انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتمقالمجزرة النروج تكشف حقيقة ما يتهدد أوروبا

مجزرة النروج تكشف حقيقة ما يتهدد أوروبا

انشأ بتاريخ: الخميس، 01 أيلول/سبتمبر 2011

لم يعد الإرهاب تهمة تلصق فقط بالحركات الأصولية الإسلامية حسب قاموس التصنيفات السياسية والإعلامية الغربية، بل كشفت المجزرة التي ارتكبها النروجي انديرس بيرينغ بريفيك عن وجود أصولية مسيحية متطرفة تنتشر على كامل مساحة القارة الأوروبية وتتأثر أيديولوجياً بحركات صهيونية هدفها محو الإسلام من الوجود في أوروبا حتى وإن تطلب الأمر إعادة إحياء (الحملات الصليبية) أو إعادة بعث ما كان يسمى تاريخياً بـ (فرسان الهيكل). ولقد كشفت الوقائع من خلال التحقيقات الأولية التي تجري بشأن عملية التفجير التي نفذها المواطن النروجي وسط العاصمة أوسلو، ومن ثم الجريمة التي ارتكبها يوم الجمعة في 22/7/2011 في جزيرة (يوتويا) والتي أدت إلى مصرع 76 شخصاً أن هناك مخططاً محبوكاً بشكل دقيق يمتد من النروج وصولاً إلى بريطانيا وأن المسألة ليست مرتبطة بشخص مختل عقلياً كما يحاول أن يروج محامي الدفاع عن بريفيك.

أما القول إن أسباب تصاعد اليمين المتطرف إنما يعود للأوضاع الاقتصادية المتردية التي تمر بها معظم الدول الأوروبية فهو كلام مناقض للواقع لأن النروج دولة ثرية ولا تعاني من إشكاليات مع قضية اندماج المسلمين، وأن أزمتها بالدرجة الأولى هي أزمة هوية ثقافية تطال الشباب خاصة وأن الجزار النروجي ينتمي إلى منظمة (نوردسيك) وهي منظمة قومية متطرفة ومنتشرة في كافة الدول الإسكندينافية الشمالية وعلى علاقة بالمتطرفين المسيحيين. كما أن لدى القاتل ارتباطات بمنظمة (أوقفوا أسلمة أوروبا) النشطة في ألمانيا وبلجيكا وهولندا وبريطانيا والتي تتحرك بشكل علني في بروكسل. ومعلوم أنه تم تأسيس منظمة (أوقفوا أسلمة أوروبا) من قبل شخصين هما (جريفيرز) و(جاش) بهدف (الحيلولة دون أن يصبح الإسلام قوة سياسية مهيمنة في أوروبا). وتقول المنظمة إن عدد أتباعها وصل إلى 30 ألفاً على الفيس بوك. وقال جاش إن المنظمة غير سياسية وتعارض كلاً من الإسلام والنازية.

كشفت مجزرة النروج عن وجود أصولية مسيحية متطرفة تنتشر على كامل مساحة القارة الأوروبية

ويعتبر زعيم الحزب الفلمنكي البلجيكي المتطرف فيلب ديونتر عضواً نشطاً في المنظمة إلى جانب أحزاب من هولندا والنمسا وألمانيا وبريطانيا ودول أوروبا الشرقية. كما يعتبر المليونير البريطاني ألان لايك الممول الرئيسي للتنظيمات المسيحية المتطرفة و(الأب الروحي) لها. وما شعار (الحيلولة دون أن يصبح الإسلام قوة سياسية مهيمنة في أوروبا) إلا الفزاعة التي يستخدمها اليمين المسيحي المتطرف للتخويف من الوجود الإسلامي ولزيادة مساحة انتشاره أفقياً وعامودياً في أوروبا مستفيداً من استغلال الحكومات الأوروبية نفس الشعار من أجل تضييق حريات المسلمين الدينية والاجتماعية. مما يعني أن هناك تواطؤاً بين السياسيين الأوروبيين واليمين المتطرف دون أن تتمكن المؤسسات الاتحادية في بروكسل من التأثير على خيارات هذه الحكومات. ولقد حصل هذا التواطؤ في هولندا والدنمارك والنمسا، كما في بعض الدول الشرقية مثل المجر. والملاحظ أن كل المنظمات اليمينية المسيحية المتطرفة ترفع نفس الشعارات تقريباً والتي تتمحور حول النقاط التالية:

- رفض العولمة.

- الربط بين تراجع مستوى المعيشة وحضور المهاجرين.

- التأكيد على أن الإسلام لا يمكن أن يتعايش مع المجتمعات الغربية وأن المجتمع المتعدد الثقافات هو نوع من الوهم.

يضاف إلى ذلك أن أدبيات هذه المنظمات تبين إلى أي حد أنها مرتبطة بإسرائيل وتدافع عنها وتتبنى سياساتها ومواقفها وتكن العداء للعرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص إضافة إلى عدائها للنازية. وهذا الأمر كان واضحاً في كتابات المجرم النروجي وفي مراسلاته وفي الوثائق التي كان يعمل على تجميعها.

وهذه الثقافة العدائية للعرب والمسلمين ليست وليدة أفكار التنظيمات المتطرفة فقط ولا هي الوحيدة المسؤولة عنها بل تتحمل المسؤولية الرئيسية دوائر القرار السياسي والإعلامي في الغرب عندما بدأت تبث روح الكراهية ضد الإسلام والمسلمين إثر حصول أحداث 11 سبتمبر 2001 دون أي تمييز ما بين إرهابي إسلامي يتستر بالدين لأغراض خاصة به، وما بين عنصر مسلم لا علاقة له ولا لدينه بالإرهاب والعنف والتطرف. وهذا النمط من الثقافة ما زال سارياً حتى الآن بدليل أنه ما إن وقعت مجزرة النروج حتى بادرت بعض وسائل الإعلام الغربية إلى توجيه أصابع الاتهام إلى أطراف إسلامية بحجة أن النروج متورطة في العمليات العسكرية في أفغانستان وليبيا، وأن المجزرة التي وقعت لا بد أن تكون من صنيعة متطرف مسلم.

ولكن سرعان ما اكتشفت دوائر القرار الأوروبي أن من نفذ المجزرة هو نروجي مسيحي. وهنا بدا وكأن أوروبا قد وقعت في إرباك كبير إذ كيف لها أن تواجه مستقبلاً التطرف المسيحي بعد أن كانت كل استعداداتها تنصب على مواجهة التطرف الإسلامي فقط؟ وكيف لها أن تميز المسيحي المتطرف عن المسيحي المعتدل لطالما أنهم جميعاً من نفس الجذور والعرق والدين فيما كان التمييز أسهل في السابق بين المسيحي والمسلم لكون هذا الأخير في أغلب الأحيان لاجئاً أو مهاجراً أو لديه ملامح مختلفة عن المواطن الأصيل. والمشكلة لن تنتهي مع محاكمة بريفيك بل إنها البداية على طريق المواجهة مع الآلاف ممن يعتنقون نفس مبادئ بريفيك، كما أن المشكلة هي كيف ستواجه حكومات يمينية منظمات وأشخاصاً من نفس توجهها الأيديولوجي خاصة أن هذه المنظمات وهؤلاء الأشخاص هم من اوصل هذه الحكومات إلى السلطة؟ والأنكى من ذلك هو أن مجزرة النروج قد بينت أن جذور الأزمة تكمن داخل البنية الاجتماعية الأوروبية التي تتبنى ثقافة رفض الآخر وعدم الاعتراف به والاستعداد إلى حد مواجهته بالعنف وشتى وسائل الإرهاب، فيما كان الخطاب الرسمي الأوروبي في كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفي بعض الدول الإسكندنافية، وغيرها يتذرع بأن المسلم يشكل تهديداً للعلمانية، ولسياسة الاندماج، ولأنه لا يحترم قوانين الهجرة، ولأنه مشروع إرهابي، ولأنه السبب في شيوع البطالة وزيادة التضخم.

فهل تحصد أوروبا الآن نتيجة ما زرعته بيديها من مفاهيم مغلوطة؟ وهل ستدق قضية بريفيك ناقوس الخطر لكي تعيد الحكومات الأوروبية النظر بمشاريعها وسياساتها؟ وهل ستستوعب أوروبا الآن أن الإرهاب لا دين له ولا انتماء؟ وهل يدرك الغرب الآن أن ما حصل في النروج قد أسقط نهائياً نظرية صمويل هانتغتون حول صدام الحضارات؟

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة