انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاص صياغة مقترحة لنظام عربي جديد: 4 تحديات تواجه العمل العربي المشترك

صياغة مقترحة لنظام عربي جديد: 4 تحديات تواجه العمل العربي المشترك

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 06 حزيران/يونيو 2018

درجنا منذ نعومة أظافرنا كأبناء لهذه الأوطان العربية، وكمنتمين لأجيال خلت على أن الانتماء في بلادنا يركن إلى ثلاث دوائر: الأولى عربية، والثانية إسلامية، والثالثة إفريقية أو آسيوية، أو بحر متوسطية، بحكم الثقافة والتأثير والتفاعل مع الأشقاء وأتراحهم، وأفراحهم. ولذا نرى أن تأسيس النظام العربي في إطاره الحالي كان انعكاسًا لتجسيد واقع ومصالح وترابط حقيقي على مدار قرون طويلة، وفي ظل هذا النظام تم تحقيق تقدم وخطوات إيجابية كثيرة مما دفع المشروع الصهيوني لمعاداة ذلك النظام ومحاربته، ومؤخرًا تلقى لطمة كاسحة للنظام العربي حين اندلعت في 2011م، ثورات ما يسمى بالربيع العربي والتي حققت على الأرض كل ما تحدثت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بشأن الفوضى الخلاقة تدثرت بشعارات زائفة براقة.. وكان قد سبق الثورات العربية صدمات زلزلت أيضًا النظام العربي وعرضته للتعثر، بل والشلل الكامل، فلا يمكن أن نتجاهل تأثير اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل وأحاديث التخوين والتطبيع، ثم غزو الكويت الذي شق الصف العربي مجددًا وفتح الباب أمام التدخلات العسكرية الغربية في المنطقة.

جذور المصطلح والنظام

تقاطعت مصالح الشعوب العربية الراغبة في الاستقلال والوحدة (عبرت عنه في ثورات عارمة) مع رؤى بريطانية ساعية لملء الفراغ في منطقة الشرق الأوسط من خلال نظام عربي ومظلة عربية موحدة وهو ما أفصح عنه وزير الخارجية البريطاني إيدن في أكثر من مناسبة كان من بينها قوله عام 1943م "تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمى إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية."

ظهر مصطلح "النظام العربي" أو "النظام الإقليمي العربي" أواسط السبعينات، واستقر بعد صدور كتاب جميل مطر وعلي الدين هلال النظام الإقليمي العربي –دراسة في العلاقات السياسية العربية 1979م.

هناك من يشير للنظام كذلك بمصطلح تكتل ويعرف التكتل بأنه "تجمع عدد من الدول تجمعها روابط خاصة بالجوار الجغرافي أو التماثل الكبير في الظروف الاقتصادية أو الانتماء الحضاري المشترك وهذا التجمع يكون في إطار معين قد يكون اتحادًا أو منظمةً أو سوقًا"، وتم توحيد المناهج التعليمية، وعلى هذا نفترض بداية أن التخلص من جامعة الدول لا يخدم الواقع العربي ولا يحسن منه.

الأصل القانوني:

يمكن القول إن نشأة النظام الإقليمي في العالم ومنها عالمنا العربي ارتبط بمجموعة من الظروف والمتغيرات التاريخية والثقافية والقانونية التي هيأت لمرحلة نشأت الإقليمية وبزوغها كونها واقع فرض نفسه إلى جانب النظام الدولي يعمل من خلاله وبمعيته ومن أجل تعزيز مكانته. لقد تباينت الدراسات القانونية في إطار التنظيم الإقليمي في ظل النظام الدولي واحتلت هذه الدراسات نصيبا لا يستهان فيه من خلال الأطر القانونية لقيامه ونشأته وتعريفه، خاصة في هذا الوقت الذي بدأ الاتجاه القانوني في جزء منه ينادي بالعالمية أو ما يعرف بالحكومة العالمية رافضًا فكرة الإقليمية جملة وتفصيلاً ومفضلاً فكرة عولمة النظام من خلال حكومة عالمية تعمل كل جهدها من أجل القيام بواجباتها تجاه كل دول العالم بلا استثناء، لذلك فقد برزت الإقليمية كنموذج فرض نفسه بقوة لأنه الأساس في التنظيم الدولي، في ظل تحديات شهدها العالم من خلال الحرب الباردة التي لعبت فيها التنظيمات الإقليمية دورًا لا يمكن الاستهانة به أو الاستغناء عنه، فقد كان النظام الدولي قلقًا غير مستقر لذلك فقد غابت الفاعلية القانونية للأمم المتحدة في القيام بواجباتها الدولية إزاء الدول، وهذا جعل الدول العظمى تغادر ميثاق الأمم المتحدة وتلجأ إلى وسائل ذاتية تمثلت في الأحلاف العسكرية التي ربما حلت محل الأمم المتحدة في وقت ما ولكنها لم تلغ دورها أو تهمشها نهائيا. كما برز دور التنظيمات الإقليمية كونها فاعلاً دوليًا أعاد التوازن إلى النظام الدولي في مرحلة لم يشهد بها استقرار من نواحي سياسية وقانونية واقتصادية، هذا التعثر الواضح في ديناميكية النظام الدولي خلق فرصة لا يمكن تعويضها للتنظيم الإقليمي في أن يبرز كمبرر أساسي في عملية تفاعلية كان لها رسم السياسة الدولية فيما بعد حين أنتجت هذه التنظيمات تكتلات واتحادات خرجت إلى النور فيما بعد الحرب الباردة لتفرض نفسها وبقوة في أحقية التعامل الدولي مع الأمم المتحدة والنظام الدولي والقطب الواحد والعولمة وغيرها من الأمور التي حاولت تغييب العنصر الإقليمي وإذابته في تفاعل النظام الدولي برمته.

مرحلة ما قبل جامعة الدول العربية

بعد ظهور التنظيمات العثمانية (1836-1857) ظهرت برجوازية بدأت في أوساطها الدعوات القومية (على غرار ما حدث في أوروبا وفي تركيا أيضًا) فبرزت الدعوة إلى القومية العربية.. وسعت القوى الاستعمارية في المقابل لتحويل الديانة اليهودية إلى قومية لشق صف القومية العربية مبكرًا ووضع محفرًا للغرب وسط الدول العربية يحمي مصالحها، وإذا كانت الإرهاصات كانت قد انطلقت مبكرًا وانعقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م، إلا أن الدول العظمى تجاهلت تلك التحركات ولم تدعمها حتى تم عقد المؤتمر العربي الأول عام 1913م، وتنامت دعوات تعريب الخلافة ووحدة سوريا، والرباط المشرقي، حيث جاء الرد الغربي سريعًا من خلال اتفاق سايكس ــ بيكو الذي تم إبرامه بين إنجلترا وفرنسا عام 1916م، وكشف عنه الثوار الروس عام 1917م، وفي نفس العام تم إصدار وعد بلفور.

يمكن القول أن النظام العربي نشأ نتيجة تفاعل عديد من العوامل تفتقر إليها أنظمة أخرى فالشعوب التي تشكل قاعدة النظام العربي عاشت بصفة دائمة على أرضها لمئات السنين تتحدث اللغة نفسها وتدين غالبيتها بالعقيدة نفسها وفي أغلب الأحيان تخضع لنظام حكم واحد، وبالتالي فإن اختلاط الشعوب وتفاعلها وتوحدها سبق حتى قرار الدول السبع المستقلة التي اتجهت لتأسيس النظام العربي انطلاقًا من مظلة جامعة الدول العربية.

واقع النظام العربي الحالي:

هناك عوامل بعينها يمكن الإشارة إليها كأساس لنجاح النظام وضمان استمراريته على رأسها:

عامل الإقليم، عامل الحضارة، عامل الاستقرار، عامل التكافؤ.

وبالنظر إلى النظام العربي ودون الحاجة لدخول في تفاصيل معقدة ومرهقة سنجد أن العاملين الأخيرين قد تم افتقادهما بشدة على مدار العقود الماضية (خاصة عامل التكافؤ)، وتفاقمت الأمور بشدة منذ عام 2011م، (مما نسف عامل الاستقرار في دول عربية عديدة).

وقد ركز الكتاب الغربيون مثل جريك على أن " افتقار المواطن العربي للأمن العام، وغياب الديمقراطية مقابل اهتمام بأمن النظام، ساهم في تقويض الأنظمة العربية".

وهي مقولة حق يراد بها باطل في كثير من النماذج وتم من خلال وسائل الإعلام التقليدية وعلى مواقع التواصل الترويج لها بشدة، وسط حملات تشويه   .

وكرر باحثون غربيون مقولات مفادها أن "احتياجات الأفراد في دول عربية أصبحت مهددة مقابل أمن الدولة وفي هذا انتهاك للعقد الاجتماعي".

صعوبات وتحديات تواجه جامعة الدول العربية

نظام القطب الواحد

بعد الحرب العالمية الثانية برز نظام القطبين الذي أوجد حالة من التوازن ساهمت في تنامي وتدعيم النظام العربي مرتكزًا لتعاون مع دول عدم الانحياز يقود لحماية مصالح العالم الثالث، ورغبه الدول النامية في التطور والتقدم. وقد ساهم نظام القطب الواحد كثيرًا في ضعف النظام العربي.

التخريب الخارجي:

لعبت أطراف عديدة أدوار تخريبية ساهمت في تزعزع الأوضاع الداخلية في العديد من البلدان وإتاحة الفرصة لإسرائيل ولتركيا، بل ولإيران تعزيز نفوذها على الأرض في أكثر من بلد عربي.

استغلال الدين لضرب النظام العربي:

فجأة وبتشجيع من قوى دولية وإقليمية عديدة، وخصوصًا من دول أعضاء في النظام العربي، عادت رياح الدين تهب في دول بدت وكأنها حققت التوازن الملائم بين دور الدين في السياسة من ناحية، ودور الولاءات القومية من ناحية أخرى. ونرى أن هذه القوى الغربية وزبائنها في الشرق الأوسط أخطؤواخطًأ جسيمًا ً، إذ إنه بعد ثلاثين عامًا من إقرار سياسة "إدخال الدين" إلى السياسة في الشرق الأوسط لا يزال البحث جاريًا، بتكلفة باهظة وتضحيات جسيمة، عن "اعتدال ديني لا يتطرف بعد حين."

الجمود الفكري وتعثر تفعيل المشاريع الإصلاحية:

يرى زكي نجيب محمود أن عدم التطور الفكري العربي والجمود المسيطر على الذهنية العربية والمشهد الثقافي كان من بين عوامل التدهور فيقول: "من العوامل المعوقة أن يكون للسلف كل هذا الضغط الفكري علينا، فنميل إلى الدوران فيما قالوه وما أعادوه ألف ألف مرة – لا أقول إنهم أعادوه بصور مختلفة، بل أعادوه بصورة واحدة تتكرر في مؤلفات كثيرة، فكلما مات مؤلف لبس ثوبه مؤلف آخر، وأطلق على مؤلفه اسمًا جديدًا – فظن أن الطعام الواحد يصبح أطعمة كثيرة إذا تعددت له الأسماء".

ومن مظاهر استمرار الاخفاق العربي في مواجهة التحديات:

الفشل في تشكيل قوة عربية مشتركة

فرغم أن هناك توافق على أن هناك مخاطر تستدعي تشكيل قوة عربية مشتركة فإن الخلاف حول بعض التفاصيل جعل القوة العربية المطلوبة في هذه اللحظة الفارقة في المنطقة، بسبب التدخلات الخارجية، والعناصر الإرهابية، غير متاحًا في المدى المنظور.

فبناء على توصية القمة العربية في شرم الشيخ اجتمع عام 2015م، رؤساء أركان الجيوش العربية.. وكان المأمول أن يواجه في المرحلة الأولى "جيش عربي موحد" داعش بما يحقق الأمن القومي العربي، بعد اتخاذ اجراءات عملية على الأرض واعتراف بنواحي الخلل والقصور وعلاجها.

فقد ظهر من المناقشات أنه من الصعب أن تكون تلك القوة تحت مظلة الجامعة العربية، لأن هناك دولا عدة ترفض الفكرة أصلا لاسيما أن هناك دولا مثل قطر والجزائر والسودان لم تخف رفضها للحل العسكري في ليبيا على سبيل المثال.

الفشل في تأسيس محكمة العدل العربية

يعبر المشروع الخاص بتشكيل محكمة عدل عربية عن أبرز جهود التطوير المؤسسي للجامعة العربية على المستوى القانوني. وكان ميثاق الجامعة قد نص -على ما تقدم -على جواز تعديله في حالات ثلاث، إحداها تأسيس محكمة عدل عربية. هي نقطة بالغة الأهمية بالنظر إلى أن قيام هذه المحكمة يعالج أحد جوانب القصور الخاصة بوسائل تسوية المنازعات وفى هذا السياق، اتخذت قمة الاسكندرية في عام 1964م، قرارًا بإنشاء المحكمة. وبعد ستة عشر عامًا وتحديدًا في عام 1980م، قرر مجلس الجامعة تشكيل لجنة لوضع النظام الأساسي للمحكمة. وبالفعل أتمت اللجنة مهمتها في عام 1982م، لكن دون أن تحدد مجالات الولاية الالزامية للمحكمة وبالتالي ونزولا على قرار قمة فاس في عام 1982م، تشكلت لجنة أخرى قامت بإعداد مشروع عرض على مجلس الجامعة بعد فترة طويلة، وتحديدًا في عام 1994م، وفي عام 1995م، تم تحويل المشروع إلى اللجنة القانونية الدائمة التي انكبت على صياغة مشروع متكامل، تلك أهم عناصره الأساسية:

ووفقًا للمشروع تتشكل المحكمة من سبعة قضاة بالانتخاب السري لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، مع تغيير ثلاثة منهم. يتم تحديدهم عن طريق القرعة كل ثلاثة أعوام. وتختص المحكمة بالفصل في المنازعات التي تحيلها لها أطرافها، أو تنص على إحالتها لها اتفاقيات ثنائية أو متعددة، أو تصرح الدول بولاية المحكمة عليها دون حاجة لاتفاق خاص. وتحكم المحكمة وفق مبادئ ميثاق الجامعة العربية وبمقتضى قواعد القانون الدولي، كما تراعى المصادر الأخرى بموافقة الأطراف.

وينتظر المشروع إقرار الدول الأعضاء بنوده حتى يصبح ساري المفعول.

الخلاصة في ضوء ما تقدم والتي يمكن أن تقود إليها مناقشات القوة العربية، ومحكمة العدل العربية أنها أفكار يرى البعض أنها على المستوى النظري أفكار جيدة، قد تعيد التضامن للجسد العربي، وتصبح أحد أسلحة الردع المطلوبة، والفصل القانوني الحاسم للعديد من الملفات والقضايا، لكن يبقى الخوف من تحول المشروع لورقة تفتح بابًا جديدًا للمشكلات والأزمات، بما يؤثر على الكيان التقليدي للجامعة العربية، مما جمد الفكرتين ومنع خروجهما للنور حتى الآن.

ثالثا الصيغة المثلى للنظام العربي الجديد (بدائل النظام العربي الراهن)

إصلاح من الداخل لجامعة الدول العربية:

التساؤل المهم والحيوي في هذا رحلة البحث عن صيغة لإصلاح النظام العربي وإخراجه من مستنقع الشلل والعجز الحاليين، هو تكييف العلاقة بين التنظيم الإقليمي والنظام الدولي هل هي علاقة تكاملية بمعنى أن التنظيم الدولي يعزز من إمكانيات النظام الدولي دون أن يحل محله أم هو منافس للنظام الدولي وبالتالي وجب إحلال أحدهما واختفاء الأخر؟

بالنسبة للموقف القانوني في عملية تنظيم العلاقة فهي واضحة لا لبس فيها من حيث تنظيم العلاقة من خلال المادة (52) في الفقرة (1) من الميثاق التي نظمت هذه العلاقة بالنص على "ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام تنظيمات أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي ما يكون العمل الإقليمي صالحًاً فيها ومناسبًاً ما دامت هذه التنظيمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد "الأمم المتحدة ومبادئها". وأشارت الفقرة الثانية من المادة نفسها إلى "على مجلس الأمن أن يشجع على الاستكثار من الحل السلمي لهذه المنازعات المحلية بطريق هذه التنظيمات الإقليمية أو بواسطة تلك الوكالات الإقليمية بطلب من الدول التي يعنيها الأمر أو بالإحالة عليها من جانب مجلس الأمن" ذلك أن عدد التنظيمات الإقليمية في ظل العالمية في تزايد وليس العكس مما دفع إلى حصول مشكلة قانونية حول كيفية تنظيم العلاقة والتعاون فيما بينها وبين بعضها أو بينها وبين المنظمة الدولية ونقصد هنا الأمم المتحدة وهذا ما جعل مجلس المنظمة عام 1996م، إلى إنشاء لجنة اتفاقيات التجارة الإقليمية، يكون دورها دراسة الترتيبات الإقليمية في ضوء قواعد المنظمة، وتفحص الآثار المتكررة لكل من الترتيبات المتكاملة الإقليمية والمبادرات الرامية إلى مزيد من تحرير التجارة في الإطار المتعدد والعلاقة بينهما. مما يعني أن التحديات التي تواجه النظام المتعدد الأطراف سياسية وليست قانونية، الأمر الذي يوحي بضرورة زيادة مشاركة القيادات السياسية بشكل منتظم بحيث تصبح مشاركتهم مكونًاً رئيسيًاً من مكونات أسلوب عمل المنظمة.

وبالتطبيق على أرض الواقع نجد أن قرارات جامعة الدول العربية بلائحتها الحالة ليست ملزمة مما يستوجب الاصلاح والتعديل، وهو ما طالب به الأمين العام السابق الدكتور نبيل العربي حين ذكر أن موقف الجامعة العربية من مختلف القضايا ما هو إلا انعكاس لمواقف الدول الأعضاء، في حين لا تمتلك الجامعة موقفاً خاصاً بها، مؤكدًاً أن ميثاق الجامعة تم إقراره في الإسكندرية عام 1944م، قبل نشأة الأمم المتحدة، ليجعل من الجامعة تنتمي إلى الجيل الأول من المنظمات الدولية. مع الوضع في الاعتبار أن 99 بالمائة من قرارات المنظمات الدولية لا يتم تنفيذه وهذه ظاهرة عامة، في حين أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بصدد القضايا الدولية الحساسة لا تصدر من الأساس، فيما ظهر جيل جديد من التكتلات الدولية يطلق عليه “جيل الثالث” ومثال له الاتحاد الأوروبي، وهو نموذج مختلف. والخلاصة من وجهة نظر د. نبيل العربي: "إن العرب يشتركون في قواسم اللغة والثقافة، ولكن للأسف لا يشتركون في القواسم السياسية ما يعرقل القدرة على التنفيذ، وتكون دائماً سببا في الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق على القرارات، وهو لا يمثل إنجازًاً حقيقيًاً، ولذا توجد ضرورة لتعديل ميثاق الجامعة العربية ليكون هناك قدر من المسؤولية والمساءلة بالنسبة لقرارات الجامعة".

هذا مع ملاحظة أنه بدون هذا التطوير المقترح والمطروح للدراسة منذ سنوات سيكون لزامًا على القوى الفاعلة العربية أن تقود صيغة جديدة للعمل العربي المشترك كبديل لجامعة الدول العربية. أو قبول الاندماج في المشاريع الشرق أوسطية.. أو التوافق على صيغة انضمام أعضاء مراقبين مثل إثيوبيا، أو جنوب السودان.. وتركيا لطمئنتهم.. وممثلين عن عرب الأهواز، والأكراد. ويكون العربي على هذا النحو بديل المشرقي. للاتفاق على المياه.. وعلى نقاش جاد يعيد حقوق عربية مسلوبة ويحمي المصالح المهددة.

هذا مع ملاحظة أنه يمكن تفعيل صياغة المادة المنظمة لانضمام دولة جديدة على المراقبين فقبول دولة جديدة لا يشترط الإجماع وفقًا للمادة الأولى من الميثاق الذي نص على أن: لكل دولة عربية مستقلة الحق في أن تنضم إلى الجامعة دون أن يقترن ذلك بالتصويت.

ونرى أنه في جميع السيناريوهات المستقبلية سيوضع في عين الاعتبار مدى الحسم في ليبيا، وسوريا واليمن، وكف إيران أذاها في العديد من الملفات العربية والإقليمية، وكذلك احتمالية سقوط نظام الملالي وضرورة مد جسور التواصل والتعاون مع عرب الأهواز، ومراقبة التداعيات السلبية للسنوات الخمس التي سبقت تفجر الثورات العربية وبالتحديد منذ الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006م، حيث شهدت حدوث تحولات ملموسة في التوجهات الاستراتيجية التركية نحو إيران، وكانت القضية الفلسطينية أحد أهم المحددات البارزة في هذه التحولات، لكن عوامل كثيرة أدت مجددًًا إلى حدوث تحولات أخرى جديدة في علاقة تركيا مع القوتين الأخريين من بين هذه العوامل، وربما من أهمها موجة الثورات العربية وعلى الأخص الأزمة السورية التي باعدت كثيرًًا بين تركيا وإيران حيث تدعم تركيا المعارضة وتدفع باتجاه الحسم العسكري استنادًًا إلى ذرائع كثيرة كان آخرها تأكيد مسئولين أتراك استخدام النظام السوري أسلحة كيميائية ضد المعارضة، وهنا جاء الالتقاء التركي مع إسرائيل التي تمارس ضغوطًا شديدة على الرئيس الأمريكي قد يفي بوعوده باستخدام الحل العسكري لإسقاط النظام السوري الذي تجاوز، من وجهة نظرها، "الخط الأحمر" الذي سبق أن حدده الرئيس أوباما وهو: تورط النظام السوري في استخدام أسلحة كيميائية. في حين أن إيران وقفت صامدة إلى جانب النظام السوري وتؤيد الحل السياسي للأزمة استنادًا على بنود مؤتمر جنيف لعام 2012 م، الذي يعطي الأولوية للحل السياسي للأزمة السورية، وتتحدث عن فترة انتقالية وحوار بين الحكم والمعارضة وتأسيس حكومة ذات فاعلية تدير البلاد خلال تلك الفترة الانتقالية.

وعند تقييم أوضاع النظام العربي وإعادة محاولة إعداد مسار إصلاحي له نجد لزامًا علينا أيضًا الدراسة المتعمقة لتأثير التوجه الإسرائيلي نحو تركيا في ظل إدراك إسرائيلي بنُذُر تغيير عميق يحدث في البيئة الإقليمية جراء موجة الثورات العربية وفي السيطرة على التطورات الإقليمية والعالمية، والشعور بفقدان الدور والوظيفة المناطة بها منذ تأسيسها لا سيما بالنسبة للغرب، وخاصة حماية المصالح الغربية والأمريكية على وجه التحديد في المنطقة. وإلى أي حد سوف تأخذ تركيا بهذا التوجه والتورط في حلف إقليمي جديد على حساب توجهاته نحو العالمين العربي والإسلامي. فمن الثابت أن حجم التبادل التجاري الإسرائيلي التركي قد تضاعف أربعة أضعاف في الفترة من 2002 حتى 2017 م، مما يشير إلى علاقات راسخة ومتطورة رغم التصريحات العنترية في كثير من الأحيان من جانب أنقرة ضد إسرائيل.

أن صيغة بروتوكول الإسكندرية عام 1944م، لو تم قبولها، دون تعديلها في الميثاق كانت ستشكل قيودًاً على سياسات الدول الأعضاء في المنظمة، وتعطي الجامعة شّرعية مراجعة تلك السياسات والتدقيق فيها وإخضاعها لتفسيرات مختلفة، وبالتالي يمكن أن تعلي من شأن "القومي" على حساب "القُطري" وهو ما يمكن أن يشكل مصدرًاً للانتقاص من سيادة الدول .

أعطت صيغة البروتوكول الأولوية في أحكامه على غيرها من أحكام الاتفاقيات التي قد تبرمها دولة عضو مع دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها حينما تطلب ألا تتعارض أحكام تلك الاتفاقيات مع نصوص أحكام البروتوكول أو روحه، في حين اكتفى الميثاق بالنص على أن الاتفاقيات التي تعقدها دولة عضو في الجامعة لا تلزم الأعضاء الآخرين ولا تقيدهم

من خلال المقارنة بين منظمة جامعة الدول العربية، وبين العديد من المنظمات الإقليمية الأخرى والمنظمة الدولية "الأمم المتحدة"، يتبين أن هذه المنظمات قامت بذكر أهدافها ومبادئها بشكل واضح وصريح ومتسلسل بعكس جامعة الدول العربية. فأهداف الأخيرة مبهمة لا يمكن استخلاصها إلا من خلال نصوص موادها. إذ أن نشأة الجامعة ذاتها وأسباب نشوئها هي في حد ذاتها ترجمة لبناء فشل الجامعة منذ لحظة ولادته.

مع ملاحظة أنه قد حدث أن بعض الدول التي صوتت لصالح قرار ما لم تلتزم بما

صوتت عليه وتجاهلت الأمر برمته. وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن السبب في

عدم وجود عقوبات تفرض على الدول التي تخلفت عن التزامها بتنفيذ القرار الذي

صوتت لأجله؟ ومن هذه العقوبات المنع من:

التصويت -تخفيض تمثيل الدولة العضو داخل الجامعة -حرمانها من

الحصول على مناصب في الجامعة لمدة ما. إذ أن أصل الحكم أو أي تنظيم

جماعي اجتماعي انصياع الأقلية لإرادة الأكثرية.

ومن الأمثلة على القرارات التي صوتت الدول العربية لأجلها وتخلفت

عن الالتزام بتحقيق ما التزمت به على سبيل المثال لا الحصر:

- معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي صادق عليها مجلس

.١٩٥٠/٤/١٣في الجامعة.

- الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية.

وسعيًا لإصلاح حقيقي نرى دراسة عدم اعتماد قاعدة الإجماع أساسًا للتصويت على القرارات المهمة داخل المنظمة لأن من شأن استمرار الوضع الحالي أن يبقي على إرادات الدول الأعضاء فيها ولا ينال شيئاً من سيادتها واستقلالها. وفي مقابل ذلك فإنه يحول تماماً دون تكون إرادة جماعية واحدة وفعالة خاصة بالمنظمة من شأنها أن تمكنها من الاضطلاع بالوظائف والمهام الموكلة إليها والسير قدمًاً بأعضائها لتحقيق مصالحهم وأهدافهم المشتركة. ولذا يمكن دراسة تعديل قاعدة الإجماع لتصبح أغلبية الثلثين بحيث تنطبق على جميع الدول الأعضاء بحيث يصبح القرار المصوت عليه وفق هذه الأكثرية ملزمًاً للجميع. وعلى من لا يريد تطبيقه من الدول التي صوتت برفضه أن يلتزم بعدم اتخاذ أية أفعال أو إجراءات تهدف إلى عرقلة تنفيذ هذا الاتفاق.

وعلى هذا النحو يتبقى لنا من البدائل النظرية كسيناريو مستقبلي فرضية تبني ألا يكون هناك نظامًا عربيًا على الإطلاق أي الانكفاء على المشاكل الداخلية ومواجهتها انفراديًا أو بتنسيق محدود مع عدد من الدول التي تتوافق سياساتها ورؤاها مع توجهات ورؤى كل دولة على حدة. ولها السيناريو نتائج وخيمة ومن شأنه أن يناقض الحقائق على الأرض ويصطدم بإرادة شعبية ستتشكك في هذا التحول التاريخي إن حدث، وربما تقاومه.

التوصيات:

- تتطلب مواجهة التحديات العربية نظام عربي فاعل يرتكز على الهوية وإرادة الشعوب ومقتضيات التقدم المنشود من خلال الأمن والتطوير وتضافر الجهود على الصعيد الاقتصادي والأمني والثقافي والإعلامي مع الاستفادة من جهود ورؤى المجتمع المدني بجانب العمل الحكومي.

-يجب إعادة النظر في الشراكات الإقليمية العربية والدولية وفق ضوابط يتم التوافق عليها.

-عدم الاستسلام وعدم الانسياق إلى الاعتقاد بأن النظام العربي يتعارض مع المعاصرة وألا يمكن أن تجتمع النار مع الماء في موضع واحد، فالصواب هو أن نستمد من التراث كل ما هو مفيد كقيم الشجاعة والإرادة التي لا تنكسر وإعلاء قيم العمل الجاد الرصين المنظم، مع دمجه بالمعاصرة والتطور.  

- الحرص على إصلاح جامعة الدول العربية ضرورة ماسة ومطلب شعبي.

-يمكن الاستفادة من بروتوكول الإسكندرية (1944م) والعودة إلى بعض نصوصه وروحه، حيث تم إغفاله إلى حد مؤثر عند صياغة الميثاق عام1945م.

- تعديل قاعدة الإجماع لتصبح القرارات ملزمة بأغلبية الثلثين.

- الإسراع بصياغة آلية لحل المنازعات العربية ـ العربية، وتلافي عدم تنفيذ القرارات بشكل ملزم على الرغم من أنها تصدر بالإجماع.

- إحياء فكرة محكمة العدل العربية المطروحة منذ عام 1995م.

- إحياء فكرة القوة العربية المشتركة ليتاح للنظام العربي فرض كلمته والتصدي للمخاطر بشكل سريع

- ضرورة إزالة أسباب توقف حكومات عربية عديدة عن دعم جامعة الدول العربية بالشكل الكاف والفعال.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة