;
الصفحة السابقة

نظام دولي جديد: ردع غير مستقر.. ومواجهة كونية محتملة..!؟

انشأ بتاريخ: الإثنين، 02 نيسان/أبريل 2018
  • حظي العالم طوال أكثر من سبعة عقود، منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، بسلام كوني توارت فيه احتمالات الحروب الكونية الفاصلة، بين أقطاب العالم الاستراتيجية العظمى، حتى ساد الاعتقاد باستحالة نشوب حرب كونية ثالثة. الغريب هنا: أن سبب استقرار نظام الأمم المتحدة، يكمن استراتيجيًا في تطوير أكثر الأسلحة التدميرية فناءً، التي اخترعها الإنسان (السلاح النووي). هذه القدرة التدميرية المهلكة للسلاح النووي جعلت إمكانية استخدامه لتسوية الصراعات بين القوى العظمى على مكانة الهيمنة الكونية، بعيد الاحتمال، بل من رابع المستحيلات... لكن يبدو أن الأمر لم يعد كذلك، بعد الآن..!؟

 

طوال المئتي سنة الماضية، ومنذ مغامرات نابليون بونابارت الكونية، التي انتهت بهزيمته في معركة واترلو الفاصلة ١٨١٥م، ومن ثَمّ وضع حدٍ لطموحاته التوسعية للهيمنة على أوروبا، شهد العالم هيمنة كونية شبه مستقرة لبريطانيا، امتدت لمائة عام (1914-1815 Pax Britannica) تحت مظلة نظام هش وغير مستقر لتوازن القوى التقليدي، لم يستمر طويلاً. نظام سلام بريطانيا العظمى سرعان ما انهار بنشوب حربين كونيتين كبيرتين (الحرب العالمية الأولى ١٩١٤-١٩١٩م، والحرب العالمية الثانية ١٩٣٩-١٩٤٥م).

 

يشهد العالم اليوم تحولات خطيرة على المستوى الاستراتيجي، ظن العالم، بعد سبعة عقود من سيادة القطبية الثنائية تحت مظلة توازن الرعب النووي، أن احتمالات نشوب حرب غير تقليدية ومواجهة نووية لم يعد مستبعدًا، بسبب ما يلوح في الأفق من عودة محمومة لسباق تسلح غير تقليدي، لا يهدف هذه المرة إلى تعزيز استراتيجية الردع المتبادل بين القوتين العظميين في عالم اليوم ( روسيا والولايات المتحدة )، كما كان الأمر في عهد الحرب الباردة أيام الصراع الأيدولوجي بين أمريكا والاتحاد السوفيتي ( ١٩٤٥ – ١٩٩٠م )، وما أعقب ذلك من نظام القطب الواحد بزعامة أمريكا، وحتى إعلان الرئيس الروسي بوتين، في مارس الماضي مولد قوة دولية عظمى جديدة، لها تطلعاتها القومية في المنافسة على مكانة الهيمنة الكونية... الأمر الذي من شأنه أن يحدث تحولات هيكلية في النظام الدولي على مستوى القمة، تزيد هذه المرة من احتمالات المواجهة النووية بين القوى الدولية العظمى، وما قد يترتب على ذلك من زعزعة استقرار النظام الدولي.. والإخلال بالتوازن، وبالتبعية الإضرار بسلام العالم وأمنه. 

 

حلم السلام البعيد!؟

 

بعد مائة سنة من عهد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، الذي انهار عقب مرحلتين عصيبتين مر بهما العالم خلال ثلاثة عقود (١٩١٤ -١٩٤٥م) وهي الفترة التي شهدت الحربين العظميين الأولى والثانية، يشهد العالم استقرارًا كونيًا فرضه تطور تكنلوجي، تحكمه آلية رعب نووي متبادل، خارج إرادة أطرافه القطبية الرئيسية، وإغراء طموحاتهم الإمبريالية الكونية.

 

خلال نظام القطبية الثانية غير التقليدي، الذي حكمه ما يسمى بنظام الحرب الباردة واستمر حتى انهيار أحد قطبيه الرئيسيين (الاتحاد السوفيتي) في ٢٦ ديسمبر ١٩٩١م، كان العالم يعيش تحت وطأة الخوف من احتمالات اندلاع حرب كونية ثالثة غير تقليدية، ولو عن طريق الخطأ. من أهم تبعات انهيار نظام الحرب الباردة، أنه: لأول مرة في تاريخ العالم، منذ تعاقب الأنظمة الدولية الحديثة، نهاية القرن السادس عشر، تتقلد قوة عظمى (أمريكا) مكانة الهيمنة الكونية، دون خوض معركة كبرى فاصلة.

 

يومها حصل فراغ استراتيجي، على المستوى الكوني يشبه إلى حدٍ كبير ذلك الذي شهده العالم خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً، عندما تفردت أمريكا بامتلاك الرادع النووي لفترة قصيرة، قبل تمكن الاتحاد السوفيتي من تفجير أول قنبلة ذرية (٢٩ أغسطس ١٩٤٩م) لينهي بذلك الحدث الاستراتيجي الجلل احتكار أمريكا للسلاح النووي.. ومن ثَمّ تدشين نظام الحرب الباردة، بآليته غير المستقرة المرعبة باحتمالاتها المُهْلِكة، التي تعتمد على معادلة توازن الرعب النووي.

 

واشنطن تقلدت مكانة الهيمنة الكونية (المتفردة) بعد انهيار خصمها اللدود (الاتحاد السوفيتي)، من داخله وبدون قتال. عندها: أعلنت واشنطن ما عٌرف بالنظام الدولي الجديد، في خطاب للرئيس بوش الأب (١١ سبتمبر ١٩٩٠م)، عشية إرسال قوات أمريكية لمنطقة الخليج، عقب غزو العراق للكويت، (٢ أغسطس ١٩٩٠م). من الناحية الاستراتيجية هذا تطور كان ينذر بفترة عدم استقرار، بما يعنيه من فقدان النظام الدولي لتوازنه، بسيادة قوة كونية واحدة متفردة بتحديد مصير العالم وفق رؤيتها الاستراتيجية القومية.. وتعريفها لمعنى السلام نفسه. هذا الوضع غير المستقر بترك سلام العالم لتفسير قوة دولية متفردة تتكفل وحدها بتحديد توازن النظام الدولي، ومن ثَمّ مصير سلام العالم وأمنه، كان يمكن أن يحفز تطوراً من شأنه أن يعيد النظام الدولي لتوازنه من جديد، بمعادلة جديدة، تكون كفيلة بإحداث استقرار كفء وفعال للنظام الدولي، ومن ثٓم الانتقال لمرحلة جديدة من مسيرة حركة التاريخ، تجاه سيادة السلام العالم.

 

إلا أن العالم يعود اليوم إلى عدم الاستقرار الاستراتيجي، بتزايد نغمة خوض حرب نووية، كما جاء ضمنًا وتصريحًا في خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه عن حالة الاتحاد الروسي (1مارس ٢٠١٨م)، الذي أُجل لأكثر من شهرين، ربما لدواعي قرب الانتخابات الرئاسية التي أُجريت الأحد ١٧ مارس الماضي وفاز بها الرئيس بوتين، بأغلبية كاسحة تجاوزت الـ ٧٠٪‏ ليتسيد الكرملين لفترة رئاسية جديدة. ما جاء في ذلك الخطاب أيقظ العالم على "كابوس" مزعج ظل طوال سبعين عامًا وهو يغط في سبات عميق، يحلم بسلام بعيد المنال.. ويعيش في سكرَةِ وهمٍ كبيرٍ مفاده: استحالة نشوب حرب كونية ثالثة، هذه المرة لن تكون سوى حربٍ نوويةٍ لا تبقي ولا تذر.

 

توازن النظام الدولي: المضي في جادة السلام

 

من أهم خواص النظام الدولي ميزة التوازن.. وهي الاستراتيجية، التي يحفظ بها النظام الدولي، في حقبة تاريخية معينة، استقراره، ولو بصورة مؤقتة، تتقدم فيها قيم السلام ومؤسساته، في ضمير البشرية، خطوة للأمام، كأحد محطات قطار حركة التاريخ. هذا هو منطق حركة التاريخ، التي تدفع العالم، أحيانًا بعنف وقسوة، نحو سيادة السلام والاستقرار.. وما تَطَوّرَ آليات عدم الاستقرار، إلا أدوات تدفع تجاه السلام العالمي المنشود، ولو أحيانًا بفقدان السيطرة على توازن النظام الدولي، لتبدأ مرحلة جديدة من التوازن تعتمد على آليات أكثر تكلفة، وربما أكثر فاعلية وكفاءة، ومن ثَمّ العودة لحالة عدم الاستقرار، من جديد. هذه الحركة "الدياليكتية" لمسيرة التاريخ، هي المحرك الأساس للوصول، في النهاية، إلى حالة السلام العالمي المنشودة، كما يزعم فلاسفة الثورة التاريخيين، من أمثال هيجل وماركس.

 

التوازن، إذًا: حقيقة حياتية، من مسلمات الكون، وليس فقط في تاريخية سلوك الإنسان ونمو قيم السلام والحريّة في وجدان ضمير الإنسانية، كما تعكسه حركيّة المجتمعات البشرية، في تطورها التاريخي، من حقبة تاريخية لأخرى، وهي مفعمة بالحياة والأمل، من خلال تجاوز الكثير من الصعاب والعقبات، التي سببها في الأساس تلك النزعة الصراعية المتأصلة في النفس البشرية المتأرجحة بين قيم الخير والشر. الأرض على سبيل المثال، في حالة تحول، أحياناً يكون عنيفاً، تعبيراً عن حياة الكوكب وديمومة حركيّة تطوره. ما البراكين والأعاصير والزلازل والفيضانات وموجات المد الطوفانية إلا مؤشرات على حياة كوكب الأرض، مظاهر لحياة الأجرام السماوية لا نرى مثيل لها في كثيرٍ من كواكب المجموعة الشمسية وتوابعها، مثل: المريخ.. ولا في تابع الأرض القريب (القمر).

 

لكن التوازن، من الناحية الاستراتيجية، لا يعني زوال مسببات ومحفزات عدم الاستقرار، كما لا يعني الاستقرار، من الناحية الاستراتيجية أيضًا، مؤشرًا حقيقيًا، لسيادة السلام. التوازن حالة إنسانية فيزيائية استراتيجية، تَحُولُ ولو مؤقتاً، دون أن تتجاوز مؤشرات عدم الاستقرار حدًا، يجعلها تقترب من نقطة الانفجار... وحتى لو حدث الانفجار، فإن ذلك يؤذن بمرحلة جديدة من التوازن، تحكمها آليات وتكنلوجيا أكثر تعقيدًا وتكلفة تجعل من العودة لحالة عدم الاستقرار، ومن ثم الانفجار من جديد أبعد احتمالاً، وإن لم يكن أقرب للاستحالة. المهم في حالة التوازن وجود أطراف دوليين كبار يحافظون على استقرار النظام الدولي، دون ما السماح بقوة مهيمنة وحدها الثقة فيها بضمان الاستقرار ورعاية السلام.

 

 

 

استحالة استمرار الهيمنة المتفردة على العالم

 

لم يحدث في تاريخ البشر أن تمكنت قوة بعينها ممارسة هيمنة كونية (متفردة) على العالم. لم يحدث هذا الأمر لا في تجربة الامبراطوريات التاريخية، ولم يحدث في عصور القوى العظمى الحديثة. دائمًا كانت هناك نقطة توازن، كأفضل انطلاقة لضمان مسيرة حركة التاريخ، لتبلغ غايتها في سيادة السلام العالم. كل المحاولات للهيمنة المتفردة على العالم فشلت، لأنها فوق طاقة أي أمة من الأمم.. ولأنها مجافية لطبيعة الحياة نفسها ونواميس الكون.

 

إلا أن التوازن من الناحية الاستراتيجية، وإن كان لازمًا لإحداث حالة من الاستقرار، لأي نظام دولي، إلا أنه ليس كافيًا لسيادة السلام العالم. التوازن، من الناحية الاستراتيجية، لا يمكن تقيمِه خارج إمكانات الاستقرار الحقيقية والمحتملة، التي يحققها، بعيدًا عن محاولات أطرافه للإخلال به، في فرصة وهمية متاحة، طمعًا في مكسب مضاعفٍ أو مطمعٍ محتملٍ، يُخيل لهم أنه: بالإمكان الفوز به. السلام، ليس غاية في ضمير ووجدان أطراف التوازن، بقدر ما هو حالة مؤقتة استعداداً لجولة جديدة من الصراع يمكن المجازفة بخوضها، أملاً في تحقيق معادلة جديدة من التوازن، على حساب الخصوم.. وأحيانًا الأعداء الدوليين المنافسين على مكانة ووهم الهيمنة الكونية. 

 

الحفاظ على التوازن أو محاولة الاستثمار في مؤشرات عدم الاستقرار فيه لتجربة احتمال الإخلال بحالة التوازن القائمة واستبدالها بمعادلة جديدة للتوازن أو إخراج الخصوم كلية من معادلة التوازن القائمة يعتمد على امتلاك القوة المادية القاهرة.. وكذا الإرادة السياسية الماضية، لتغيير معادلة التوازن القائمة، على المستوى الدولي. متى وصل أحد أطراف التوازن الدولي إلى مرحلة متقدمة من الثقة في إمكاناته الاستراتيجية في تغيير أسس وقواعد معادلة التوازن القائمة، يتطور خيار الحرب، بصورة متسارعة، فتنشب الحرب. 

 

نظام توازن القوى: استقرارٌ هشٌ استعدادًا للحرب

 

إمكانية اللجوء إلى خيار الحرب، في أي وقت، ومن قبل أي قطب دولي تطورت لديه الثقة في شنها، ومن ثَمّ كسبها، كانت معضلة نظام توازن القوى التقليدي، الذي ساد العالم في حقبة الهيمنة البريطانية على النظام الدولي، التي استمرت لقرنٍ من الزمان، منذ هزيمة نابليون في معركة واترلو ١٨١٥م، وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى ١٩١٤م. بريطانيا، رغم نجاحها في فرض هيمنتها على العالم لمئة سنة، إلا أنها لم تستطع أن تكبح جماح قوىً دولية صاعدة طامعة في المنافسة على مكانة الهيمنة الدولية، مثل ألمانيا وروسيا واليابان.. أو فرض سطوتها على قوىً تقليدية استعصت عليها، مثل الدولة العثمانية. وكان أن وصلت دول المحور تلك في الحرب الأولى إلى قناعة بإمكانية التمرد على هيمنة بريطانيا الكونية، فاندلعت الحرب الكونية الأولى.

 

نفس "السيناريو" تطور بعد عشرين سنة من الحرب الكونية الأولى، ما لبث أن انهار نظام عصبة الأمم، بموجب معاهدة فرساي ١٩١٩م، التي وضعته الولايات المتحدة وتخلت عنه..! وأوكلت رعايته لحلفائها في أوربا، بالذات بريطانيا وفرنسا، اللتان خرجتا منهكتين من الحرب الأولى، مع تنامي النزعة القومية في الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى، وخاصة ألمانيا وروسيا، بالإضافة إلى شروط الاستسلام المجحفة والمذلة التي تعرضت لها بعضها، خاصةً ألمانيا، فاندلعت الحرب الكونية الثانية.

 

معادلة التوازن الهش وغير المستقر هذه، التي سادت طوال ثلاثة عشر عقدًا من بداية منتصف العقد الثاني من القرن التاسع عشر إلى منتصف العقد الخامس من القرن العشرين سمحت بنشوب حربين كونيتين لم تشهد البشرية مثيلاً لهما في تاريخها، لا من حيث ضحاياهما ولا من حيث تكلفتهما الأخلاقية والمادية. مشكلة نظام توازن القوى التقليدي هذا الاستراتيجية، وخاصةً في فترة ما بين الحربين، أنه لم يطور آلية ردع فعالة وكفؤ قادرة على الحفاظ على توازنه، ومن ثَمّ استقراره، لمدة أطول. لم يمنع نظام توازن القوى التقليدي أطرافه من الانخراط في سباق تسلح مُكْلِف، دون توفر مظلة ردع فعالة وكفؤ لتمنع الاحتكام لخيار الحرب لتسوية حالة الصراع الناشبة بين أطرافه. في تجربة كلتا الحربين الكونيتين كانت إغراءات المجازفة بدخول الحرب لدى القوى الصاعدة في النظام الدولي، مثل ألمانيا واليابان والاتحاد السوفيتي، تتفوق على تلك التي ركنت إلى واقع الاستقرار الهش، الذي ساد نظام توازن القوى... وكان أن نشبت الحربان الكونيتان الأولى والثانية. 

 

هناك متغير آخر يهمله كثيرٌ من المؤرخين، الذين حصروا ساحة الصراع الاستراتيجي في القرنين التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في المسرح الأوربي، ، بينما في واقع الأمر تكلفة الحربين الأولى والثانية، وعامل التوازن الجديد في تشكيل عالم ما بعدهما، تكبدته وتكفلت به، بصورة. رئيسية، الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت هي التي حسمت الحربين العالميتين، وبالتبعية: هي التي وضعت نظام عصبة الأمم، في حالة الحرب الكونية الأولى، وإن تخلت عنه لأسباب داخلية.. وهي التي رعت نظام الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تعد إلى عزلتها التقليدية، مرة أخرى. القوى التقليدية لم تكن في مستوى الحفاظ على السلام في أوروبا، المسرح الرئيس لخوض الحربين العظميين، وبالتبعية: سيادة السلام العالم.. وكان هذا من أهم مثالب نظام توازن القوى التقليدي. 

 

توازن الرعب: استقرارٌ لا إرادي تفاديًا للحرب

 

في ظل معادلة توازن الرعب النووي الحرب أو بالأحرى المواجهة النووية المباشرة بين أقطاب النظام الدولي الرئيسية لم تعد خيارًا، بقدر ما هو تفاديها يُعٓدُ "معجزةٌ" يُصَلي الجميع من أجل استمرار "كراماتها". الحرب النووية، في ظل رعب عدم القدرة على دفع تصور نتائجها المهلكة.. أو تحمل تكلفتها الإنسانية والمادية والأخلاقية، لأي طرف من أطراف معادلتها، أضحت تتجاوز حتى ترف التفكير فيها.. وأخشى ما يخشاه أطرافها الكبار، اندلاعها عن طريق الخطأ. بالرغم من أن سباق التسلح غير التقليدي باهظ التكلفة بما يفوق طاقة أي قوة عظمى وإمكاناتها، دون أن يكون ذلك على حساب إشباع حاجات أساسية لشعبها وقدرات اقتصادها الإنتاجية، إلا أن غايته لم تكن زيادة الثقة في إمكانية شن الحرب، مهما بلغ إغراء احتمال اللجوء إليها مبلغه لدى القوى الرئيسية العظمى، كما كان الحال في حقب توازن القوى التقليدي السابقة.

 

الهدف الاستراتيجي الأساس من سباق التسلح غير التقليدي في عصر الحرب الباردة، هو: إقناع الخصم في الجهة المقابلة من معادلة توازن الرعب النووي، عدم التفكير في خيار استعمال ما لديه من قدرات نووية لحل معضلة صراعه مع خصمه في الطرف الآخر من المعادلة على مكانة الهيمنة الكونية، فيبادر بشن الحرب ويأتي على مصالح خصمه الاستراتيجية، مرة واحدة، وللأبد. 

 

هذه هي معادلة الردع الاستراتيجي في نظام توازن الرعب النووي. رعبٌ متبادلٌ بين أقطاب النظام الدولي النووي من احتمال نشوب مواجهة نووية مباشرة أو غير مباشرة.. ولو عن طريق الخطأ. لهذا سُمِيَ النظام الدولي، الذي استمر منذ نهاية الحرب الكونية الثانية وحتى انهيار أحد قطبيه الرئيسيَين (الاتحاد السوفيتي) بداية تسعينيات القرن الماضي، بعهد: الحرب الباردة. بمعنى: أن امتلاك السلاح النووي لدى قطبي نظام الحرب الباردة، لا يمنع بتاتًا استمرار حركة الصراع بينهما، بقدر ما يمنع احتمال اندلاع المواجهة المباشرة بينهما، لتصبح مواجهة ساخنة محتمل أن تتطور إلى حرب عالمية ثالثة (نووية هذه المرة). الحرب النووية، إذن: لا يمكن لأحد طرفي معادلة توازن الرعب النووي أن يغامر بشنها، دون أن يجازف بفنائه هو... وفي أفضل الأحوال، إذا ما ظن أنه سيكسبها، لن يجد عالمًا يستحق أن يهيمن عليه. 

 

لذا حالة الصراع، بين قطبي نظام توازن الرعب النووي، كانت مستمرة، ليس فقط على مستوى السجال السياسي والدبلوماسي، بل أحيانًا، على مستويات ساخنة وعلى نطاق محدود، وبأسلحة و"تكتيكات" تقليدية.. وفي مناطق تُعد تخومًا استراتيجية، يعترف كل قطب دولي، بأحقية خصمه أن يصول ويجول فيها، مع حرص الجميع جعل مثل تلك الاشتباكات الساخنة، أن تظل في حدود "تكتيكات" الحروب التقليدية المحدودة النطاق والعنف، مع تفادي إمكانات التصعيد، حتى لا تتسبب في فرض مواجهة مباشرة بينهما ترتفع فيها احتمالات نشوب الحرب النووية، ولو عن طريق الخطأ.

 

من أمثلة هذه الحروب (التقليدية) المحدودة، التي سمح نظام توازن الرعب النووي أطرافه الرئيسيَيّن بخوضها، في ما يشبه الاتفاق بينهما على مجال كلٍ منهما الحيوي جغرافيًا، دون الانجرار إلى حالة تصعيد مباشر بينهما قد تقود إلى، رفع احتمالات المواجهة بينهما، حتى ضمن مستوياتها التقليدية: حرب الولايات المتحدة في كوريا (١٩٥٠ -١٩٥٣م) وفي فيتنام (١٩٦٢-١٩٧٥م).. وتدخل الاتحاد السوفيتي في قمع ثورة المجر١٩٥٦، وقمع ما سمي بربيع براغ ١٩٦٨م، وكذا التدخل في أفغانستان ( ١٩٧٩ - ١٩٨٩م). كما لم يمنع نظام الحرب الباردة من اندلاع حروب إقليمية، نتيجة لاستمرار الصراع بين القوتين العظميين، بالوكالة عنهما من قبل قوىً إقليمية محسوبة عليهما، دون أن يقود ذلك إلى تصعيد للمواجهة المباشرة بينهما، كما حدث في حروب الشرق الأوسط، مثل: حروب العرب وإسرائيل: ١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣م.. والاجتياح الإسرائيلي للبنان ١٩٧٨م.. وكذا حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران (١٩٨٠ -١٩٨٨م). ويمكن في هذا المستوى من الصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بواسطة قوى إقليمية محسوبة على القوتين العظميين، الحروب في شبه القارة الهندية بين الهند وباكستان (١٩٤٧، ١٩٦٥ و١٩٧١م). 

 

في كل الأحوال: احتمالات الصراع البارد بين البلدين لم يقترب من محاذير المواجهة النووية المباشرة بينهما بمثل ما يعنيه ذلك من إمكانات المجازفة بحرب عالمية ثالثة قد يُستخدم فيها السلاح النووي للمرة الثانية، بعد استخدامه من قبل الولايات ضد اليابان بإلقاء قنبلتين ذريتين على مدينتي هوريشيما ونجازاكي ( ٦، ٩ أغسطس ١٩٤٥م )، ليقود ذلك بعد تسعة أيام لإعلان استسلام اليابان، وإنهاء الحرب العالمية الثانية على جبهة الباسيفيك.

 

لم يحدث أن اختبرت جدارة نظام الحرب الباردة، في تفادي مواجهة نووية بين قطبي نظام الأمم المتحدة، كما حدث أثناء أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا. على مدار ١٣ يوماً (١٤ - ٢٨ أكتوبر ١٩٦٢م ) حبس العالم أنفاسه ترقبًا لاندلاع حرب نووية عالمية ثالثة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. حينها أثبت نظام توازن الرعب النووي جدارته الاستراتيجية في التعامل العقلاني بين القوتين العظميين لتجاوز الأزمة.. وتفادي نشوب مواجهة نووية مباشرة، قد تقود ليس لدمار كلا طرفي الصراع... بل ووضع نهاية للجنس البشري على كوكب الأرض، وحتى القضاء على أوجه الحياة المعروفة في الكون بأسره. 

 

نجح إذن نظام توازن الردع النووي في تفادي الحرب الكونية الثالثة متفوقًا على تجاوز إغراءات الحرب، التي كانت أهم مؤشرات عدم استقرار نظام توازن القوى التقليدي. لم تكن المواجهة النووية ممكنة في ظل نظام الردع الاستراتيجي المتبادل الذي كان يعمل بكفاءة طوال فترة عهد الحرب الباردة، في ظل نظام الأمم المتحدة. لكن الصراع بين القوتين العظميين لتعزيز قدراتهما في الردع الاستراتيجي المتبادل لم تتوقف، ليس على رهان تمكن أحدهما في استحالة التفكير استراتيجيًا في خوض غمار حرب نووية في مواجهة الآخر وكسبها... ولكن في إمكانية عدم قدرة أحدهما من مواصلة سباق التسلح النووي، لأسباب اقتصادية وتكنلوجية، فيختل توازن الرعب بينهما إيجابيًا، لصالح أحد طرفي الصراع فيكسب الحرب الباردة، دون قتال. 

 

وكان أن حدث ذلك عندما أنهار الاتحاد السوفيتي من داخله في ٢٦ ديسمبر ١٩٩١م، وإعلان الولايات المتحدة نفسها قطبًا دوليًا أوحدًا يعتلي مكانة الهيمنة الكونية، لكن هذه المرة دون خوض معركة كونية حاسمة!  

 

نظام دولي جديد: قوة عظمى مترددة وأخرى لم تخرج من حلبة الصراع

 

مشكلة النظام الدولي الجديد الذي أعلنته الولايات المتحدة، عقب انهيار عدوها اللدود ومنافسها الرئيس على مكانة الهيمنة الكونية، طوال عهد الحرب الباردة، أنها بدت مترددة لتولي مكانة الهيمنة الكونية، وكأنها أُخذت على حين غرة بانهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية، وإن كانت واشنطن قد عملت على ذلك بالانخراط في سباق استراتيجي مكلف، لم تقوى موسكو على الاستمرار فيه. لم تبدو الولايات المتحدة مترددة في تولي مكانة الهيمنة الكونية، فحسب... بل نراها تفتقر إلى الإرادة السياسية، لتحمل تكلفة منصب الهيمنة الكونية... وإن كانت أبدت حماسًا للتمتع بامتيازاتها، دون الاكتراث باحتمالات الاستمرار فيها، من عدمها!؟ 

 

مكانة الهيمنة الكونية تقتضي إرادة سياسية ماضية لتحمل تكلفة الحفاظ عليها، لا فقط التمتع بعائد امتيازاتها... وهذا ما جعل بريطانيا العظمى تتسيد النظام الدولي لمائة عام، من منتصف العقد الثاني للقرن التاسع عشر إلى منتصف العقد الثاني من القرن العشرين.. وظلت متشبثة بهذه المكانة الكونية الرفيعة لعقدين آخرين بتزعمها لنظام عصبة الأمم الذي تخلت عنه الولايات، وحتى اندلاع الحرب الكونية الثانية.

 

كانت بريطانيا العظمى مستعدة للحفاظ على النظام الدولي الذي تتسيده، كما كان الأمر بالنسبة لاستئثارها بامتيازات مكانة الهيمنة الكونية بمواجهة أي قوة عظمى تتجرأ على تحدي مكانتها الكونية الرفيعة، بالرغم من هشاشة نظام توازن القوى التقليدي، المتكفل بحفظ استقرار النظام الدولي، آن ذاك. كانت بريطانيا، على سبيل المثال: لا تتردد للذهاب إلى أقصى بقاع امبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس، لقمع أي تمرد داخلي لسيادتها الكونية، كما حدث في حرب البوير الأولى والثانية، بجنوب إفريقيا (١٨٨٠ - ١٨٨١، ١٨٩٩ – ١٩٠٢م ). في الوقت الذي دخلت في سباق تسلح مكلف مع القوى الدولية في أوربا مثل: ألمانيا وروسيا والدولة العثمانية وإمبراطورية النمسا والمجر، من أجل فرض استمرار سيادتها الكونية، التي استمرت لمائة عام، في القرنين التاسع عشر والعشرين. 

 

مقارنة بهذا التصميم الماضي من قبل بريطانيا العظمى لفرض هيمنتها الكونية في عالم ما بعد فتوحات نابليون ومغامرات فرنسا لتقلد مكانة الهيمنة الكونية في القرنين الثامن والتاسع عشر، نجد الولايات المتحدة تركن إلى الانتصار الاستراتيجي السهل الذي حققته في الحرب الباردة بدون قتال، لتباشر في جني عائد ذلك بنهمٍ وبخل. ربما في النزعة الانعزالية للولايات المتحدة، التي تراودها من حين لأخر، تفسير لذلك.. وربما لاعتقاد واشنطن بسقوط الاتحاد السوفيتي سقطت معه الأيدلوجية، كمحفز أساس للصراع بين الشرق والغرب.. وربما ظن الساسة في واشنطن، أنه حان الوقت لجني عوائد سقوط الاتحاد السوفيتي، دون ما حاجة لدفع تكلفة المحافظة على المكانة الدولية، التي نزلت عليها من السماء، لعدم وجود منافس حقيقي لها. وأخيرًا: ربما ظنت الولايات المتحدة أن تجربة التكامل الإقليمي الناجحة، التي شهدتها أوروبا، عقب الحرب العالمية الثانية، وتُعزى في كثيرٍ من جوانبها، إلى برامج المعونة الاقتصادية الضخم لإعادة تعمير أوروبا بعد الحرب، التي سميت بمشروع مارشال، أن قوة حلفائها الغربيين الاقتصادية في أوروبا ستصبح رديفًا مساندًا لمشاركة أوربا في دفع تكلفة الهيمنة الكونية التي تتقلدها، وفي مشاريع طموحات حلف شمال الأطلسي التوسعية المتوقعة، في أوروبا شرقًا، دون ما تبصر لأي احتمالات للمنافسة من قبل أوروبا الموحدة نفسها، للهيمنة الأمريكية، ولو على المسار الاقتصادي. 

 

باختصار: الولايات المتحدة وصلت لدرجة من النهم والبخل، لجني ثمار مكانة الهيمنة الكونية، التي وجدت نفسها فيها، كقطب أوحد لنظام دولي جديد هي التي وضعت مواصفاته، دون أن تتكفل بدفع تكلفته، ولا حتى من باب ضمان استمراره. كما أن الولايات المتحدة نسيت، أو تناست أنها لم تتغلب على خصمها اللدود في نظام الحرب الباردة، بالضربة القاضية، من خلال خوض حرب كونية فاصلة، كما هو شأن حركيّة تعاقب الأنظمة الدولية. صحيح الاتحاد السوفيتي سقط، لكن محتفظًا بأسنانه ومخالبه النووية وأذرعه السياسية، الممتدة في أرجاء العالم وفي مؤسساته الأممية، الذي أورثها لعقبِه الوحيد (روسيا الاتحادية). وما هي إلا مسألة وقت ويفيق الدب الروسي من بياته الشتوي القسري، وهو يتضور نهمًا وطمعًا، ليحصل على ما يراه نصيبه العادل، من موارد النظام الدولي. 

 

لقد تبدلت أولويات السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية، طوال الثلاث عقود، التي أعقبت انهيار تجربة الاتحاد السوفيتي. لم تعد الأيدلوجية، هي المحفز الأول لسياسة الكرملين الخارجية، بل العودة إلى أسس السياسة الخارجية لما قبل الثورة البلشفية، بثقافتها التوسعية والانعزالية، معًا. ليس هذا، فحسب... بل العودة لقيم القومية الروسية التاريخية، بدلاً من القيم الأيدلوجية الأممية، التي رسمت السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي. 

 

ذلك ما حدث، بالضبط، بعد ربع قرن من سقوط الاتحاد السوفيتي. خرج الدب الروسي من تجربة الاتحاد السوفيتي جريحًا، لكن لم تنل تلك التجربة من كبرياء خلفه القومي ولا من جذوة الصراع في داخله كقوة عظمى، تتعدى اهتماماته الكونية، متطلبات أمنه القومي، لاستعادة المكانة لقوة كونية عظمى قادرة على خوض غمار الصراع الدولي، من أجل الحصول على ما تراه نصيبًا عادلاً من موارد النظام الدولي وثرواته، المادية والسياسية والاستراتيجية.

 

في ٢١ إبريل ٢٠١٧م، وعندما كانت المقاتلات الاستراتيجية الأمريكية تقوم بدورية "روتينية" في المجال الجوي للمياه الدولية، في مواجهة المياه الإقليمية لولاية ألاسكا الأمريكية، أقصى شمال غرب الباسفيك، فوجئت بقاذفتين استراتيجيتين روسية بعيدة المدى من طراز توبوليف ٩٥ إم إس المعروفة في الغرب بـ ( الدُّب )، ترافقهما مقاتلتان من طراز سوخوي ٣٥ تحاولان تحديد معالم المجال الجوي لروسيا الاتحادية، في تلك المنطقة المحاذية لحدود الولايات المتحدة وكندا، غرب الباسفيك، معلنة إرهاصات مولد قوة عظمى جديدة تتحدى تفرد أمريكا بالسيادة على العالم.

 

صحيح أن تلك القاذفات الاستراتيجية الروسية القادرة على حمل صواريخ جو ـ أرض، مداها ثلاثة آلاف كيلو قادرة على حمل مقذوفات نووية متعددة الرؤوس، لم تكن مسلحة ولم تتجاوز المجال الجوي للمياه الدولية، إلا أنها ومنذ ٢٠٠٥م، عندما أرسلت البحرية الروسية مثل تلك القاذفات الاستراتيجية، لأول مرة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، تحاول أن تقترب من المياه الإقليمية الأمريكية حتى اقتربت لمسافة ٥٠ ميل من ميناء أنكرج عاصمة ولاية ألاسكا، مما أضطر المقاتلات الأمريكية من طراز F21 اعتراضها، إلا أن القاذفات الروسية ما لبثت أن تراجعت وعاجت لقواعدها شرق روسيا. الملفت: أن تلك القاذفات الروسية كررت المحاولة لثلاث أيام متتالية الأمر الذي اعتبرته الأوساط الإعلامية والسياسية في واشنطن، حينها، استفزازًا استراتيجيًا غير مسبوقٍ، لم يحدث أيام الاتحاد السوفيتي.

 

ولم تكتفِ موسكو بإعادة طلعاتها الجوية في غرب الباسفيك، لكنها كررت المحاولة مرة أخرى، بكثافة أكثر، غرب الباسفيك. في السابع عشر من يونيو ٢٠١٧م، حلقت عدة قاذفات استراتيجية من طراز توبوليف MS 95، رافقها سرب من مقاتلات سوخوي S35 وطائرات للإنذار المبكر من طراز A-50، قامت بتدريبات على التزود بالوقود جواً، وعند اقترابها من المياه الإقليمية لليابان في تلك المنطقة انطلقت مقاتلات يابانية وكورية جنوبية، للتأكد من أنها لا تتجاوز مجال المياه الدولية، في تلك المنطقة. 

 

رغم أن تلك المحاولات للتواجد الروسي الاستراتيجي، شرق وغرب الباسفيك، أجريت ضمن القواعد المعمول بها في مثل هذه الظروف ولم تحاول أن تخرق المجال الجوي الأمريكي وكندا واليابان وكوريا، إلا أنها أرست لقاعدة استراتيجية لم تتكرر منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، تعلن بموجبها روسيا أنها دولة عظمى مهتمة بلعب دور منافس أصيل لمكانة الهيمنة الكونية، التي تفردت بها أمريكا لأكثر من ربع قرن، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وهو ما أعتبر استفزازًا                                                   لواشنطن. الأمر الذي دشن لاستراتيجية قطبية ثنائية جديدة يقوم عليها توازن الرعب النووي، ترتكز على أسس قومية، وليس على منطلقات أيدلوجية، كما كان عليه الحال، في عهد الحرب الباردة.

 

نهاية نظام توازن الرعب النووي! 

 

في خطابه الأخير عن حالة الاتحاد يوم الخميس الأول من مارس الماضي، أعلن الرئيس الروسي بوتين عن وفاة نظام توازن الرعب النووي.. وقيام نظام دولي جديد لا يستبعد، لأول مرة منذ اختراع السلاح النووي واستخدامه لمرة واحدة يتيمة تبدو احتمالات المواجهة النووية، في حرب كونية ثالثة، لا تسفر عن منتصر هذه المرة، بقدر ما تقود إلا فناء متبادل... بل ووضع حد للحياة على الأرض، ربما تتجاوز تلك التي أدت إلى انقراض الديناصورات، من ٦٥ مليون سنة.

 

في ذلك الخطاب أعلن بوتن عن منظومة تسلح روسية غير تقليدية جديدة، هجومية ، تتجاوز بمراحل إمكانات الردع الدفاعية، التي حكمت نظام توازن الرعب النووي، الذي حكم العالم استراتيجيًا وحَدَ بصورة كبيرة من قدرة القوى العظمى على تبني خيار الحرب، أملاً في حسم صراعاتها وفرض رؤيتها الخاصة للسلام.

 

الترسانة الاستراتيجية غير التقليدية، التي أعلن عنها بوتن، عمادها منظومة صواريخ "الشيطان ٢" ( RS-28 Sarmat ) المجنحة عابرة القارات ومزودة بقوة دفع هائلة تعمل بالوقود النووي الصلب تتجاوز سرعة الصوت عشرين مرة، وتحمل صواريخ ذات رؤوس نووية يبلغ وزن الواحد منها ١.٢ من المواد النووية شديدة الانفجار.. بينما يبلغ مداها ١٦ ألف كيلو متر، ويمكن إطلاقها من صوامع تحت الأرض.. وهناك نماذج منها يمكن أن تطلق من منصات عملاقة متحركة من طراز ( MZKT- 7922 ). كما أستطاع الجيش الروسي تطوير طائرة شراعية تفوق سرعتها سرعة الصوت، من سبعة إلى ١٢ مرة، قادرة على حمل صواريخ سارمات وتتمتع هذه الطائرات بقدرة فائقة على المناورة ولا يمكن لأي منظومة رادارية غربية اكتشافها، كما تزعم المصادر العسكرية الروسية. هذه المنظومة الصاروخية الهجومية تقول المصادر العسكرية الروسية، أن لديها ١٠١ صاروخ منها جاهز للعمل، وستشكل بنهاية ٢٠٢١م، نصف القدرات النووية في الترسانة الروسية.

 

الصاروخ الروسي الجديد المسمى بالشيطان في نسخته الجديدة يمكن أن يهاجم أمريكا من القطبين الشمالي والجنوبي وقادر على حمل ١٠ رؤوس نووية، تبلغ قدرتها التدميرية ٢٠٠٠ مرة قدرة القنبلة التي ألقيت على هوريشيما. صاروخ واحد من طراز شيطان ٢ قادر على محو بلد مثل بريطانيا.. وستة صواريخ منه قادرة على محو الساحل الأطلسي للولايات المتحدة من ولاية مين إلى ولاية فلوريدا، حيث الكثافة السكانية الأكبر، ومراكز صناعة القرار والحكم في الولايات المتحدة !

 

كما أن هذا الصاروخ يتمتع بقدرة عالية على المناورة والإفلات من منظومات الدفاع الأمريكية المتقدمة، بما فيها منظومة حرب النجوم الدفاعية. بالإضافة إلى أن هذا الصاروخ يتمتع بقدرة عالية للنجاة من أية ضربة نووية معادية والرد بصورة تدميرية هائلة بضربة نووية ثانية مدمرة، في حالة ما أراد الخصم تجربة حظه وغامر ببدء الحرب. منظومة صواريخ الشيطان هذه تقوم، إذًا: بمهمات استراتيجية مزدوجة. هي: هجومية، إذا ما قررت موسكو تنفيذ عقيدة الضربة النووية الأولى.. وتمتلك إمكانات ردع استراتيجية دفاعية، إذا ما تعرضت روسيا لضربة نووية استباقية من الولايات المتحدة.

 

بالإضافة إلى هذه الترسانة المرعبة من الصواريخ النووية الباليستية، أعلن الرئيس بوتين عن سلاح هجومي جديد عماده غواصات غير مأهولة يجري التحكم بها عن بعد وتصل إلى أعماق سحيقة، قادرة إلى التسلل إلى المياه الإقليمية للعدو، بهدوء ورشاقة، دون أن يتم اكتشافها.. وتضرب العدو بصواريخ نووية متعددة الرؤوس تتمتع بدقة عالية في ضرب أهدافها، بصورة سريعة ومباغتة. هذا بالإضافة إلى منظومة قاذفات استراتيجية شراعية بعيدة أسرع من الصوت، بعشر مرات، تتمتع بقدرة عالية على المناورة بإمكانها أن تتفادى أي منظومة رادارية يمتلكها الغرب، وهي قادرة على حمل صواريخ سارمات إلى أي بقعة في العالم، بدقة متناهية وبقوة تدميرية مهلكة. 

 

ليست حرب باردة جديدة!

 

المشكلة في إعلان الرئيس بوتين عن منظومة الأسلحة الجديدة، ذات الطابع الهجومي، التي تتجاوز إمكانات الردع المتعارف عليها، في نظام توازن الرعب النووي، في صورته التقليدية، أنه لأول مرة منذ إرساء دعائم النظام الدولي الذي أعقب الحرب الكونية الثانية تتبنى دولة عظمى عمليًا عقيدة الضربة النووية الأولى، بثقة واضحة.. وكما يبدو، بإرادة متينة ماضية، حتى ولو لم تلعن مباشرةً عن ذلك. الرئيس بوتين عزى الاستراتيجية الجديدة لنكوص أمريكا عن اتفاقية القضاء على الصواريخ، النووية والتقليدية قصيرة ومتوسطة المدى، التي يبلغ مداها ما بين ٥٠٠ - ٥٥٠٠ كم، التي وقعها الرئيس الأمريكي رولاند ريجان والأمين العام السوفيتي ميخائيل جورباتشوف في واشنطن ( ٨ ديسمبر ١٩٨٧م ).. وتمت المصادقة عليها من مجلس الشيوخ الأمريكي في٢٧ مايو ١٩٨٨م، بهدف جعل أوروبا خالية من تلك الصواريخ، تمهيدًا لنزع السلاح النووي تمامًا، من على وجه الأرض. 

 

بوتن يرى أن واشنطن، خرقت بالفعل، تلك الاتفاقية، عندما نشرت اسراب من القاذفات من طراز ( B-52) في أوروبا وضمنتها ترسانة الناتو، بل حتى أن تلك الطائرات قامت بمناورات قرب الحدود الروسية، مما دعا الكرملين للإعلان أن هذا العمل فيه خرق لتلك الاتفاقية و يزعزع الاستقرار العالمي. كما أن الأوساط السياسية والعسكرية في موسكو منزعجة من نشر واشنطن لقاذفات ( B-2 Spriit ) في بريطانيا، وإن كان ذلك الإجراء خارج منظومة ترسانة حلف الناتو، يُعد خرقًا آخر للاتفاقية، لأنه يقضي عمليًا على الهدف من تلك الاتفاقية، باستبدال الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى الأرضية الأرضية، بمثيلاتها المحمولة جوًا في تلك القاذفات، الأكثر تطورًا وفتكًا. كما أن موسكو تشك في منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية في أوربا، وتجادل: أنه بالإمكان تحويلها إلى أنظمة صواريخ هجومية، تقوم مقام الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، التي نزعتها واشنطن، طبقًا لتلك الاتفاقية. 

 

وكان خيار الكرملين تطوير منظومة أسلحة طويلة المدى، موجهة لأمريكا مباشرةً، مع تبني عقيدة هجومية، هذه المرة، تقترب من عقيدة الضربة الأولى. هذا التطور في العقيدة الاستراتيجية للكرملين التي أفصح عنها الرئيس بوتين ، في خطابه عن حالة الاتحاد، في الأول من مارس الماضي، قرب نهاية فترة حكمه الثالثة ( ١٧ مارس الماضي )، ( الرابعة ) لو اعتبرنا فترة سلفه دميتري ميدفيدف ( ٢٠٠٨ - ٢٠١٢م)، هي بالفعل امتدادًا لعهده، الذي بدأ ببداية الألفية الحالية، ينذر بتطور نوعي في نظام توازن الرعب النووي، الذي ساد العالم لأكثر من سبعة عقود، ظن العالم خلالها أنه من المستحيل شن حرب كونية ثالثة، نووية هذه المرة. 

 

لم يعلن بوتين، عن حرب باردة جديدة، مع الغرب. بالعكس: حذّر العالم من مغبة عدم فهم استراتيجية موسكو غير التقليدية.. محذرًا من احتمال فهم الغرب الخاطئ منها بأنها عودة لنظام الحرب الباردة. لأول مرة، تعلن موسكو، أنها لن تتردد في استخدام إمكاناتها الاستراتيجية غير التقليدية، ليس فقط دفاعًا عن أمن روسيا القومي، فحسب كما كان الأمر أثناء الحرب الباردة. بل أن موسكو سوف تبادر بوضع إمكاناتها الجبارة الجديدة، في حالة: تهديد أمن أيٍ من حلفائها.. أو عرقلة محاولات نزعة موسكو الإمبريالية التوسعية خارج مجال أمنها القومي التقليدي، في مناطق من العالم ترى موسكو أنها امتداد لأمنها القومي، مثل منطقة الشرق الأوسط، كما يحدث في سوريا.

 

ليس ذلك، فحسب، بل أن بوتين حذّر واشنطن، من أي محاولة منها لاستخدام إمكاناتها غير التقليدية، ولو بشكل محدود، في أي بقعة من العالم، دون أن تضع في حسبانها إمكانات روسيا الجبارة، التي تتمتع حاليًا بإمكانات ردع هجومية. هنا الرئيس بوتين يشير إلى ما تفكر فيه واشنطن من احتمال استخدامها للأسلحة النووية، بشكل محدود، للتعامل مع كوريا الشمالية. 

 

سباق تسلح جديد، باحتمالات المواجهة النووية

 

صحيح، كما ردت أمريكا باسم البنتاغون (دانا وايت)، من أن منظومة الأسلحة الاستراتيجية غير التقليدية، التي أعلن عنها الرئيس بوتين في خطابه الأخير، من شأنها أن تزعزع استقرار العالم، وإن كشفت، في محاولة لطمأنة الشعب الأمريكي، أن واشنطن على علم بها.. ولديها من الإمكانات الاستراتيجية الكفيلة بردعها، وإعادة التوازن الاستراتيجي للعالم، من جديد. إلا أنه في أفضل الحالات، لو استبعدنا إمكانية ما يهدد بوتين، من احتمال حدوث مواجهة نووية، في أول تحد عملي لنظام توازن الرعب النووي منذ نشأته، فإن هذا التطور من شأنه زعزعة استقرار النظام الدولي، ببدء سباق تسلح استراتيجي، مكلف وغير مستقر بين قطبي النظام الدولي، يقوم على قواعد جديدة للصراع بينهما، يستند إلى عقيدة الضربة الأولى، وليس كما كان الأمر في الماضي، على عقيدة الضربة الثانية. 

 

هنا: لم يفت بوتين، الإعلان، ولو بصورة غير مباشرة، أن روسيا عازمة على الاستمرار في أي شكل من أشكال سباق التسلح النووي، مهما بلغت تكلفته وتعقيداته، ولن تكرر تجربة الاتحاد السوفيتي في هذا المجال، الذي انهار من داخله، بسبب إصابته بالإعياء جراء عدم قدرته على اللحاق بأمريكا، في لعبة سباق التسلح المنهكة والباهظة التكلفة. بوتين، حذّر الغرب: أن عليه أن يعي أنه يواجه، هذه المرة، دولة عظمى من الدرجة الأولى.. وأن عليه: احترام تطلعها للمنافسة على مكانة الهيمنة.. وألا يتمادى في استمراء محاولاته للضغط على روسيا عسكريًا بالاقتراب من حدودها الإقليمية.. أو استمراء اللجوء لخيار المقاطعة الاقتصادية للضغط عليها اقتصاديًا.

 

روسيا كما يزعم بوتن: أضحت دولة قوية وغنية معًا، وإن كانت أولوياتها، في المرحلة الماضية من حكمه استراتيجية، فإن الأحوال الاقتصادية للشعب الروسي، في المرحلة القادمة ستتحسن كثيرًا، بزيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي ١.٥ مرة خلال العقد القادم.. وزيادة متوسط عمر الفرد في روسيا إلى ٨٠ عامًا، أسوة بما هو حادث في الدول المتقدمة، وذلك بمضاعفة الإنفاق على الصحة لتصل في فترة رئاسته الجديدة إلى ٥٪‏ من الناتج الإجمال للبلاد.. وكذلك خفض عدد الروس الذين يعيشون تحت مستوى الفقر، من ٢٠ مليون روسي اليوم، إلى ١٠ ملايين بنهاية فترته الرئاسية الجديدة (٢٠١٨ -٢٠٢٤م).

 

باختصار: بوتين وعد شعبه بتحسن الأحوال الاقتصادية، في فترة رئاسته القادمة، معتذرًا عن حالة التقشف في الفترة الماضية بسبب التركيز على قضايا الدفاع وبناء القوة التي مكنت روسيا من أن تتجاوز مرحلة الردع التقليدية إلى مرحلة القدرة على المواجهة النووية مع الغرب. اقتصاديًا: تتطلع روسيا في فترة رئاسته الجديدة بأن تكون بين الدول الخمس الأغنى في العالم.

 

اقتراب الساعة!

 

قوة جبارة، مع اقتصاد قادر على تحمل تكلفة سباق تسلح غير تقليدي ومكلف مع الغرب، تقودها إرادة سياسية يبدو أنها تغلب خيار الحرب، برفع سقف توقعات كسبها، على حصافة تجنب تبعاتها المهلكة للجميع، تحدد معالم وحدود مذهب بوتين الجديد، بتبني عقيدة الضربة النووية الأولى. معادلة استراتيجية سياسية اقتصادية ينذر بها بوتين النظام الدولي، بلا شك ستقود إلى زعزعة استقرار العالم.. وتزيد من احتمالات المواجهة النووية المنذرة بفناء البشرية، بل وكل أشكال الحياة على وجه الأرض، لأول مرة في تاريخ الحياة على الكوكب الأزرق.

 

ساعة نهاية العالم يكون قد بدأ عدها التنازلي، بخطاب بوتين الأخير الذي يُعد استراتيجيًا من أشراط الساعة الكبرى. العالم بعد خطاب بوتين الأخير، لن يعود مثله قبل ذلك الخطاب. معادلة توازن الرعب النووي التقليدية لم تعد هي التي تتحكم في استقرار العالم.. وعودة عهد الحرب الباردة لا تستطيع أن تفسر سلوك القوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة وروسيا في المرحلة القادمة، مع تزايد احتمالات المواجهة النووية المهلكة بينهما، بزيادة الثقة عند أحدهما أو كليهما، بإمكانية خوض حرب نووية وكسبها.

 

عقيدة الضربة النووية الأولى المتهورة، لا عقيدة الضربة النووية الثانية الحذرة، هي التي ستحدد مصير العالم، في المرحلة القادمة...! ما لم تحدث المعجزة وتنتصر إرادة السلام في ضمير الإنسانية.. وتعود مسيرة حركة التاريخ إلى جادتها السرمدية، التي تسيرها العناية الإلهية، فإن مصير السلام على الأرض، بل والحياة نفسها، مشكوكٌ فيه.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية ـ كلية الاقتصاد والإدارة ـ جامعة الملك عبد العزيز ـ جدة

 

 

 

 

كلمات دليلية