالدول الإفريقية الساحلية، تعاني من تراجع مؤشرات النمو الاقتصادي، فدولة جيبوتي التي تفتقد الموارد الطبيعية وأرضها قاحلة ونسبة الفقر في المجتمع الجيبوتي تصل لأكثر من 50%، اتجهت إلى استغلال موقعها الجغرافي الفريد على خليج عدن بالقرب من مضيق باب المندب ومقايضته بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية، فبالإضافة إلى المكاسب النقدية المباشرة من تأجير الأراضي، توفر القواعد الأجنبية فرص عمل لمواطني جيبوتي وزيادة التجارة مع الدول المقيمة للقواعد العسكرية، حيث يشكل نشاط القواعد 70 % من الناتج المحلي الإجمالي لجيبوتي، وفى ظل ما تعانيه إريتريا من عقوبات دولية مفروضة عليها منذ عام 2009م، فإن القاعدة العسكرية الإماراتية سوف تتيح لها فرصة للتواصل مع الأسواق العالمية، كما تجد "جمهورية أرض الصومال" أن إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها إلى جانب مساهمتها في دعم اقتصادها الضعيف، فهذا النشاط سيضفي شرعية على وجودها الدولي حيث لا تزال دولة غير معترف بها ([x]).

وعلى الرغم من أن الاستثمارات الأجنبية في بناء الموانئ والمطارات تبدو كوسيلة لربط دول إفريقيا في البحر الأحمر بالإقليم الأوسع (الشرق الأوسط) إلا أن هذه المشروعات ستزيد من حدة التنافس بين الدول الإفريقية، فالقواعد العسكرية لدولة الإمارات في إريتريا وجمهورية أرض الصومال تتيح مساعدات اقتصادية لهذه الدولة بالإضافة إلى إقليم بونت لاند، وهذا الأمر يتعارض مع مصالح دولة الصومال التي تؤكد على وحدة أراضيها ولا تعترف بانفصال هذه الأقاليم عنها وتتلقى حكومة الصومال مساعداتها الرئيسية من تركيا وقطر.

كما أن بناء الإمارات والسعودية لقواعد عسكرية في إريتريا وجيبوتي يتعارض مع المصالح الإثيوبية، فزيادة قوة إريتريا الاقتصادية يهدد المصالح الإثيوبية، كما يخدم ميناء جيبوتي الرئيسي إثيوبيا باعتبارها دولة حبيسة.      

     وعندما ينظر إلى هذا التنافس بين دول البحر الأحمر على الاستثمارات الأجنبية بالتوازي مع قيام الدول المستثمرة في الإقليم بتسليح وتدريب جيوش الدول الإفريقية التي تفتقر للكثير من القدرات، تظهر مخاطر دخول دول الإقليم في سباق للتسلح وتدعيم الجيوش يفتح الطريق أمام نشوء صراعات مسلحة بين دول الإقليم تلك الدول التي لديها تاريخ من الصراعات مثل إريتريا وإثيوبيا، أو إريتريا وجيبوتي.

كما أن غياب قوة إقليمية كبرى في إقليم البحر الأحمر يمكنها احتواء المواقف أدى إلى تصاعد احتمالات أن تطفو الصراعات بين دول هذا الإقليم الفرعي (اليمن وإريتريا، إثيوبيا والصومال، إريتريا وإثيوبيا، وإريتريا وجيبوتي)، وكذلك داخل دوله، كالحرب الأهلية في الصومال ومشكلات التحول الديمقراطي في الأردن والثورة في مصر واليمن، والتهديدات الإرهابية في السعودية ومصر، والخوف من هذه المشكلات يمكن أن تتصاعد بسهولة لتطوق وتشمل كامل إقليم البحر الأحمر.

ويدعم هذا السباق جانب آخر من التنافس بين القوى الدولية والإقليمية التي تتسابق فيما بينها على ترسيخ حضورها في الإقليم، فقد أدى الاهتمام الروسي بإقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي إلى اتجاه الولايات المتحدة إلى توسيع قاعدتها العسكرية وزيادة مساعداتها إلى جيبوتي لوقف الصفقة العسكرية بين جيبوتي وروسيا، وردًا على إقامة الصين لقاعدة عسكرية تخطط اليابان لتوسيع قاعدتها في جيبوتي، كما تقوم المملكة السعودية والإمارات بتكثيف حضورهم العسكري في دول البحر الأحمر الإفريقية لمواجهة النفوذ الإيراني في هذا الإقليم. وهذه الشبكة من المنافسات والتحالفات الخارجية تعني أن أي نزاع عسكري مباشر في شرق إفريقيا سيتوسع خارج القارة، وسيكون قابل للتدويل ([xi]).

وفى ظل انتشار ظاهرة الإرهاب في شرق إفريقيا ممثلة في حركة شباب المجاهدين، فإن سباق بناء القواعد العسكرية المستعر في هذا الإقليم، يمكن أن يحفز هذه الحركة التي تنتمي إلى تنظيم القاعدة، لاستهداف المصالح الأجنبية في هذا الإقليم، وهذا الأمر يمكن أن يزيد التدخلات الخارجية في الإقليم لمحاربة حركة الشباب.

ثالثًا – مستقبل التواجد الأجنبي في البحر الأحمر

على الرغم من تنوع الفاعلين الساعين إلى النفوذ إلى إقليم البحر الأحمر، إلا أن الفاعلين الخارجيين يلعبون الدور الأكثر تأثيرًا في التفاعلات في هذا الإقليم، كالدور الأمريكي والتركي والإيراني فهؤلاء الفاعلين يحددون مصالحهم بدقة متناهية ويسعون إلى تحقيقها باحترافية شديدة.

ويبدو أن إدراك هؤلاء الفاعلين المبكر للأهمية الاستراتيجية لإقليم البحر الأحمر، وكذلك عدم انتمائهم لهذا الإقليم قد ساهم في تدعيم أدوارهم، حيث يعاني هذا الإقليم من أزمات الجوار الجغرافي بين دوله، وكذلك افتقاد الفاعلين من دول البحر الأحمر للقدرة على تحقيق التوازن في علاقاتهم مع الدول المتنازعة في الإقليم، مما يضعف من قدرتها على تحقيق الاستقرار في هذا الإقليم.

كما تزيد التطورات المتلاحقة التي تشهدها دول البحر الأحمر، من فرص بناء القواعد العسكرية الأجنبية على آراضي الإقليم، فمع انشغال دول الإقليم بتسوية صراعاتها الداخلية والإقليمية، ومنع الدول المنافسة لها كإيران من النفوذ إلى الإقليم، سوف تتمكن الدول الأجنبية الأخرى من ترسيخ حضورها في الإقليم، وخاصة في ظل الترحيب الكبير بالقواعد العسكرية من قبل الدول الإفريقية، التي ترى أن هذه القواعد ستتيح لها فرصًا كبيرة لزيادة الاستثمارات الأجنبية وكذلك تطوير جيوشها.

إلا أن مخاطر التنافس حول إنشاء القواعد العسكرية في البحر الأحمر تظل قائمة، ويمكن أن تؤدى إلى تحول الإقليم إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية أو القوى الدولية، مما يحمل تهديدات أمنية واسعة على هذا الإقليم الذي يتميز عدد من دوله بالهشاشة والضعف الشديد.

 

([i]) Anoushirawan Ehteshmi and Emma C. Murphy the international Politics of the Red Sea, (New York : The Taylor & Francis Group , 2011), pp16-18

[ii])) سهام عز الدين جبريل ، مهددات أمن البحر الأحمر وتداعياتها على الأمن القومي العربي،newsspaarrow.blogspot.com.eg/2014/10/blog-post_280.html

[iii])) قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا: قلقون من سعي روسيا لوجود عسكري في جيبوتي، 28-3-2017، https://www.elwatannews.com/news/details/1960996

[iv])) أيام في جيبوتي (1 - 3) : خريطة القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي .. أقدمها فرنسية وأكبرها أميركية وأصغرها يابانية... والصين والسعودية في الطريق، 29-12-2016م، جريدة الشرق الأوسط

[v])) ‫القاعدة العسكرية الإماراتية في إريتريا‎ ، 14 نوفمبر 2017، http://thelenspost.com/

[vi])) مغزى إنشاء مصر للأسطول الجنوبي في البحر الأحمر، 10-1-2017، https://arabic.rt.com/news/858102

[vii])) على خميس، "دهلك" جزيرة "اريترية" تحمي "إسرائيل" وتهلك السودان، 19-11-2012 ، جريدة الخليج

http://www.alkhaleej.ae

[viii])) تل أبيب: قاعدة إيرانيّة بحريّة في إريتريا،30-3-2009https://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=395571

([ix]) Shehab Al-Makhleh and Giorgio Cafiero, The Militarization of The Red Sea , January 10, 2018, www.lobelong.com

[x])) جيبوتي : هل تصبح هذه الدولة الصغيرة مفتاح المنطقة الجديد؟، 12-05-2017، https://raseef22.com/politics/2017/05/12/%

([xi] (Sean Joyce,Bursting at the Seas : Red Sea Naval Bases and Regional Stability, January 6, 2018, http://www.brownpoliticalreview.org/2018/01/29800/       

كلمات دليلية

الشركات المعلنة