;
الصفحة السابقة

العرب: قيم الدولة .. وثقافة القبيلة

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 06 حزيران/يونيو 2018

في أدبيات السياسة العربية المعاصرة، توجد مفردات قد لا تجد لها محاكاة في الثقافات الأخرى. الدول العربية تخاطب بعضها البعض، دبلوماسيًا، بمصطلح الأخوة الخاص والحميم. يُقال، مثلاً: اجتمع الزعيمان العربيان الشقيقان، واجتمع القادة العرب الأشقاء، في قمتهم العربية العاشرة.. انعقدت القمة الخليجية التاسعة في عاصمة الشقيقة الكبرى... وهلم جرا!؟ في أدبيات الدبلوماسية العربية، إذًا: الأشقاء هم الدول العربية، والأصدقاء، هم: الدول الأخرى خارج النظام العربي ومؤسساته الإقليمية،الذين قد تربطهم علاقات (طبيعية متميزة) بالدول العربية، مثل دول منظمة التعاون الإسلامي، ومجموعة عدم الانحياز، والاتحاد الأوروبي. 

إلا أن لغة الدبلوماسية الحميمية هذه، لا يمكن اعتبارها سلوكًا نمطيًا داخل النظام العربي تحكم علاقات أعضائه البينية، أو مؤشرًا واقعيًا للغة الخطاب الدبلوماسي العربي، على مستوى علاقات العرب الإقليمية والدولية. على العكس، في المقابل: عند توتر العلاقات داخل منظومة النظام العربي.. أو خارج منظومة النظام العربي الرسمي، عادةً ما تغيب في الخطاب الدبلوماسي العربي أي إشارة للعلاقات الخاصة، مثل الشقيق أو الصديق... وأحيانًا: يُتجاهل اسم الدولة، ويشار إلى النظام الحاكم (Regime)، فيقال مثلاً: النظام السوري.. النظام العراقي... وإذا خرجنا عن منظومة النظام العربي الرسمي، نقول: النظام الفلاني.. أو ذكر عاصمة الدولة المعنية أو مؤسسة الحكم بها، بصيغة "تهكمية"، فيقال، مثلاً: بكين، الكرملين، البيت الأبيض... الخ.


بينما يُقال: ليس بين الدول صداقات دائمة أو عداوات دائمة، بل مصالح متغيرة، نجد بين الدول العربية في علاقاتها البينية،وكذا في بعض حالات علاقاتها الإقليمية والدولية، منعطفات ملفتة، يمكن أن يُقال: ليس هناك أخوة أو صداقة دائمة، بل علاقات متحولة، تحكمها متطلبات المرحلة وليس المصالح بالضرورة. منذ إنشاء النظام العربي الحديث، بظهور صيغة الدولة القومية الحديثة، نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، عقب الحرب الكونية الأولى، شهدنا مثل تلك التحولات الحادة في لغتها وسلوكها، في السياسة الخارجية للدول العربية، تجاه بعضها البعض، بصورة خاصة، بالرغم من أن النظام العربي شهد أول تجربة تكاملية إقليمية، في العالم، في نظام الأمم المتحدة، عقب الحرب الكونية الثانية، بإنشاء الجامعة العربية.

 

لذا كثيرًا ما يُلاحظ، أنه: في حالة توتر العلاقات وتدهورها بين دولتين عربيتين.. أو بين مجموعتين، من الدول العربية، يطغى أيضًا: الطابع العاطفي، بخلفيته الشخصية بصورة سلبية، يُتناسى معها، ليس فقط مفردات العلاقة الخاصة بين الأشقاء، بل أيضًا: قواعد البروتوكول المرعية في علاقات الدول بعضها البعض، لدرجة عدم التحرج من تكرار عبارات شديدة القسوة تقترب من لغة الخصومة القاسية، وأحيانًا: تقترب من سلوكيات المواجهة القوية. حتى أنه أحيانًا، يطال تدهور العلاقات العربية البينية، الإضرار المباشر، بمصالح الشعوب والصلات التي بينها، مثل: منع السفر.. ومنع التحويلات المالية.. وعرقلة حركة رؤوس الأموال والعمالة! بل وأكثر: قد يصل الخصام بين الدول العربية لتجاهل ذكر الدولة "الشقيقة" وتداول أخبارها، حتى أن الأمر يصل أحيانًا، إلى تجاهل ذكر درجة الحرارة في عاصمة الدولة العربية المتوترة أو مقطوعة العلاقة معها، في نشرات الأخبار!؟

لغة الدبلوماسية هذه الموغلة في شخصنتها، التي تتأرجح من النقيض إلى النقيض، في أي لحظة وأمام أي أزمة، تعتري العلاقات في النظام العربي، كثيرًا ما تطغى على أدبيات العمل الدبلوماسي بين الدول العربية.. وتقفز على اعتبارات قواعد البروتوكول المرعية، التي تحكم علاقات الدول بعضها البعض، لتهذيب سلوكيات الدول على مسرح السياسة الدولية، وتفادي احتمالات تصعيد التوتر، إلى مستويات. ما قبل نشوء الدولة القومية الحديثة، نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر. هذا التطرّف في لغة وسلوكيات السياسة الخارجية للنظام العربي، لأعضائه ومؤسساته أحيانًا قد يمتد إلى علاقات الدول العربية مع الدول الأخرى، بمختلف امتداداتها وتداعياتها الإقليمية والدولية، في خلط مربك بين حالات الصداقة والخصومة والعداء، تجاه الأطراف الإقليمية والدولية!

 

في عرف العلاقات الحديث بين الدول، لا توجد مثل تلك اللغة الدبلوماسية الخاصة، والحميمية أحيانًا، التي قد تتحول إلى نقيضها، دون أية مقدمات موضوعية بالضرورة، كما هو حال الخطاب الدبلوماسي بين الدول العربية.. وكذا، أحيانًا بينها وبين دول العالم، التي تربطها بها جميعًا أو تربط دولة معنية بعينها، علاقات طبيعية وأحيانًا مميزة. بين دول الاتحاد الأوربي، مثلاً: لا توجد عبارات أو اصطلاحات، خارجة عن الأعراف الدبلوماسية المرعية، المبالغة في حميميتها، مثل الدولة الشقيقة.. أو الشقيقة الكبرى، أو الوطن الثاني، التي كثيرًا ما تتردد في الخطاب الدبلوماسي والإعلامي العربي. في تجربة التكامل الإقليمي الحديثة، هناك عبارات أكثر احترافية وموضوعية، تسود الخطاب الدبلوماسي والإعلامي، مثل: العلاقات الثنائية، إذا ما كان الحدث يجمع زعيمين، لمنظمة إقليمية غير عربية، مثل: الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي ومنظمة الآسيان... الخ. أما إذا كانت الاجتماعات لمثل تلك المنظمات التكاملية الإقليمية تُعقد على مستويات القمة، يُقال: اجتمع رؤساء دول الاتحاد الأوروبي.. وعُقد لقاء بين مجموعة العشرين، سواء كانت تلك اللقاءات مجدولة دوريًا، أم منعقدة استثنائيًا. 


من ناحية أخرى: في منطقتنا (إقليميًا) هناك دول غير عربية، ثقافيًا وسياسيًا، بل وحتى أمنيًا، يشكلون خصومًا ومنافسين دوليين للعرب، يزاحمون العرب تاريخيًا على موارد المنطقة وعلى النفوذ الإقليمي فيها، إلا أن هذه العلاقة، ليست بالضرورة تتطور إلى حالة عداء صفرية، كما قد يعتري العلاقات بين الدول العربية نفسها، أحيانًا. إلا أنه في المقابل: هناك دولة، بعينها، تُوْصَفُ من الناحية الاستراتيجية والأمنية، على أنها عدوٌ للعرب، لأسباب موضوعية (تاريخية.. وجغرافية.. وثقافية.. واستراتيجية، وحتى مصيرية وجودية). إسرائيل، من الناحية السياسية والقانونية والدبلوماسية والأمنية والاستراتيجية، في حالة حرب مع معظم الدول العربية.... ولا يمكن اعتبار أن هناك علاقة طبيعية تربطها، مع الدول العربية التي وقعت معها معاهدات سلام.. أو أنشأت معها علاقات دبلوماسية كاملة. تظل إسرائيل عدوةً للعرب، ما ظلت محتلة للأراضي العربية وللقدس.. ومنكرة لحقوق الشعب الفلسطيني.. ومالكة لأسلحة الدمار الشامل، ومتآمرة على مصالح العرب وأمنهم، مع الدول الكبرى الطامعة في أرض العرب وثرواتهم والمعادية لثقافة العرب ودينهم. 

لا يمكن حدوث سلام حقيقي مع عدو، إلا في حالتين هزيمته، في معركة فاصلة.. أو إقناعه بعدم جدوى استمرار حالة العداء معه، برفع مستوى تكلفته عليه، حتى يقدم طائعًا أم كارهًا، على إزالة مسببات ودوافع عدائه. في حالة إسرائيل: حتى لو حدث أن النظام العربي الرسمي طور علاقته معها، مع عدم إزالة مسببات ذلك العداء الاستراتيجية والأمنية والثقافية والجغرافية والتاريخية، فإن السلام لن يتعدى طقوس وشكليات العلاقات (الرسمية) الدبلوماسية (الباردة)، ولن تصل إلى مستوى التطبيع الذي يُقْبِلُ عليه الشعب العربي. ليستمر الصراع، إلى نهايته التاريخية الحتمية.


من أهم أسباب ما يبدو من ضعف كفاءة وفاعلية السياسة الخارجية للدول العربية، مقارنةً بمثيلاتها في المنطقة والعالم، عدم ارتقاء العمل السياسي في الدول العربية إلى مستوى قيم الدولة ومنطقها.. والتمسك، بدلاً عن ذلك، بثقافة القبيلة برومانسيتها وفظاظتها المتطرفة، التي لا تفرق بين منطق السياسة ومنطلقات الساسة. 

كلمات دليلية